موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
 الآيات (284-286)

ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ

غريب الكلمات:


غُفْرَانَكَ: أي: اغفِر مغفرتَك، أو نسألك مغفرتَك، والمغفرة: هي السَّتر لخَلَّة المسلم وفاقته، وترْك أذيَّته؛ وأصْل الغَفْر: السَّتر، والوقاية [2978] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 354)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/385)، ((المفردات)) للراغب (ص: 609)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 38)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 117). .
أَخْطَأْنَا: فاتَنا الصَّواب، وعدَلنا عنه، وسَهَوْنا، من غير تعمُّد -مِن أخْطأ-، وأمَّا إذا تعمَّد الذَّنب، وأثِم، فهو من خَطِئ لا مِن أخطأ. وقيل: هما بمعنًى واحد [2979] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 215)، ((المفردات)) للراغب (ص: 287)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 297)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 212، 266). .
إِصْرًا: أي: ثقلًا، وأصْل الأصْرِ: عقْدُ الشَّيء، وحبْسُه بقهره، أو الحَبْس والعَطف [2980] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/110)، ((المفردات)) للراغب (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 117). .

المعنى الإجمالي:


إنَّ لله وحْده جلَّ وعلا كلَّ ما في السَّموات والأرض، وهو مُطَّلِعٌ على كلِّ ما فيها، لا يَخْفى عليه شيء من أمور العباد، وسيُحاسِبهم على ما أظْهَروه وما أَسرُّوه في أنفسهم، فيَغفِر بعد المحاسبة لمَن يشاء، ويُعذِّب مَن يشاء، والله تعالى لا يُعجِزه شيء؛ فهو على كلِّ شيء قدير.
ثم يُخبِر تعالى أنَّ رسولَه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ آمَن بما أوحاه الله إليه من الكتاب والسُّنَّة، وكذلك فعَل المؤمنون، فكلٌّ من الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين قد آمن بالله وجميعِ ملائكته وكُتُبِه ورُسُله بلا تفريق بينهم، فلا يؤمنون ببعض ويَكْفرون ببعضٍ، وقال جميع المؤمنين: سَمِعنا قولَ ربِّنا، وقبِلناه، وعمِلنا بمقتضاه، ودَعَوا ربَّهم أن يغفر ذنوبهم، مُعترِفين ومُقرِّين بأنَّ إليه المعاد والمرجع.
ثم امتنَّ الله تعالى على عباده أنه لا يُحمِّل نفسًا فوق طاقتها، فلا يَفرِض عليها من العبادة إلَّا ما كان بمقدورها تحمُّله، ولكل نفْس ما عمِلت من خير، وعليها ما عمِلت من شرٍّ، ثم أمَر عباده أن يَدْعُوه بألَّا يُعاقِبهم عند النِّسيان، أو الخطأ، وألَّا يُحمِّلهم من الأعمال الشَّاقة والثَّقيلة عليهم كما كلَّف بها الأممَ الماضية، وألَّا يُكلِّفهم من الأعمال ما لا يُطِيقون القيام به، وأنْ يغفر لهم ويَرْحمهم، فهو وَلِيُّهم وأنْ ينصُرهم على مَن كفَر به عزَّ وجلَّ.

تفسير الآيات:


لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لما ضمَّن الله تعالى هذه السُّورة أكثرَ عِلم الأصول والفروع من: دلائل التَّوحيد، والنُّبوة، والمعاد، والصَّلاة، والزَّكاة، والقِصاص، والصَّوم، والحجِّ، والجهاد، والحيض، والطَّلاق، والعِدَّة، والخُلْع، والإيلاء، والرَّضاعة، والرِّبا، والبيع، وكيفيَّة المُداينة، ناسَب تكليفه إيَّانا بهذه الشرائع أن يذكُر أنَّه تعالى مالكٌ لِمَا في السَّموات وما في الأرض؛ فهو يُلزِم مَن شاء من مملوكاته بما شاء من تعبُّداته وتكليفاته، ولَمَّا كان محل اعتقاد هذه التكاليف هو الأنفُس، وما تنطوي عليه من النيَّات، وثواب مُلتزِمها وعقاب تارِكها إنما يَظهَر في الدَّار الآخرة- نبَّه على صفة العلم التي بها تقَعُ المحاسبةُ في الدَّار الآخرة [2981] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/749). وذكَر أيضًا: أنَّه لَمَّا ذكر الله تعالى أنَّ مَن كتَم الشهادة فإنَّ قلبَه آثم، ذكر ما انطوى عليه الضمير، فكتَمَه أو أبداه؛ فإنَّ الله يحاسبه به، ففيه وعيدٌ وتهديدٌ لمن كتَم الشهادة، ولَمَّا علَّق الإثم بالقلب ذكَر هنا الأنفُس، فقال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ. وقال الرازي: (عبَّر [أي: في هذه الآية] عن كمال العلم المحيط بالكليَّات والجزئيات بقوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، وإذا حصَل كمال القدرة والعلم، فكان كلُّ مَن في السموات والأرض عبيدًا مربوبين، وُجدوا بتخليقه وتكوينه، كان ذلك غايةَ الوعد للمطيعين، ونهايةَ الوعيد للمذنبين؛ فلهذا السبب ختَم الله هذه السورةَ بهذه الآية). ((تفسير الرازي)) (7/102). ، فقال:
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله.
أي: إنَّ لله تعالى وحده ما في السَّموات والأرض وما بَينهما، خَلْقًا ومُلْكًا وتدبيرًا، وهو المُطَّلِع على مَنْ فيهما، لا يَخفى عليه شيء مُطلَقًا، وسيُطْلِعهم على وجه المحاسبة على إظهارِ ما انطوت عليه نفوسُهم، أو إضماره، ممَّا استقرَّ فيها وثبَت، من الكُفْر والنِّفاق، أو من الأوصاف السيِّئة التي تتَّصِف بها، أو من العزائم المصمِّمة على ارتكاب معصية [2982] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/127-128، 143-144)، ((تفسير ابن كثير)) (1/728)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120، 961)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/433). قال ابن جرير: (أَوْلى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول مَن قال: إنَّها مُحكَمة وليست بمنسوخةٍ) ((تفسير ابن جرير)) (5/143). وقال النَّحَّاس: (هذا لا يجوز أن يقَع فيه نسخٌ؛ لأنَّه خبر) ((الناسخ والمنسوخ)) (ص: 66). وقال ابن رجب: (لَمَّا نزل قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية التي بعدها، وفيها قوله: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقة لهم به، فهو غير مؤاخذ له، ولا مكلَّف به، وقد سمَّى ابن عبَّاس وغيره ذلك نسخًا، ومرادهم أنَّ هذه الآية أزالت الإيهامَ الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبيَّنت أنَّ المراد بالآية الأولى: العزائم المصمَّم عليها، ومثل هذا البيان كان السَّلف يُسمُّونه نسخًا) ((جامع العلوم والحكم)) (2/324)، ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/389-390). وقال ابن عاشور: (أحسنُ كلام فيه ما يأتلِف مِن كلامَي المازريِّ وعِياض، في ((شرحيهما لصحيح مسلم))، وهو- مع زيادة بيان-: أنَّ ما يخطر في النفس إنْ كان مجرَّد خاطر وتَردُّد من غير عزم، فلا خلافَ في عدم المؤاخذة به؛ إذ لا طاقة للمكلَّف بصرفه عنه، وهو موردُ حديث التجاوز للأمَّة عمَّا حدَّثت به أنفُسَها، وإنْ كان قد جاش في النفس عزم، فإمَّا أن يكون من الخواطر التي تترتب عليها أفعال بدنيَّة أو لا، فإنْ كان من الخواطر التي لا تترتَّب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكُفْر، والحسد، فلا خِلافَ في المؤاخذة به؛ لأنَّ ممَّا يدخل في طَوقِ المكلَّف أن يَصرِفه عن نفْسه، وإنْ كان من الخواطر التي تترتَّب عليها آثارٌ في الخارج، فإنْ حصَلت الآثار فقد خرَج من أحوال الخواطر إلى الأفعال، كمَن يَعزِم على السَّرقة فيَسرِق، وإنْ عزم عليه ورجَع عن فِعْله اختيارًا لغير مانع منَعه، فلا خلافَ في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث ((مَن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها، كُتِبت له حَسَنةً))، وإنْ رجَع لمانعٍ قهَره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان، أي: إنَّ قوله تعالى: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، محمولٌ على معنى يُجازيكم، وأنَّه مُجمَل تُبيِّنه موارد الثواب والعقاب في أدلَّة شرعيَّة كثيرة، وإنَّ مَن سمَّى ذلك نَسْخًا من السَّلف، فإنَّما جرَى على تسمية سبقت ضَبْط المصطلحات الأصوليَّة، فأطلق النَّسخ على معنى البيان، وذلك كثير في عبارات المتقدِّمين، وهذه الأحاديث وما دلَّت عليه دلائلُ قواعدِ الشريعة، هي البيانُ لِمَن يشاء في قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/130، 131). وممَّن قال مِن السَّلف: إنَّ الآيةَ مُحكَمة، وليست منسوخة: ابن عبَّاس-في رواية عنه-والربيع، والحسن، والضحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/139)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/574). .
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: فيغفر بعد المحاسبة، لِمَن أتى بأسباب المغفرة فضلًا منه، ويُعاقِب مَن يكفُر به، أو يُصِرُّ على المعاصي، في باطنه أو ظاهره عدلًا منه، فالله تعالى لا يُعجِزه شيءٌ، ومن تَمام قُدْرته محاسبةُ الخلائق، وإيصالُ ما يَستحِقُّونه من الثواب والعقاب [2983] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/145-148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120، 961)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/433). .
عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إنَّ الله تَجاوَز لأُمَّتي ما حدَّثتْ به أنفسَها، ما لم يتكلَّموا، أو يعملوا به )) [2984] رواه مسلم (127). .
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285).
فضْل خواتيم سورة البقرة:
عن عُقْبة بن عمرٍو رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((مَن قرَأ بالآيتَينِ مِن آخِرِ سورةِ البقرةِ في ليلةٍ كفَتاه [2985] كَفَتاه: قيل: كَفَتاه مِن قيامِ تِلك الليلةِ. وقيل: كَفَتاه المكروهَ فيها. ((شرح النووي على مسلم)) (2/152). ) [2986] رواه البخاري (5008). .
وعَن عبدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، قال: (لمَّا أُسْريَ برسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ انتُهيَ بِهِ إلى سِدرةِ المنتَهَى، وَهيَ في السَّماءِ السَّادسةِ، إليها يَنتَهي ما يُعرَج بِهِ منَ الأرضِ، فيُقبَض منها، وإليها ينتَهي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فوقِها فيُقبَضُ منها، قالَ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم: 16]، قال: فَرَاشٌ من ذَهَبٍ، قالَ: فأُعْطيَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ثلاثًا: أُعْطيَ الصَّلواتِ الخمسَ، وأُعْطيَ خواتيمَ سورةِ البقرةِ، وغُفِرَ لِمَن لم يُشرِك باللهِ من أمَّتِهِ شيئًا المُقْحِماتُ [2987] المقحِمات- بكسر الحاء-: هي الذنوب العِظام الكبائر التي تُهلِك أصحابها، وتُورِدهم النار، وتُقحمهم إيَّاها. ((شرح النووي على مسلم)) (3/3). ) [2988] رواه مسلم (173). .
وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال: (بينما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، سمِع نقيضًا من فوقِه، فرفع رأسَه، فقال: هذا بابٌ من السَّماءِ فُتِحَ اليومَ، لم يُفتَح قطُّ إلا اليومَ، فنزل منهُ مَلَكٌ، فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرضِ، لم ينزل قطُّ إلا اليومَ، فسلَّم وقال: أبشِر بنورَينِ أُوتِيتَهما لم يُؤتَهما نبيٌّ قبلك: فاتحةُ الكتابِ، وخواتيمُ سورةِ البقرةِ؛ لن تقرأَ بحرفٍ منهما إلَّا أُعطيتَه )) [2989] رواه مسلم (806). .
وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: لَمَّا نَزلَت على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قالَ: فاشتدَّ ذلك على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتَوْا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فَقالوا: أيْ رسولَ اللهِ، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ؛ الصَّلاةَ والصِّيامَ، والجِهادَ والصَّدقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذه الآيةُ، ولا نُطيقها، قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أتُريدونَ أن تَقولوا كما قالَ أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم: سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللهُ في إثرِها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلمَّا فعَلوا ذلك نسَخها اللهُ تعالى، وأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قالَ: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قال: نعَم )) [2990] رواه مسلم (125). .
عن النُّعمانِ بن بَشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ كتَب كتابًا قبل أن يَخْلُق السَّمواتِ والأرضَ بأَلْفَي عامٍ أَنْزَلَ منه آيتينِ ختَم بهما سورةَ البقرةِ، ولا يُقرأانِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيَقْرَبُها شيطانٌ )) [2991] أخرجه الترمذي (2882)، وأحمد (18438)، والدارمي (3387)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10803). حسَّنه الترمذي، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (3/275)، وجوَّد سنده الشوكاني في ((فتح القدير)) (1/463)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2882). .
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
أنَّه تعالى لَمَّا قال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، بيَّن أنه لا يَخْفى عليه مِن سِرِّنا وجَهْرنا، وباطننا وظاهرنا شيءٌ البتَّة، ثم إنَّه تعالى ذكَر عقيبَ ذلك ما يَجْري مجرى المدحِ لنا والثَّناء علينا، فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ كأنَّه بفضْله يقول: عبدي، أنا وإن كنتُ أعلمُ جميعَ أحوالك، فلا أُظهر من أحوالك، ولا أذكُر منها إلَّا ما يكون مدحًا لك، وثناءً عليك، حتى تعلم أنِّي كما أنا الكامل في المُلْك والعِلْم والقُدرة، فأنا الكامل في الجُودِ والرَّحمة، وفي إظهار الحسنات، وفي السَّتر على السيِّئات.
وأيضًا لَمَّا بيَّن الله تعالى في الآية المتقدِّمة كمالَ الملْك، وكمال العلم، وكمال القُدرة لله تعالى، وذلك يُوجِب كمال صِفات الرُبوبيَّة أَتْبَع ذلك بأنْ بيَّن كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطَّاعة والخضوع لله تعالى، وذلك هو كمالُ العبوديَّة، وإذا ظهَر لنا كمال الرُّبوبيَّة، وقد ظهر منَّا كمال العبوديَّة، فالمرجوُّ من عميم فضْله وإحسانه أنْ يُظهِر يومَ القيامة في حقِّنا كمالَ العناية والرَّحمة والإحسان [2992] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/105، 106). .
المناسبة بين فاتحةِ السُّورة وخاتمتِها:
أنَّ الله تعالى مدَحَ في أوَّل السُّورة المتقين، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وبيَّن في آخرِ السورةِ أنَّ الذين مدَحهم في أولِ السورةِ هم أمةُ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ. وهذا هو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثم قال هاهنا: وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وهو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ وَيُقِيمُونَ الصَّلواة َ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، ثم قال هاهنا: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. وهو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ وَبِالآخِرَة ِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم حكَى عنهم هاهنا كيفيةَ تضرُّعِهم إلى ربِّهم في قولِهم: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا إلى آخِر السُّورة، وهو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ: أولئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فانظرْ كيف حصَلتِ الموافقةُ بينَ أولِ السورةِ وآخرِها [2993] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/111). .
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
أي: آمَن رسولُ الله محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأقرَّ وانقاد لِمَا أُوحي إليه من ربِّه من الكتاب والسُّنة، وكذلك آمن المؤمنون، وكلٌّ من الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام والمؤمنين جميعًا يؤمنون حقًّا بالله تعالى وبجميع ملائكته، وجميع كُتُبه، ويُعلِنون إيمانَهم بجميع رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، دون أيِّ تفريق بين أحدٍ منهم، فلا يؤمنون ببعضٍ، ويَكْفُرون ببعض [2994] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/148-151)، ((تفسير ابن كثير)) (1/736)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120، 961)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/441-446). .
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
أي: قال جميع المؤمنين: سَمِعنا قولَ ربِّنا، وأمْره ونهيه، وفَهِمنا ذلك، فقبِلْناه، وعمِلْنا بما أَمَر، واجتنبْنا ما عنه زجَر، وقالوا: نسألك يا ربَّنا أن تَستُر لنا على الدوام ذنوبَنا، وتتجاوز عن عِقابنا عليها، وأنت يا ربَّنا مَرجِعُنا في كلِّ أمورنا، وإليك مَعادُنا، ومَعاد كلِّ الخلائق فتَجزيهم بما عمِلوا من خيرٍ وشرٍّ [2995] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/151-152)، ((تفسير ابن كثير)) (1/736)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120، 961)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/446). .
لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).
سبب النُّزول:
عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا نَزلَت علَى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قالَ: فاشتدَّ ذلك على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتَوا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فقالوا: أيْ رسولَ الله، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ، والجِهادَ والصَّدَقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذه الآيةُ ولا نُطيقُها، قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أتُريدونَ أنْ تَقولوا كما قال أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم: سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعنا وأطَعْنا، غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المَصيرُ، فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللهُ في إثرِها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلمَّا فعَلوا ذلك نسخَها اللهُ تعالى، وأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قالَ: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قال: نعَم )) [2996] تقدَّم تخريجه (ص: 912). .
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ((لَمَّا نزلت هذِهِ الآيةُ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، قال: دخلَ قلوبَهُم منها شيءٌ لم يدخُل قلوبَهُم من شيءٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قولوا: سَمِعنا وأطَعْنا وسلَّمنا، قالَ: فألقى اللهُ الإيمانَ في قلوبِهِم، فأنزلَ اللهُ تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قالَ: قَد فعلتُ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قالَ: قد فَعلتُ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا، قالَ: قد فَعلتُ )) [2997] رواه مسلم (126). .
لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.
أي: لا يُحمِّل الله تعالى نفسًا فوقَ طاقتِها، فلا يتعبَّدها إلَّا بما يَسَعُها تَحمُّله، فلا يُضيِّق عليها، ولا يُجهِدها بما لا قِبل لها به، وهو وإنْ حاسَب وسأل، لكنَّه لا يُعذِّب بما لا يُمكِن للمرء دفْعُه؛ كوسوسة عَرَضتْ له، أو خَطْرة خطَرتْ بقلبه، ولكلِّ نَفْس ما عمِلتْ من خير، لا يَنقُص منها شيءٌ؛ وعليها ما عمِلتَ من شرٍّ، لا يُزاد عليها شيء [2998] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/152-154)، ((تفسير ابن كثير)) (1/737)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/451-452). قال ابن عطيَّة: (قوله تعالى: لَها مَا كَسَبَتْ يُريد من الحسَنات، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ يريد من السيِّئات؛ قاله السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المفسِّرين، لا خلافَ في ذلك) ((تفسير ابن عطية)) (1/393). .
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
أي: قولوا: يا ربَّنا، لا تُعاقِبْنا إنْ نسِينا القيامَ بفرضٍ، أو تَرْك مُحرَّم، ولا تُعاقِبنا يا ربَّنا، إنْ أخطأنا الصَّوابَ في العمل، جهلًا منَّا بوجْهه الشَّرعي، أو وقَعْنا في معصيتك جهلًا، عن غير قصْدٍ منَّا، بارتكاب نهيك [2999] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/155-157)، ((تفسير ابن كثير)) (1/737)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120-121)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/452). .
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا.
أي: قولوا: يا ربَّنا، لا تُحمِّلنا عهدًا على القيام بأعمالٍ شاقَّةٍ وثقيلةٍ علينا، فنعجِز عن القيام بها، فتَحِلَّ علينا العقوباتُ، كما وقَع لليهود والنصارى وغيرهم ممَّن كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذتْ عليهم العهودُ والمواثيقُ على القيامِ بها، فلم يفعلوا، فعُوقِبوا [3000] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/158، 161)، ((تفسير ابن كثير)) (1/738)، ((تفسير السعدي)) (ص: 121)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/452). .
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.
أي: قولوا أيضًا: يا ربَّنا لا تُكلِّفنا من الأعمال ما لا نُطيق القيامَ به؛ لثِقَل حَمْله علينا، ولا تَبْتلِنا بما لا قِبَل لنا به [3001] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/161-163)، ((تفسير ابن كثير)) (1/738)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/453). .
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.
أي: يا ربَّنا، تَجاوَز عمَّا بيننا وبينك من تقصيرٍ في أداء ما افترضتَه علينا، واستُر علينا فيما بيننا وبين عبادِك، فلا تُظهِرهم على سيِّئاتنا، وتَجاوَز عنها، وجُدْ علينا بالرحمة حتى لا نَقَع في ارتكابِ محظورٍ، أو تَهاوُنٍ في أداء مأمور، ونجِّنا برحمتك من غضبِك وعقابِك [3002] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/164-165)، ((تفسير ابن كثير)) (1/738)، ((تفسير السعدي)) (ص: 121)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/141)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/453). .
أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
أنت وليُّنا وناصِرُنا دون مَن عاداك وكَفَر بك؛ لأنَّا حِزبُك المؤمنون بك، والمُطيعون لك فيما أَمَرتنا ونَهيتنا؛ فبوَلايتِك الخاصَّة انصُرنا على الكافرين، الذين جَحدوا وحدانيتَكَ، وأَشرَكوا معك، وأَنكَروا رسالةَ نبيِّك، وعبدوا غيرَك، وأطاعوا الشَّيطانَ في معصيتِك، واجعل لنا العاقبةَ عليهم في الدُّنيا والآخرة [3003] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/165)، ((تفسير ابن كثير)) (1/738)، ((تفسير السعدي)) (ص: 121)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/453). .

الفوائِد التربويَّة:


1- في قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، تحذيرٌ للعبد مَن أنْ يُخفي في قلبه ما لا يَرضاه الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا علِم بأنَّ الله عالمٌ بما يُبدي وبما يُخفي، فسوف يُراقِب اللهَ سبحانه وتعالى؛ خوفًا مِن أنْ يُحاسَب على ما أخفاه كما يُحاسَب على ما أبداه [3004] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/437).
2- في قوله تعالى: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، دلالةٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يسأل اللهَ سبحانه وتعالى العافيةَ، فلا يُحمِّله ما لا طاقةَ له به؛ ففيه ردٌّ على الصُّوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يَقِيَنا ما يَشُقُّ علينا؛ لأنَّنا عبيدُه، وإذا حصل لنا ما يَشُقُّ، فإنَّنا نَصبِر عليه؛ لنَكسِب أجرًا [3007] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/460). .
3- أنَّه ينبغي للإنسان سؤالُ الله العفوَ؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من تقصيرٍ في المأمورات، فيسأل الله العفوَ عن تقصيره؛ لقوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا، وسؤالُ الله المغفرةَ من ذنوبه التي فعَلها؛ لقوله تعالى: واغْفِرْ لَنَا؛ لأنَّ الإنسانَ إن لم يُغفَر له تراكمتْ عليه الذُّنوبُ، ورانت على قلبه، وربَّما تُوبِقه، وتُهلِكه [3008] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/460). .
4- التوسُّل إلى الله تعالى في الدُّعاء بما يَقتضي الإجابةَ؛ لقوله تعالى: أَنْتَ مَوْلَانَا بعد أنْ ذكَر الدُّعاءَ في قوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا [3009] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/461). .

الفوائد العلمية واللَّطائف:


1- في قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، إثبات صفاتِ الكَمال لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّنا إذا تأمَّلنا في هذا المُلْك الواسع العظيم، وأنه يُدبَّر بانتظام لا مثيلَ له، علِمنا بأنَّ الذي يدبِّره كاملُ الصِّفات؛ فيُؤخَذ منه كل صِفة كمال لله، كالعِلم، والقُدرة، والسَّمع، والبصر، والكلام، والعزَّة، والحِكمة، وغير ذلك من صِفاته عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه لا يُمكِن أن يقومَ بمُلْك هذه الأشياء العظيمة إلَّا من هو مُتَّصِفٌ بصفات الكمال [3010] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/436). .
2- عمومُ عِلْم الله وسَعَته؛ لقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ؛ ولا مُحاسبة إلَّا مِن بعد علمٍ [3011] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/437). .
3- أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُصرِّح بالمعاقبة؛ ولا يَلزَم من المحاسبة المؤاخذةُ؛ لقوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [3012] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/440). .
4- إثبات المشيئة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ؛ ومشيئته تعالى مقرونةٌ بالحِكمة؛ لقوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 30]، وكلُّ شيء أضافه الله إلى مشيئته فهو مقرونٌ بحِكمة؛ لا يَشاءُ شيئًا إلَّا لحِكْمة، أيًّا كان هذا الشَّيء [3013] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/440). .
5- أنَّه بَعدَ المحاسبة إمَّا أنْ يَغفِر الله تعالى للإنسان، وإمَّا أن يُعذِّبه؛ لقوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، فإن كان كافرًا عُذِّب؛ وإنْ كان مُسلِمًا كان تحت المشيئة؛ كما قال تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48] [3014] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/440). .
6- أنَّ المؤمنين تَبَعٌ للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ وَجْه التَّبَعيَّة أنه ذكَر ما آمَن به قبل أن يَذكُر التابعَ- يعني لم يقُل: (آمَن الرسولُ والمؤمنون بما أُنزِل إليه)، وهذا يدلُّ على أنَّهم أتباعٌ للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ، لا يَستقِلُّون بشريعةٍ دونه [3015] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/447). .
7- أنَّه كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان أشدَّ اتِّباعًا له؛ وَجْهه: أنَّه تعالى قال: أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ يعني: والمؤمنون آمَنَوا بما أُنزِل على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ من ربِّه؛ وعليه فكلُّ من كان أقوى إيمانًا كان أشدَّ اتِّباعًا [3016] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/447). .
8- في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ترتيبٌ في غاية الفصاحة؛ لأنَّ الإيمان بالله هو المرتبة الأولى، والإيمان بملائكته هي المرتبة الثانية؛ لأنَّهم كالوسائط بين الله وعباده، والإيمان بالكتُب- الذي هو الوحي الذي يتلقَّنه المَلَك من الله، يُوصِّله إلى البشر- هي المرتبة الثالثة، والإيمان بالرُّسُل الذين يَقتبِسون أنوارَ الوحي؛ فهم متأخِّرون في الدَّرجة عن الكُتُب، وهي المرتبة الرابعة [3017] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/756). .
9- قوله: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا: فيه مناسبةٌ حسنةٌ بتقديم ذكرِ السَّمعِ والطاعةِ على طَلَب الغُفران؛ لأنَّ تقديمَ الوسيلةِ على المسؤول أدْعى إلى الإجابة والقَبُول، والتَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافة إليهم (رَبَّنَا)؛ للمُبالغةِ في التضرُّع والجُؤار [3018] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/276)، ((تفسير القاسمي)) (2/241). .
10- أنَّ للإنسان طاقةً محدودة؛ لقوله تعالى: إِلَّا وُسْعَهَا؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العِلم، والفَهْم، والحِفْظ؛ فيُكلَّف بحسَب طاقته [3019] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/456). .
11- في قوله لَهَا مَا كَسَبَتْ: أنَّ للإنسان ما كسَب دون أن يَنقُص منه شيء، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [3020] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/456). .
12- أنَّ الأعمال الصالحة كَسْب؛ وأنَّ الأعمال السيِّئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: لَهَا، ومن قوله تعالى: عَلَيْهَا؛ فإنَّ (على) ظاهرة في أنها غُرْم؛ واللام ظاهرة في أنَّها كَسْب [3021] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/456). .
13- وفي الإتيان بـكَسَبَ في الخير الدَّال على أنَّ عمل الخير يَحصُل للإنسان بأدنى سعيٍ منه، بل بمُجرَّد نيَّة القلب، وأتى بـاكْتَسَبَ في عملِ الشرِّ؛ للدَّلالة على أنَّ عمل الشرِّ لا يُكتَب على الإنسان حتى يعملَه، ويَحصُل سعيُه [3022] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (1 /120). .
14- رحمة الله سبحانه وتعالى بالخَلْق، حيث علَّمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إيَّاه في قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [3023] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (3/456). .
15- أنَّه ينبغي للإنسان أن يتوسَّل في الدُّعاء بالوصف المناسِب، مِثْل الرُّبوبيَّة- التي بها الخَلْق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثرُ الأدعية في القرآن مصدَّرةً بوصف الرُّبوبيَّة، مِثْل: رَبَّنَا، ومِثْل: رَبِّ [3024] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (3/457). .
16- أنَّ من كان قَبْلنا كانوا مُكلَّفين بأعظمَ ممَّا كُلِّفنا به؛ لقوله تعالى: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [3025] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (3/459). .
17- أَنْتَ مَوْلَانَا، هذه الكلمة تَدلُّ على نهاية الخضوع والتذلُّل، والاعتراف بأنَّه سبحانه هو المتولِّي لكلِّ نِعْمة يَصِلون إليها، وهو المعطِي لكلِّ مَكرُمة يفوزون بها، فلا جَرَم أَظهروا عند الدعاءِ أنَّهم في كونهم مُتكلِّمين على فضْله وإحسانه بمنزلة الطِّفل الذي لا تَتِمُّ مصلحته إلَّا بتدبير قَيِّمِه، والعبد الذي لا يَنتظِم شَمْلُ مهمَّاته إلَّا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قَيُّوم السَّموات والأرض، والقائم بإصلاح مهمَّات الكل، وهو المتولِّي في الحقيقة للكلِّ [3026] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/125). .

 بلاغة الآيات:


1- في قوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... حُسنُ الختام، وحُسن المناسبة؛ لأنَّه سبحانه لَمَّا ذكر أنَّ مَن كتَم الشَّهادة فإنَّ قلبَه آثمٌ، ذكَر ما انطوى عليه الضَّمير، فكتَمَه أو أبداه؛ فإنَّ الله يحاسبه به، ففيه وعيدٌ وتهديد لِمَن كتم الشهادة [3027] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/102-103)، ((تفسير أبي حيان)) (2/749-750). .
وكذا ناسب ذِكر هذه الآية- بما اشتملتْ عليه من تهديد- خاتمةً لهذه السُّورة؛ فلَمَّا جمع في هذه السُّورة أشياءَ كثيرة من أمور التوحيد والنبوَّة والشرائع والتكاليف، كالصَّلاة والزكاة، والصوم والحج، والقصاص والجهاد...إلخ - ختَمها بخلاصة ذلك، وبالأصل الذي يَنبني عليه كلُّ تلك الأمور [3028] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/102-103)، ((تفسير أبي حيان)) (2/749-750). .
وهي تعليلٌ واستدلالٌ على مضمون جملة: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ؛ فإذا كان ذلك تعريضًا بالوعد والوعيد، فقد جاء هذا الكلام تصريحًا واستدلالًا عليه، التصريح في جملة وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، والاستدلال في جملة لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وهي اعتراضٌ بين الجملتين المتعاطفتينِ، أو علَّة لجملة وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ باعتبار إرادة الوعيد والوعد، فالمعنى: أنَّكم عبيدُه، فلا يفوته عملُكم، والجزاء عليه [3029] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/129). .
 2- قوله: وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله؛ فإنَّ كمالَ قُدرته تعالى على جميع الأشياء، مُوجِبٌ لقدرته سبحانه على ما ذُكر من المحاسبة، وما فُرِّع عليه من المغفرة والتعذيب [3030] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/273)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/131). .
3- وقد تَضمَّنت هذه الآية من أنواع الفصاحة، وضروبِ البلاغة أشياء؛ منها:
الطِّباق في قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، والتَّكرار في قوله: مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، حيث كرَّر (ما) الموصولة؛ تنبيهًا وتوكيدًا [3031] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/767). .
توحيد الضمير في آمَنَ مع رجوعه إلى كلِّ المؤمنين؛ لأنَّ المرادَ بيانُ إيمانِ كلِّ فردٍ منهم من غير اعتبار الاجتماعِ، كما اعتُبر ذلك في قوله تعالى وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرينَ، وتغييرُ سبْكِ النَّظم الكريمِ عمَّا قبلَه؛ لتأكيد الإشعارِ بما بين إيمانه صلَّى الله عليه وسلَّم المبنيِّ على المشاهدة والعِيان، وبين إيمانِهم الناشئ عن الحُجَّة والبرهانِ من التفاوت البيِّن، والاختلاف الجليِّ، كأنَّهما مختلفان من كلِّ وجهٍ، حتى في هيئة التركيب الدالِّ عليهما، وما فيه من تكرير الإسناد لِمَا في الحُكم بإيمان كلِّ واحدٍ منهم على الوجْه الآتي من نوعِ خفاءٍ مُحوِجٍ إلى التقوية والتأكيد، أي: كلُّ واحد منهم آمن [3032] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/274). .
4- في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ... فَذْلكةٌ لجميع ذلك المذكور من قبلُ، وللتأكيد عليه، ولتعظيم نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأتْباعه؛ فإنَّه لَمَّا ذكر الله في هذه السُّورة أحكامًا كثيرة، وقصصًا، ختمَها بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ...، والجملة استئناف ابتدائي وُضِعت في هذا الموقِع لمناسبة ما تقدَّم، وهو انتقالٌ مؤذِن بانتهاء السُّورة؛ لأنَّه لَمَّا انتقل من أغراض متناسبة إلى غرَض آخَر: هو كالحاصل، والفذلكة، فقد أشْعَر بأنَّه استوفى تلك الأغراض [3033] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/240)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/131-132). .
 5- قوله: لا نُفرِّق يحتمل الالتفات: بأنْ يكون من مقول قول محذوف دلَّ عليه السِّياق وعُطف (وقالوا) عليه، أو النون فيه للجلالة، أي: آمَنوا في حال أنَّنا أمرناهم بذلك؛ لأنَّنا لا نُفرِّق، فالجملة معترِضة [3034] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/133). .
6- في قوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ تذييلٌ لِمَا قبله، مقرِّر للحاجة إلى المغفرة؛ لأنَّ الرجوع يكون للحسابِ والجزاء [3035] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/276)، ((تفسير القاسمي)) (2/241). .
7- قوله: لَا تُؤَاخِذْنَا، وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا، وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ جاءت هذه الأدعية بصِيغة الجمع وقتَ الدُّعاء؛ لبيان أنَّ قَبول الدعاء عند الاجتماع أكملُ؛ وذلك لأنَّ للهِمم تأثيراتٍ، فإذا اجتمعت الأرواح والدَّواعي على شيء واحد كان حصوله أكملَ، وهذه الأدعية كان المطلوبُ فيها التركَ، فجاءت مقرونةً بلفظ (ربنا). ولم يذكُر لفظ (ربَّنا) في الأدعية التالية لها (واعف - واغفر - وارحمنا - فانصرنا)؛ لأنَّ النِّداء إنما يُحتاج إليه عند البُعد، أمَّا عند القُرب فلا، وإنَّما حذف النِّداء؛ إشعارًا بأنَّ العبد إذا واظب على التضرُّع نال القربَ من الله تعالى، وهذا سرٌّ عظيم يُطَّلع منه على أسرار أُخَر [3036] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/124). .
أو لم يُؤتَ مع هذه الدَّعوات بقوله: رَبَّنا؛ لأنَّه تكرَّر ثلاثَ مرات، والعرب تَكرَهُ تكرير اللَّفظ أكثرَ من ثلاث مرَّات إلَّا في مقام التهويل، أو لأنَّ تلك الدعوات المقترنة بقوله: ربَّنَا فروعٌ لهذه الدعوات الثلاث، فإذا استُجيب تلك، حصَلت إجابة هذه بالأَولى؛ فلمَّا كان تعميمًا بعد تخصيص، كان كأنَّه دعاء واحد [3037] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/141). .
8- قوله: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا فيه التفات [3038] على القول بأنَّ قوله: لَا يُكَلِّفُ اللهُ من جملة دعاء المؤمنين. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاءً لهم على قولهم: سَمِعْنا وَأَطَعْنا؛ وعلى هذا فلا يكون فيه التفاتٌ. ، بالعدول عن الخِطاب إلى الغَيبة بذِكر لفظ الجلالة (الله)؛ وفائدته: إظهار التملُّق بأنَّ له من صِفات العظمة ما يَقتضي العفوَ عن ضَعفهم [3039] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/176)، ((تفسير القاسمي)) (2/242). .
9- قوله: أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا جِيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولًى؛ لأنَّ شأنَ المولى أن ينصُر مولاه، وفي التفريع بالفاء إيذانٌ بتأكيد طلبِ إجابة الدُّعاء بالنصر؛ لأنَّهم جعلوه مرتَّبًا على وصف محقَّق، وهو ولايةُ الله تعالى المؤمنين [3040] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/142). .
10- قوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ بينهما مقابلة؛ فقد طابَق بين (لها) و(عليها)، وبين (كسبت) و(اكتسبت)؛ فالفعل الأوَّل يختصُّ بالخير، والفعل الثاني يختصُّ بالشرِّ؛ فإنَّ في الاكتساب اعتمالًا، والشرُّ تَتشهَّاه النفْس وتَجنح إليه بالطبع، بخلاف الخير [3041] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/332-333)، ((تفسير البيضاوي)) (1/166)، ((تفسير أبي حيان)) (2/762)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/699-700)، ((تفسير القاسمي)) (2/243)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/451). . والمقابلة تُبرز المعنى وتُوضِّحه.
وأيضًا قوله: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ صيغة خبر، والمراد الترغيبُ في المحافظة على مواجب التكليف، والتحذيرُ عن الإخلال بها [3042] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/242). .
12- وفي الآية: حسنُ الختام لهذه السُّورة العظيمة، التي اشتملتْ على العديد من الأحكام، وانطوتْ على التَّشريع والبيان؛ فناسَب أن يتناول ختامها ما ذُكِر فيها [3043] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/451). .