موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (282- 283)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ

غريب الكلمات:


أَجَلٍ: الأجل: غاية الوقتِ المحدَّدة، والمدَّة المضروبة للشيء، يقال: دَينه مؤجَّل، جُعل له أجَل [2878] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/64)، ((المفردات)) للراغب (ص: 65). .
وَلْيُمْلِلِ: من أَمللتُ الكتابَ، أي: أمليتُ على أحدٍ شَيْئًا يكتبُه [2879]  يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (15/254)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/346)، ((المفردات)) للراغب (ص: 777)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (1/251)، ((تفسير الشربيني)) (1/187). .
يَبْخَسْ: أي: يَنقُص، وأصْل البَخْس: نَقْص الشيء على سبيل الظُّلم، والشيء الطَّفيف الناقص [2880] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 504)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/205)، ((المفردات)) للراغب (ص: 110)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 117). .
وتَسْأَمُوا: أي: تَمَلُّوا، وأصْل السَّآمة: الملالة ممَّا يَكْثُر لُبْثه [2881] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 99)، (غريب القرآن)) للسجستاني (1/135)، ((المفردات)) للراغب (ص: 438)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 40). .
أَقْسَطُ: أي أَعدْلُ وأصحُّ، والقِسْط: هو النَّصيب بالعدل كالنَّصَف والنَّصفة، والعدل، ويقال منه: أَقسط يُقسِط [2882] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 348)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 51)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/85)، ((المفردات)) للراغب (ص: 670)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 117، 265). .
وَأَدْنَى: أي: أَقْرَب، والدُّنوُّ: القُرْب بالذَّات، أو بالحُكم، ويُستعمَل في المكان والزَّمان والمنزلة [2883] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 318)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 40)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 77). .
تَرْتَابُوا: تَشُكُّوا؛ فأصلْ الرَّيب: الشكُّ والخوف [2884] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 99)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 136)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/463)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 40)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 117). .
تُدِيرُونَهَا بينكم: أي: تَتبايعونها، أو تتداولونها وتتعاطونها من غير تأجيل، وأصْل الدَّوران: إحداقُ الشَّيء بالشَّيء مِن حَوالَيه [2885] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 99)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/310)، ((المفردات)) للراغب (ص: 322). .
فَرِهَانٌ: جمْع رهْن، وهو ما يُوضَع وثيقةً للدَّين [2886] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 100)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/452)، ((المفردات)) للراغب (ص: 367). ؛ فالرهن: توثقةُ الدَّينِ بعَينٍ يمكنُ استيفاءُ الدَّينِ أو بعضِه منها، أو مِن بعضِها [2887] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/424-426). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأتَانِ:
فرَجُلٌ: مبتدأ. وامرأتانِ: معطوف عليه، والخبر محذوف، والتقدير: فرجلٌ وامرأتانِ يقومانِ مقامَ الرَّجُلين. وقيل: فرجُلٌ خبرٌ، والمبتدأ محذوف، والتقدير: فالشاهد رجلٌ وامرأتان. وقيل غير ذلك [2888] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/144)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/228)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/656). .
2- قوله: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ:
لا يُضارَّ: على قِراءة فتح الرَّاء مع التشديد؛ فلا ناهية جازمة، و(يضارَّ) مضارع مجزوم. وعلى قراءة رَفْع الرَّاء مشدَّدة؛ فلا: نافية لا عملَ لها، ويضارُّ: فعل مضارع لم يدخلْ عليه ناصب ولا جازم فرُفع. ويحتمل في الرَّاء الأُولى منه أن تكونَ مكسورة (يُضارِر) فيكون الفعل مبنيًّا للفاعل، ويكون (كاتبٌ ولا شهيدٌ) فاعلين نُهيَا عن مضارَّة المكتوب له والمشهود له. ويحتمل أن تكون الراء بالفتح (يُضارَر) فيكون الفعل مبنيًّا للمفعول، ويكون (كاتبٌ ولا شَهيد) نائِب الفاعل، والتقدير- قبل البِناء للمفعول -: لا يُضارِرْ أحدٌ الكاتبَ ولا الشَّهيدَ [2889] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/145-146)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/675-676). .
3- قوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
فرهانٌ: مبتدأ، ومقبوضةٌ: نعت، والخبر محذوف، والتقدير: فرهانٌ مقبوضةٌ تَكفي من ذلك. أو خبَر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فالوثيقةُ- أو فالقائم مقامَ ذلك- رِهانٌ مقبوضةٌ. أو مرفوع بفِعل محذوف، أي: فيَكفي عن ذلِك رهانٌ مقبوضةٌ [2890] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/146)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/232)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/678). .

المعنى الإجمالي:


يُرشِد اللهُ عبادَه المؤمنين أنَّهم إذا حصَل بينهم مداينةٌ إلى وقتٍ معلوم، فليُوثِّقوه بالكتابة، وليكن مَن يَكتُب بينهم عارفًا بالكتابة، معروفًا بالعدل والإنصاف، ولا يمتنع مَن يعرف الكتابةَ أن يكتُب بين النَّاس، كما تفضَّل الله عليه بتعليمه، فأمَر بالكتابة، وأنْ يكون من يُملي على الكاتب هو المَدِين، وليَحذَر من عقاب الله في أن يَنقُص صاحبَ الحقِّ شيئًا، وفي حالة كان المَدِين الذي عليه المال جاهلًا، أو لا يُحسِن التصرُّف، أو ضعيفًا لصِغَر أو جنون، أو ليس بمقدوره الإملاءُ لمانعٍ- فلْيَقُم بالإملاء نيابةً عنه مَن يتوَّلى شؤونه، وليتحرَّ الوليُّ الصدقَ، والعدلَ في إملائه. كما أرشد الله عبادَه المؤمنين أن يُشهِدوا شاهدين من الرجال المسلمين العدول، فإنْ لم يكونَا رجُلينِ، فليَشْهَد من الشُّهود المرضيِّين رجلٌ وامرأتان؛ كي تُذكِّر إحداهما الأخرى إنْ وقع منها نسيانٌ، وليس للشُّهداء أن يمتنعوا من تَحمُّل الشهادة أو أدائها إذا دُعُوا إلى ذلك. ويُرشِد الله عباده أيضًا ألا يَمَلُّوا من كتابة كلِّ الدُّيون قليلها وكثيرها إلى وقتها المسمَّى، فإنَّ تقييدَ الدَّين إلى وقته أعدلُ عند الله وأثبت لشهادة الشهود، فلا يقع بينهم خلافٌ؛ لاجتماعهم على ما هو مكتوب، كما أنَّ ذلك أقرب إلى عدم حصول الرِّيبة والتَّنازع، أمَّا إذا كان البائع والمشتري سيَقبِض كلٌّ منهما حقَّه على الفور، فلا حَرَج ولا إثم في تَرْك الكتابة حينها، لكن الإشهاد في حقِّهما مشروع.
ونهى الله تعالى بعد ذلك أهلَ الحقوقِ من الإضرار بالكاتب والشَّاهد على أيِّ نحوٍ كان ذلك الإضرار، كما أنَّ النَّهي عن الإضرار موجَّهٌ إلى الكاتب والشَّاهد ألَّا يَضُرَّا أحدًا من أهل الحقوق بأيِّ شَكْل؛ لأنَّ ذلك الإضرار خروجٌ عن طاعة الله إلى المعصية، ثم أمرهم الله بتقواه، وأَخبَرهم أنه يُعلِّمهم، والله بكلِّ شيء عليم.
ثم يُرشِد اللهُ عبادَه أنَّهم إنْ كانوا على سفرٍ وتداينوا بدَين إلى وقت معلوم، ولم يجدوا مَن يَكتُب لهم توثيقَ الدَّين ووقَته، فلْيَستبدِلوا بذلك التوثيقِ توثيقًا آخَر، وهو رِهانٌ يَقبِضها الدَّائن تكون عنده حتى يأتيه حقُّه، فإنِ استأمَن الدائنُ المدينَ ورَغِب في أن تكون المداينة بلا رَهْن، فعلى المَدين أن يَرُدَّ الدَّين كاملًا، وليحذر مِن الله أن يُعاقِبه إذا خالَف الأمرَ، وارتكب المنهيَّ عنه في ذلك.
ثم نهى سبحانه عن كِتمان الشَّهادة، وذلك بإنكارها بالكُليِّة، أو بالزِّيادة والنُّقصان فيها، مبيِّنًا جلَّ وعلا أنَّ مَن يَكتُمها فإنَّه فاجرُ القلب، مُكتَسِب للإثم بكِتمانه، والله عليمٌ بكلِّ أعمالِ البشر، يُحصيها ويُجازيهم عليها.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا اهتمَّ القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم، فابتدأ بما به قِوام عامَّتهم من: مواساة الفقير، وإغاثة الملهوف، ووضَّح ذلك بما فيه عِبْرة للمُعتبِر، ثم عطَف عليه التحذير من الرِّبا الذي فيه استغلالٌ للمحتاجين، مع ما في تلك المعاملات من المفاسد- ثلَّث ببيان التَّوثقات الماليَّة من الإشهاد، وما يقوم مَقامَه، وهو الرَّهن والائتمان [2891] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/97). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ.
أي: يا أيُّها المؤمنون، إذا داين بعضُكم بعضًا على أنْ يكون ردُّ الدَّين في وقت معلوم بينكم، فاكتبوه- للتوثُّق والحِفْظ-؛ لكَثْرة النِّسيان، ولوقوع المُغالَطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يَخْشَون الله تعالى، واكتبوه بواسطة كاتب عارِف بكتابة ما يَحصُل به التوثُّق، معروف بالعدل والإنصاف، لا يجورُ في كتابته على أحد، ولا يكتُب إلَّا ما اتَّفقوا عليه من غير زيادة ولا نُقصان، ولا يَميل مع أحدٍ منهم لقَرابة أو غيرها، ولا على أحد لعداوة ونحوها [2892] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/69-72، 76)، ((تفسير ابن كثير)) (1/722-724)، ((تفسير السعدي)) (ص: 118، 959)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/403). .
وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا.
أي: لا ينبغي أن يمتنع مَن يعرف الكتابةَ إذا سُئل أن يكتبَ للنَّاس توثيقَ دُيونهم ووقتَ ردِّها، فكما علَّمه اللهُ ما لم يكن يعلم، فخصَّه بعِلم ذلك، وحرَمه عددًا من خَلْقه، فليُحسِن إلى غيره بأن يُبادِر إلى كتابة ذلك بطريقةٍ مُستوفِية لِمَا ينبغي أنْ تكون عليه.
ولْيُمْللِ المدينُ على الكاتب ما في ذِمَّته من الدَّين، وليَحذَر عقابَ الله تعالى في أن يَنقُص صاحبَ الحقِّ شيئًا من مقداره أو كيفيَّته، أو نوعه أو أَجَله أو غير ذلك من توابِعه [2893] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/76، 77، 81)، ((تفسير ابن كثير)) (1/724)، ((تفسير السعدي)) (ص: 118)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/403-404). .
فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ.
أي: إنْ كان المدينُ- الذي عليه المال- جاهلًا بالصَّواب من الخطأ في الَّذي عليه إملاؤه على الكاتب، أو كان لا يُحسِن التصرُّف، أو ضعيفًا لصِغَره أو جُنونه، أو لا يستطيع الإملالَ لِخَرَسه أو عيِّ لسانه، أو غَيبتِه لسفرٍ أو غيره، فإنَّه ينوبُ عنه في ذلك مَن يتوَّلى شؤونه من أبٍ، أو جدٍّ، أو أخٍ، أو غيرهم، ويَلزَم الوليَّ الإملاءُ بالصِّدق المطابِق للواقع؛ فلا يَزيد، ولا يَنقُص، ولا يَجور على الدائن أو المدين [2894] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/82-84)، ((تفسير ابن كثير)) (1/724)، ((تفسير السعدي)) (ص: 118)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/404-405). .
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
أي: اطْلُبوا أيضًا- لتوثيق حقوقِكم- شهادةَ رَجلين عليها من المسلمين العدول الذين تَرضَونهم، فإنْ لم يكن الشَّاهدان رجُلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان على ذلك؛ كي تُذكِّر إحدى المرأتين الأخرى، إنْ وقع لها نِسيانٌ [2895] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/86-102)، ((تفسير ابن كثير)) (1/724)، ((تفسير السعدي)) (ص: 118، 119، 960)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/405-407). .
وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا.
أي: ليس للشُّهداء أن يَمتنعوا من الإجابة إذا دُعُوا لتحمُّل الشَّهادة أو أدائها [2896] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/100-102)، ((تفسير ابن كثير)) (1/725)، ((تفسير السعدي)) (ص: 960)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/407). .
وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ.
أي: لا تَمَلُّوا- أيُّها الذين تُداينون النَّاس- من كتابة قليل الدَّين أو كثيره إلى أجَله المُسمَّى؛ فإنَّ كتابة ذلك أعدلُ عند الله، وأثبتُ لشهادة الشُّهود؛ فلا يقع بينهم اختلاف في ذلك لاجتماعهم على ما حواه الكتاب، وأَقْربُ إلى عدم وقوع الرِّيبة وحصول التَّنازُع، فلا تَشُكُّون فيما شَهِد به الشهود من الحقِّ والأَجَل.
ولا حَرَج ولا إثم على المُتبايعِينَ منكم في تَرْك كتابةِ ذلك؛ إذا كان كلٌّ من البائع والمشتري، يَقبِض حقَّه فورًا بلا تأخير، فيأخذ المشتري سِلعتَه، ويَقبِض البائعُ أجرَه قبل مُفارَقة بعضهما، فلا حاجةَ لهما حينئذٍ إلى الكتابة والتَّوثيق، لكن الإشهاد على حقِّهما مشروع [2897] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/102-111)، ((تفسير ابن كثير)) (1/725)، ((تفسير السعدي)) (ص: 119، 960)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/408-409، 419). .
وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ.
نهى الله تعالى أهلَ الحقوقِ عَن إيقاع ضررٍ بأيِّ وَجْه من وجوه الضَّرر على كاتبٍ أو شاهِدٍ على حقوقهم، كما لا يَحِلُّ أيضًا لكاتبٍ أو شاهدٍ أن يَضُرَّا أحدًا من أهل الحقوق بأيِّ ضررٍ كان؛ فإنَّ إحداثَ الضرر في ذلك يُعَدُّ خروجًا عن طاعة الله تعالى إلى معصيته [2898] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/117-120)، ((تفسير ابن كثير)) (1/727)، ((تفسير السعدي)) (ص: 960)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/409). .
وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أي: خافوا اللهَ- أيُّها المتداينون- في الكتَّاب والشهود أن تُوقِعوا عليهم ضررًا ما، وراقِبوه في غير ذلك من حدوده فلا تُضيِّعوها، واتَّبِعوا أمرَه، واترُكوا نهيَه، والله تعالى يبيِّن لكم على الدوام أحكامَ شريعته فضلًا منه ونعمةً؛ فهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، وعِلْمه محيطٌ بجميع الكائنات، كما أنَّه لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالكم، فيُحصيها عليكم ويُجازيكم بها [2899] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/120)، ((تفسير ابن عطية)) (1/385)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/118)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/409-410)، ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/727). .
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283).
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.
أي: إنْ كنتم مسافرين وتَداينتُم بدَين إلى أجل مسمًّى، ولم تَعثُروا على كاتب يكتُب لكم توثيقَ الدَّين وأجلَه، فليكُنْ بدلَ الكتابة رِهانٌ يَقبِضها صاحبُ الحقِّ، وتكون وثيقةً عنده حتى يأتيه حقُّه [2900] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/121)، ((تفسير ابن كثير)) (1/727)، ((تفسير السعدي)) (ص: 119، 120)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/424-426). .
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ.
أي: إنْ كان المَدينُ أمينًا عند صاحب الدَّين فوَثِق فيه، وأحبَّ أن يُعامِله من دون رَهْن، فعلى المَدين أن يردَّ إليه دَينَه كاملًا، غيرَ ظالمٍ له، ولا باخس حقَّه، وليَحذَر ربَّه سبحانه، من أن يُعاقِبه لمخالفته أَمْرَه، وارتكابه نَهْيَه في ذلك [2901] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/124-126)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120)، ((تفسير العثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/426). .
وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
أي: لا تُخْفوا- أيُّها الشُّهود- ما شهِدتم به؛ إمَّا بإنكاره بالكُليَّة، أو بالزِّيادة عليه والنُّقصان منه، ولكن أَجيبوا مَن شَهِدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم بالصِّدق؛ لإثبات حقِّه على غريمه، ومَن يَكتُم شهادتَه فإنَّه فاجرٌ قلبه، مُكتسِب بكِتمانه إيَّاها الإثمَ؛ لأنَّ الحقَّ مبنيٌّ عليها ولا يَثبُت بدونها، فكِتمانها من أعظم الذنوب، والله بما تعملون- في شهادتكم من القيام بها، أو كِتمانها عند حاجة مَن استشهَدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها- عليمٌ؛ يُحصي عليكم أعمالَكم ليَجزيكم بها، إمَّا خيرًا، وإمَّا شرًّا على قدْر استحقاقكم [2902] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/126، 127)، ((تفسير ابن كثير)) (1/728)، ((تفسير السعدي)) (ص: 120)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/426-427). .

الفوائِد التربويَّة :


1- أنَّ التزامَ هذه الأحكام الواردة في آية الدَّين من مقتضى الإيمان؛ لأنَّه لا يوجَّه الخطابُ بوصْف إلَّا لِمَن كان هذا الوصف سببًا لقَبُوله ذلك الحُكْم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ... [2903] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/410). .
2- أنَّ مُخالَفة هذه الأحكام نَقْصٌ في الإيمان كأنَّه قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ لإيمانكم افْعَلوا كذا؛ فإنْ لم تفعلوا فإيمانكم ناقِصٌ؛ لأنَّ كلَّ مَن يدَّعي الإيمان، ثم يُخالِف ما يَقتضيه هذا الإيمانُ، فإنَّ دعواه ناقصةٌ؛ إمَّا نقصًا كليًّا، أو نقصًا جزئيًّا [2904] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/410). .
3- وجوب تقوى الله عزَّ وجلَّ على مَن عليه الحقُّ، وأن يتحرَّى العدل؛ لقوله تعالى: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ [2905] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/415). .
4- أنَّه ينبغي للإنسان أن يتجنَّب كلَّ ما يكون له فيه ارتيابٌ وشَكٌّ؛ لقوله تعالى: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [2906] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/418). .

الفوائد العلمية واللَّطائف:


1- العِناية بما ذُكِر من الأحكام في آية الدَّين؛ وذلك لتصدير الحُكْم بالنِّداء، ثم توجيه النِّداء إلى المؤمنين؛ لأنَّ هذا يدلُّ على العناية بهذه الأحكام، وأنَّها جديرة بالاهتمام بها [2907] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/410). .
2- بيان أنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ كما يَعتني بالعبادات- التي هي معاملة الخالق- فإنَّه يَعتني بالمعاملات الدَّائرة بين المخلوقين، والردُّ على الذين يقولون: إنَّ الإسلام ما هو إلَّا أعمال خاصَّة بعبادة الله عزَّ وجلَّ، وبالأحوال الشَّخصية، كالمواريث، وما أَشْبهها [2908] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/410). .
3- أنَّه تَجوزُ جميعُ أنواع المُداينات من سَلَم [2909] وهو تعجيلُ الثَّمن، وتأخير المُثمَن، كأنْ يشتري مِئة صاع من البُر إلى سَنة، ويُعطي الدراهم؛ فيُسمَّى هذا سَلَمًا؛ لأنَّ المشتري أسلمَ الثمن، وقدَّمه. ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/412). وغيره؛ لأنَّ الله أخبر عن المُداينة التي عليها المؤمنون إخبارًا مقرِّرًا لها، ذاكرًا أحكامها، وذلك يدلُّ على الجواز [2910] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
4- وجوب كتابة الدَّين المؤجَّل؛ لقوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ [2911] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/412). .
5- حضور كلٍّ من الدائن والمَدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: بَيْنَكُمْ؛ ولا تتحقَّق البينيَّةُ إلا بحضورهما [2912] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/413). .
6- يُشترط أن يكونَ الكاتب عارفًا بكتابة الوثائق وما يَلزَم فيها كلَّ واحد منهما، وما يَحصُل به التَّوثُّق؛ لأنَّه لا سبيلَ إلى العدل إلَّا بذلك، وهذا مأخوذٌ من قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [2913] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
7- أنَّه يجب على الكاتب أنْ يكتُبَ بالعدل، بحيث لا يُجحِف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و(العدل) هو ما طَابَق الشَّرعَ؛ لقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: 115] [2914] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/413). .
8- أنَّه لا يُشتَرط تعيينُ كاتب للنَّاس بشخصِه، وأنَّ أيَّ كاتب يتَّصِف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابتُه ماضيةٌ نافذة؛ لقوله تعالى: كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ؛ وهي نكرة لا تُفيدُ التعيينَ [2915] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/413). .
9- تذكير الكَتَبة بنِعمة الله، وأنَّ مِن شُكْر نِعمة الله عليهم أن يكتُبوا؛ لقوله تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ [2916] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/414). .
10- أنَّ الإنسان لا يَستقِلُّ بالعِلم؛ لقوله تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ؛ حتى في الأمور الحِسيَّة التي تُدرَك عن طريق النَّظر، أو السَّمع، أو الشَّمِّ، لا يَستطيع الإنسان أن يَعلَمها إلَّا بتعليم الله عزَّ وجلَّ [2917] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/414). .
11- أنَّ الرُّجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيَّته؛ بل في كلِّ ما يتعلَّق به إلى المدَين الذي عليه الحقُّ- لا إلى الدَّائن؛ لقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لأنَّه لو أملى الذي له الحقُّ فربما يَزيد [2918] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/414). .
12- في قوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ دلالةٌ على أنَّ إقرارَ الإنسان على نَفْسه مقبول؛ لأنَّ الله أَمَر مَن عليه الحقُّ أن يُمْلي على الكاتب، فإذا كتب إقرارَه بذلك، ثبَت مُوجبه ومضمونه، وهو ما أقرَّ به على نفْسِه، ولو ادَّعى بعد ذلك غَلَطًا أو سهوًا [2919] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
13- أنَّه ينبغي في مقام التَّحذير أن يُذكَر كلُّ ما يكون به التَّحذير؛ لقوله تعالى: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا؛ ففي مقام الألوهيَّة يتَّخِذ التَّقوى عبادة؛ لأنَّ الألوهيَّة هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهدُه الرُّبوبيَّة؛ لأنَّ الربَّ عزَّ وجلَّ خالقٌ مالِك مُدبِّر [2920] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/415). .
14- أنَّ أسباب القصور ثلاثة: السَّفَه؛ والضَّعف؛ وعدم الاستطاعة؛ فالسَّفَه: ألَّا يُحسِن التَّصرُّف، والضَّعيف: يَشمَل الصَّغير والمجنون؛ ومَن لا يستطيع: يشمل مَن لا يَقدِر على الإملال لخَرَس، أو عِيٍّ، أو نحو ذلك كما في قوله: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ [2921] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/415). .
15- قَبُول قولِ الوليِّ فيما يُقِرُّ به على مولاه؛ لقوله تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ [2922] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/415). .
16- ثُبُوتُ الوَلاية في الأموال؛ لقوله تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ [2923] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
17- أنَّ الحقَّ يكون على الصَّغير والسَّفيه، والمجنون والضَّعيف، لا على وَلِيِّهم، كما قال سبحانه: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ [2924] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
18- أنَّ إقرار الصَّغير والسَّفيه، والمجنون والمعتوه ونحوهم، وتصرُّفهم غير صحيح؛ لأنَّ الله جعَل الإملاءَ لوَلِيِّهم، ولم يجعلْ لهم منه شيئًا؛ لطفًا بهم ورحمة؛ خوفًا مِن إتْلافِ أموالهم، كما قال تعالى: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ [2925] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
19- قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ... الآية، فيه مشروعيَّة تعلُّم الأمور التي يتوثَّق بها المتداينون، كلُّ واحد من صاحبه؛ لأنَّ المقصودَ من ذلك هو التوثُّقُ والعدل، وما لا يتمُّ المشروع إلا به فهو مشروع [2926] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
20- أنَّ تَعلُّم الكتابةِ مشروع، بل هو فَرْض كفاية؛ لأنَّ الله أَمَر بكتابة الدُّيون وغيرها، ولا يَحصُل ذلك إلَّا بالتعلُّم [2927] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
21- أنَّ شهادةَ الصِّبيان غير مقبولة؛ لمفهوم لَفْظ الرَّجُل في قوله: فَرَجُلٌ [2928] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 118). .
22- أنَّ شهادة العبد البالِغ مقبولةٌ كشهادة الحُرِّ؛ لعموم قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ، والعبد البالِغُ من رِجالنا [2929] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 119). .
23- أنَّ شهادة الكُفَّار- ذُكورًا كانوا أو إناثًا- غير مقبولة؛ لأنَّهم ليسوا منَّا، وقد قال الله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ، ولأنَّ مَبنى الشَّهادة على العَدالة، والكفَّار غير عُدول [2930] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 119). .
24- في قوله وَامْرَأَتَانِ فضيلة الرجُل على المرأة، وأنَّ الواحد في مقابلة المرأتين؛ لقوة حِفْظه، ونَقْص حِفْظها، لكن قِصَر حِفْظ المرأة وإدراكها عن حِفْظ الرَّجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يُرَدُّ على ذلك بنبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرِّجال [2931] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/416). .
25- جوازُ شهادة الإنسان فيما نَسِيه إذا ذُكِّر به فذكَر؛ لقوله تعالى: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؛ فإن ذُكِّر ولم يَذكُر، لم يَشهَد [2932] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/416). .
26- تسمية المدعوين شُهداءَ باعتبار الأوَّل القريب، وهو المُشارَفة، وكأنَّ في ذلك نُكْتةً عظيمة: وهي الإيماءُ إلى أنَّهم بمجرِّد دعوتهم إلى الإشهاد، قد تعيَّنت عليهم الإجابةُ، فصاروا شهداءَ [2933] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/112) .
27- أنَّ ما ذُكِر من التوجيهات الإلهيَّة في آية الدَّين فيه ثلاثة فوائد: الأولى: أنَّه أَقْسَط عند الله، أي: أعدل عنده؛ لِمَا فيه من حِفْظ الحقِّ لمن هو له، أو عليه. الثانية: أنَّه أَقومُ للشَّهادة؛ لأنَّه إذا كُتِب لم يَحصُل النِّسيان. الثالثة: أنَّه أَقْربُ لعدم الارتياب [2934] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/417). .
28- في قوله تعالى: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ دلالةٌ على العمل بالكتابة، واعتمادها حُجَّة شرعيَّة إذا كانت من ثِقةٍ معروفٍ خطُّه [2935] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/417). .
29- أنَّ الشَّهاداتِ تتفاوت؛ فمنها الأقوم، ومنها القيِّم، ومنها ما ليس بقيِّم؛ فالذي ليس بقيِّم هو الذي لم تَتِمَّ فيه شروط القَبول؛ والقيِّم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكملَ من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ [2936] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/417). .
30- أنَّ الأصل في التِّجارة الدَّوران؛ لقوله تعالى: تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ [2937] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/419). .
31- أنَّ الإشهاد ينبغي أن يكون حين التَّبايُع؛ بمعنى أنه لا يتقدَّم، ولا يتأخَّر؛ لقوله تعالى: إِذَا تَبَايَعْتُمْ؛ لأنَّ العَقدَ لم يتمَّ إذا كان الإشهاد قَبْله؛ وإذا كان بعده فربَّما يكون المبيعُ قد تغيَّر [2938] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/420). .
32- في قوله تعالى: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ دلالةٌ على أنَّ المضارَّة- سواء وقعتْ من الكاتب، أو الشَّاهد، أو عليهما- فُسُوقٌ؛ والفِسْق يترتَّب عليه زوالُ الولايات العامَّة والخاصَّة إلَّا ما استثُنِي؛ والفاسق يُهجَر؛ إمَّا جوازًا، أو استحبابًا، أو وجوبًا- على حسَب الحال- إنْ كان في الهجرِ إصلاحٌ له [2939] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/420). .
33- أنَّ الأصل في الإنسان الجهل؛ والعلم طارئ عليه؛ لقوله تعالى: وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78] [2940] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/421). .
34- عِناية الله عزَّ وجلَّ بحِفْظ أموال عباده؛ يعني أنَّه سبحانه وتعالى ذكَر حتى هذه الصُّورة: أنَّ الإنسان إذا دَاينَ غيرَه، ولم يجد كاتبًا، فإنَّه يَرتَهِن رَهْنًا؛ حِفْظًا لماله، وخوفًا من النِّزاع والشِّقاق في المستقبل [2941] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/427). .
35- أنَّ بعض العلماء استدلَّ بهذه الآية فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ على لُزومِ القَبْض في الرَّهن [2942] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/428). .
36- أنَّه إذا حصَل الائتمانُ من بعضنا لبعضٍ لم يجب رَهْنٌ، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [2943] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/429). .
37- أنَّه لو تلِفتِ العينُ بيَدِ الأمين، فإنَّه لا ضَمانَ عليه ما لم يتعدَّ، أو يُفرِّط؛ لقوله تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [2944] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/429). .
38- الردُّ على غُلاة القَدَريَّة الذين يقولون: إنَّ الله لا يعلم بأفعال العباد إلَّا إذا وقعت؛ فإنَّ قوله تعالى: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يتضمَّن ما قد عمِلْناه بالفعل، وما سنَعمَله [2945] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/432). .

بلاغة الآيات:


1- في قوله: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ زاد قَيدَ بِدَيْنٍ مع أنَّه مفهوم من قوله: تَدَايَنْتُمْ؛ للتأكيد، وهو إمَّا يكون من باب الإطناب. وإمَّا يكون معادًا للضمير في قوله: فَاكْتُبُوهُ، ولولا ذِكرُه لقال: (فاكْتُبُوا الدَّينَ)، لم يكنِ النظمُ بذلك الحُسن، ولأنَّه أبينُ لتنويع الدَّينِ إلى مؤجَّل وحالٍّ، وليدلَّ على العموم، أي: أيَّ دَين، قليلًا كان أم كثيرًا [2946] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/325)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/98)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/440-442). .
2- قوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فيه التأكيد بـ(مسمًّى)، وليعلم أنَّ مِن حقِّ الأجَل أن يكون معلومًا بالتوقيتِ بالسَّنة والأشهر والأيَّام [2947] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/440-442). .
3- قوله: فَلْيَكْتُبْ تفريعٌ على قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ، وهو تصريحٌ بمقتضى النهي، وتكرير للأمْر في قوله: فَاكْتُبُوهُ؛ إذ يُفيد تأكيد الأمر وتأكيد النَّهي أيضًا، وأُعيد ليرتَّب عليه قوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لبُعد الأمر الأول بما وليه [2948] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/103). .
وفيه تأكيدٌ أيضًا؛ حيث أمَر بالكتابة المُعلَّمة بعدَ النَّهي عن الإِباء عنها تأكيدًا [2949] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/325)، ((تفسير البيضاوي)) (1/162)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/103). .
 4- قوله: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ووَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ فيه تكرار للتأكيد؛ فإنَّه أمَر عند المداينة بالكتابة أولًا، ثم بالإشهاد ثانيًا، ثم أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد، فأمر بالكتابة [2950] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/96). .
- وجاء بصيغة النهي وَلَا يَأْبَ؛ اهتمامًا بما يقع فيه التفريط؛ فإنَّ المتعاقدين يُظنُّ بهما إهمال الإشهاد، فأُمِرَا به، والشهود يُظنُّ بهم الامتناع فنُهوا عنه، وكلٌّ يستلزم ضدَّه [2951] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/112). .
5- التنكير في قوله: كَاتِبٌ للعموم؛ إذ هي نكرة في سياق النَّهي، فتعمُّ [2952] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/724). .
 6- شَهِيدَينِ: التعبير بلفظة (شهيد) التي على صِيغة فعيل؛ للمبالغة في المعنى في تحقُّق الوصف بالاستبصار والخبرة، وهو مَن كثُرت منه الشهادة، وفي ذلك إشارة إلى العدالة؛ لأنَّه لا يتكرَّر ذلك من الشَّخص عند الحُكَّام إلَّا وهو مقبولٌ عندهم [2953] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/727)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/153). .
7-قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ ذكر قوله: كَاتِبٌ للتأكيد؛ إذ قد فُهِم من قوله: فَلْيَكْتُبْ [2954] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/747)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/687)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/101). .
8- قوله: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فيه من البَلاغة: تصوير المُجسَّد الحاكي [2955] المجسَّد الحاكي، أو البيان الحاكي للمعاني: هو التَّصوير بالحركة، أو تشبيه المحسوس بالمعقول، وهو آكدُ في الدَّلالة من البيان القولي الذي تتشكَّل دَلالاته ومعانيه عن طريق التعبير باللُّغة، بسبب ما توفر في ذلك البيان الحاكي من مشاهد متحرِّكة زائدة عن الدَّلالة باللُّغة، يصل بها إلى قِمَّة النفاذ والتأثير في النفس الإنسانية. يُنظر: بحث ((من بلاغة التصوير بالحركة في القرآن الكريم-دراسة في البيان الحاكي)) للدكتور يوسف بن عبد الله الأنصاري. ؛ إذ لفظةُ (بخس)، في الأصل اللُّغوي للعين العوراء، يُقال: بخَسَتْ عينُه، أي: عَوِرت، ولا يَخفى ما في هذا التصويرِ مِن التأكيدِ في الدَّلالة والبيان على مجرَّد البيان القولي [2956] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/440-442). .
قوله: منه فيه إيجازٌ بديع؛ إذ الضمير عائدٌ إلى الحق، وهو حقٌّ لكِلا المتداينين، فإذا بَخَس منه شيئًا أضرَّ بأحدهما لا محالة [2957] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/104). .
9- قوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ... فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فيه تكرار لفظ (الحقُّ)؛ للتأكيد على الدُّعاء إلى اتِّباعه، وأتى بلفظة (على)؛ للإعلام أنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا واستعلاء [2958] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/747-748). .
10- قوله: أنْ يُمِلَّ هُو فيه تأكيد بذِكر الضَّمير (هو) الذي هو تأكيدٌ للضمير المستتر في الفِعل، وفي هذا التوكيد من الفَصاحة ما لا يَخفَى، وفيه التنصيصُ على أنَّه غير مستطيعٍ بنفسه [2959] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/726)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/654)، ((تفسير القاسمي)) (2/235). .
وتأكيد الضَّمير المستتر في فِعل (يملَّ) بالضمير البارز (هو) تمهيدٌ لقوله: فلْيُمْلِل؛ لئلَّا يتوهَّم الناس أنَّ عجزَه يُسقِط عنه واجبَ الإشهاد عليه بما يَستدينه [2960] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/104). .
11- قوله: وَلْيَتَّقِ اللهَ فيه التعبير بالاسم العظيم (الله)؛ ليكون أزجرَ للمأمور، ثم قال: رَبَّه تذكيرًا بأنَّه لإحسانه لا يأمر إلَّا بخير، وترجيةً للعوض في ذلك إذا أدَّى فيه الأمانة في الكمِّ والكيف من الأجَل وغيره؛ وأكَّد ذلك بقوله: وَلَا يَبْخَسْ [2961] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/148). .
12- قوله: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فيه تكرار [2962] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/748). . وإظهار (إحداهما) في مقام الإضمار، وفائدته: قصْد استقلال الجملة بمدلولها؛ كيلَا تحتاج إلى كلام آخَر فيه معاد الضمير لو أُضمر، وذلك يُرشِّح الجملة لأنْ تَجريَ مَجرى المَثَل [2963] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/110-111). .
 وأيضًا قوله: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى تعليلٌ لاعتبار العدَد في النِّساء، والعلةُ في الحقيقة هي التذكيرُ، ولكنَّ الضلالَ لَمَّا كان سببًا له، نُزِّل منزلتَه.
وفي قوله: إحْدَاهُمَا ثانيةً: تأكيدٌ للإبهام، والمبالغة في الاحتراز عن توهُّم اختصاصِ الضَّلال بإحداهما بعينها والتذكير بالأخرى؛ إشارة إلى أنَّهما يتبادلانِ الخطأ والتذكير، والمعنى: أن تضلَّ واحدةٌ منهما؛ فتذكِّر كلُّ واحدة الأُخرى إذا نسيت [2964] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/270)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/112)، ((زهرة التفاسير)) لأبي زهرة (2/1072). .
13- قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فيه تشبيهٌ، أي: كتابة تُشابه الذي علَّمه الله أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة، أو تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافِئِه، والعوض بمعوضه، أي: يكتُب كتابةً تكافئ تعليمَ الله إيَّاه الكتابة، فينفع الناس بها؛ شكرًا على تيسير الله له أسبابَ علمها، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل، كما في قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ [القصص: 77] [2965] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/652)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/102-103). .
14- قوله: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ فيه النَّهي عن شيء، والمراد النَّهي عن أَثرِه، وهو هنا تَرْك الكتابة؛ لأنَّ السَّآمة تَحصُل للنَّفس من غير اختيار، فلا يُنهى عنها في ذاتها، وقيل: السَّآمة هنا كِناية عن الكسلِ والتَّهاون [2966] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/114)، ((قواعد التفسير)) للسبت (2/784). .
قوله: صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا: تقديم الصَّغير على الكبير هنا، مع أنَّ مقتضى الظَّاهر العكس؛ لأنَّه قَصَد هنا إلى التَّنصيص على العموم؛ لدَفْع ما يَطرأ من التوهُّمات في قلَّة الاعتناء بالصَّغير، وهو أكثر، أو اعتقاد عدَم وجوب كتابة الكبير لو اقتصَر في اللَّفظ على الصَّغير [2967] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/114). .
15- في قوله: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَكرَّر لفظة الجلالة (الله) في الجُمَل الثلاث؛ لأنَّ الذِّكر أدخلُ في التعظيم من الكِناية؛ لإدخال الرَّوْع في القلوب، وإحداث المهابة في النفوس، وترسيخ الحُكم في الأذهان، والإشعار بأنَّه تعالى مطَّلع على السرائر، لا تعزُبُ عنه همساتُ القلوب، وخَلجاتُ الضَّمائر [2968] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/165)، ((تفسير أبي حيان)) (2/748)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/159-160)، ((تفسير أبي السعود)) (1/271)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/118-119)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/440-442). .
وفيه غاية المناسبة في ختْم آياتِ هذه المعاملات بصِفة العِلم بعد الأمْر بالتقوى؛ لِما يفعله المتعاملون من الحِيَل التي يجتلب كلٌّ منهم بها الحظَّ لنفسه، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجُمل بأنَّه من علمه وتعليمه، وهذا الخَتْم جامعٌ لبشرى التعليم، ونذارة التهديد [2969] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/159-160). .
16- وفي هذه الآية: إطنابٌ وبسط شديد، وتأكيداتٌ عديدة في حِفظ الأموال في المعاملات؛ حيث قال أولًا: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ثم قال ثانيًا: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ، ثم قال ثالثًا: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ، فكان هذا كالتَّكرار لقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ؛ لأنَّ العدل هو ما علَّمه الله، ثم قال رابعًا: فَلْيَكْتُبْ وهذا إعادة الأمر الأوَّل، ثم قال خامسًا: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وفي قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ كفاية عن قوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لأنَّ الكاتب بالعدل إنَّما يكتُب ما يُملَى عليه. وقال سادسًا: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وهذا تأكيد، ثم قال سابعًا: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فهذا كالمستفادِ من قوله: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ، ثم قال ثامنًا: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، وهو أيضًا تأكيدٌ لِمَا مضى، ثم قال تاسعًا: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا، فذكَر هذه الفوائد الثلاث لتلك التأكيدات السالِفة، وكلُّ ذلك يدلُّ على أنَّه لَمَّا حثَّ على ما يَجري مجرى سبب تنقيص المال في الحُكمين الأولين، بالَغَ في هذا الحُكم في الوصية بحِفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك والبوار؛ ليتمكَّن الإنسانُ بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخطِ الله من الرِّبا وغيره، والمواظبة على تقوى الله؛ فهذا من وجوه محاسنِ النَّظم الشريف ولطافتِه [2970] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/90)، ((تفسير أبي حيان)) (2/748-749). .
17- وفي الآية: إيجاز بالحذف في مواضعَ عديدة؛ في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، حُذِف متعلق الإيمان. وفي قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ، أي: الكتابةَ والخط. وفي قوله: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ، أي: في إملائِه. وفي قوله: سَفِيهًا، أي: في الرأي، أَوْ ضَعِيفًا، أي: في البينة. وفي قوله: مِن رِجَالِكُمْ، أي: المعيَّنين للشهادة المرضيِّين، فَرَجُلٌ، أي: مرضيٌّ، وامْرَأَتَانِ مرضيَّتان، مِن الشُّهَدَاءِ المرضيِّين... إلخ [2971] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/747-748). .
18- وفيها: تلوينُ الخِطاب بالالتفات في مواطِن أيضًا؛ في الانتقال من الحُضور إلى الغَيبة، في قوله: فَاكْتُبُوهُ، وَلْيَكْتُبْ، ومن الغَيبة إلى الحضور في قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ، وَأَشْهِدُوا. ثم انتقل إلى الغَيبة بقوله: وَلَا يُضَارَّ، ثم إلى الحُضور بقوله: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، ثم إلى الغَيبة بقوله: وَمَنْ يَكْتُمْهَا، ثم إلى الحضور بقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ [2972] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/747-748)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/669). .
19- قوله: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيه جمْع ما بين الاسم الجليل، والنَّعت الجميل؛ للمبالغة في التحذير [2973] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/234). ، وهو خبَر، غرَضُه التهديد والتحذير من الإقدام على هذا الكِتمان؛ لأنَّ المكلَّف إذا علِم أنَّه لا يعزُب عن علم الله ضميرُ قلبه، كان خائفًا حذرًا من مخالفة أمر الله تعالى؛ لأنَّ القادر لا يَحُول بينه وبين المؤاخذة إلَّا الجهلُ، فإذا كان عليمًا أقام قسطاسَ الجزاء [2974] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/102)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/128). .
20- في قوله: وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ الجمع بين عنوان الألوهيَّة وصِفة الربوبيَّة، فيه تأكيد، وشدَّة تحذير من المخالفة. وذِكر اسم الجلالة فيه- مع إمكان الاستغناء بقوله: (وَلْيَتَّقِ رَبَّه)-؛ لإدخال الرَّوع في ضمير السَّامع، وتربية المهابة [2975] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/267)، ((تفسير القاسمي)) (2/236)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/125). .
21- قوله: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ... النهي عن كتمان الشهادة كلِّها بعمومه، والتعقيب به بعدَما سبَق من وصاية للشُّهداء، والأمر أن يكتب الشاهد بالعدل، والنهي عن الامتناع من الكتابة بين المتداينين- بمنزلة التذييل لأحكام الشَّهادة في الدَّين [2976] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/125). .
22- قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فائدة ذِكر القلب- مع أنَّ جملة الجَسَد هي الآثمة لا القلب وحْده؛ لأنَّ كتمان الشهادة إثم مُقترَف بالقلب، فأُسند إليه؛ لأنَّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يُعمل بها أبلغُ، ويُقال عند التوكيد: هذا ممَّا أبصرتْه عيني، وممَّا سمعته أُذني [2977] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/329-330)، ((تفسير القاسمي)) (2/237)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/126). .