موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (32- 33)

ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ

غريبُ الكَلِمات:


مَوَالِيَ: أولياء، وهم الورَثة، أو العَصَبة، ويُطلَق المولى على ابنِ العَمِّ والحليف وغير ذلك، وأصل وَلِي: قَرُب يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عُبَيدة (1/124)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 125)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 63)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 875). .
عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ: الأيمانُ: جمعُ يمين، وهو الحَلِف، وعقدُ اليمين: توثيقُها باللَّفظ مع العزمِ عليها، وأصل عقد: يدلُّ على شدٍّ، وشدَّةِ وُثوقٍ يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 576)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 641)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 126)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/86). .

المَعْنى الإجماليُّ:


يَنهى اللهُ عباده عن تمنِّي ما فضَّلَ به بعضَهم على بعضٍ، مخبرًا أنَّ لكلٍّ من الرِّجالِ والنِّساء جزاءً على ما عمِلوه، إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشرٌّ، ثمَّ أرشَدهم إلى ما هو خيرٌ لهم، فأمَرهم أن يسألوا اللهَ من فضلِه ليُعطيَهم، فهو سبحانه بكلِّ شيءٍ عليم.
ثمَّ أخبر تعالى أنَّه قد جعل لكلِّ إنسان عَصَبةً يرِثونه بعد موته، فيقتسمون ما حصَل هو عليه وراثةً من أبيه وأمِّه وأقاربه، والَّذين بينكم وبينهم ولاءُ حِلْفٍ معقودٌ بالأيمانِ المؤكَّدة، فأعطوهم نصيبَهم من الميراثِ، وهذا الحكم قد نُسِخَ. ثم أخبر الله تعالى أنه مُطَّلِعٌ ورقيبٌ على كلِّ شيءٍ.

تفسير الآيات:


وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا نهاهم الله تعالى في الآيةِ المتقدِّمةِ عن أكْلِ الأموال بالباطل، وعن قتلِ النَّفسِ، نهاهم عن تمنِّي ما فضَّل اللهُ به بعضَهم على بعضٍ؛ فإن التَّمنِّيَ يحبِّبُ للمتمنِّي الشَّيءَ الَّذي تمنَّاه، فإذا أحبَّه أتبَعَه نفسَه، فرَامَ تحصيلَه، وافتَتَن به ووقَع في الحسدِ، وإذا وقَع في الحسدِ وقَع لا محالةَ في أخذِ الأموالِ بالباطلِ، وفي قتْل النُّفوس. فلم يكتفِ بالنَّهيِ عن تحصيلِ المالِ بالباطلِ وقتلِ الأنفُس، حتَّى نهى عن السَّببِ المحرِّضِ على ذلك.
وأيضًا فإنَّ أخذَ المالِ بالباطل، وقَتْلَ النَّفس، من أعمالِ الجوارحِ، فأمَر أوَّلًا بتركِهما؛ ليصيرَ الظَّاهرُ طاهرًا عن الأفعالِ القبيحة، ثمَّ أمَر بَعْده بتركِ التَّعرُّضِ لنفوس النَّاسِ وأموالِهم بالقلبِ على سبيل الحسدِ؛ ليصير الباطنُ طاهرًا عن الأخلاقِ الذَّميمةِ، وليوافِقَ العملُ القلبيُّ العملَ الخارجيَّ، فيستويَ الباطنُ والظَّاهرُ في الامتناعِ عن الأفعالِ القبيحةِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/64)، ((تفسير أبي حيان)) (3/616)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/28). .
سَببُ النُّزول:
عن ابن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قال: ((أتت امرأةٌ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا نبيَّ اللهِ، للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيَيْنِ، وشَهادةُ امرأتينِ برجُلٍ، أفنحن في العملِ هكذا؟ إن عمِلَتِ المرأةُ حسنةً كُتِبَت لها نصفَ حسنةٍ! فأنزَل اللهُ: وَلَا تَتَمَنَّوْا... الآية)) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (5223)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (115). وصحَّح إسناده أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/495). .
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
أي: لا تطمَعوا في أمرٍ قد فضَّل اللهُ تعالى به بعضَكم على بعضٍ؛ كالجهادِ والعِلم، والمال، والولد، وغيرِ ذلك من أمور الدِّين أو الدُّنيا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/663)، ((تفسير ابن كثير)) (2/287)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/271). قال ابنُ كثير: (ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: ((لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ مالًا فسلَّطه على هلكتِه في الحقِّ، فيقول رجلٌ: لو أنَّ لي مثل ما لفلانٍ لعملتُ مثلَه. فهما في الأجرِ سواءٌ)) فإنَّ هذا شيء غير ما نهت الآية عنه، وذلك أنَّ الحديث حضَّ على تمنِّي مثلِ نعمةِ هذا، والآية نهت عن تمنِّي عينِ نعمةِ هذا) ((تفسير ابن كثير)) (2/287). وقال ابن رجب في معنى الآية: (فُسِّر ذلك بالحسد، وهو تمني الرجلِ نفسَ ما أُعطي أخوه مِن أهلٍ ومالٍ، وأن ينتقلَ ذلك إليه، وفسِّر بتمنِّي ما هو ممتنعٌ شرعًا أو قدرًا، كتمني النساء أن يكنَّ رجالًا أو يكونَ لهنَّ مثل ما للرجالِ من الفضائل الدينية، كالجهادِ. والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ، ونحو ذلك. وقيل: إنَّ الآية تشملُ ذلك كلَّه) ((جامع العلوم والحكم)) (1/309). .
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
أي: كلٌّ له جزاءٌ على عمله بحسَبِه، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/669)، ((تفسير ابن كثير)) (2/287). .
وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا نهاهم اللهُ تعالى عن تمنِّي ما فضَّل به بعضَهم على بعض؛ لأنَّه أمرٌ محتوم، والتَّمنِّي فيه لا يُجدي شيئًا، أرشَدهم إلى ما يُصلحُهم، فقال يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/287). :
وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
أي: ولكنِ اسألوا الله تعالى من فضله ليُعطيَكم؛ فإنَّه الكريمُ الوهَّاب جلَّ جلالُه يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (1/261)، ((تفسير ابن كثير)) (2/287)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/272- 273). قال ابن عثيمين: (فمثلًا: إذا رأيت شخصًا قد فضلك في المال فلا تتمنى هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وإذا وجدت رجلًا فضلك في العلم فلا تتمنَّ هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله ودع علمه وماله يبقى له) ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/272). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى ذو علمٍ بكلِّ شيء، ومن ذلك علمُهُ بمن يستحقُّ أن يعطيَه من فضلِه، وبمن يستحقُّ الحِرمان؛ وذلك كقَصرِه القتالَ في سبيله على الرجال؛ لعِلمِه بأنَّهم أقدَرُ عليه وأصلَحُ له يُنظر: (تفسير ابن جرير)) (6/671)، ((تفسير ابن كثير)) (2/288)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/9)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/281). .
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لما قال تعالى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، عطف عليها هذه الجملة باعتبار كونِه جامعًا لمعنى النَّهي عن الطَّمعِ في مال صاحب المال، قُصِد منها استكمالُ تبيينِ مَن لهم حقٌّ في المال يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/33). .
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ
أي: قد جعَل اللهُ تعالى لكلِّ واحدٍ منكم أيُّها النَّاسُ عَصَبةً، كإخوتِه وبني عمِّه، يرِثونه ممَّا ورِثه هو مِن أبيه وأمِّه، وسائرِ قَرابتِه يُنظر: (تفسير ابن جرير)) (6/670)، ((تفسير ابن كثير)) (2/288)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/273). .
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
النَّاسخ والمَنسوخ:
قيل: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال: 75]، وهذا قولُ جمهورِ العلماء يُنظر: ((نواسخ القرآن)) لابن الجوزي (2/369). ، وقيل: هي مُحكَمةٌ وممن ذهب إلى أنها محكمة: ابن جرير في ((تفسيره)) (6/673، 686). .
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
قيل: المعنى: وأمَّا الَّذين بينكم وبينهم ولاءُ حِلفٍ معقودٌ بالأيمانِ المؤكَّدة، فأعطوهم نصيبَهم من الميراثِ وهذا اختيار الواحدي في ((التفسير الوسيط)) (2/44)، وابن كثير في ((تفسيره)) (2/288، 292)، وابن عثيمين في ((تفسير سورة النساء)) (1/282). .
وقيل المراد: أعطوهم نصيبَهم من النُّصرةِ والمناصَحةِ، ونحوِ ذلك وهذا اختيار ابن جرير في ((تفسيره)) (6/673، 686)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 176). .
عن ابنِ عباسٍ رضِي اللهُ عنهما قال: ((وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قال: وَرَثَةً، وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ: كان المُهاجِرونَ لَمَّا قَدِموا المدينةَ يَرِثُ المُهاجِرُ الأنصارِيَّ دون ذوي رحِمِه، للأخوَّةِ الَّتي آخَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينهم، فلمَّا نَزَلَتْ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ، ثمَّ قال: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ: من النَّصرِ والرِّفادَةِ والنَّصيحةِ، وقد ذهَب المِيراثُ، ويوصِي له )) رواه البخاري (4580). .
وعن جُبَير بن مُطعِمٍ رضِي اللهُ عنه أنَّه قال: ((لا حِلفَ في الإسلامِ، وأيُّما حِلفٍ كانَ في الجاهليَّةِ، لم يزِدْه الإسلامُ إلَّا شِدَّةً )) رواه مسلم (2530). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا
أي: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رقيبٌ، شاهدٌ لا يغيب عنه شيءٌ، ومطَّلعٌ على كلِّ شيء؛ وذلك بعِلمِه لجميعِ الأمور، وبصَرِه لحركاتِ عبادِه، وسمعِه لجميع أصواتِهم، ومن ذلك: اطِّلاعُه عليكم- أيُّها المؤمنون- في مسألةِ إيتاء الموالي بالحِلفِ نصيبَهم، فيعلَم هل تؤتونهم ذلك أم لا؛ ولذا فاحذَروا من مخالفةِ أمرِه جلَّ وعلا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/686)، ((تفسير السعدي)) (ص: 176)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/283)، وينظر أيضًا: ((شأن الدعاء)) لخطابي (ص: 75). .

الفوائد التربوية:


1- نهيُ الإنسانِ أن يَتمنَّى ما فضَّل اللهُ به غيرَه عليه؛ لقوله: وَلَا تَتَمَنَّوْا، وهذا النَّهي للتَّحريمِ؛ لأنَّ هذا النَّوع مِن التَّمنِّي هو الحسَدُ بعينه؛ لأنَّه قال: مَا فَضَّلَ اللَّهُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/273). ، وقد كان أوَّلُ جُرمٍ حصَل في الأرض نشأ عن الحسدِ، ولقد كثُر ما انتُهِبَتْ أموالٌ، وقُتِلت نفوسٌ للرَّغبةِ في بسطةِ رزقٍ، أو فتنةِ نساء، أو نَوالِ مُلك، والتَّاريخُ طافحٌ بحوادثَ من هذا القَبيلِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/28). .
2- إذا كان اللهُ تعالى في قوله: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ نهى عن مجرَّد التمنِّي، فكيفَ بمَن يُنكر الفوارقَ الشرعيَّة بينَ الرَّجل والمرأةِ، ويُنادي بإلغائِها، ويطالبُ بالمساواةِ، ويدعو إليها باسمِ المساواةِ بينَ الرَّجل والمرأةِ؟ فهذه بلا شكٍّ نظريةٌ إلحاديةٌ؛ لما فيها مِن منازعةٍ لإرادةِ اللهِ الكونيَّة القدريَّة في الفوارقِ الخَلقيةِ والمعنويَّة بينهما، ومنابذةٍ للإسلامِ في نصوصِه الشرعيَّة القاطعةِ بالفرقِ بينَ الذَّكر والأُنثى في أحكامٍ كثيرةٍ. ولو حصَلت المساواةُ في جميعِ الأحكامِ مع الاختلافِ في الخِلقةِ والكِفايةِ؛ لكان هذا انعكاسًا في الفطرةِ، ولكان هذا هو عينَ الظلمِ للفاضلِ والمفضولِ، بل ظلمٌ لحياةِ المجتمعِ الإنسانيِّ، لما يلحقُه مِن حرمانِ ثمرةِ قُدراتِ الفاضلِ، والإثقالِ على المفضولِ فوقَ قدرتِه، وحاشا أن يقعَ مثقالُ خردلةٍ مِن ذلك في شريعةِ أحكمِ الحاكمينَ ينظر: ((حراسة الفضيلة)) لبكر أبو زيد (ص: 21). .
3- قوله: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ...  لكن يجوزُ أن يتمنَّى الإنسانُ مِثلَ ما فضَّل اللهُ به غيرَه عليه، وجْهُه قوله: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فنحن لا نقول لك: لا تتمَنَّ أن يعطيَك اللهُ مثلما أعطى فلانًا، بل نقول: لا بأس، ولكن لا تتمَنَّ ما أعطاه اللهُ فلانًا، وبينهما فرق يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/274). .
4- سَعةُ فضلِ الله عزَّ وجلَّ وكرمِه؛ لقوله: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فهو سبحانه لم يأمُرْنا بالسُّؤالِ إلَّا ليُعطيَنا؛ لأنَّه لو أمَرنا بالسُّؤالِ مِن غير أن يُعطيَنا لكان هذا عبَثًا لا فائدةَ منه، ولكنَّه عزَّ وجلَّ كريمٌ، هو الَّذي يتعرَّضُ لعبادِه ويقول: اسأَلوني يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/275). .
5- التسليمُ بما حكَم اللهُ به شرعًا أو قدَرًا؛ وذلك لأنِّي إذا علِمتُ أنَّه صادرٌ عن عِلمِ الله سلَّمتُ، وقلْتُ: لولا أنَّ المصلحةَ في وجود هذا الشَّيء ما فعَله اللهُ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه لا يفعَلُ إلَّا عن علمٍ، فيَزيدُني هذا تسليمًا بما قضاه اللهُ شرعًا أو قدَرًا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/277). .
6- يُستفاد من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًاوجوبُ مراقبةِ الله؛ لأنَّ العاقلَ إذا علِم أنَّ الله سبحانه يعلَمُه، فسوف يراقبُ ربَّه بلسانِه وجَنانِه وأركانه؛ بلسانِه: بألَّا يقولَ ما حرَّم اللهُ، وجَنانِه: بألَّا يعتقدَ شيئًا حرَّمه اللهُ، أو يقولَ شيئًا حرَّمه اللهُ بالقلب؛ لأنَّ قولَ القلب هو حركتُه وعملُه، وأركانه: جوارحه؛ لأنَّ الإنسان إذا آمَن حقيقةً بهذا فسيراقبُ اللهَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/277). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- حِكمةُ الله سبحانه في العطاءِ والمنع؛ حيث يفضِّلُ بعضًا على بعض، ولا شكَّ أنَّ هذا صادرٌ عن حِكمة، وليس مجرَّدَ اختيارٍ، خلافًا لِمَن أنكَر حكمةَ الله، وقال: إنَّ فِعلَه لمجرَّدِ الاختيار، بل هو لاختيارٍ صادرٍ عن حكمةٍ، قال تعالى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/274). .
2- إثباتُ أنَّ الأحكامَ تدورُ مع عِلَلِها؛ لقوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ؛ فنصيبُ الرِّجال يليقُ بهم، ونصيبُ النِّساء يليقُ بهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/274). .
3- قوله: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ فيه الفَرْق بين الجِنسينِ: الرِّجالِ والنِّساء؛ فالآيةُ تدلُّ على أنَّ بين الجِنسينِ فَرْقًا، خلافًا لِمَن يحاولُ أن يجعلَ الجِنسينِ على حُكمٍ واحدٍ، بل يحاولُ أن يفضِّلَ النِّساءَ على الرِّجال يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/275). .
4- أنَّ إثباتَ الإرثِ يكونُ بالنَّسَبِ والسَّببِ، بالنَّسَبِ؛ لقوله: مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ، وبالسَّبب؛ لقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ، فإنَّ هذا سببُه فعلُ الإنسان؛ كالزَّوجيةِ؛ فإنَّها سببٌ وليست بنسَبٍ، والإرث بالعِتق سببٌ وليس بنسَبٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/284). .
5- قوله: وَالْأَقْرَبُونَ هذه كلمةٌ واسعة، ولم يقُلِ: القَرابات، بل قال: وَالْأَقْرَبُونَ؛ لأنَّ الميراثَ يكونُ للأقربِ فالأقرب، حتَّى ذوو الفروضِ يُفضَّل الأقربُ على الأبعد؛ فالبِنتُ مع بنتِ الابنِ لها النِّصفُ، ولبنتِ الابنِ السُّدسُ، والبنتان يُسقطانِ بناتِ الابنِ، والأختُ الشَّقيقةُ مع الأختِ لأبٍ لها النِّصفُ، والأختان الشَّقيقتانِ تُسقطانِ الأخواتِ لأبٍ، وهلُمَّ جرًّا؛ ولهذا قال: وَالْأَقْرَبُونَ أي: الأقربُ فالأقربُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/282). .
6- في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا إثبات اسم الشَّهيد لله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/287). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ: إن أُريدَ بذِكر الرِّجال والنِّساء هنا قصْدُ تعميمِ النَّاسِ، مثلما يذكر: المشرِق والمغرِب، والبَر والبحر، فالنَّهيُ عن تَمنِّي ما فَضَّل اللهُ به الرِّجالَ على النِّساءِ على عُمومِه، وتكونُ جملةُ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ مسُوقةً مَساقَ التَّعليلِ للنَّهيِ عن التَّمنِّي؛ قطعًا لعُذرِ المتمنِّين، وتَأنيسًا بالنَّهيِ؛ ولذلك فُصِلت- أي: لم تُعطَفْ بالواوِ على الَّتي قبلها. وإن أُريدَ بالرِّجال والنِّساء كلٌّ مِن النَّوعينِ بخُصوصِه، بمعنى: أنَّ الرِّجال يَختصُّون بما اكتسَبوه، والنِّساء يَختصِصْن بما اكتسَبْنَ من الأموالِ، فالنَّهيُ المتقدِّمُ مُتعلِّقٌ بالتَّمنِّي الَّذي يُفْضي إلى أكْلِ أموال اليتامَى والنِّساءِ، أي: ليس للأولياءِ أكْلُ أَموالِ مواليهم وولاياهم؛ إذ لكلٍّ مِن هؤلاءِ ما اكتَسَب، وتكونُ هذه الجملةُ عِلَّةً لجملةٍ محذوفةٍ دلَّت هي عليها، تَقديرُها: ولا تتمنَّوْا فتأكُلوا أموالَ مواليكم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/31). .
- وعبَّر بالاكتِسابِ في قوله: مِمَّا اكْتَسَبُوا وقوله: مِمَّا اكْتَسَبْنَ تأكيدًا لاستحقاق كلٍّ منهما لنصيبِه، وتقويةً لاختصاصِه به، بحيث لا يَتخطَّاه إلى غيرِه؛ فإنَّ ذلك ممَّا يوجِبُ الانتهاءَ عن التَّمنِّي المذكورِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/172) .
2- قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا: تذييلٌ مناسبٌ لهذا التَّكليفِ؛ لأنَّه متعلِّق بعملِ النَّفس، لا يراقبُ فيه إلَّا ربَّه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/32). ، مع ما اشتملَتْ عليه من التَّأكيد بـ: (إنَّ) واسميَّة الجملة، وتقديمِ الجارِّ والمجرورِ (بِكُلِّ شَيْءٍ) على خبر كان (عَلِيمًا).
3- قوله: ولِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ: ولِكُلٍّ مفعولٌ ثانٍ لجعَلْنا، قُدِّم عليه؛ لتأكيد الشُّمولِ، ودفْعِ توهُّمِ تعلُّقِ الجَعْلِ بالبعضِ دون البَعض يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/172). .
4- قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ...: جملة مبيِّنةٌ للجملة قبلها، ومؤكِّدةٌ لها يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/173). .
5- قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا: خبرٌ فيه تهديدٌ على منْعِ نصيبهم يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/72). ، مع ما فيه مِن التَّأكيد بـ(إنَّ) واسميَّة الجملة، وتقديم الجارِّ والمجرورِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ على خبَر كان شَهِيدًا.