موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيتان (34- 35)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ

غريبُ الكَلِمات:


قَوَّامُونَ: جمْع قوَّام، وهو مِن القِيامِ على الشَّيءِ، أي: مُراعاته وحِفْظه وحِياطته بالاجتهادِ والقِيامِ بمصالحِه، والرَّجُل قيِّم على المرأةِ، أي: هو رئيسُها وكبيرُها والحاكِمُ عليها، ومؤدِّبها إذا اعوجَّتْ، وأصلُ (قوم): يدلُّ على انتِصابٍ أو عَزْمٍ يُنظر: ((تفسير الطبري)) (6/687)، ((مقاييس اللغة))  لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 690)، ((تفسير ابن كثير)) (2/292)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (4/307). .
قَانِتَاتٌ: خاضِعاتٌ، مُداوماتٌ على طاعةِ الله، والقُنوت: دوامُ الطَّاعة ولزومُها مع الخُضوع؛ وأصل (قنت): يدلُّ على طاعةٍ وخيرٍ في دِين، ثم سُمِّي كلُّ استقامةٍ في طريقِ الدِّينِ قنوتًا يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 382، 473)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 378)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/31)، ((المفردات)) للراغب (ص: 684- 685)، ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (1/5 وما بعدها)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 702). .
حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ: أي: لا يفعَلْنَ في غَيبة الزَّوجِ ما يَكرَهُه الزَّوج، أو يحفَظْنَ عهدَ الأزواج عند غَيبتِهن، وأصل (حفظ): مراعاةُ الشَّيء يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 126)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/87)، ((المفردات)) للراغب (ص: 245، 617). .
نُشُوزَهُنَّ: أي: مَعصيَتَهنَّ وتعاليَهنَّ عمَّا أوجَب اللهُ عليهنَّ من طاعةِ الأزواج، وبُغْضَهنَّ لهم؛ فنُشُوزُ المرأة: بُغْضُها لزَوْجها ورفْعُ نفْسِها عن طاعتِه، ورفْعُ عَيْنِها عنه إلى غيرِه؛ يُقال: نَشَزَت المرأةُ على زوْجِها: إذا تَرَكتْه ولم تَطمِئنَّ عِندَه. وأصل النُّشوز: الارتفاع، والنَّشز: المرتفِعُ من الأرْض، ومِنه قيل للمَرأةِ المرتفعةِ على زَوْجِها، التاركةِ لأمْره، المُعْرِضةِ عنه، المبغِضة له: ناشِز ينظر: ((غريب القرآن))  لابن قتيبة (ص: 126)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 472)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/430)، ((المفردات)) للراغب (ص: 472، 806)، ((تفسير ابن كثير)) (2/294)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 138، 166)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 915). .
وَاهْجُرُوهُنَّ: أي: لا تقرَبوهنَّ، والهَجرُ والهجرانُ: مفارقةُ الإنسانِ غيرَه، وأصل (هجر): يدلُّ على قطيعة وقَطْع يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/34)، ((المفردات)) للراغب (ص: 833). .
فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا: أي: فلا تَطلُبوا طريقًا إلى أذاهُنَّ؛ مِن بغيتُ الضالَّةَ: إذا التمستَها، والبَغيُ يُطلَقُ على: طَلبِ الشَّيء، والظُّلم، والتَّرفُّع والعلوِّ، ومُجاوَزةِ المقدار يُنظر: ((تفسير الطبري)) (6/713)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 126)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 64). .
شِقَاقَ: أي: تباعُد، أو خلاف، أو فِراق، والشِّقاق: المخالَفة، وأصل (شقق): انصداعٌ في الشَّيء يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 126)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 459)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 541، 543). .
حَكَمًا: أي: ثِقةً يُولَّى أمْرَ الحُكمِ بينهما ويُوكَّلُ بالنَّظرِ في أمْرِهما، والحَكَمُ: هو المتخصِّصُ بالحُكم. والحُكْم بالشَّيء: القضاءُ بأنَّه كذا، أو ليس بكذا، سواءٌ ألزمتَ ذلك غيركَ أو لم تُلْزمْه، وأصل (حَكَم): المنْع، وأوَّل ذلك الحَكْم، وهو المنعُ من الظُّلم. والإحكامُ هو الفصلُ والتمييز، والفرقُ والتحديدُ الذي به يتحقَّق الشيءُ ويَحصُل إتقانُه؛ ولهذا دخَل فيه معنى المنْعِ كما دخَل في الحدِّ، فالمنع جزءُ معناه لا جميع معناه. والحِكمة اسمٌ للعَقل، وإنَّما سُمِّي حِكمة؛ لأنَّه يمنع صاحبه من الجَهل يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 148)، ((تفسير الطبري)) (6/719، 727)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/91)، ((المفردات)) للراغب (ص: 249)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 36، 347)، ((الإكليل في المتشابه والتأويل)) لابن تيمية (ص: 11)، ((تفسير ابن كثير))  (2/296). .

مشكل الإعراب:


قوله: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ:
قُرِئ برفْعِ لفْظِ الجلالةِ على أنَّه فاعِلٌ، وقُرِئ بنَصبِه على أنَّه مفعولٌ به؛ فعلى قِراءة الرَّفع يكونُ في مَا ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنَّها مصدريَّة، والمعنى: حافِظاتٌ للغَيْبِ بحِفْظِ اللهِ إيَّاهنَّ. والثاني: أنْ تكون مَا موصولةً بمعنى الذي، والعائِد محذوف، والتَّقدير: بالَّذي حَفِظَه اللهُ لهنَّ مِن مُهورِ أزواجهنَّ والنَّفقة عليهنَّ. والثالث: أن تكونَ مَا نكرةً موصوفة، والعائد محذوف أيضًا كما في الموصولةِ التي بمعنى الَّذي، أي: بشَيءٍ حَفِظَه اللهُ تعالى لهنَّ.
وعلى قِراءة النَّصب (بِمَا حَفِظَ اللَّهَ): فلفظُ الجلالةِ مَفعولٌ به على تَقديرِ حَذْفِ مُضافٍ، وفي مَا أوجهٌ؛ أحدُها: أنَّها موصولةٌ بمعنى الَّذي، والثاني: أنَّ مَا نَكِرةٌ موصوفةٌ، والفاعِلُ على هَذينِ الوَجهينِ ضَميرٌ مُستتِرٌ في حَفِظَ يعودُ على مَا، والتقديرُ على الأوَّل: حِافظاتٌ للغَيبِ بالْأَمْرِ الَّذي حَفِظَ حقَّ اللَّهِ وأمانةَ اللَّهِ، وهو التعفُّفُ والتحصُّنُ والشَّفقةُ على الرِّجالِ والنَّصيحةُ لهم، أو بالَّذي حَفِظَ دِينَ اللهِ مِن البِرِّ والطَّاعةِ. والتقديرُ على الثاني: بشَيءٍ حَفِظَ دِينَ اللهِ. وقِيل غيرُ ذلك يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/197)، ((تفسير الزمخشري)) (1/506)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/354)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/670- 671). .

المَعْنى الإجماليُّ:


يُخبِرُ تعالى أنَّ للرِّجالِ القِوامةَ على النِّساء، يُلزِمونهنَّ بحقوقِ اللهِ، ويحجُزونهنَّ عن الشَّرِّ والفسادِ، ويُؤدِّبونهنَّ، وتلك القِوامةُ سببُها ما فضَّل اللهُ به الرِّجالَ من خصائصَ على النِّساءِ، وكذلك بإنفاقِ الرِّجالِ أموالَهم على نسائهم، ومن ذلك ما يدفَعونه من مهورٍ لهنَّ؛ فالنِّساءُ اللَّاتي استقام دِينُهنَّ مطِيعاتٌ للهِ سبحانه، ولأزواجِهنَّ، وهنَّ أيضًا حافظاتٌ لأنفسهنَّ عند غيابِ أزواجِهنَّ عنهنَّ في فروجهنَّ وأموالِهم وغيرها، وذلك بحفظِ الله وتوفيقِه لهنَّ، ثمَّ يخاطبُ اللهُ الأزواجَ أنَّ النِّساءَ اللَّاتي يخافون ترفُّعَهنَّ عن طاعاتهم، بُغضًا وإعراضًا عنهم، فلْيُذكِّروهنَّ بالله، ويخوِّفوهنَّ وعيدَه لمن عصَتْ زوجَها، ويرغِّبوهنَّ في الطَّاعة بذِكر ما لهنَّ عند الله من ثوابٍ على ذلك، فإن لم يُفِدِ الوعظُ فليُفارِقوهنَّ في المضجَع، ولا يُجامعوهنَّ، فإن لم يتحصَّلْ مِن الهجرِ المطلوبُ فليضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّح؛ تأديبًا لهنَّ، فإن أطَعْنَهم فليتركوا عتابَهنَّ على ما كان، ولْيَدَعوا تتبُّعَ كلِّ عثرةٍ تحصُلُ منهنَّ وإن كانت لا تضرُّ، وليس لهم ضربُهنَّ بعد ذلك، وختَمَ الآيةَ ببيان أنَّه سبحانه هو العليُّ الكبير؛ تهديدًا للرِّجال إذا بَغَوْا على النِّساءِ من غير سببٍ.
ثمَّ يخاطبُ اللهُ الحكَّامَ: أنَّهم إنْ خافوا من بلوغ الخلافِ بين الزَّوجين إلى مرحلةِ التباعد بينهما ووقوعِ العداوة، فليُرسلوا إلى الزوجين حَكَمًا من أقارب الزَّوج وآخرَ من أقارب الزَّوجة إن يُرِدْ هذانِ الحكَمانِ الإصلاحَ بين الزَّوجين فسيوفِّقُهما اللهُ لِما قصداه، كما سيوفِّقُ سبحانه وتعالى الزَّوجينِ ليعودا إلى الاستقرارِ وحُسنِ المعاشَرة.

تفسير الآيتين:


الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ
أي: الرِّجالُ هم القائمون على نسائهم؛ فهم رؤساؤُهنَّ والحاكمون عليهنَّ، بإلزامهنَّ بحقوقِ الله تعالى وأداء فرائضه، وتأديبِهنَّ، وكفِّهنَّ عن الشُّرور والمفاسد يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/687)، ((تفسير ابن كثير)) (2/292)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/283). .
ثمَّ ذكر اللهُ تعالى السَّبب الموجِبَ لقيام الرِّجال على النِّساء، فقال:
بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
أي: بسببِ تفضيلِ الرِّجال على النِّساء؛ فقد جعَل اللهُ تعالى للرِّجال خصائصَ تفُوقُ ما لدَى النِّساء؛ كقوة البَدنِ، والعقل، وغيرهما يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/292)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/289). وهذا التفضيلُ باعتبار الجنس؛ لأنَّه يوجد من النِّساء ما هو أفضلُ من كثيرٍ من الرِّجال، فقوله سبحانه: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ من حيث الجُمْلة لا باعْتبارِ كلِّ فرْد. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/289). .
وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
أي: ومن أسباب جَعلِ القِوامةِ للرِّجال على النِّساء، إنفاقُ الرِّجال أموالَهم على نسائِهم، ومِن ذلك: إعطاؤُهنَّ مهورَهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/687، 690)، ((تفسير ابن كثير)) (2/292)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/289، 290). .
فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ
أي: إنَّ النِّساءَ المستقيماتِ الدِّينِ، مطيعاتٌ لله تعالى، ولأزواجِهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/690، 691)، ((تفسير ابن كثير)) (2/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/290). .
حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ
أي: ومن صِفاتهنَّ أيضًا: أنهنَّ حافظاتٌ لأنفسِهنَّ عند غَيبة أزواجِهنَّ عنهنَّ في فروجهنَّ وأموالهم، وغير ذلك، وذلك بحفظِ الله تعالى لهنَّ وتوفيقِه لهنَّ، لا من أنفسِهنَّ؛ فإنَّ النَّفسَ أمَّارةٌ بالسُّوء يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/692، 694)، ((تفسير ابن كثير)) (2/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/290، 291). .
وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
أي: إنَّ الزَّوجاتِ اللَّاتي تتخوَّفون- يا مَعشرَ الأزواج- من استعلائِهنَّ عليكم، بمخالفتِهنَّ لأوامركم، وتركِهنَّ طاعتَكم؛ بُغضًا منهنَّ لكم، وإعراضًا عنكم، فإذا تخوَّفتم من حدوثِ ذلك لظهور أماراته يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/697)، ((تفسير ابن كثير)) (2/294)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/291). .
فَعِظُوهُنَّ
أي: فذكِّروهنَّ باللهِ عزَّ وجلَّ, وخوِّفوهنَّ وعيدَه وعقابَه على معصيةِ أزواجِهنَّ، ورغِّبوهنَّ في طاعتهم؛ بذِكرِ ما لهنَّ في ذلك من ثوابٍ عند اللهِ تعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/697)، ((تفسير ابن كثير)) (2/294)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/292). .
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
أي: فإنْ لم يُجْدِ الوعظُ معهنَّ، فلْتبتعدوا- أيُّها الأزواجُ- عن مكانِ اضطجاعِهنَّ، ولا تُجامِعوهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6 /707)، ((الوجيز)) للواحدي (1/262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/292). وقال بعض المفسرين: يدير ظهره إليها في الفراش فلا يجامعها. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (5/171) ((تفسير ابن كثير)) (2 /294). .
وَاضْرِبُوهُنَّ
أي: فإنْ لم يُجْدِ معهنَّ الهِجرانُ في المضاجعِ، فاضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّح؛ لتأديبِهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/710)، ((تفسير ابن كثير)) (2/295)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/292، 293). .
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا
أي: فإنْ حصَل المقصودُ بواحدٍ من هذه الأمور، وأطَعْنَكم، فقد حصَل لكم ما تحبُّون؛ فاترُكوا معاتبتَهنَّ على الأمور الماضية، والتَّنقيبَ عن العيوب الَّتي يضرُّ ذِكرُها، فلا سبيلَ لكم عليهنَّ بعد ذلك، وليس لكم ضربُهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/713)، ((تفسير ابن كثير)) (2/295)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/293). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
إذا شعَر الرَّجُل بأنَّه قائمٌ على المرأة، وذو سلطةٍ عليها، إلى حدِّ أنَّ الشَّرعَ مكَّنه من ضربِها في المرحلة الثَّالثة، فربَّما يتعالى عليها ويتكبَّر، فقال عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/73)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/293). :
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى ذو العُلوِّ المطلَقِ بذاته وصِفاتِه سبحانه، فلا تتعالَوْا على نسائِكم- أيُّها الأزواج-؛ فإنَّ علوَّكم هذا يوجَدُ فوقه ما هو أعلى منه، وهو علوُّ اللهِ عزَّ وجلَّ بذاتِه وصفاتِه، وهو الكبيرُ بذاته وصفاتِه سبحانه، فلا أكبرَ منه ولا أجلَّ ولا أعظمَ، فلا تتكبَّروا عليهنَّ؛ لأنَّ فوقكم مَن هو أكبرُ، وهو الله جلَّ وعلا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/715)، ((تفسير ابن كثير)) (2/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/293). .
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى عند نُشوزِ المرأة أنَّ الزَّوجَ يعِظُها، ثمَّ يهجُرُها، ثمَّ يضربها، بيَّن أنَّه لم يبقَ بعد الضَّربِ إلَّا المحاكمةُ إلى مَن يُنصِفُ المظلومَ من الظَّالم، فقال يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/73). :
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا
أي: وإن خِفتم- أيُّها الحكَّامُ- أنْ يَصلَ النُّفورُ والخلافُ الواقع بين الزَّوجينِ إلى حدِّ التَّباعُدِ عن بعضِهما، ووقوع العداوة بينهما يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/47)، ((تفسير ابن كثير)) (2/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/44-45). قال القرطبي: (الجمهور من العلماء على أنَّ المخاطب بقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ الحكام والأمراء) ((تفسير القرطبي)) (5/175). .
فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا
أي: فلتُرْسلوا- أيُّها الحكَّامُ- إلى الزوجينِ حَكَمينِ؛ رجلًا من أقارب الزَّوج، وآخَرَ من أقارب الزَّوجة يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/47)، ((تفسير ابن كثير)) (2/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/45-46)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/294). .
إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا
أي: إن قصَد الحَكَمانِ الإصلاحَ بين الزَّوجين، يوفِّقِ اللهُ تعالى بين الحكَمينِ، بأن يصادفا الحقَّ، فتلتقيَ أقوالهما دون حدوثِ نزاعٍ بينهما، ويوفِّق اللهُ تعالى أيضًا بين الزَّوجين، فييسِّر رجوعَهما إلى المعاشَرة الحسَنة بينهما يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/729)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/47)، ((تفسير القرطبي)) (5/175)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/47)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/294-295). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
أي: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ذو علمٍ بجميع الظَّواهرِ والبواطن، ومن ذلك: عِلمُه بنيَّةِ الحكَمَينِ، هل يقصدانِ الإصلاح أو لا، ومن ذلك أيضًا: شَرْعُهُ لهذه الأحكامِ العظيمة، والشَّرائع المُحْكَمة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/729)، ((تفسير السعدي)) (ص: 177)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/295). .

الفوائد التربوية:


1- التَّدرُّج في التَّأديب: فعِظوهنَّ.. واهجروهنَّ.. واضربوهنَّ، فابتدأ اللهُ تعالى بالوعظ، الذي هو تليينُ القلبِ بالشَّرعِ، ثمَّ ترقَّى منه إلى الهِجرانِ في المضاجعِ، ثمَّ ترقَّى منه إلى الضَّرب، وذلك تنبيهٌ يجري مجرى التَّصريحِ في أنَّه متى حصَل الغرضُ بالطَّريق الأخفِّ وجَب الاكتفاءُ به، ولم يجُزِ الإقدامُ على الطَّريق الأشقِّ، فإذا أمكن التَّأديبُ بالخطابِ الدِّينيِّ الشَّرعيِّ، فإنَّه لا يرجعُ إلى التَّأديبِ بالفعل المحسوس يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/72)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/298). .
2- الإشارة إلى أنَّ اللهَ يزَعُ بالسُّلطانِ ما لا يزَعُ بالقرآنِ؛ حيث إنَّه ربَّما لا يُفيد الوعظُ، فينتقل إلى الهجرِ في المضاجع، أو الضَّرب؛ لأنَّه قد يكون أكثرَ نتيجةً يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/298). .
3- يؤخَذ من قولِه تعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ بُطلانُ قولِ بعضِ علماء التَّربية المعاصرين الَّذين يقولون: إنَّه لا تحصُلُ التَّربيةُ بالضَّرب، وإنَّما الضَّربُ يقسِّي القلبَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/299). .
4- التَّغاضي عمَّا مضى، أي: إنَّ قولَه: فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يشمَلُ الماضيَ والمستقبَلَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/300). .
5- الإشارة إلى أنَّ الَّذي له العلوُّ المطلَقُ هو اللهُ، فلا تتعالَ على غيرِك، قال تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/300). .
6- قوله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ذِكرُ هاتين الصِّفتينِ (العلوُّ والكبرياءُ لله تعالى) في هذا الموضع في غايةِ الحُسنِ، وبيانُه من وجوه:
الأوَّل: أنَّ المقصودَ منه تهديدُ الأزواج على ظُلم النِّسوانِ، والمعنى أنهنَّ إن ضعُفنَ عن دفعِ ظُلمكم، وعجَزْنَ عن الانتصافِ منكم، فاللهُ سبحانه عليٌّ قاهرٌ كبيرٌ قادرٌ، ينتصفُ لهنَّ منكم، ويستوفي حقَّهنَّ منكم، فلا ينبغي أن تغترُّوا بكونِكم أعلى يدًا منهنَّ، وأكبرُ درجةً منهنَّ.
الثَّاني: لا تبغوا عليهنَّ إذا أطَعْنكم لعلوِّ أيديكم؛ فإنَّ اللهَ أعلى منكم، وأكبرُ من كلِّ شيء، وهو متعالٍ عن أن يكلِّفَ إلَّا بالحقِّ.
الثَّالث: أنَّه تعالى مع علوِّه وكبريائه لا يكلِّفُكم إلَّا ما تُطيقون، فكذلك لا تكلِّفوهنَّ محبَّتَكم؛ فإنَّهنَّ لا يقدِرْنَ على ذلك.
الرابع: أنَّه مع علوِّه وكبريائه لا يؤاخذ العاصيَ إذا تاب، بل يغفِرُ له، فإذا تابت المرأةُ عن نشوزِها، فأنتم أَولى بأن تقبَلوا توبتَها وتتركوا معاقبتَها.
الخامس: أنَّه تعالى مع علوِّه وكبريائِه اكتفى من العبدِ بالظَّواهرِ، ولم يهتِكِ السَّرائرَ، فأنتم أَولى أن تكتفوا بظاهرِ حال المرأة، وألَّا تقَعوا في التَّفتيش عمَّا في قلبِها وضميرها من الحبِّ والبُغض يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/73). .
7- الإشارةُ إلى حُسن النِّيَّةِ في الإصلاح؛ لقوله تعالى: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، وأنَّه يجبُ على الإنسان المحكَّمِ أن يكونَ رائدُه الإصلاحَ لا غيرُ، لا إرضاءَ فلان ولا فلان يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/302). .
8- أنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبةَ سببٌ لصلاح العملِ؛ لقوله تعالى: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/302). .
9- أنَّ الجزاءَ من جِنس العملِ؛ وجهُه: أنَّه لَمَّا أرادا الإصلاحَ أثابهما الله عزَّ وجلَّ بالتَّوفيقِ؛ لقوله: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/303). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- فضلُ الرِّجالِ على النِّساء، ووجهُه: أنَّ اللهَ جعَل الرِّجال قوَّامينَ على النِّساء، قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/296). .
2- بيانُ أنَّ أحكامَ اللهِ عزَّ وجلَّ الكونيَّةَ والشَّرعيَّةَ معلَّلةٌ بعِلَلٍ، فيلزم من كونِ أفعالِ أو أحكام الله الشَّرعيةِ معلَّلةً بعِلَل: إثباتُ الحكمةِ، وأنَّ الله تعالى حكيمٌ؛ قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/296). .
3- يُؤخذُ من قوله: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ أنَّ للمُنفِقِ على المُنفَقِ عليه فضلًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/297). .
4- كراهة سؤال النَّاس؛ لقوله: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فكونُ المنفِقِ له فضلٌ على المُنفَقِ عليه، فيكون سؤالُك إيَّاه ذلًّا؛ لأنَّك إذا سألتَه فقد أثبَتَّ له فضلًا عليك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/297). .
5-  أنَّه لا ولايةَ للنِّساءِ على الرِّجال، لا في قضاءٍ، ولا إمارة، ولا أيِّ شيء؛ لقوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ، فمن جعَل للمرأة الولايةَ فقد خالَف سُنَّةَ الله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/297). .
6- أنَّ للزَّوجِ السُّلطةَ على زوجته، وتُؤخذ من قوله: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/298). .
7- قوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فيه تحريم نُشوزِ المرأةِ على زوجِها؛ حيث قوبِلَ هذا النُّشوزُ بالموعظة، ثمَّ الهجر، ثمَّ الضَّرب يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/299). .
8- أنَّ للهِ الكبرياءَ الَّذي هو الكِبْرُ المعنويُّ؛ كما قال تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الجاثية: 37]، وقال سبحانه: الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: 23]، وكذلك أنَّ كلَّ شيء بالنِّسبة إلى ذاتِه ليس بشيء، وهذا المرادُ بالكبير في قوله: عَلِيًّا كَبِيرًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/301). .
9- أنَّ المبعوثَينِ حكَمانِ، وليسا وكيلَيْنِ، كما قاله بعضُ العلماء، تؤخذ من قوله: فَابْعَثُوا حَكَمًا، والحَكَمُ مستقِلٌّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/301). .
10- قوله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا فيه أنَّه لا بدَّ أن يكونَ عند الحَكمينِ عِلمٌ بالشَّرع؛ لأنَّ الحَكَمَ لا يمكِنُ أن يحكُمَ إلَّا بعد العِلمِ، ولا بدَّ أن يكونَ لديهما أمانةٌ وثقةٌ دينيَّةٌ؛ لأنَّ غيرَ الثِّقةِ لا يؤمَنُ، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6]، والحاكم مخبِرٌ وملزِمٌ وفاصل؛ فهو مخبِرٌ عن حُكمِ الله، مُلزِم بما يحكُمُ به، فاصلٌ بين الخَصمينِ، فلا بدَّ أن يكونَ عَدْلًا في دِينِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/301). .
11- جوازُ حُكم القريب لقريبِه أو عليه؛ لقوله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/302). .
12- أنَّ للحَكَمينِ التَّفريقَ والتَّوفيقَ بين الزَّوجين اللَّذينِ خِيفَ الشِّقاقُ بينهما، سواءٌ بعِوَضٍ أو بدون عِوَضٍ، وأنَّ حُكمَهما مُلزِمٌ؛ لأنَّ الله سمَّاهما حَكَمينِ، والحَكَم قولُه لازمٌ وحُكمُه فصْلٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/303). .
13- قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا.. هذه الآيةُ أصلٌ في جوازِ التَّحكيمِ في سائر الحقوق يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/47). .
14- الإشارةُ إلى أنَّه ينبغي أن يكونَ الحاكمُ عالِمًا بأحوالِ مَن يحكُمُ فيهم؛ لقوله: مِنْ أَهْلِهِ.. مِنْ أَهْلِهَا؛ لأنَّ الَّذي مِن أهلِه وأهلِها أقربُ إلى العِلم بحالهما من الرَّجلِ الأجنبيِّ، وعلى هذا فلا ينبغي أن يُولَّى قاضٍ على قومٍ لا يعرِفُ طبائعَهم، ولا يعرِفُ لسانَهم، ولا يعرف أحوالَهم؛ فإنَّ هذا يحصل به شيءٌ كثيرٌ من الغلَطِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/301). .
15- إثبات صفتيِ العِلمِ والخبرة، من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا، والخبرة أخصُّ من العِلم؛ لأنَّها علمٌ ببواطنِ الأمور، ولا يُستفاد من قوله: كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا أنَّه الآن ليس كذلك، بل كان ولا زال، والمراد بها تحقيقُ الصِّفة؛ فهي مسلوبةُ الزَّمانِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/303). .

بَلاغةُ الآيتين:


1- قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ: كلامٌ مستأنَفٌ مسُوقٌ لبيانِ سببِ استحقاقِ الرِّجالِ الزِّيادةَ في الميراثِ تفصيلًا، إثرَ بيانِ تفاوتِ استحقاقهم إجمالًا، وإيرادُ الجملة اسميَّةً والخبرِ قَوَّامُونَ على صِيغة المبالغة (فعَّالون)؛ للإيذانِ بعَراقتِهم في الاتِّصافِ بما أُسند إليهم، ورسوخِهم فيه، أي: شأنهم القيامُ عليهنَّ بالأمرِ والنَّهيِ قيامَ الولاةِ على الرَّعيَّة يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/173). .
2- قوله: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ...: وضْع (البعض) موضِعَ الضَّميرينِ- حيث لم يقُلْ: (فضَّلهم الله عليهنَّ)-؛ للإشعارِ بغاية ظهور الأمْر، وعدَم الحاجة إلى التَّصريحِ بالمفضَّلِ والمفضَّلِ عليه أصلًا؛ ولِمِثل ذلك لم يصرِّحْ بما به التَّفضيلُ؛ من صفات كمال الرِّجال، الَّتي هي كمالُ العقل، وحُسن التَّدبير، ورزَانةُ الرَّأي، ومزيدُ القوَّةِ في الأعمال والطَّاعاتِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/173). .
- وقوله: وَبِمَا أَنْفَقُوا فيه حذْف المفعولِ؛ ليدلَّ على عُمومِ النَّفقةِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (1/177). .
- وفيه مِن بديعِ الإعجازِ: صَوغُ قولِه: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ  في قالَبٍ صالحٍ للمَصدريَّةِ وللمَوصوليَّة؛ فالمصدريَّةُ مُشعِرةٌ بأنَّ القِوامةَ سَببُها تَفضيلٌ مِن اللهِ، وإنفاقٌ، والموصوليَّةُ مُشعِرةٌ بأنَّ سببَها ما يَعلَمه النَّاسُ مِن فَضلِ الرِّجالِ ومِن إنفاقِهم؛ ليَصلُحَ الخِطابُ للفريقين: عالِمِهم وجاهلِهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/39). .