موسوعة التفسير

سورةُ الحَشْرِ
الآيات (22-24)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ

غريب الكلمات:

الْقُدُّوسُ: أي: الطَّاهرُ مِن كلِّ عيبٍ، المُنَزَّهُ عن كُلِّ نَقصٍ، مِن «القُدْس» وهو: الطَّهارةُ، وأصلُ (قدس): يدُلُّ على الطُّهرِ [450] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 8)، ((تفسير ابن جرير)) (22/551)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (ص: 40)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/63)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 398)، ((تفسير القرطبي)) (18/45). .
السَّلَامُ: أي: الَّذي سَلِمَ مِن كلِّ عَيبٍ، وبَرِئ مِن كلِّ آفةٍ ونَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلوقينَ، وأصلُ (سلم): الصِّحَّةُ والعافِيةُ [451] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 6)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (ص: 41)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/90)، ((تفسير الرسعني)) (2/320). قال ابن القيِّم: (أمَّا السَّلامُ الَّذي هو اسمٌ مِن أسماءِ الله، ففيه قَولانِ؛ أحدُهما: أنَّه... اسمُ مصدرٍ، وإطلاقُه عليه كإطلاقِ العدلِ عليه، والمعنى أنَّه ذو السَّلامِ وذو العدلِ، على حذفِ المُضافِ. والثَّاني: أنَّ المصدرَ بمعنى الفاعِلِ هنا، أي: السَّالم، كما سُمِّيَتْ لَيلةُ القَدْرِ سَلامًا، أي: سالِمةً مِن كلِّ شرٍّ، بل هي خَيرٌ لا شرَّ فيها. وأحسَنُ مِن القَولَينِ وأَقْيَسُ في العربيَّةِ أن يكونَ نفْسُ السَّلامِ مِن أسمائِه تعالى، كالعدلِ، وهو مِن بابِ إطلاقِ المصدرِ على الفاعِلِ لِكَونِه غالبًا عليه، مُكرَّرًا منه، كقولِهم: رجُلٌ صَومٌ وعدلٌ وزَورٌ، وبابه، وأمَّا السَّلامُ الَّذي هو بمعنى السَّلامةِ فهو مصدرٌ نفْسُه، وهو مِثلُ الجَلالِ والجَلَالةِ، فإذا حذَفْتَ التَّاءَ كان المرادُ نفْسَ المصدرِ، وإذا أتَيْتَ بالتَّاءِ كان فيه إيذانٌ بالتَّحديدِ بالمرَّةِ مِن المَصدرِ، كالحبِّ والحبَّةِ، فالسَّلامُ والجَمالُ والجَلالُ كالجِنسِ العامِّ مِن حيثُ لم يكُنْ فيه تاءُ التَّحديدِ، والسَّلامةُ والجَلالةُ والمَلاحةُ والفَصاحةُ كلُّها تدُلُّ على الخَصلةِ الواحدةِ، ألَا ترى أنَّ المَلاحةَ خَصلةٌ مِن خِصالِ الكمالِ، والجَلالةَ مِن خِصالِ الجَلالِ؛ ولهذا لم يَقولوا: كمالة، كما قالوا: ملاحة، وفصاحة؛ لأنَّ الكمالَ اسمٌ جامعٌ لِصِفاتِ الشَّرفِ والفضلِ، فلو قالوا: كمالة، لَنَقَضوا الغرضَ المقصودَ مِن اسمِ الكمالِ، فتأمَّلْه... فتأمَّلِ الآنَ كيف جاء السَّلامُ مجرَّدًا عن التَّاءِ؛ إيذانًا بحُصولِ المسمَّى التَّامِّ؛ إذ لا يَحصُلُ المقصودُ إلَّا به؛ فإنَّه لو سَلِم مِن آفةٍ ووقَع في آفةٍ لم يكُنْ قد حصَل له السَّلامُ، فوضَح أنَّ السَّلامَ لم يخرُجْ عن المَصدريَّةِ في جميعِ وُجوهِه). ((بدائع الفوائد)) (2/138). وقال أيضًا: (لَمَّا كان السَّلامُ اسمًا مِن أسماءِ الرَّبِّ تبارك وتعالى، وهو اسمُ مصدرٍ في الأصلِ -كالكلامِ والعَطاءِ- بمعنَى السَّلامةِ؛ كان الرَّبُّ تعالى أحقَّ به مِن كلِّ ما سِواه؛ لأنَّه السَّالمُ مِن كلِّ آفةٍ وعَيبٍ ونقْصٍ وذمٍّ؛ فإنَّ له الكمالَ المُطلَقَ مِن جميعِ الوُجوهِ، وكمالُه مِن لَوازِمِ ذاتِه، فلا يكونُ إلَّا كذلك، والسَّلامُ يَتضمَّنُ سلامةَ أفعالِه مِن العبَثِ والظُّلْمِ وخِلافِ الحِكمةِ، وسلامةَ صِفاتِه مِن مُشابَهةِ صِفاتِ المخلوقينَ، وسلامةَ ذاتِه مِن كلِّ نقصٍ وعَيبٍ، وسلامةَ أسمائِه مِن كلِّ ذَمٍّ؛ فاسمُ السَّلامِ يَتضمَّنُ إثباتَ جميعِ الكمالاتِ له، وسَلْبَ جميعِ النَّقائصِ عنه). ((أحكام أهل الذمة)) (1/413). .
الْمُؤْمِنُ: أي: الَّذي يُؤمِنُ عِبادَه المؤمنينَ مِن بأسِه وعَذابِه، فيَأْمَنون، أو الَّذي آمَنَ الخَلْقَ مِن ظُلمِه، مِن الأمانِ، أو المُصَدِّقُ لِرُسُلِه وأنبيائِه بما جاؤوا به، بالآياتِ والبَراهينِ والحُجَجِ، أو هو الَّذي يَصدُقُ ما وَعَدَ عِبادَه مِنَ الثَّوابِ، أو الَّذي يُصدقُ ظُنونَ عِبادِه المؤمنينَ، ولا يُخَيِّبُ آمالَهم، على أنَّ المؤمنَ: المُصَدِّقُ، مِن الإيمانِ، وهو التَّصديقُ [452] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 10)، ((اشتقاق أسماء الله)) للزَّجَّاجي (ص: 221)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (ص: 45)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/135)، ((لسان العرب)) لابن منظور (13/26)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). .
الْمُهَيْمِنُ: أي: القائمُ على خَلقِه بأعمالِهم وأرزاقِهم وآجالِهم، باطِّلاعِه واستيلائه وحِفظِه، وكلُّ مُشرِفٍ على كُنهِ الأمرِ مُستَوْلٍ عليه حافِظٍ له فهو مُهَيمِنٌ عليه، وأصلُ الهيمَنةِ: الحِفظُ والارتِقابُ، يُقالُ إذا رقَبَ الرَّجُلُ الشَّيءَ وحَفِظَه وشَهِدَه: قد هَيمَنَ فُلانٌ عليه. وقيل: المُهَيمِنُ: الشَّاهِدُ على خَلْقِه بما يكونُ منهم مِن قولٍ أو فعلٍ. وقيلَ: المُهَيمِنُ: الأمينُ [453] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 11)، ((تفسير ابن جرير)) (8/486) و (22/552)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (ص: 46)، ((البسيط)) للواحدي (21/395)، ((المقصد الأسنى)) للغزالي (ص: 72)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 398)، ((تفسير ابن كثير)) (8/ 80)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 413)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 884). .
الْعَزِيزُ: أي: الَّذي اتَّصَف بالعِزَّة التَّامَّةِ: عِزَّةِ القَدْرِ -فهو عظيمُ القَدرِ، لا يَبلُغُ أحدٌ قَدْرَه، فلا مِثلَ له، ولا نَظيرَ-، وعِزَّةِ القَهْرِ -فهو قاهرٌ غالبٌ لا يَغلِبُه شَيءٌ-، وعِزَّةِ الامتِناعِ، فهو مُمْتَنِعٌ عليه النَّقصُ بأيِّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأصلُ (عزز): يدُلُّ على شِدَّةٍ وقُوَّةٍ وما ضاهاهما مِن غَلَبةٍ وقَهْرٍ [454] يُنظر: ((اشتقاق أسماء الله)) للزَّجَّاجي (ص: 239)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (ص: 47)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/38)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/241)، ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (3/10)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 40)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 36). قال الخَطَّابي: (والعزُّ في كلامِ العَرَبِ على ثلاثةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بمعنَى الغَلَبةِ، ومنه قولُهم: مَنْ عزَّ بزَّ، أي: مَنْ غَلَب سَلَبَ... والثَّاني: بمعنَى الشِّدَّةِ والقوَّةِ... والوجهُ الثَّالثُ: أنْ يكونَ بمعنَى نَفاسةِ القَدرِ... فيتأوَّلُ معنى العزيزِ على هذا؛ أنَّه الَّذي لا يُعادِلُه شَيءٌ، وأنَّه لا مِثلَ له ولا نَظيرَ). ((شأن الدعاء)) (1/47). وقال الزَّجَّاجي: (العزيزُ في كلامِ العربِ على أربعةِ أوجُهٍ: العزيزُ: الغالبُ القاهرُ، والعِزَّةُ: الغَلَبةُ، والمُعازَّةُ: المُغالَبةُ، ومنه قولُه عزَّ وجلَّ: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: 23] ، أي: غلَبَني في مُحاوَرةِ الكلامِ... والعزيزُ: الجليلُ الشَّريفُ، ومنه قولُهم: إذا عَزَّ أخوك فهُنْ، وقولُهم: فُلانٌ يَعتَزُّ بفُلانٍ، أي: يَتجالَلُ به ويَتشرَّفُ ويَتكبَّرُ. وكذلك قولُه عزَّ وجلَّ: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: 8] ، أي: لَيُخرِجَنَّ الجليلُ الشَّريفُ منها الذَّليلَ... والوجهُ الثَّالثُ: أن يكونَ العزيزُ بمعنى القويِّ... والوجهُ الرَّابعُ: أن يكونَ العزيزُ بمعنى الشَّيءِ القليلِ الوُجودِ، المُنقطِعِ النَّظيرِ، يُقالُ: عزَّ الشَّيءُ عِزَّةً فهو عزيزٌ؛ غيرُ موجودٍ. فهذه أربعةُ أوجُهٍ في العزيزِ، يجوزُ وصْفُ الله عزَّ وجلَّ بها؛ يُقالُ: «اللهُ العزيزُ» بمعنى الغالِبِ القاهِرِ، و«اللهُ العزيزُ» أي: هو الجليلُ العظيمُ، و«اللهُ العزيزُ» بمعنى القويِّ... و«اللهُ العزيزُ» أي: هو غيرُ مَوجودِ النَّظيرِ والمِثلِ جلَّ وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا). ((اشتقاق أسماء الله)) (ص: 237). وقال ابن القيِّم: (والعِزَّةُ يُرادُ بها ثلاثةُ مَعانٍ: عزَّةُ القوَّةِ، وعزَّةُ الامتِناعِ، وعزَّةُ القهرِ، والرَّبُّ تبارك وتعالى له العزَّةُ التَّامَّةُ بالاعتِباراتِ الثَّلاثِ). ((مدارج السالكين)) (3/241). .
الْجَبَّارُ: الجَبَّارُ بمعنى العَليِّ الأعلى، مِن قَولِهم: تَجَبَّرَ النَّباتُ: إذا عَلا، ويُقالُ للنَّخلةِ إذا طالتْ وارتفعتْ وفاتَتِ الأيديَ: جَبَّارةٌ. وبمعنَى القَهَّارِ، الَّذي جَبَر الخَلْقَ على ما أراد، ودانَ له كلُّ شَيءٍ وخضَعَ، يُقالُ: أجبَرْتُه على كذا وجبَرْتُه؛ إذا أكرَهْتَه وقهَرْتَه عليه. وبمعنى الرَّؤوفِ، الَّذي يَجبُرُ الضَّعيفِ بالغِنى والقوَّةِ، ويجبُرُ الكَسيرَ بالسَّلامةِ، ويجبُرُ المُنكَسِرةَ قُلوبُهم، يُقالُ: جَبَرتُ عَظْمَه مِن كَسرٍ، وهذا مِن الإصلاحِ، وقيل: أصلُ الجَبْرِ: إصلاحُ الشَّيءِ بضَربٍ مِن القَهرِ. والجبَّارُ: ذو الكبرياءِ والعَظَمةِ، يُقالُ: قَومٌ فيهم جَبريَّةٌ، أي: عَظَمةٌ وكِبرٌ، والجبَّارُ: الملِكُ، يُسمَّى بذلك؛ لِتَجَبُّرِه، وأصلُ (جبر): جِنْسٌ مِن العَظَمةِ والعُلوِّ والاستِقامةِ [455] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 419)، ((اشتقاق أسماء الله)) للزَّجَّاجي (ص: 240)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (ص: 48)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/501)، ((المفردات)) للراغب (ص: 183)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 398)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 120)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 181)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للسعدي (ص: 176)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (1/159) و (6/175). قال ابن القيِّم: (الجبَّارُ في صفةِ الرَّبِّ سُبحانَه تَرجِعُ إلى ثلاثةِ مَعانٍ: الملْكُ، والقهرُ، والعُلُوُّ). ((شفاء العليل)) (ص: 120). وقال السعدي بعدَ أنْ ذكَرَ أنَّ الجبَّارَ بمعنى العَليِّ الأعلى، وبمعنى القهَّارِ، وبمعنى الرَّؤوفِ: (وقد يُرادُ به معنًى رابعٌ، وهو المُتكَبِّرُ عن كلِّ سوءٍ ونَقصٍ، وعن مُماثَلةِ أحَدٍ، وعن أن يكونَ له كُفؤٌ أو ضِدٌّ أو سَمِيٌّ أو شَريكٌ في خصائصِه وحقوقِه). ((تفسير أسماء الله الحسنى)) (ص: 176). وقال ابن عثيمين: (ومِن أسمائه تعالى «الجَبَّارُ»، وله ثلاثةُ مَعانٍ: جَبرُ القوَّةِ، وجبرُ الرَّحمةِ، وجبرُ العُلوِّ). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (6/175). .
الْبَارِئُ: أي: الخالِقُ المُنشِئُ مِنَ العَدَمِ، وأصلُ (برأ) هنا: يدُلُّ على الخَلقِ [456] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 15)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/236)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 398)، ((تفسير القرطبي)) (18/48). .
الْمُصَوِّرُ: المُوجِدُ لصُورِ الأشياءِ ومُرَكِّبُها على هَيئاتٍ مُختَلِفةٍ، والتَّصويرُ: التَّخطيطُ والتَّشكيلُ، وهو مُرتَّبٌ على الخَلقِ والبَرْأِ وتابِعٌ لهما [457] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (18/48)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 884). .
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى: الحُسنى: تأنيثُ الأحسَنِ، كالكُبرى تأنيثُ الأكبَرِ، وهو صيغةُ تفضيلٍ، فالحُسنى أي: الَّتي هي أحسَنُ مِن غَيرِها؛ فهي أحسَنُ الأسماءِ لِدَلالتِها على أحسَنِ مُسَمًّى، وأشرَفِ مَدلولٍ. وقيل: هي مَصدرٌ وُصِف به، وحُسنُ أسماءِ الله هي أنَّها صِفةُ مَدحٍ وتعظيمٍ وتحميدٍ [458] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/201)، ((تفسير القرطبي)) (7/327)، ((تفسير ابن جزي)) (1/314)، ((تفسير الشوكاني)) (2/305)، ((العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير)) (4/351). قال الشنقيطي: (وإنَّما وصَف أسماءَه جلَّ وعلا بلَفظِ المؤنَّثِ المُفرَدِ؛ لأنَّ جمْعَ التَّكسيرِ مُطلَقًا وجمْعَ المؤنَّثِ السَّالِمَ يَجريانِ مَجرَى المؤنَّثةِ الواحدةِ المَجازيَّةِ التَّأنيثِ). ((أضواء البيان)) (4/7). وقال الواحدي: (لأنَّها مؤنَّثةٌ، والجماعةُ توصَفُ بصِفةِ المؤنَّثِ الواحدِ، كقولِه: حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل: 60] ، ومَآَرِبُ أُخْرَى [طه: 18] ، كأنَّها اسمٌ واحدٌ للجميعِ). ((البسيط)) (14/361). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ الله تعالى مُثنيًا على ذاتِه، ومبيِّنًا بعضَ أسمائِه الحسنَى: هو اللهُ الَّذي لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا هو سُبحانَه، عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ، هو الرَّحمنُ الرَّحيمُ، هو اللهُ الَّذي لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو سُبحانَه، المَلِكُ الحَقُّ، المتَّصِفُ بالطُّهرِ التَّامِّ، والنَّزاهةِ البالِغةِ، المتَّصِفُ بالسَّلامةِ مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى وسُوءٍ، واهِبُ الأمنِ، الَّذي يصدقُ رُسُلَه بالآياتِ، والمؤمنينَ ما وعَدَهم به مِن الثَّوابِ، والكافِرِينَ ما أَوْعَدَهم مِن العِقابِ، الشَّاهِدُ الحافِظُ الرَّقيبُ على خَلْقِه، القائمُ عليهم باطِّلاعِه واستيلائه وحِفظِه، المُتَّصِفُ بالعِزَّة التَّامَّةِ: الَّذي قد عَظُمَ قَدْرُه، وامتنَع عليه النَّقصُ بأيِّ وجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وغلَب كلَّ شَيءٍ فلا يُغلَبُ سُبحانَه، العَظيمُ القاهِرُ الَّذي قهَرَ جميعَ العِبادِ، المُصْلِحُ أُمورَ خَلْقِه، والَّذي يُصَرِّفُهم فيما فيه صَلاحُهم، المُتعَظِّمُ على جَميعِ خَلْقِه، تنزَّهَ اللهُ عن كلِّ نَقصٍ وعَيبٍ وسُوءٍ، وعن أن يكونَ له شَريكٌ كما يَزعُمُ المُشرِكونَ!
هو اللهُ المعبودُ بحَقٍّ، المُتفَرِّدُ بتَقديرِ جَميعِ المخلوقاتِ وإنشائِها على غَيرِ مِثالٍ سَبَقَ، الَّذي أحيا وأوجَدَ مِنَ العَدَمِ، والَّذي يُصَوِّرُ كُلَّ مَخلوقٍ في أيِّ صُورةٍ شاءَها سُبحانَه، له وَحْدَه الأسماءُ الحُسنى، يُنَزِّهُه عن النَّقائِصِ والعُيوبِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ والأرضِ، وهو العزيزُ الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، الحَكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به.

تفسير الآيات:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تَكرَّرَ في هذه السُّورةِ ذِكرُ اسمِ اللهِ وضَمائرِه وصِفاتِه أرْبعينَ مرَّةً، منها أربعٌ وعِشرون بذِكرِ اسمِ الجلالةِ، وسِتَّ عَشْرةَ مرَّةً بذِكرِ ضَميرِه الظَّاهرِ، أو صِفاتِه العَلِيَّةِ، وكان ما تَضمَّنَتْه السُّورةُ دَلائلَ على عَظيمِ قُدرةِ اللهِ وبَديعِ تَصرُّفِه وحِكمتِه، وكان ممَّا حَوَتْه السُّورةُ الاعتبارُ بعَظيمِ قُدرةِ اللهِ؛ إذ أيَّدَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمينَ ونَصَرَهم على بَني النَّضيرِ ذلك النَّصرَ الخارقَ للعادةِ، وذُكِرَ ما حلَّ بالمنافِقِين أنْصارِهم، وأنَّ ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه، وقُوبِلَ ذلك بالثَّناءِ على المؤمنينَ باللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الَّذين نَصَروا الدِّينَ، ثمَّ الأمرُ بطاعةِ اللهِ والاستِعدادِ ليَومِ الجزاءِ، والتَّحذيرُ مِن الَّذين أعْرَضوا عن كِتابِ اللهِ ومِن سُوءِ عاقِبتِهم، وخُتِمَ ذلك بالتَّذكيرِ بالقرآنِ الدَّالِّ على الخَيرِ، والمُعرِّفِ بعَظَمةِ اللهِ المُقتضيةِ شِدَّةَ خَشيتِه- عُقِّبَ ذلك بذِكرِ طائفةٍ مِن عَظيمِ صِفاتِ اللهِ ذاتِ الآثارِ العديدةِ في تَصرُّفاتِه المُناسِبةِ لغرَضِ السُّورةِ؛ زِيادةً في تَعريفِ المؤمنينَ بعَظَمتِه المُقتَضيةِ للمَزيدِ مِن خَشيتِه، وبالصِّفاتِ الحُسنى المُوجِبةِ لمَحبَّتِه، وزِيادةً في إرهابِ المُعانِدين المُعرِضين مِن صِفاتِ بَطْشِه وجَبروتِه؛ ولذلك ذُكِرَ في هذه الآياتِ الخواتمِ للسُّورةِ مِن صِفاتِه تَعالى ما هو مُختلِفُ التَّعلُّقِ والآثارِ للفريقَينِ حَظُّ ما يَلِيقُ به منها، وفي غُضونِ ذلك كلِّه دَلائلُ على بُطلانِ إشراكِهم به أصْنامَهم [459] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/117، 118). .
وأيضًا لَمَّا وَصَف اللهُ تعالى القُرآنَ بالعِظَمِ، ومَعلومٌ أنَّ عِظَمَ الصِّفةِ تابِعٌ لعِظَمِ الموصوفِ؛ أتْبَعَ ذلك بشَرحِ عَظَمةِ اللهِ، فقال تعالى [460] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (29/512). :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: هو اللهُ الَّذي لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا هو وَحْدَه سُبحانَه، وكلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِه فهو باطِلٌ [461] يُنظر: ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 26)، ((تفسير ابن كثير)) (8/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). قال ابن جرير: (الَّذي يَتصَدَّعُ مِن خَشيتِه الجَبَلُ -أيُّها النَّاسُ- هو المعبودُ الَّذي لا تَنبغي العِبادةُ والأُلوهةُ إلَّا له). ((تفسير ابن جرير)) (22/550). .
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
أي: العالِمُ بكُلِّ شَيءٍ، سواءٌ ما يَغيبُ عن خَلْقِه، أو ما يُشاهِدونَه [462] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/550)، ((تفسير ابن كثير)) (8/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/119). .
كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59] .
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
أي: اللهُ ذو الرَّحمةِ الواسِعةِ العظيمةِ الَّتي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ. الموصِلُ رحمتَه إلى مَن يَشاءُ مِن عبادِه [463] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 39)، ((شرح ثلاثة الأصول)) لابن عثيمين (ص: 18)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/38). ممَّن اختار أنَّ الرَّحمنَ اسمٌ دلَّ على اتِّصافِه بالرَّحمةِ، والرَّحيمَ اسمٌ دلَّ على وُقوعِ الفِعلِ منه، وهو إيصالُ رحمتِه إلى خَلقِه: ابنُ القيِّم، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/23، 24)، ((تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد)) لابن عثيمين (ص: 29). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/466، 467). قال ابن القيِّم: (قال السُّهَيلي: «... وفائدةُ الجَمعِ بيْن الصِّفَتينِ الرَّحمنِ والرَّحيمِ: الإنباءُ عن رحمةٍ عاجِلةٍ وآجِلةٍ، وخاصَّةٍ وعامَّةٍ». قلتُ:... وأمَّا الجمعُ بيْن الرَّحمنِ الرَّحيمِ ففيه معنًى هو أحسَنُ مِن المعنيَينِ اللَّذَينِ ذكرَهما، وهو أنَّ الرَّحمنَ دالٌّ على الصِّفةِ القائمةِ به سُبحانَه، والرَّحيمَ دالٌّ على تعَلُّقِها بالمرحومِ؛ فكان الأوَّلُ للوَصفِ، والثَّاني للفِعلِ، فالأوَّلُ دالٌّ أنَّ الرَّحمةَ صِفتُه، والثَّاني دالٌّ على أنَّه يَرحَمُ خَلْقَه برَحمتِه، وإذا أرَدْتَ فَهْمَ هذا فتأمَّلْ قَولَه: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 43] إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 117] ، ولم يَجِيءْ قَطُّ رَحمنٌ بهم؛ فعُلِمَ أنَّ الرَّحمنَ هو المَوصوفُ بالرَّحمةِ، ورَحيمٌ هو الرَّاحِمُ برحمتِه، وهذه نُكتةٌ لا تَكادُ تَجِدُها في كتابٍ). ((بدائع الفوائد)) (1/23، 24). ويُنظر: ((نتائج الفكر في النحو)) للسهيلي (ص: 43). وقال ابنُ عثيمين: (الرَّحْمَنُ ذو الرَّحمةِ الواسِعةِ، والرَّحِيمُ الموصِلُ رحمتَه مَن شاء مِن خَلْقِه؛ فالفَرقُ بيْنَ الرَّحمنِ والرَّحيمِ أنَّ الأوَّلَ باعتِبارِ كَونِ الرَّحمةِ وَصْفًا له، والثَّانيَ باعتِبارِها فِعلًا له يُوصِلُها لِمَن شاء مِن خَلْقِه). ((تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد)) (ص: 29). وقال الخَطَّابي: (الرَّحمنُ: ذو الرَّحمةِ الشَّاملةِ الَّتي وَسِعَتِ الخَلْقَ في أرزاقِهم وأسبابِ مَعاشِهم ومَصالِحِهم، وعَمَّتِ المؤمنَ والكافِرَ، والصَّالِحَ والطَّالِحَ، وأمَّا الرَّحيمُ فخاصٌّ للمؤمِنينَ). ((شأن الدعاء)) (ص: 38). وقال ابن جرير: (هو رحمنُ الدُّنيا والآخرةِ، رحيمٌ بأهلِ الإيمانِ به). ((تفسير ابن جرير)) (22/550). .
كما قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] .
وقال سُبحانَه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54] .
وقال عزَّ وجَلَّ: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 43] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((جَعَل اللهُ الرَّحمةَ مِئةَ جُزءٍ، فأمسَكَ عِندَه تِسعةً وتِسعينَ، وأنزَلَ في الأرضِ جُزءًا واحِدًا، فمِن ذلك الجزءِ تَتراحَمُ الخلائِقُ، حتَّى تَرفَعَ الدَّابَّةُ حافِرَها عن وَلَدِها؛ خَشْيةَ أن تُصيبَه )) [464] رواه البخاريُّ (6000)، ومسلمٌ (2752) واللَّفظُ له. .
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23).
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ.
أي: هو اللهُ الَّذي لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه سُبحانَه، المَلِكُ الحَقُّ، المالِكُ لجَميعِ الأشياءِ، الكامِلُ التَّصَرُّفِ في جميعِ خَلْقِه بما يَشاءُ [465] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/551)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 30)، ((تفسير ابن كثير)) (8/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/ 120). .
كما قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: 26، 27].
الْقُدُّوسُ.
أي: المتَّصِفُ بالطُّهرِ التَّامِّ، والنَّزاهةِ البالِغةِ [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/551)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 30)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/344)، ((تفسير القرطبي)) (18/45)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 179)، ((تفسير ابن كثير)) (8/79)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/468، 469)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). .
كما قال اللهُ تبارك وتعالى حاكيًا قَولَ الملائِكةِ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30].
وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سلَّمَ منَ الوِتْرِ قال: ((سُبحانَ الملِكِ القدُّوسِ -ثَلاثَ مرَّاتٍ )). وفي روايةٍ: يُطيلُ في آخِرِهنَّ [467] أخرجه أبو داود (1430)، والنسائي (1699)، وأحمد (21180)، وابن حبان (2450). صَحَّحه ابنُ القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) (5/614)، وابنُ حجر في ((نتائج الأفكار)) (3/21)، والألبانيُّ في ((صحيح أبي داود)) (1430)، وصحَّح إسنادَه النوويُّ في ((الأذكار)) (120)، وابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (267). .
وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبْزَى رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ إذا سلَّم -أي: مِن الوِتْرِ-: ((سُبحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ -ثَلاثًا، ويَرفَعُ صَوتَه بالثَّالِث ةِ)) [468] أخرجه النسائي (1732)، وأحمد (15361) مطوَّلًا. صحَّح إسنادَه على شرطِ الشَّيخَينِ الحاكمُ في ((المستدرك)) (1009)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (24/78)، وجوَّد إسنادَه ابنُ الملقِّنِ في ((البدر المنير)) (4/339)، وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن النسائي)) (1732). وذكر محمد بنُ عبدِ الهادي في ((تنقيح تحقيق التعليق)) (1/515) أنَّه رُويَ بطُرقٍ كثيرةٍ، وقد أرسله بعضُهم. .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ في رُكوعِه وسُجودِه: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الملائِكةِ والرُّوحِ )) [469] رواه مسلم (487). .
السَّلَامُ.
أي: المتَّصِفُ بالسَّلامةِ التَّامَّةِ مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى وسُوءٍ، في ذاتِه وصِفاتِه وأفعالِه [470] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/551)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 31)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/344)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 398)، ((تفسير القرطبي)) (18/46)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 179)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/469، 470)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/120). قال القرطبي: (السَّلَامُ أي: ذو السَّلامةِ مِن النَّقائِصِ. وقال ابنُ العربي: اتَّفَق العُلَماءُ -رحمةُ الله عليهم- على أنَّ معنى قولِنا في اللهِ: السَّلامُ: النِّسبةُ، تقديرُه: ذو السَّلامةِ. ثمَّ اختلَفوا في ترجمةِ النِّسبةِ على ثلاثةِ أقوالٍ؛ الأوَّلُ: معناه: الَّذي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيبٍ، وبَرِئَ مِن كُلِّ نَقصٍ. الثَّاني: معناه: ذو السَّلامِ، أي: المُسَلِّمُ على عبادِه في الجنَّةِ، كما قال: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] . الثَّالثُ: أنَّ معناه: الَّذي سَلِمَ الخَلقُ مِن ظُلمِه. قلتُ: وهذا قَولُ الخَطَّابيِّ، وعليه والَّذي قَبْلَه يكونُ صِفةَ فِعلٍ. وعلى أنَّه البَريءُ مِن العيوبِ والنَّقائِصِ يكونُ صِفةَ ذاتٍ). ((تفسير القرطبي)) (18/46). ويُنظر: ((الأمد الأقصى)) لابن العربي (1/348)، ((شأن الدعاء)) للخطابي (1/41). وقال السعدي: («القُدُّوسُ، السَّلامُ» أي: المُعَظَّمُ المُنَزَّهُ عن صِفاتِ النَّقصِ كلِّها، وأن يُماثِلَه أحدٌ مِن الخَلقِ، فهو المُتنَزِّهُ عن جميعِ العُيوبِ، والمُتنَزِّهُ عن أن يُقارِبَه أو يُماثِلَه أحدٌ في شَيءٍ مِن الكمالِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4] هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65] فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: 22] ، فالقُدُّوسُ كالسَّلامِ، يَنفيانِ كلَّ نقصٍ مِن جميعِ الوُجوهِ، ويَتَضمَّنانِ الكمالَ المُطلَقَ مِن جميعِ الوُجوهِ؛ لأنَّ النَّقصَ إذا انتفى ثبَت الكمالُ كلُّه). ((تفسير السعدي)) (ص: 946). وقال الهرَّاس: (القُدُّوسُ والسَّلامُ، ومعناهما مُتقارِبانِ؛ فانَّ القُدُّوسَ مأخوذٌ مِن قدَّس، بمعنى: نزَّهه وأبْعَدَه عن السُّوءِ، مع الإجلالِ والتَّعظيمِ. والسَّلامَ مأخوذٌ مِن السَّلامةِ، فهو سُبحانَه السَّالمُ مِن مُماثَلةِ أحدٍ مِن خَلْقِه، ومِن النُّقصانِ، ومِن كلِّ ما يُنافي كمالَه). ((شرح القصيدة النونية)) (2/107). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40] .
وقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44] .
وعن ثَوبانَ رَضِيَ الله عنه، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا انصَرَفَ مِن صَلاتِه استَغفَرَ ثَلاثًا، وقال: اللَّهمَّ أنت السَّلامُ، ومنك السَّلامُ، تباركْتَ ذا الجَلالِ والإكرامِ )) [471] رواه مسلم (591). .
الْمُؤْمِنُ.
أي: واهبُ الأمنِ، فلا يأمَنُ إلَّا مَن آمَنه اللهُ تعالى، الَّذي يصدقُ رُسُلَه بالآياتِ، والمؤمنينَ ما وعَدَهم به مِن الثَّوابِ، والكافِرِين ما أوعَدَهم مِن العِقابِ [472] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/509)، ((تفسير القرطبي)) (18/46)، ((تفسير البيضاوي)) (5/202)، ((تفسير العليمي)) (7/21). قال الزَّجَّاجي: (المؤمنُ في صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ على وجهَينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ مِن الأمانِ، أي: يُؤْمِنُ عِبادَه المؤمنينَ مِن بأسِه وعَذابِه فيَأْمَنون ذلك، كما تقولُ: آمنَ فُلانٌ فلانًا، أي: أعطاه أمانًا لِيَسكُنَ إليه ويَأمَنَ، فكذلك أيضًا يُقالُ: اللهُ المؤمِنُ، أي: يؤمِنُ عِبادَه المؤمِنينَ، فلا يَأمَنُ إلَّا مَن آمنَه... والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ المؤمِنُ مِن الإيمانِ، وهو التَّصديقُ، فيَكونَ ذلك على ضَربَينِ؛ أحدُهما: أن يُقالَ: «اللهُ المؤمِنُ» أي: مُصدِّقٌ عِبادَه المؤمنينَ، أي: يصدقُهم على إيمانِهم، فيكونُ تصديقُه إيَّاهم قَبولَ صِدقِهم وإيمانِهم، وإثابتَهم عليه. والآخَرُ: أن يكونَ «اللهُ المؤمنُ» أي: مُصدقٌ ما وعَدَه عبادَه، كما يقالُ: صدَق فُلانٌ في قولِه وصدَّق، إذا كرَّر وبالَغَ، يكونُ بمَنزِلةِ ضرَب وضرَّب؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ مُصدِّقٌ ما وعد به عِبادَه ومُحَقِّقُه. فهذه ثلاثةُ أوجُهٍ في المؤمنِ، سائغٌ إضافتُها إلى الله. ولا يُصرفُ فِعلُ هذه الصِّفةِ مِن صِفاتِه عزَّ وجلَّ، فلا يُقالُ: آمَنَ اللهُ، كما يُقالُ: تقدَّسَ اللهُ، وتَبارَكَ اللهُ، ولا يُقالُ: اللهُ يؤمِنُ، كما يُقالُ: اللهُ يَحلُمُ ويَغفِرُ، ولم يُستعمَلْ ذلك). ((اشتقاق أسماء الله)) (ص: 221-223). وقال ابن جُزَي: (الْمُؤْمِنُ فيه قَولانِ؛ أحدُهما: أنَّه مِنَ الأمْنِ؛ الَّذي أمَّن عِبادَه، والآخَرُ: أنَّه مِن الإيمانِ، أي: المُصَدِّقُ لعِبادِه في إيمانِهم، أو في شَهادتِهم على النَّاسِ يومَ القيامةِ، أو المصدِّقُ نفْسَه في أقوالِه). ((تفسير ابن جزي)) (2/363). ممَّن اختار أنَّه مِنَ الأمْنِ: ابنُ جرير، البغويُّ، والزمخشري، والرَّسْعَني، والبيضاوي، والبِقاعي، والعُلَيمي، والشوكاني، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/552)، ((تفسير البغوي)) (5/66)، ((تفسير الزمخشري)) (4/509)، ((تفسير الرسعني)) (2/320)، ((تفسير البيضاوي)) (5/202)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/471)، ((تفسير العليمي)) (7/21)، ((تفسير الشوكاني)) (5/247)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/121). والمعنى على هذا القولِ: أنَّه واهِبُ الأمْنِ، أو أمَّن عِبادَه مِن العذابِ، أو أمَّن خَلْقَه مِن الظُّلْمِ. قال البقاعي: (فهو الَّذي يُعزَى إليه الأمنُ والأمانُ بإفادتِه أسبابَه، ومَنْعِ أسبابِ المَخاوِفِ؛ فلا أَمْنَ في الوُجودِ ولا أمانَ إلَّا وهو مُستفادٌ مِن جِهتِه). ((نظم الدرر)) (19/471). وقال ابنُ عاشور: (المؤمِنُ اسمُ فاعِلٍ مِن آمَنَ الَّذي هَمزتُه للتَّعْديةِ، أي: جَعَل غَيرَه آمِنًا؛ فاللهُ هو الَّذي جَعَل الأمانَ في غالِبِ أحوالِ الموجوداتِ؛ إذ خَلَق نظامَ المخلوقاتِ بعيدًا عن الأخطارِ والمصائِبِ، وإنَّما تَعرِضُ للمخلوقاتِ المصائِبُ بعوارِضَ تترَكَّبُ مِن تقارُنٍ أو تَضادٍّ، أو تعارُضِ مَصالِحَ، فيَرجَحُ أقواها ويَدحَضُ أدناها، وقد تأتي مِن جرَّاءِ أفعالِ النَّاسِ). ((تفسير ابن عاشور)) (28/121). وممَّن اختار أنَّه مِن الإيمانِ، أي: التَّصديقِ: ابنُ قُتَيْبةَ، والقرطبيُّ، والسعديُّ. يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 9)، ((تفسير القرطبي)) (18/46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). والمعنى على ذلك: المصدِّقُ لِرُسُلِه بإظهارِ مُعجزاتِه عليهم، ومصدقُ المؤمنينَ ما وعَدَهم به مِن الثَّوابِ، ومصدقُ الكافرين ما أوْعَدَهم مِن العِقابِ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (18/46). وقال الزَّجَّاجُ: (الْمُؤْمِنُ: الَّذي وَحَّد نَفْسَه بقولِه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 18] ). ((معاني القرآن وإعرابه)) (5/150). وهذا القولُ نسَبه القرطبي لمجاهدٍ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (18/46). .
الْمُهَيْمِنُ.
أي: الشَّاهِدُ الحافِظُ الرَّقيبُ على خَلْقِه، القائمُ عليهم بأعمالِهم وأرزاقِهم وآجالِهم، باطِّلاعه واستيلائِه وحِفظِه [473] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 11)، ((تفسير ابن جرير)) (8/486)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 32)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 437)، ((المقصد الأسنى)) للغزالي (ص: 72)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/ 471-472)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/121). وقال السجستاني: (المُهَيمِنُ في أسماءِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: القائِمُ على خَلْقِه بأعمالِهم وآجالِهم وأرزاقِهم). ((غريب القرآن)) (ص: 437). .
الْعَزِيزُ.
أي: المُتَّصِفُ بالعِزَّة التَّامَّةِ: الَّذي قد عَظُم قَدرُه، وامتنَع عليه النَّقصُ بأيِّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وغلَب كلَّ شَيءٍ فلا يُغلَبُ سُبحانَه، ولا يُذِلُّه أحَدٌ [474] يُنظر: ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 34)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/ 122)، ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (3/10). .
الْجَبَّارُ.
أي: العَظيمُ القاهِرُ -الَّذي قهَر جميعَ العبادِ-، المُصلِحُ أُمورَ خَلْقِه، والَّذي يُصَرِّفُهم فيما فيه صَلاحُهم [475] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/554)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 34، 35)، ((معاني القرآن)) للزجاج (5/151)، ((الوسيط)) للواحدي (4/279)، ((المفردات)) للراغب (ص: 184، 185)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/344)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 120، 121)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/472، 473)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/122). قال ابن عاشور: (وإذا وُصِفَ الإنسانُ بالجَبَّارِ كان وَصْفَ ذَمٍّ؛ لأنَّه يُشعِرُ بأنَّه يَحمِلُ غَيرَه على هواه). ((تفسير ابن عاشور)) (28/122). .
الْمُتَكَبِّرُ.
أي: المُتعَظِّمُ على جَميعِ خَلْقِه، المُتعالي والمترَفِّعُ عن الانقيادِ لِغَيرِه [476] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (4/286)، ((تفسير ابن عطية)) (5/292)، ((المفردات)) للراغب (ص: 698)، ((تفسير القرطبي)) (18/47)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/473، 474)، ((تفسير العليمي)) (7/21)، ((تفسير الشوكاني)) (5/247)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). قال الرازي: (اعلَمْ أنَّ المتكَبِّرَ في حَقِّ الخَلقِ اسمُ ذَمٍّ؛ لأنَّ المتكَبِّرَ هو الَّذي يُظهِرُ مِن نَفْسِه الكِبْرَ، وذلك نَقصٌ في حَقِّ الخَلْقِ؛ لأنَّه ليس له كِبرٌ ولا عُلُوٌّ، بل ليس معه إلَّا الحقارةُ والذِّلَّةُ والمَسْكنةُ، فإذا أظهَرَ العُلُوَّ كان كاذِبًا، فكان ذلك مذمومًا في حَقِّه، أمَّا الحَقُّ سُبحانَه فله جميعُ أنواعِ العُلُوِّ والكِبرياءِ، فإذا أظهَرَه فقد أرشَدَ العِبادَ إلى تعريفِ جَلالِه وعُلُوِّه، فكان ذلك في غايةِ المدحِ في حَقِّه سُبحانَه). ((تفسير الرازي)) (29/514). ويُنظر: ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 35). .
قال تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الجاثية: 37] .
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ وأبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قالا: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((العِزُّ إزاري، والكِبرياءُ رِدائي، فمَنْ نازَعَني بشَيءٍ منهما عذَّبْتُه)) [477] رواه البخاريُّ في ((الأدب المفرد)) (552) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (2620). .
وعن عَوفِ بنِ مالِكٍ الأشجَعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قُمتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةً، فقام فقَرَأَ سُورةَ البَقَرةِ، لا يَمُرُّ بآيةِ رَحمةٍ إلَّا وَقَف فسَأَلَ، ولا يَمُرُّ بآيةِ عَذابٍ إلَّا وَقَف فتعَوَّذَ، ثمَّ ركَعَ بقَدْرِ قيامِه، يقولُ في رُكوعِه: سُبحانَ ذي الجَبَروتِ والمَلَكوتِ، والكِبْرِياءِ والعَظَمةِ، ثمَّ سَجَد بقَدْرِ قيامِه، ثمَّ قال في سُجودِه مِثْلَ ذلك، ثمَّ قام فقَرَأَ بآلِ عِمْرانَ، ثمَّ قرأَ سُورةً سُورةً)) [478] أخرجه أبو داود (873) واللفظ له، والنسائي (1132)، وأحمد (23980). صحَّحه النوويُّ في ((المجموع)) (4/67)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (873)، وحَسَّنه ابنُ حجر في ((نتائج الأفكار)) (2/74)، ووثَّق رجالَ إسنادِه الشوكانيُّ في ((نيل الأوطار)) (2/375)، وقوَّى إسنادَه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (873). .
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أي: تنزَّهَ اللهُ عن كلِّ نَقصٍ وعَيبٍ وسُوءٍ، وعن أن يكونَ له شَريكٌ كما يَزعُمُ المُشرِكونَ [479] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/555)، ((تفسير القرطبي)) (18/47)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/123). .
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24).
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ.
أي: هو اللهُ المعبودُ بحَقٍّ، الَّذي تفرَّدَ بتَقديرِ وإنشاءِ جَميعِ المخلوقاتِ على غَيرِ مِثالٍ سَبَقَ [480] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/555)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 35، 36)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/70)، ((تفسير القرطبي)) (18/48)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/475-477)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/124). والخَلقُ في كلامِ العربِ على ضربَينِ؛ أحدُهما: ابتِداعُ الشَّيءِ وإنشاؤُه على مِثالٍ لم يُسبَقْ إليه. والثَّاني: التَّقديرُ. يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (7/16). .
كما قال تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ [الأنعام: 102] .
وقال سُبحانَه: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 10، 11].
وقال عزَّ وجَلَّ: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: 3].
الْبَارِئُ.
أي: الَّذي أحيا وأوجَدَ مِنَ العَدَمِ على مُقتَضى ما خلَقَ وقَدَّرَ [481] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/555)، ((تفسير القرطبي)) (18/48)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854)، ((تتمة أضواء البيان)) لعطية سالم (8/77). .
كما قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد: 22] .
الْمُصَوِّرُ.
أي: الَّذي يُصَوِّرُ ويُشَكِّلُ كُلَّ مَخلوقٍ على الصِّفةِ واللَّونِ والصُّورةِ الَّتي يَختارُها سُبحانَه [482] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/555)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص: 37)، ((تفسير ابن كثير)) (8/80). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران: 6] .
وقال سُبحانَه: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: 8].
لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
أي: لله وَحْدَه الأسماءُ الكثيرةُ الكامِلةُ في حُسْنِها، والدَّالَّةُ على صِفاتِ كَمالِه سُبحانَه [483] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/556)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/479)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). قال الشنقيطي: (أسماءُ الله حُسْنى، أي: هي أحسَنُ شَيءٍ؛ لأنَّ الحُسنى صيغةُ تفضيلٍ، هي أفضَلُ مِن كلِّ شَيءٍ في الحُسنِ والجَمالِ؛ لِما تدُلُّ عليه مِن صِفاتِ الكمالِ والجَلالِ المَوصوفِ بها خالِقُنا جلَّ وعَلا تقدَّسَ وتَعاظَمَ وتَنَزَّهَ؛ لأنَّ أسماءَه تدُلُّ على صِفاتِ كمالِه وجَلالِه جلَّ وعَلا). ((العذب النمير)) (4/352). .
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] .
وقال سُبحانَه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: 110] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ لله تِسعةً وتِسعينً اسمًا؛ مِئةً إلَّا واحِدًا، مَن أحصاها دَخَل الجَنَّةَ )) [484] رواه البخاري (2736)، ومسلم (2677). .
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: يُنَزِّهُ اللهَ وَحْدَه عن النَّقائِصِ والعُيوبِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ والأرضِ [485] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/556)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/479، 480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). .
كما قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] .
وقال سُبحانَه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور: 41] .
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
أي: واللهُ هو العزيزُ الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، وهو الحَكيمُ في كلِّ ما خَلَقَه وشَرَعَه وقدَّرَه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به [486] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/556)، ((تفسير ابن كثير)) (8/81)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/480، 481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 854). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إلى قولِه: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أنَّه سُبحانَه يَستَدِلُّ بأسمائِه وصفاتِه على وَحدانيَّتِه، وعلى بُطلانِ الشِّركِ [487] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/434). .
2- القَولُ بأنَّ أسماءَ اللهِ أعلامٌ مَحضَةٌ مُترادِفةٌ لا تدُلُّ إلَّا على ذاتِ اللهِ فقط: قَولٌ باطلٌ؛ فاللهُ تعالى يُسَمِّي نفْسَه باسمَينِ أو أكثَرَ في مَوضِعٍ واحدٍ، كقَولِه تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، فلو كانتِ الأسماءُ مُترادِفةً ترادُفًا مَحْضًا لَكان ذِكرُها مُجتَمِعةً لَغْوًا مِن القَولِ؛ لعدَم الفائدةِ، فدَلالاتُ الكتابِ والسُّنَّةِ مُتضافِرةٌ على أنَّ كلَّ اسمٍ مِن أسماء الله دالٌّ على معناه المُختَصِّ به، مع اتِّفاقِها على مُسمًّى واحدٍ ومَوصوفٍ واحدٍ [488] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (4/128). .
3- قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ليس بتَكرارٍ، بل هي مَعانٍ مُتغايِرةٌ، بَيْنَها قَدْرٌ مُشتَرَكٌ، وبَيانُه: أنَّ الإيجادَ يَتعلَّقُ بالمادَّةِ وبالصُّورةِ وبمَجموعِهما؛ فإنْ تَعَلَّقَ بالمادَّةِ فهو بَرْؤُه، ولا يُقالُ للمُصَوِّرِ: إنَّه بارئٌ باعتبارِ تَصويرِه، وإنَّما البارئُ مِن بَرَأَ الشَّيءَ مِن العَدَمِ إلى الوُجودِ، وإنْ تَعَلَّقَ بالصُّورةِ فهو تصويرٌ، ويُقالُ لفاعلِه: المُصَوِّرُ. والخالِقُ يَنظِمُهما معًا؛ فالبارِئُ للمادَّةِ، والمُصَوِّرُ للصُّوَرِ، والخالِقُ لهما جَميعًا، فأينَ التَّكرارُ [489] يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (8/349، 350). ؟!
وأيضًا: الخَلْقُ: التَّقديرُ، والبراءُ: هو الفَرْيُ، وهو التَّنفيذُ وإبرازُ ما قدَّره وقرَّره إلى الوجودِ، وليس كلُّ مَن قدَّر شيئًا ورتَّبه يقدِرُ على تنفيذِه وإيجادِه سوَى الله عزَّ وجلَّ، وقولُه تعالى: الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ أي: الذي إذا أرادَ شيئًا قال له: كُنْ، فيكونُ على الصِّفةِ التي يريدُ، والصُّورةِ التي يختارُ، كقولِه: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: 8] لهذا قال: الْمُصَوِّرُ أي: الذي يُنفذُ ما يريدُ إيجادَه على الصِّفةِ التي يريدُها [490] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/80). .
4- في قَولِه تعالى: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى أنَّ أسماءَ اللهِ سُبحانَه وتعالى كلَّها حُسْنى، ليس فيها نَقصٌ بوَجهٍ مِن الوُجوهِ ولا بحالٍ مِن الأحوالِ؛ ووَجهُه: أنَّه سُبحانَه وَصَفَها باسمِ التَّفضيلِ [491] يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) لابن عثيمين (1/162). .
5- في قَولِه تعالى: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى أنَّ أسماءَ اللهِ تعالى مُشتَقَّةٌ، أي: إنَّها تتضَمَّنُ معانيَ وأوصافًا؛ فكلُّ اسمٍ منها يتضَمَّنُ الصِّفةَ الَّتي اشتُقَّ منها، حتَّى اسمُ «اللهِ» يتضَمَّنُ صِفةً، وهي الألوهيَّةُ؛ فأسماءُ اللهِ تعالى إذَنْ أعلامٌ دالَّةٌ على صِفةٍ، ولولا ذلك ما كانت حُسنى؛ لأنَّها إذا لم تتضَمَّنْ معنًى صارتْ أسماءً جامدةً لا معنَى لها، وإذا كانت أسماءً جامدةً لا معنَى لها فلا تُوصَفُ بالحُسْنى، واللهُ عزَّ وجلَّ وَصَفَها بأنَّها حُسنى، أي: بالغةٌ في الحُسنِ كمالَه، وقد يتضَمَّنُ بعضُها صِفتَينِ أو أكثرَ عن طريقِ الالتزامِ، يعني: مِن بابِ دَلالةِ اللُّزومِ أو الالتزامِ [492] يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) لابن عثيمين (1/163). ودَلالةُ اللُّزومِ: هي دَلالةُ اللَّفظِ على لازِمِ مُسمَّاه؛ كدَلالةِ السَّقفِ على الجِدارِ، ودَلالةِ الأسدِ على الشَّجاعةِ. يُنظر: ((تقريب الوصول إلي علم الأصول)) لابن جُزَي (ص: 145)، ((الإبهاج في شرح المنهاج)) للسبكي (1/294). .
6- في قَولِه تعالى: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أنَّ أسماءَ اللهِ تعالى مختصَّةٌ به، فكما اختَصَّ بالعبادةِ وبالألوهيَّةِ؛ فلا معبودَ بحقٍّ إلَّا الله، وبأنَّه يُسَبِّحُ له ما في السَّمَواتِ والأرضِ؛ فهو مُختَصٌّ بالأسماءِ الحُسنى، فتسميةُ غيرِه بها على الوَجهِ الَّذي يَختَصُّ باللهِ عزَّ وجلَّ مَيلٌ بها عمَّا يَجِبُ فيها [493] يُنظر: ((القواعد المثلى)) لابن عثيمين (ص: 17). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
- قولُه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ضَميرُ الغَيبةِ هُوَ مُبتدأٌ، وهو عائدٌ إلى اسمِ الجَلالةِ في قولِه تعالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر: 18] . واسمُ الجَلالةِ في هُوَ اللَّهُ الَّذِي ... خبَرٌ عنه، و(الَّذي) صِفةٌ لاسمِ الجلالةِ، وكان مُقْتضى الظَّاهرِ الاقتِصارَ على الضَّميرِ دونَ ذِكرِ اسمِ الجَلالةِ؛ لأنَّ المقصودَ الإخبارُ عن الضَّميرِ بـ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وبما بعْدَ ذلك مِن الصِّفاتِ العَلِيَّةِ، فالجمْعُ بيْن الضَّميرِ وما يُساوي مُعادَه اعتبارٌ بأنَّ اسمَ الجلالةِ يَجمَعُ صِفاتِ الكمالِ؛ لأنَّ أصْلَه الإلهُ، ومَدلولُ (الإلَهِ) يَقْتضي جَميعَ صِفاتِ الكَمالِ. ويَجوزُ أنْ يُجعَلَ الضَّميرُ ضَميرَ الشَّأنِ، واسمُ الجلالةِ مبتدَأً، والَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَبرًا، والجُملةُ خبرًا عن ضَميرِ الشَّأنِ، ويكونَ الكلامُ استِئنافًا قُصِدَ منه تَعليمُ المسلِمينَ هذه الصِّفاتِ؛ ليَتبصَّروا فيها، وللرَّدِّ على المُشرِكين إشراكَهم بصاحبِ هذه الصِّفاتِ معه أصْنافًا ليس لواحدٍ منها شَيءٌ مِن مِثلِ هذه الصِّفاتِ؛ ولذلك خُتِمَت طائفةٌ منها بجُملةِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر: 23] ؛ لتَكونَ خِتامًا لهذه السُّورةِ الجليلةِ الَّتي تَضمَّنَت مِنَّةً عَظيمةً، وهي مِنَّةُ الفتْحِ الواقعِ والفتْحِ المُيسَّرِ في المُستقبَلِ، لا جَرَمَ أنَّه حَقيقٌ بأنْ يَعرِفوا جَلائلَ صِفاتِه الَّتي لِتَعلُّقاتِها آثارٌ في الأحوالِ الحاصلةِ والَّتي ستَحصُلُ مِن هذه الفُتوحِ، ولَمَّا كان شأْنُ هذه الصِّفاتِ عَظيمًا، ناسَبَ أنْ تُفتَتَحَ الجُملةُ بضَميرِ الشَّأنِ [494] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/118). .
- وابتُدِئَ في هذه الصِّفاتِ العَلِيَّةِ بصِفةِ الوَحدانيَّةِ، وهي مَدلولُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وهي الأصلُ فيما يَتبَعُها مِن الصِّفاتِ؛ ولذلك كَثُرَ في القُرآنِ ذِكرُها عَقِبَ اسمِ الجلالةِ، كما في آيةِ الكُرسيِّ وفاتحةِ (آلِ عِمرانَ)، وثُنِّيَ بصِفةِ عَالِمُ الْغَيْبِ؛ لأنَّها الصِّفةُ الَّتي تَقتَضيها صِفةُ الإلهيَّةِ؛ إذ عِلمُ اللهِ هو العِلمُ الواجبُ، وهي تَقْتضي جَميعَ الصِّفاتِ، وإنَّما ذُكِرَ مِن مُتعلِّقاتِ عِلمِه أُمورُ الغَيبِ؛ لأنَّه الَّذي فارَقَ به عِلمُ اللهِ تَعالى عِلمَ غيرِه، وذُكِرَ معه عِلمُ الشَّهادةِ للاحتِراسِ [495] الاحتراس: هو التَّحرُّزُ مِن الشَّيءِ والتَّحفُّظُ منه، وهو نوعٌ مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو أن يكونَ الكلامُ محتملًا لشَيءٍ بعيدٍ، فيُؤتى بكلامٍ يَدفعُ ذلك الاحتمالَ. أو الإتيانُ في كلامٍ يوهِمُ خلافَ المقصودِ بما يَدْفَعُ ذلك الوهمَ، ويُسمِّيه بعضُهم: التَّكميلَ. يُنظر: ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (3/208)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/64)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/251)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 49). مِن تَوهُّمِ أنَّه يَعلَمُ الحقائقَ العاليةَ الكُلِّيَّةَ فقطْ، كما ذهَبَ إليه فريقٌ مِن الفلاسِفةِ الأقدمِينَ؛ ولأنَّ التَّعريفَ في الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ للاستِغراقِ، أي: كلّ غَيبٍ وشَهادةٍ، وذلك ممَّا لا يُشارِكُه فيه غيرُه.
 وفي ذِكرِ الغَيبِ إيماءٌ إلى ضَلالِ الَّذين قَصَروا أنفُسَهم على المُشاهَداتِ، وكَفَروا بالمُغيَّباتِ مِن البعثِ والجَزاءِ وإرسالِ الرُّسلِ، أمَّا ذِكرُ عِلمِ الشَّهادةِ فتَتميمٌ [496] التَّتميم: مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو الإتيانُ بكلمةٍ أو كلامٍ مُتمِّمٍ للمقصودِ، أو لزِيادةٍ حَسنةٍ، بحيثُ إذا طُرِحَ من الكلام نقَصَ معناه في ذاتِه، أو في صِفاتِه. أو هو الإتيانُ في كلامٍ لا يُوهِمُ غيرَ المرادِ بفَضلةٍ تُفيدُ نُكتةً. أو هو إردافُ الكلامِ بكَلمةٍ تَرفعُ عنه اللَّبسَ، وتُقرِّبُه للفَهمِ. ومِن أمثلةِ التَّتميمِ قولُه تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ [النساء: 124] ؛ فقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميمٌ في غايةِ الحُسنِ. ومنه قولُه تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: 206] ؛ وذلك أنَّ العِزَّةَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فلمَّا قال: بِالْإِثْمِ اتَّضحَ المعنى وتَمَّ، وتبيَّن أنَّها العزةُ المذمومةُ المُؤثَّمُ صاحِبُها. يُنظر: ((تحرير التحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 127)، ((التبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 217)، ((تفسير أبي حيان)) (1/120) و(2/332، 333)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/44)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (1/49 - 51) و(1/240، 241). على أنَّ المشرِكينَ يَتوهَّمون اللهَ لا يَطَّلِعُ على ما يُخْفُونه؛ قال تعالَى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [497] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/119). [فصلت: 22، 23].
- وتَقديمُ الْغَيْبِ لتَقدُّمِه في الوُجودِ، وتَعلُّقِ العِلمِ الأزَليِّ به [498] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/202)، ((تفسير أبي السعود)) (8/233). .
- والضَميرُ (هو) في: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ضَميرُ فصْلٍ يُفيدُ قصْرَ الرَّحمةِ عليه تَعالى؛ لعدَمِ الاعتِدادِ برَحمةِ غَيرِه؛ لقُصورِها، قال تَعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [499] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/119). [الأعراف: 156].
- ووَجْهُ تَعقيبِ صِفةِ عُمومِ العِلمِ بصِفةِ الرَّحمةِ أنَّ عُمومَ العِلمِ يَقْتضي ألَّا يَغِيبَ عن عِلمِه شَيءٌ مِن أحوالِ خلْقِه وحاجتِهم إليه، فهو يَرحَمُ المُحتاجينَ إلى رَحمتِه، ويُمهِلُ المعانِدينَ إلى عِقابِ الآخرةِ؛ فهو رحْمنٌ بهم في الدُّنيا [500] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/119، 120). .
2- قولُه تعالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ تَكريرٌ للاستِئنافِ؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ تَعظيمٍ، وهو مِن مَقاماتِ التَّكريرِ، وفيه اهتمامٌ بصِفةِ الوَحدانيَّةِ [501] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/233)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/120). .
- وعُقِّبَ وَصْفَا الرَّحمةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ بوصْفِ الْمَلِكُ؛ للإشارةِ إلى أنَّ رَحمتَه فضْلٌ، وأنَّه مُطلَقُ التَّصرُّفِ [502] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/120). .
- والْقُدُّوسُ وصْفُ مُبالَغةٍ [503] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/509)، ((تفسير البيضاوي)) (5/202)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (15/345)، ((تفسير أبي حيان)) (10/149)، ((تفسير أبي السعود)) (8/ 234)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/120). . وعُقِّبَ بوَصْفِ الْقُدُّوسُ وصْفُ الْمَلِكُ للاحتِراسِ؛ إشارةً إلى أنَّه مُنزَّهٌ عن نَقائصِ المُلوكِ المعروفةِ، مِن الغُرورِ، والاستِرسالِ في الشَّهواتِ، ونحْوِ ذلك مِن نَقائصِ النُّفوسِ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/120). .
- والسَّلَامُ وُصِفَ اللهُ تَعالى به على طَريقةِ الوَصْفِ بالمصدَرِ؛ للمُبالَغةِ في الوصْفِ، أي: ذو السَّلامِ والسَّلامةِ [505] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/509)، ((تفسير البيضاوي)) (5/202)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (15/345)، ((تفسير أبي السعود)) (8/234)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/ 120، 121). .
- وعُقِّبَ وصْفُ المَلِكِ بوصْفِ السَّلامِ؛ للدَّلالةِ على العدْلِ في مُعامَلتِه الخلْقَ، وهذا احتراسٌ أيضًا [506] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/121). .
- وبَدَأَ بالقُدُّوسِ قبْلَ السَّلامِ؛ لأنَّ القُدُّوسَ مَحْوٌ للنَّقصِ في الماضي -إنْ قُدِّرَ-، والسَّلامَ مَنْعٌ للنَّقصِ المُستَقبَلِ [507] يُنظر: ((شرح الكافية الشافية)) لابن عثيمين (3/194). قال السَّفَّاريني: (الفرقُ بيْن القُدُّوسِ والسَّلامِ أنَّ القُدُّوسَ فيه إشارةٌ إلى أنَّه بريءٌ مِن جميعِ العُيوبِ والنَّقائصِ في الماضي والحاضرِ، والسَّلامَ فيه إشارةٌ إلى أنَّه لا يَطرأُ عليه شَيءٌ مِن ذلك في المُستقبَلِ). ((لوامع الأنوار البهية)) (2/257). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (29/512). وقيل: القُدُّوسُ هو المُنَزَّهُ عن النَّقائصِ في ذاتِه وفي صِفاتِه. والسَّلامُ هو المُنزَّهُ عن النَّقائصِ في أفعالِه. يُنظر: ((المطالب العالية من العلم الإلهي)) للرازي (3/251). .
- وذِكرُ وصْفِ الْمُؤْمِنُ عَقِبَ الأوصافِ الَّتي قبْلَه إتمامٌ للاحتِراسِ مِن تَوهُّمِ وَصْفِه تَعالى بالمَلِكِ؛ أنَّه كالمُلوكِ المَعروفين بالنَّقائصِ، فأُفِيدَ أوَّلًا نَزاهةُ ذاتِه بوصْفِ القدُّوسِ، ونَزاهةُ تَصرُّفاتِه المُغيَّبةِ عن الغدْرِ والكَيدِ بوصْفِ المؤمنِ، ونَزاهةُ تَصرُّفاتِه الظَّاهرةِ عن الجَورِ والظُّلمِ بوصْفِ السَّلامِ [508] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/121). .
- وتَعقيبُ الْمُؤْمِنُ بوَصْفِ الْمُهَيْمِنُ؛ لدفْعِ تَوهُّمِ أنَّ تَأْمينَه عن ضَعْفٍ أو عن مَخافةِ غَيرِه، فأُعْلِموا أنَّ تَأمينَه لحِكمتِه مع أنَّه رَقيبٌ مُطَّلِعٌ على أحوالِ خلْقِه، فتَأمينُه إيَّاهم رَحمةٌ بهم [509] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/122). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
- ووَجْهُ ذِكرِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ عَقِبَ صِفةِ الْمُهَيْمِنُ: أنَّ جَميعَ ما ذَكَرَه آنِفًا مِن الصِّفاتِ لا يُؤذِنُ إلَّا باطمئنانِ العِبادِ لعِنايةِ ربِّهم بهم، وإصلاحِ أُمورِهم، وأنَّ صِفةَ المُهيمِنِ تُؤذِنُ بأمْرٍ مُشتركٍ، فعُقِّبَت بصِفةِ الْعَزِيزُ؛ ليَعلَمَ النَّاسُ أنَّ اللهَ غالبٌ لا يُعجِزُه شَيءٌ، وأُتْبِعَت بصِفةِ الْجَبَّارُ الدَّالَّةِ على أنَّه مُسخِّرُ المخلوقاتِ لإرادتِه، ثمَّ صِفةِ المُتكبِّرِ الدَّالَّةِ على أنَّه ذُو الكِبْرياءِ يَصغُرُ كلُّ شَيءٍ دونَ كِبريائِه؛ فكانت هذه الصِّفاتُ في جانبِ التَّخويفِ كما كانتِ الصِّفاتُ قبْلَها في جانبِ الإطماعِ [510] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/123). .
- قولُه: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ذُيِّلَت الصِّفاتُ المذكورةُ بتَنزيهِ اللهِ تَعالى عن أنْ يكونَ له شُركاءُ بأنْ أشْرَكَ به المُشرِكون؛ فضَميرُ يُشْرِكُونَ عائدٌ إلى مَعلومٍ مِن المقامِ، وهم المُشرِكون الَّذين لم يَزَلِ القُرآنِ يَقْرَعُهم بالمواعظِ [511] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/123). .
3- قولُه تعالَى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إنْ كان ضَميرُ الغَيبةِ (هُوَ) ضَميرَ شأْنٍ فالجُملةُ بعْدَه خبَرٌ عنه، وجُملةُ اللَّهُ الْخَالِقُ تُفيدُ قصْرًا بطَريقِ تَعريفِ جُزأَيِ الجُملةِ؛ هو الخالقُ لا شُركاؤُهم، وهذا إبطالٌ لإلهيَّةِ ما لا يَخلُقُ؛ قال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل: 20] ، وقال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [512] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/123). [النحل: 17] .
- قوله: الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ذُكِرَت هذه الصِّفاتُ مُتتابِعةً؛ لأنَّ كلَّ ما يخرجُ مِن العدمِ إلى الوُجودِ يَفتقِرُ إلى تقديرٍ أوَّلًا، وإلى الإيجادِ على وَفْقِ التَّقديرِ ثانيًا، وإلى التَّصويرِ بعدَ الإيجادِ ثالثًا، واللهُ سُبحانَه وتعالَى خالِقٌ مِن حيثُ إنَّه مُقَدِّرٌ، وبارئٌ مِن حيثُ إنَّه مُختَرِعٌ موجِدٌ، ومُصَوِّرٌ مِن حيثُ إنَّه مُرَتِّبٌ صوَرِ المُخترَعاتِ أحسَنَ ترتيبٍ [513] يُنظر: ((المقصد الأسنى)) للغزالي (ص: 75). .
وقيل: الخالقُ: اسمُ فاعِلٍ مِن الخَلْقِ، وأصلُ الخلْقِ في اللُّغةِ إيجادُ شَيءٍ على صُورةٍ مَخصوصةٍ، ويُطلَقُ الخلْقُ على معنًى أخصَّ مِن إيجادِ الصُّوَرِ، وهو إيجادُ ما لم يكُنْ مَوجودًا، كقولِه تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ق: 38] ، وهذا هو المعْنى الغالبُ مِن إطلاقِ اسمِ اللهِ تَعالى (الخالِق)، وبهذا يكونُ الخلْقُ أعمَّ مِن التَّصويرِ، ويكونُ ذِكرُ (البارئِ والمُصوِّرِ) بعْدَ (الخالقِ) تَنبيهًا على أحوالٍ خاصَّةٍ في الخلْقِ [514] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/124). .
وقيل: إنَّما ذُكِرَت هذه الصِّفاتُ مُتتابِعةً؛ لأنَّ مِن مَجموعِها يَحصُلُ تَصوُّرُ الإبداعِ الإلهيِّ للإنسانِ؛ فابتُدِئَ بالخلْقِ الَّذي هو الإيجادُ الأصليُّ، ثمَّ بالبَرْءِ الَّذي هو تَكوينُ جِسمِ الإنسانِ، ثمَّ بالتَّصويرِ الَّذي هو إعطاءُ الصُّورةِ الحَسَنةِ، كما أشار إليه قولُه تعالى: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ [الانفطار: 7، 8]، الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [515] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/125). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (29/514). [آل عمران: 6].
- ووجْهُ ذِكرِ هذه الصِّفاتِ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ عقِبَ الصِّفاتِ المُتقدِّمةِ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ أنَّ هذه الصِّفاتِ الثَّلاثَ أُرِيدَ منها الإشارةُ إلى تَصرُّفِه في البشرِ بالإيجادِ على كَيفيَّتِه البديعةِ؛ ليُثِيرَ داعيةَ شُكْرِهم على ذلك؛ ولذلك عُقِّبَ بجُملةِ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [516] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/125). .
- قيل: وَجْهُ إرجاعِ هذه الصِّفاتِ الحُسنى إلى ما يُناسِبُها ممَّا اشتَمَلَت عليه السُّورةُ يَنقسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، ولكنَّها ذُكِرَت في الآيةِ بحسَبِ تَناسُبِ مَواقعِ بَعضِها عقِبَ بعضٍ مِن تَنظيرٍ، أو احتراسٍ [517] الاحتراس: هو التَّحرُّزُ مِن الشَّيءِ والتَّحفُّظُ منه، وهو نوعٌ مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو أن يكونَ الكلامُ محتملًا لشَيءٍ بعيدٍ، فيُؤتى بكلامٍ يَدفعُ ذلك الاحتمالَ. أو الإتيانُ في كلامٍ يوهِمُ خلافَ المقصودِ بما يَدْفَعُ ذلك الوهمَ، ويُسمِّيه بعضُهم: التَّكميلَ. يُنظر: ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (3/208)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/64)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/251)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 49). ، أو تَتميمٍ [518] التَّتميم: مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو الإتيانُ بكلمةٍ أو كلامٍ مُتمِّمٍ للمقصودِ، أو لزِيادةٍ حَسنةٍ، بحيثُ إذا طُرِحَ من الكلام نقَصَ معناه في ذاتِه، أو في صِفاتِه. أو هو الإتيانُ في كلامٍ لا يُوهِمُ غيرَ المرادِ بفَضلةٍ تُفيدُ نُكتةً. أو هو إردافُ الكلامِ بكَلمةٍ تَرفعُ عنه اللَّبسَ، وتُقرِّبُه للفَهمِ. ومِن أمثلةِ التَّتميمِ قولُه تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [النساء: 124] ؛ فقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميمٌ في غايةِ الحُسنِ. ومنه قولُه تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: 206] ؛ وذلك أنَّ العِزَّةَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فلمَّا قال: بِالْإِثْمِ اتَّضحَ المعنى وتَمَّ، وتبيَّن أنَّها العزةُ المذمومةُ المُؤثَّمُ صاحِبُها. يُنظر: ((تحرير التحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 127)، ((التبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 217)، ((تفسير أبي حيان)) (1/120) و(2/332، 333)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/44)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (1/49 - 51) و(1/240، 241). :
القِسمُ الأوَّلُ: يَتعلَّقُ بما يُناسِبُ أحوالَ المشركين وأحلافِهم اليهودِ المُتألِّبِين على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعلى المسلمينَ بالحرْبِ والكَيدِ والأذى، وأنصارِهم مِن المنافِقِين المُخادِعين للمُسلمينَ.
وإلى هذا القِسمِ تَنْضوي صِفةُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الحشر: 23] ، وهذه الصِّفةُ هي الأصلُ في التَّهيُّؤِ للتَّدبُّرِ والنَّظرِ في بَقيَّةِ الصِّفاتِ؛ فإنَّ الإشراكَ أصلُ الضَّلالاتِ، والمشرِكون همُ الَّذين يُغْرُون اليهودَ، والمنافِقونَ بيْن يَهودَ ومُشرِكين تَستَّروا بإظهارِ الإسلامِ، فالشِّركُ هو الَّذي صدَّ النَّاسَ عن الوصولِ إلى مَسالكِ الهُدى.
وصِفةُ عَالِمُ الْغَيْبِ [الحشر: 22] ؛ فإنَّ مِن أُصولِ الشِّركِ إنكارَ الغَيبِ الَّذي مِن آثارِه إنكارُ البعثِ والجزاءِ، والاستِرسالُ في الغَيِّ وأعمالِ السَّيِّئاتِ، وإنكارُ الوحْيِ والرِّسالةِ، وهذا ناظرٌ إلى قولِه تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر: 4] الآيةَ.
وكذلك ذِكرُ صِفاتِ (المَلِك، والعَزيز، والجبَّار، والمُتكبِّر)؛ لأنَّها تُناسِبُ ما أنْزَلَه ببَني النَّضيرِ مِن الرُّعبِ والخِزْيِ والبطْشةِ.
القِسمُ الثَّاني: مُتعلِّقٌ بما اجْتَناهُ المؤمنون مِن ثَمَرةِ النَّصرِ في قصَّةِ بَني النَّضيرِ، وتلك صِفاتُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ [الحشر: 23] ؛ لقولِه: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ [الحشر: 6] ، أي: لم يَتجشَّمِ المسلِمون للغِنى مَشقَّةً، ولا أذًى، ولا قِتالًا.
وكذلك صِفتَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: 22] ؛ لِمُناسَبتِهما لإعطاءِ حظٍّ في الفَيءِ للضُّعفاءِ.
القسمُ الثالثُ: مُتعلِّقٌ بما يَشترِكُ فيه الفريقانِ المذكورانِ في هذه السُّورةِ، فيَأخُذُ كلُّ فريقٍ حظَّه منها، وهي صِفاتُ (القُدُّوس، المُهيمِن، الخالِق، البارِئ، المُصوِّر) [519] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/125، 126). .
- قولُه: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى تَذييلٌ لِما عُدِّدَ مِن صِفاتِ اللهِ تعالى، أي: له جَميعُ الأسماءِ الحُسنى الَّتي بَعضُها الصِّفاتُ المذكورةُ آنِفًا [520] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/126). .
- وقولُه: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عطْفٌ على جُملةِ الحالِ، وأُوثِرَ هاتانِ الصِّفتانِ؛ لشِدَّةِ مُناسَبتِهما لنِظامِ الخلْقِ [521] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/127). .
- وفي هذه الآيةِ رَدُّ العَجُزِ على الصَّدرِ [522] رَدُّ العَجُزِ على الصَّدرِ -ويُعرَفُ أيضًا بالتَّصديرِ-: هو أنْ تكونَ اللَّفظةُ بعَيْنِها تقدَّمتْ في أوَّلِ الكَلامِ، ثُمَّ تُعادُ في آخِرِه، وبتعبيرٍ آخَرَ: هو أنْ يُجعَلَ أحدُ اللَّفظَينِ المُكرَّرَينِ، أو المُتجانِسَينِ، أو المُلحَقَينِ بهما في أوَّلِ الفِقرةِ، ثُمَّ تُعادُ في آخِرِها، وهو على ثلاثةِ أقسامٍ؛ الأوَّلُ: أن يُوافِقَ آخِرُ الفاصِلةِ آخِرَ كَلِمةٍ في الصَّدرِ؛ كقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: 166] ، والثَّاني: أنْ يُوافِقَ أوَّلَ كَلمةٍ منه؛ كقولِه: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8] ، والثَّالثُ: أنْ يُوافِقَ بعضَ كَلِماتِه؛ كقولِه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام: 10] . يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/461)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/354)، ((جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع)) للهاشمي (ص: 333)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/514). ؛ لأنَّ صَدْرَ السُّورةِ مُماثِلٌ لآخِرِها [523] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/127). .