موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (51 - 55)

ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ

غريب الكلمات:


شَفِيعٌ: أي: ناصِر ومُعينٌ، والشَّفاعةُ: الانضمامُ إلى آخَرَ؛ نُصْرةً له، وسؤالًا عنه، وشَفَعَ فلانٌ لفلانٍ: إذا جاء ملتمِسًا مَطْلَبَه، ومُعِينًا له؛ فأصل الشَّفْع: ضمُّ الشَّيءِ إلى مِثْلِه [852] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/290)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/201)، ((المفردات)) للراغب (ص: 457). .
بِالْغَدَاةِ: الغَداةُ هِي أوَّلُ النَّهارِ، أو وَقتُ الضُّحى، أو مِن طُلوعِ الفَجْرِ إلى الظُّهرِ، وأصْلُ (غدو): يدلُّ على زمانٍ [853] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/43) و(24/101)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/287) و(4/415)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 982). .
وَالْعَشِيِّ: العشيُّ هو آخِرُ النَّهارِ مِن وقْتِ العَصرِ إلى اللَّيلِ، أو مِن الظُّهر إلى نِصْفِ اللَّيلِ، وأصل (عشو): يدلُّ على ظلامٍ، وقِلَّة وضوحٍ في الشَّيءِ [854] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/43) و(24/101)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/322)، ((المفردات)) للراغب (ص: 567)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 336)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 982). .
فَتَنَّا: أي: اختبَرْنا وابتَلَينا وامتحَنَّا [855] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 76، 101، 152)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/472). يُنظر: 473)، ((المفردات)) للراغب (ص: 624)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 29، 94، 139، 140). .
سُوءًا: السوءُ: هو كُلُّ ما يسوءُ صاحبَه إذا رآه في صحيفتِه، وهو اسمٌ جامعٌ للآفاتِ، وهو أيضًا كلُّ ما يَغُمُّ الإنسانَ، ويُستعمَلُ في كلِّ ما يُستقبَحُ [856] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/113)، ((المفردات)) للراغب (ص: 441)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 73)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/342). .
بِجَهَالَةٍ: الجهالةُ فِعلُ الشَّيءِ بخلافِ ما حقُّه أن يُفعَلَ، وأصل (جهل): خلافُ العِلْم [857] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/489) و(4/505)، ((المفردات)) للراغب (ص: 209)، ((تفسير القرطبي)) (6/437). .
وَلِتَسْتَبِينَ: أي: لتَظْهَرَ ولتنكشِفَ، وأصل (بين): الانكشافُ [858] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/327)، ((تفسير ابن كثير)) (3/263). .

مشكل الإعراب:


1- قوله تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
فَتَطْرُدَهُمْ: الفاءُ سَببيَّة، و(تطردَ): منصوبٌ في جَوابِ النَّفْيِ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ بـ(أنْ) مُضمَرة بعدَ الفاءِ؛ على إرادةِ انتفاءِ الطَّرْدِ؛ لانتفاءِ كَوْنِ حسابِهم عليه، وحسابِه عليهم، أي: ما يكون مؤاخذةُ كلِّ واحدٍ بحسابِ صاحبِه؛ فكيف يقَعُ طردٌ؟!
فَتَكُونَ: مَنصوبٌ بالعَطْفِ على فَتَطْرُدَهُمْ؛ على وجْهِ التَّسبيبِ؛ لأنَّ كونَه ظالِمًا مُسَبَّبٌ عن طَرْدِهم. أو منصوبٌ بـ(أنْ) مُضمرةً على أنَّه جوابُ النَّهْيِ الذي في أوَّلِ الآيةِ وَلَا تَطْرُدِ، وتكونُ الجُملتانِ- مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ وجوابُ الأولى فَتَطْرُدَهُمْ- اعتراضًا بين النَّهْيِ وجوابِه [859] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/253)، ((تفسير الزمخشري)) (2/28)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/499)، ((تفسير أبي حيان)) (4/524)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/645- 646). .
2- قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أَنَّهُ... فَأَنَّهُ: قُرِئَ بفتحِ «أنَّ» في الموضعينِ وبِكَسْرِهما؛ فعلى قِراءةِ الفتحِ فيهما تكونُ أنَّهُ الأُولى في مَوضِع نَصْبٍ بدلًا من الرَّحْمةَ، أي: كتَب أنَّهُ مَن عَمِلَ. وأمَّا فَتْحُ الثَّانيةِ فَأَنَّهُ فعلى: أنَّها في مَحلِّ رفعٍ مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ، أي: فغُفرانُه ورحمتُه حاصِلانِ أو كائنان، أو فعَلَيه غُفرانُه ورَحْمتُه. أو على: أنَّها في محلِّ رفْعٍ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأمْرُه أو شَأْنُه أنَّه غفورٌ رحيمٌ.
وأمَّا على قِراءة كَسْرِ الهَمزةِ: فكَسْرُ الأُولى (إِنَّهُ) على أنَّها مستأنفَةٌ، وأنَّ الكَلامَ تامٌّ قَبْلَها، وجِيءَ بها وبما بَعْدَها كالتَّفسيرِ لِقَوْله: كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة، أو على إضمارِ (قال)، فكُسِرَت (إنَّ) بَعْدَه، وأمَّا كَسْرُ الثَّانِيةِ (فإِنَّهُ) فعَلى الاستئنافِ، بمعنى أنَّها في صَدْرِ جملةٍ وَقَعَت خبرًا لـ مَنْ الموصولةِ، أو جوابًا لها إنْ كانَتْ شرطًا [860] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/253)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/499)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/650- 653). .
3- قوله تعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
وَلِتَسْتَبِينَ: قُرِئَ ولِتَسْتَبينَ بالتاءِ، وقُرِئ (وَلِيَسْتَبينَ) بالياءِ، وقُرِئ سَبِيلُ بالرَّفْع والنَّصْب، وهذه القِراءاتُ دائرةٌ على تَذكيرِ (السَّبيل) وتأنيثِه، وتَعَدِّي الفعلِ (استبان) ولُزُومِه، وكِلاهما جاء فيه الأمرانِ؛ فالسَّبيلُ يُذكَّر ويُؤنَّثُ؛ قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف: 146] فذَكَّر السَّبيلَ، وقال: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف: 108] فأنَّثَ السبيلَ. وأمَّا الفِعلُ (استبانَ) فيكونُ متعدِّيًا؛ نحو: استَبَنْتُ الشَّيْءَ، ويكون لازمًا؛ نحو: استبانَ الصُّبْحُ.
فمَنْ قرأ بالتَّاءِ ورَفَعَ (السَّبيل): فالسَّبيلُ فاعِلٌ للفِعْلِ (تَسْتَبِينَ) على لغَةِ التَّأنيثِ، والفِعلُ لازِمٌ.
ومَن قرأ بالياءِ ورَفَع (السَّبيل): فالسَّبيلُ فاعِلٌ للفِعل (يَسْتَبينَ) على لُغة التَّذْكيرِ، والفِعْلُ لازِمٌ أيضًا.
ومن قرأ بالتَّاءِ ونَصَبَ (السَّبيل): فإنَّ الفاعِلَ ضميرُ المخاطَب المستَتِر، تقديره: (أنت)، و(السَّبيلَ) مفعولٌ به منصوبٌ [861] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/254)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/501)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/655). .

المعنى الإجمالي:


يَأمرُ اللهُ نبيَّهُ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يُنْذِرَ بالقرآنِ الذين يخافونَ أن يُحْشَروا إلى ربِّهم، ليس لهم غير اللهِ وليٌّ ينصرُهم، ولا شفيعٌ يشفعُ لهم عنده فيُخَلِّصَهم مِن عذابِه، لعلَّهم يتَّقونَ؛ فيمتثلون ما أمَر الله به، ويجتنبونَ ما نهَى عنه.
ثم يَنهى اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن طَرْدِ الذين يَدْعونَه عزَّ وجلَّ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرَه، مُخْلِصينَ له تعالى في ذلك، وأَعْلَمَه أنَّ كلًّا له حسابُه؛ فلا هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سيُحاسَبُ على ما يعملونَه، ولا هم سيُحاسَبونَ على عَمَلِه، حتَّى يَطرُدَهم؛ فإنَّه إنْ فعَلَ ذلك فسيكونُ من الظَّالمينَ.
ثم يُخبِرُ تعالى أنَّه كذلك يَخْتَبر ويَبتلي النَّاسَ بعضَهم ببعضٍ، فيجعلُ بعضَهم غنيًّا، وبعضَهم فقيرًا، وبعضَهم شريفًا، وبعضَهم وضيعًا، فإذا ما آمن الفقيرُ والضَّعيفُ كان ذلك فتنةً للغنيِّ والشَّريفِ، وترتَّب عليه أن يقولوا لِمَن يَرون أنَّهم دونَهم؛ ممَّن آمنَ: أهؤلاءِ منَّ اللهُ عليهم بالهدايةِ مِن بَيْنِنا، لو كان خيرًا لكنَّا نحنُ أَوْلى به، فاللهُ تعالى يَرُدُّ عليهم بأنَّه هو أعلَمُ بمن يقومُ بِشُكْره، فيوفِّقُه ويَهديه.
ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يقولَ للمؤمنينَ بآياتِ اللهِ، مُرَحِّبًا بهم إذا جاؤوه: سلامٌ عليكم، وأنْ يُبَشِّرَهم برحمَتِه التي أوجَبَها على نَفْسِه عزَّ وجلَّ، وأنْ يُعْلِمَهم أنَّه مَن اقترفَ منهم ذنبًا بجهالةٍ، ثم تاب عن ذلك الذَّنْب وأصلَحَ، فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ.
ثمَّ أخبرَه تعالى أنَّه كذلك يُوضِّحُ الآياتِ؛ لتتبيَّنَ طريقُ المُشْرِكين المُوصِلَةُ إلى سَخَطه وعذابِه ليُمكِنَ اجتنابُها، ومن أجْل أنْ يَتبيَّنَ الحقُّ من الباطلِ.

تفسير الآيات:


وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا وَصَفَ تعالى الرُّسُلَ بكونِهم مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ، أَمَرَ الرَّسولَ في هذه الآيةِ بالإنذارِ [862] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/539). ، فقال:
وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ.
أي: وأنذرْ بهذا القرآنِ- يا محمَّدُ- مَن يَنتفعُ به حقًّا، وهم الذين يخافونَ الحشرَ إلى رَبِّهِمْ، ويوقنون بالانتقالِ مِن هذه الدَّارِ الفانِيةِ، إلى الدَّارِ الباقيةِ، فيَستصحِبونَ إليها ما ينفَعُهم، ويَدَعُون ما يضرُّهم [863] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/257-258)، ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/304-305)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 261). .
لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ.
أي: والحالُ أنَّه ليس لهم يَومَئذٍ من عذابِ الله- إنْ عَذَّبَهم- وليٌّ مِن دُونِ اللهِ ينصرُهم، فيستنقِذُهم من العذابِ، ولا شفيعٌ يتوسَّطُ لهم عندَ الله تعالى، فيُخَلِّصهم من العِقابِ [864] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/257)، ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/305-306)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 261). .
لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
أي: أنذِرْهم كي يتَّقوا اللهَ تعالى وعذابَه؛ بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نواهِيه [865] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/258)، ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/310-312)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 262). .
وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بإنذارِ غيرِ المتَّقينَ لعلَّهم يتَّقونَ؛ أردَفَ ذلك بتقريبِ المتَّقينِ وإكرامِهم، ونهاه عن طَرْدِهم، ووَصَفَهم بموافقةِ ظاهِرِهم لباطِنِهم؛ مِن دُعاءِ رَبِّهم، وخُلُوصِ نِيَّاتِهم [866] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/521). .
سببُ النُّزولِ:
عَن سَعدِ بنِ أَبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، قال: ((كنَّا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ستَّةَ نَفَرٍ، فقال المُشركونَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اطرُدْ هؤلاءِ؛ لا يجتَرِئونَ علينا. قال: وكنتُ أنا وابنُ مسعودٍ، ورجلٌ من هُذَيلٍ، وبلالٌ، ورجلانِ لستُ أُسمِّيهما، فوقَعَ في نفسِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما شاءَ اللهُ أن يقعَ، فحدَّث نفسَه، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [867] رواه مسلم (2413). .
وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.
أي: ولا تُقْصِ- يا محمَّدُ- هؤلاءِ الذينَ هم في العملِ لله تعالى دائبونَ، فيلازمونَ دُعاءَ رَبِّهِم دعاءَ مسألةٍ، ودعاءَ عبادةٍ، في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرَه؛ بإخلاصٍ لله تعالى وطَلَبًا لوَجْهِه الكريمِ، فهؤلاء اجْعَلْهم جُلَساءَك وخاصَّتَك، ولا تُبْعِدْهم عنك؛ لأجْل أنَّ الكُفَّارَ يُريدونَ ذلك، فليسوا مُستحقِّينَ للطَّرْدِ والإعراضِ عنهم، بل هم مُستحقُّونَ لتقريبِهم؛ فهم الصَّفْوةُ مِن الخَلْقِ وإنْ كانوا فقراءَ، والأعِزَّاءُ في الحقيقةِ، وإنْ كانوا عندَ النَّاسِ أذلَّاءَ [868] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/269-270)، ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257-258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/312-315)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 264-265). .
مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ.
أي: كلٌّ له حسابُه؛ فله عملُه الصَّالحُ، وعليه عَمَلُه الطَّالحُ، وحسابُه على اللهِ عزَّ وجلَّ وَحْدَه، ولستَ محاسَبًا- يا محمَّدُ- بما يفعلُ أصحابُك الضُّعفاءُ، كما أنَّهم ليسوا مُحاسَبينَ بما تفعلُ؛ حتَّى يَكونَ ذلك سَببًا فى طَرْدِهم [869] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/322-323)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 265-266). قال ابنُ عاشورٍ: (وجملةُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ تعليلٌ للنهي عن طرْدِهم، أو إبطالٌ لعِلَّة الهمِّ بطَرْدِهم، أو لعِلَّة طلبِ طَرْدهم؛ فإنَّ إبطالَ عِلَّة فِعل المنهيِّ عنه يؤول إلى كونِه تعليلًا للنهي؛ ولذا فُصِلتْ هذه الجملة [أي: لم تُعطَف بالواو على التي قَبْلَها]). ((تفسير ابن عاشور)) (7/248). .
كما حَكَى الله تعالى عن نوحٍ وقَوْمِه، فقال: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء: 111- 115].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضِي الله عنهما، أنَّ هِرَقْلَ قال لأبي سفيانَ: ((سَأَلْتُكَ: أشرافُ النَّاسِ يتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم، فزَعَمْتَ أنَّ ضُعفَاءَهُم اتَّبَعوه، وهمُ أتباعُ الرُّسُل )) [870] رواه البخاري (2941) واللفظ له، ومسلم (1773). .
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
أي: فإنْ طردْتَهم- يا مُحمَّدُ- فإنَّك تكونُ بذلك مِن المتجاوِزِينَ لحُدُودِ الله تعالى، الذين يَضَعونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مواضِعِها الصَّحيحةِ واللائِقَةِ بها، ومن ذلك إبعادُ من يستحِقُّ القُرْبَ من أجلِ إرضاءِ وتقريبِ من يستحِقُّ البُعْدَ [871] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/322-323)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/251-252). .
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53).
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ.
أي: كما فَتَنَ اللهُ تعالى هؤلاءِ الأغنياءَ من الكفَّارِ بأولئك الفُقراءِ من المؤمنينَ، كذلك أيضًا يَبتَلي النَّاسَ، ويَمتحِنُ بعضَهم ببعضٍ؛ فبعضُهم غنيٌّ؛ وبعضُهم فقيرٌ، وبعضُهم شريفٌ، وبعضُهم وضيعٌ، فإذا مَنَّ اللهُ بالإيمانِ على الفقيرِ أو الوضيعِ؛ كان ذلك موضِعَ محنةٍ للغنيِّ والشَّريفِ [872] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/270)، ((تفسير ابن كثير)) (3/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/324-325). .
لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا.
أي: إنَّما اختبَرْنا النَّاسَ بالغِنى والفَقْرِ، والعِزِّ والذُّلِّ، والقوَّةِ والضَّعْف، والهُدى والضَّلال؛ كي يقولَ مَن أضلَّهم اللهُ للذين هداهم الله ووفَّقَهم: أهؤلاءِ مَنَّ اللهُ عليهم مِن بَيْنِنا بالهدايةِ إلى الحقِّ، وهم فقراءُ ضعفاءُ أذِلَّاءُ، ونحن أغنياءُ أقوياءُ شُرَفاءُ؟ كلَّا! بل لو كان خيرًا لهُدِينا نحنُ إليه؛ لأنَّنا أَوْلى منهم بذلك [873] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/271)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/162)، ((تفسير ابن كثير)) (3/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/332)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 270). .
فقال اللهُ تعالى ردًّا عليهم:
أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ.
أي: أليسَ هو سبحانه أعلمَ بِمَن شَكَر نِعَمَه- وأعظَمُها نِعمَةُ الإيمانِ- بأقوالِه وأفعالِه؛ فيُوفِّقَه ويهديَه؛ جزاءً له على شُكْرِه، ممَّن هو لها كافرٌ؛ فيَخْذُله ويُضِله؛ جزاءً على كُفْره؟
واللهُ تعالى حَكيمٌ، لا يضَعُ فَضْلَه عند مَن ليس له بأهلٍ، غنيًّا كان أو فقيرًا؛ فإنَّ الثَّوابَ والعِقابَ لا يَستحِقُّه أحدٌ إلَّا جزاءً على عَمَلِه الذي اكتسَبَه، لا على غناه وفَقْرِه، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [874] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/271-272)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/450) (3/162)، ((تفسير ابن كثير)) (3/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/332)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 270). [العنكبوت: 69].
وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا نهى اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن طَرْدِهم، عَلَّمَه كيف يُلاطِفُهم [875] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/130) ، فقال تعالى:
وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ.
أي: وإذا جاءَكَ- يا محمَّدُ- المُصَدِّقونَ، المُقِرُّون بتنزيلِنا وأدِلَّتِنا وحُجَجِنا، المُنقادونَ إليها بقُلُوبِهم وجَوارِحِهم؛ فحيِّهم ورحِّبْ بهم، وأكْرِمْهم بإلقاءِ السَّلامِ عليهم، وهو دعاءٌ لهم بأن يُسلِّمَهم اللهُ تعالى من جميعِ الآفاتِ والشُّرورِ [876] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/273)، ((تفسير ابن كثير)) (3/262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/337-339). قيل: المرادُ بالمؤمنين هنا: الذين نَهَى اللهُ تعالى عن طرْدِهم كما تقدَّم، وهذا قولُ جمهور المفسِّرين، كما ذكَر ابنُ عطيَّة في ((تفسيره)) (2/296)، والشنقيطي في ((العذب النمير)) (1/337)، واختاره القرطبيُّ في ((تفسيره)) (6/435)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 258)، وابنُ عاشورٍ في ((تفسيره)) (7/256). وقيل: المراد: المؤمنون مِن غيرِهم، وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ في ((تفسيره)) (9/273). وجمَع بين القولين: الواحديُّ، فقال: (يعني: الصَّحابةَ وهؤلاءِ الفقراءَ). ((الوجيز)) (ص: 356). .
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
أي: وبَشِّرْهم برحمةِ الله الواسِعَةِ الشَّامِلَةِ؛ فقد أوجَبَها على نَفْسِه الكريمةِ؛ تفضُّلًا منه وإحسانًا [877] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/274)، ((تفسير ابن كثير)) (3/262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/340). .
عن أبي هريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ اللهَ كتبَ كتابًا قبل أن يخلُقَ الخلقَ: إنَّ رحمتي سبَقَتْ غضبي، فهو مكتوبٌ عندَه فوقَ العرشِ )) [878] رواه البخاري (7554) واللفظ له، ومسلم (2751). .
أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التفسيرِ:
هذه الآيَةُ فيها ثلاثُ قراءاتٍ:
1- أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 بفَتْح همزةِ (أنَّ) في الموضعين أَنَّهُ فأَنَّهُ، والمعنى: كتَبَ ربُّكم على نفْسِه المغفرةَ، وهي بدَلٌ من الرَّحْمة، كأنَّه قال: كتَب ربُّكم على نفْسِه الرَّحْمةَ، وهي المغفرةُ للمُؤمنين التائِبين [879] قرأ بها ابن عامر وعاصم ويعقوب. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/258). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/356). .
2- أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
بفَتْح همزةِ (أنَّ) في الموضع الأوَّل أَنَّهُ، وكسْرِها في الموضِع الثاني فَإِنَّهُ؛ فالفَتْحُ على الإبدالِ من الرَّحمة، والكَسْر في (فَإِنَّهُ) لوُقوعِها بعد الفاءِ في جَوابِ (مَن) على القَوْلِ بشَرطيَّتِها [880] قرأ بها نافع وأبو جعفر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/258). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/356). .
3- إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
بكسرِهما جميعًا على مذهبِ الحِكاية، كأنَّه لَمَّا قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمة قال: إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ودخلتِ الفاءُ جوابًا للجزاءِ فكُسرت (إنَّ)؛ لأنَّها دخلتْ على ابتداءٍ وخبرٍ، كأنَّك قُلتَ: فهُو غفورٌ رحيمٌ، إلَّا أنَّ الكلامَ بـ (إنَّ) أوكَدُ [881] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/258). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/356)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 139). .
أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: مَنِ اقترفَ منكم ذنبًا، والحالُ أنَّه متَّصِفٌ بالجَهالةِ- حيث آثَرَ دُنياه على أُخراه، وعَمِيَ عن عواقِبِ اقترافِ فِعْلِ ما لا يَنبغي فِعْلُه- ثم رجَع عمَّا ارتكَبَه، وأقلَعَ ونَدِمَ وعَزَمَ على ألَّا يعودَ إليه، وقام بإصلاحِ جميعِ ما أفسَدَه من الأعمالِ الظَّاهِرةِ والباطِنَةِ، إذا وُجِدَ ذلك كُلُّه فاللهُ تعالى غفورٌ، فيَسْتُر ذَنْبَه، ويتجاوَزُ عن مؤاخَذَتِه به، رحيمٌ به، ومِن رَحْمَتِه أنْ تابَ عليه، وتَرَكَ عِقابَه على الذَّنبِ بعد تَوبتِه منه [882] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/275)، ((تفسير ابن كثير)) (3/262)، ((تفسير السعدي))  (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/346-353). قال ابنُ تيميةَ: (في قولِه تعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ طالَ الفصْلُ بين أنَّ واسْمِها، وخبرِها؛ فأعاد (أنَّ) لتَقَعَ على الخبرِ لتأكيدِه بها؛ ونظيرُ هذا قوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ لَمَّا طالَ الكلامُ أعاد (أنَّ)، هذا قولُ الزَّجَّاجِ وطائفةٍ، وأحسَنُ من هذا أن يُقالَ: كُلُّ واحدةٍ من هاتينِ الجُملتينِ جملةٌ شرطيَّةٌ مركبَّةٌ من جملتينِ جَزائيَّتينِ، فأُكِّدَت الجملةُ الشَّرطيَّةُ بـ»أنَّ» على حدِّ تأكيدِها في قولِ الشَّاعر: إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكَنيسَةَ يَومًا      يَلْقَ فِيها جَآذِرًا وظِبَاءً ثمَّ أُكِّدَت الجملةُ الجزائيَّة بـ «أنَّ»؛ إذْ هي المقصودةُ على حدِّ تأكيدِها في قوله تعالى وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. ونظيرُ الجمعِ بينَ تأكيدِ الجملةِ الكبرى المرَكَّبةِ من الشَّرط والجزاءِ، وتأكيدِ جملةِ الجزاء قولُه تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فلا يقالُ في هذا: «إنَّ» أعيدَتْ لطُولِ الكلامِ، ونظيرُه قولُه تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ونظيره: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فهما تأكيدانِ مَقصودانِ لِمعنَيَينِ مختَلِفَينِ؛ ألا تَرى تأكيدَ قولِه: غَفُورٌ رَحِيمٌ بـ «أَنَّ» غيرَ تأكيدِ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ له بـ «أنَّ»، وهذا ظاهِرٌ لا خفاءَ به، وهو كثيرٌ في القرآنِ وكلامِ العَرَبِ). ((مجموع الفتاوى)) (15/276-277). .
وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55).
وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ.
أي: وكما وضَّحْنا، فيما تقدَّم من هذه السُّورةِ، حُجَّتَنا على المشركينَ، وبيَّنَّا أدِلَّتَنا، وميَّزْنا طريقَ الهُدى من الضَّلالِ، فكذلك نوضِّحُ أيضًا أدلَّتَنا في إثباتِ كلِّ حقٍّ، ورَدِّ كُلِّ باطلٍ [883] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/276)، ((تفسير القرطبي)) (6/436)، ((تفسير ابن كثير)) (3/263)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/357). .
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التفسيرِ:
في قوله تعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ قِراءتانِ :
1- قِراءة وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ على مَعنى: وَلِتَسْتَبِينَ أنتَ- يا محمَّدُ- سَبيلَ المُجْرمينَ [884] قرأ بها نافع. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 232-233). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 141)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/358). .
2- قراءة وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ على معنى: ولِتَظْهَرَ طَريقُ المُجرمينَ [885] قرأ الباقون عدا حمزة والكسائي وأبي بكر وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء كنافع، وسَبِيلُ بالضمة كحمزة ومن معه. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 232-233). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/357)، ((تفسير ابن كثير)) (3/263). .
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.
أي: فصَّل اللهُ تعالى آياتِهِ؛ لتَظْهَرَ لك ولغيرِك- يا محمَّدُ- طريقُ المُشركينَ المُوصِلَةُ إلى سَخَطِ الله وعذابِه؛ ليُمكِنَ اجتنابُها، وليَتَبيَّنَ الحَقُّ من الباطلِ [886] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/276)، ((تفسير ابن كثير)) (3/263-264)، ((تفسير السعدي)) (ص: 258)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/261)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/357-358). .

الفوائد التربوية:


1- في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ وجوبُ الإنذارِ بالقُرآنِ، ويتفرَّعُ على هذا أنَّ خيرَ ما يُنذَر به هو القرآنُ، يعني هو أبلغُ المواعِظِ في الإنذارِ، لكنْ كما قال الله عزَّ وجلَّ: لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [887] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 262). [ق: 37].
2- أنَّه لا ينتفِعُ بالإنذارِ بالقُرآنِ إلَّا الذين يؤمنونَ باليومِ الآخِرِ؛ لقوله: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [888] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 263). .
3- في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يَفْتِنُ بعضَ النَّاسِ ببعضٍ، فيَضِلُّ أَحَدُهم بسبَبِ الآخَرِ، وهذا واقِعٌ، مثلًا: يُفتَحُ بابُ مُساهمةٍ في الخيرِ، فيَسْبِقُ فلانٌ وفلانٌ، فيقولُ الآخرونَ: شيءٌ تَدَخَّلَ فيه فُلانٌ لا نوافِقُ عليه ولا نُريدُه، ولا يُمْكِنُ أن يَسْبِقَنا إليه [890] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 271). .
4- في قوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بيانُ أنَّ المسلِمَ إذا أقدمَ على الذَّنْبِ مع العِلْمِ بكونه ذنبًا ثمَّ تابَ منه توبةً حقيقيَّةً؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقبلُ توبتَه [891] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/7). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ خصَّ الذين يخافونَ الحَشْرَ؛ لأنَّ انتفاعَهم بذلك الإنذارِ أكملُ؛ وذلك أنَّ خَوْفَهم يحمِلُهم على إعدادِ الزَّادِ ليومِ المَعَادِ، وهم أجدَرُ مِن غَيْرِهم بفَهْم حقيقةِ الرِّسالَةِ [893] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/158)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/360). .
2- قوله تعالى: أَنْ يُحْشَرُوا فيه إثباتُ الحَشْرِ إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا يكونُ يومَ القيامةِ؛ تُحشَرُ الخلائقُ على ربِّها عزَّ وجلَّ؛ ليقضي بينهم قضاءً دائرًا بين العَدْلِ والفَضْلِ؛ العدْلُ للكُفَّار، والفَضْل للمؤمنينَ [894] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 263). .
3- يُستَفاد من قوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ إثباتُ الشَّفاعةِ؛ لأنَّه لولا وجودُها ما صحَّ نَفْيُها [895] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 263). .
4- في قوله تعالى: وَلَا تَطْرُدِ.. كمالُ عدْلِ الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه خاطَبَ نبيَّهُ بهذا الخطابِ القويِّ من أجل قومٍ من أصحابِه، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عند اللهِ أعظَمُ جاهًا، وأعلى منزلةً، لكنَّ الله عزَّ وجلَّ حَكَمٌ عدْلٌ يقضي بالحَقِّ سبحانه وتعالى [896] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 268، 269). .
5- في قَولِه تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ أنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ إن طَرَدَ الصَّالحينَ مِن مَجلِسِه يخافُ أن يُوصَلَ إلى درجةِ الظَّالمينَ، ففيه التَّحذيرُ من إيذاءِ الصَّالحينَ [897] ((تفسير آيات من القرآن الكريم)) (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الخامس) (ص: 57). .
6- قال تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وبيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ طَرْدَ ضعفاءِ المسلمين الذي طَلَبَه كفَّارُ العربِ مِن نَبِيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنهاه اللهُ عنه؛ طَلَبَه أيضًا قومُ نوحٍ مِن نوحٍ عليه السلامُ فأبى؛ كقوله تعالى عنه: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا الآية [هود: 29]، وقوله: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ الآية [هود: 30]، وقوله: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 114]، وهذا مِن تشابُه قلوبِ الكُفَّارِ المذكورِ في قوله تعالى: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ الآية [898] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/479). [البقرة: 118].
7- في قوله تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ خصَّ الله الغَداةَ والعَشِيَّ بالذِّكْر؛ لأنَّ الشُّغْل فيهما غالِبٌ على النَّاسِ، ومَن كان في هَذينِ الوَقْتينِ يَغْلِبُ عليه ذِكْرُ اللهِ ودعاؤُه، كان في وقتِ الفَراغِ أغلَبَ عليه [899] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/521). .
8- إثباتُ وَجْهِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، والوَجْهُ صفةٌ حقيقيَّةٌ لله عزَّ وجلَّ، يجب علينا أن نؤمِنَ بذلك، ولكن على حدِّ قولِه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]، وأمَّا من فسَّر ذلك بأنَّ المرادَ بالوَجْهِ الثَّوابُ؛ فقد أخطَأَ؛ لأنَّ ذلك مخالِفٌ لظاهِرِ اللَّفْظِ، ومخالِفٌ لإجماعِ السَّلَفِ، ثمَّ إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال في القرآنِ الكريمِ: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 26- 27] جعَلَه وصفًا للوَجْهِ، ولا يُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ الثَّوابَ هو الموصوفُ بأنَّه ذو الجلالِ والإكرامِ، وتأمَّلْ هذا مع قولِه تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن: 78] فـ (ذي) بالجَرِّ صفةٌ لـ (رَبِّ)، ولم تكن بالرَّفْعِ صفةً للاسْمِ، مع أنَّ أسماءَ اللهِ عزَّ وجلَّ لها من الجلالة والتَّعظيمِ ما لها [900] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 266، 267). .
9- لم يُكتَفَ بقَولِه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ عنْ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأنَّ الجُملتينِ جُعِلَتا بمنزلةِ جملةٍ واحدةٍ، وقُصِدَ بهما مؤدًّى واحِدٌ، وهو المعنيُّ في قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164]، ولا يُفيدُ هذا المعنى إلَّا الجُملتانِ جميعًا، كأنَّه قيل: لا تؤاخَذُ أنت ولا هم بحسابِ صاحِبِه [901] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/28)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/644). .
10- قولُه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ يدلُّ على نفْيِ الرِّياسةِ الدِّينيَّةِ المعهودةِ في المِلَل الأُخرى، وهي سيطرةُ رُؤساءِ الدِّينِ على أهْلِ دِينِهم في عقائِدِهم وعباداتِهم، ومحاسَبَتُهم عليها، وعقابُ مَن يَرون عِقابَه منهم حتى بالطَّرْد من الدِّينِ، والحِرمانِ من حُقوقِه، ويجبُ في بعضِ تلك المِلَل أنْ يَعترفَ كُلُّ مكَلَّفٍ مِن ذَكَرٍ وأنثى للرَّئيسِ الدِّينيِّ بأعمالِه النفسيَّة والبَدَنيَّة، وللرئيسِ أنْ يغفِرَ له ما يَعترِفُ به من المعاصي، ويعتقدونَ أنَّ مغفرةَ الله تعالى تَتْبَعُ مغفرَتَه، وإذا كان اللهُ تعالى لم يجعَلْ للرَّسولِ الذي أوجَبَ طاعَتَه حقَّ محاسبَةِ النَّاسِ على أعمالِهِم الدينيَّة ونِيَّتِهم فيها، ولا حَقَّ طَرْدِهم مِن حَضْرَتِه- دَعْ حَقَّ طَرْدِهم مِنَ الدِّينِ- فكيف يُمْكِن أن يكون لمن دُونَه مِنَ الأُمَراءِ أو القضاةِ أو غَيرِهم من الرُّؤساءِ مثلُ هذا الحَقِّ [902] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/369). ؟!
11- لَمَّا نهى اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن طَرْدِهم مُبَيِّنًا أنَّه ضررٌ لغيرِ فائدةٍ؛ في قوله: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ؛ سَبَّبَ عن هذا النَّهْيِ قولَه: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ أي: بِوَضْعِك الشَّيءَ في غير مَحَلِّه؛ فإنَّ طَردَكَ هؤلاءِ ليس سببًا لإيمانِ أولئك، وليس هدايَتُهم إلَّا إلينا، وقد طلبوا منَّا فيك لَمَّا فَتَنَّاهم بتَخْصِيصِك بالرِّسالَةِ ما لم يَخْفَ عليكَ مِن قَوْلِهم: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] ونحوِه مِمَّا أرادوا به الصَّرْفَ عنك، فكما لم نَقْبَلْهم فيكَ فلا تَقْبَلْهم أنتَ في أوليائِنا؛ فإنَّا فتَنَّاهم بكَ حتى سألوا فيك ما سألوا، وتَمَنَّوْا ما تَمَنَّوْا [903] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/129). .
12- أنَّ مَنْعَ الإنسانِ حَقَّه ظُلمٌ، وإنْ لم يكنْ عدوانًا بِضَرْبٍ أو أخْذِ مالٍ، لكن إذا منعه حقَّه فإنَّه ظالمٌ؛ لقوله: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إلى قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وهذا حقٌّ؛ ولهذا قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ )) [904] أخرجه البخاري (2400)، ومسلم (1564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، مع أنَّ هذا لم يأخُذْ مِن مالِ الفقيرِ، لكنْ ماطَلَه، يعني: مَنَعَ حَقَّه، فكلُّ من مَنَع صاحِبَ حَقٍّ حقَّه فهو ظالمٌ له، كما لو اعتدى بأخْذِ شيءٍ مِن مالِه [905] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 269). .
13- استُدِلَّ بقوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ على مسألةِ خَلْقِ الأفعالِ من وجهينِ: الأول: أنَّ قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ تصريحٌ بأنَّ إلقاءَ تلك الفِتنةِ مِنَ الله تعالى، والمرادُ من تلك الفتنةِ ليس إلَّا اعتراضَهم على الله في أنْ جَعَلَ أولئك الفقراءَ رؤساءَ في الدِّينِ، والاعتراضُ على اللهِ كُفرٌ، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى هو الخالِقُ للكُفْرِ. والثاني: أنَّه تعالى حَكَى عنهم أنَّهم قالوا: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أي: مَنَّ عليهم بالإيمانِ بالله، ومتابعةِ الرَّسولِ، وذلك يدلُّ على أنَّ هذا المعنى إنَّما حَصَلَ من الله تعالى؛ لأنَّه لو كان المُوجِدُ للإيمان هو العبدَ؛ فاللهُ ما مَنَّ عليه بهذا الإيمانِ، بل العبدُ هو الذي مَنَّ على نَفسِه بهذا الإيمانِ [906] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/172). .
14- جاء لفْظُ الشُّكْرِ هنا في قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ في غايةٍ من الحُسْنِ؛ إذ تقدَّمَ مِن قولهم: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ أي: أنعمَ عليهم، فناسَبَ ذِكْرُ الإنعامِ لفظَ الشُّكْرِ [907] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/526). .
15- قد عُلِمَ مِن قَولِه: أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أنَّه أيضًا أعلَمُ بأضدادِهم، وضِدُّ الشُّكْرِ هو الكُفْرُ، كما قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7] فهو أعلمُ بالذين يأتونَ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتهزئينَ مُتَكبِّرينَ، لا هَمَّ لهُم إلَّا تحقيرُ الإسلامِ والمُسلمينَ، وقد استفرَغُوا وُسْعَهم وَلُبَّهُم في مجادلةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتضليلِ الدَّهماءِ في حقيقةِ الدِّينِ؛ ففي الكلامِ تعريضٌ بالمشركينَ [908] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/256). .
16- في قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ دليلٌ على أنَّه لا يَمتنِعُ تسميةُ ذاتِ اللهِ تعالى بالنَّفْسِ، وأيضًا قوله تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116] يدلُّ عليه [909] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/6). .
17- قال تعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ في هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ: لِمَ خَصَّ سبيلَ المجرمين، ولم يَذْكُرْ سبيلَ المؤمنين؟ وللعلماءِ عَنْهُ جَوَابَانِ: أحدُهما: أنَّ سبيلَ المجرمين إذا عُرِفَتْ، عُرِفَتْ منها سبيلُ المسلمين؛ لأنَّ الأشياءَ تُعْرَفُ بأضدادِها، وإذا عَرَفَ الإنسانُ الشرَّ عرفَ أنَّ مُقَابِلَهُ هو الخيرُ؛ فالضِّدَّانِ إذا كانَا بحيثُ لا يَحصُل بينهما واسطةٌ، متى بانتْ خاصيَّةُ أحدِ القِسمينِ بانتْ خاصيةُ القِسمِ الآخَر، والحقُّ والباطلُ لا واسطةَ بينهما؛ فمتى استبانتْ طريقةُ المجرِمينَ فقد استبانتْ طريقةُ المحقِّين أيضًا لا محالةَ. والثاني: أنَّ في الآيةِ هنا حَذْفَ الواوِ والمعْطوف، أي: لتَستبينَ سبيلُ المجرمين وسبيلُ المؤمنين؛ قالوا: ومنه: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81]، أي: والبردَ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ [الأنعام: 13]، أي: وما تَحَرَّكَ، وحَذْفُ الواوِ وما عَطَفَتْ إنْ دَلَّ المقامُ عليه مَعروفٌ في كلامِ العربِ [910] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/8)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 168)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/358- 360). . وقيل: لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ المقامَ إنَّما يَقتضي ذِكْرَ المجرِمين فقط؛ إذ هُم الذين أثاروا ما تَقدَّم ذِكْرُه [911] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/656). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
- قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ فيه تعريضٌ بأنَّ المشركينَ لا ينْجَع فيهم الإنذارُ؛ لأنَّهم لا يُؤمِنونَ بالحَشْرِ؛ فكيف يخافونَه، وخوفُ الحَشرِ يَقتضي الإيمانَ بوقوعِه [913] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/244). ؟
- في قوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ تعريضٌ بالمشركينَ الذين اتَّخذوا شُفعاءَ وأولياءَ غيرَ اللهِ [914] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/245). .
- قولُه: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ رجاءٌ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّعليلِ لِلأمرِ بإنذارِ المؤمنينَ؛ لأنَّهم يُرجَى تَقواهم، بخلافِ من لا يؤمنونَ بالبَعْثِ [915] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/245). .
2- قوله: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
- قوله: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ اعتراضٌ وسِّط بين النهيِ وَلَا تَطْرُدِ وجوابِه فَتَكُونَ؛ تقريرًا له، ودفعًا لِمَا عسَى يُتوهَّم كونُه مسوِّغًا لطردِهم من أقاويل الطاعنِينَ في دِينهم، كدأبِ قومِ نوحٍ عليه السلامُ؛ حيث قالوا: مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود: 27]، أي: ما عليك شيءٌ ما مِنْ حسابِ إيمانِهم، وأعمالِهم الباطنةِ حتى تتصدَّى له، وتَبنيَ على ذلك ما تراه مِن الأحكامِ، وإنَّما وظيفتُك- حسَبَما هو شأنُ مَنصِبِ النبوَّة- اعتبارُ ظواهرِ الأعمالِ، وإجراءُ الأحكامِ على مُوجِبِها، وأمَّا بواطنُ الأمورِ فحِسابُها على العَليمِ بذاتِ الصُّدورِ [916] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/139). .
- وذُكِرَ قولُه تعالى: وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ مع أنَّ الجوابَ قد تمَّ بما قَبْلَه مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛ للمبالغةِ في بيانِ انتفاءِ كَوْنِ حسابِهم عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بنَظْمِه في سِلْك ما لا شُبهةَ فيه أصلًا [917] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/139). .
- وقوله: وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فيه حُسْنُ اعتنائِه تعالى بنبِيِّه وتشريفِه بخِطابِه؛ حيثُ بدأ به في الجُملتينِ معًا، فقال: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، ثمَّ قال: وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛ فقَدَّمَ خِطابَه في الجملتينِ، وكان مقتضى التَّركيبِ الأَوَّلِ لو لُوحِظَ؛ أن يكونَ التَّركيبُ الثَّاني: (وما عليهم من حسابِكَ مِن شيءٍ)، لكنَّه قدَّمَ خِطابَ الرَّسولِ وأَمْرَه؛ تشريفًا له عليهم، واعتناءً بمخاطَبَتِه [918] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/524). . وقيل: تقديمُ خِطابِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الموضِعينِ في قوله: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ جاءَ على الأصْلِ العامِّ في اللُّغَةِ، وهو تقديمُ الأهَمِّ بحسَبِ سياقِ الكلامِ، والأَهَمُّ في الأَوَّلِ النَّفيُ، وفي الثاني المنفيُّ، يعني: أنَّ الأهمَّ في كلِّ موضعٍ ما يتعلَّق به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّه تعليلٌ لانتفاء عمَلٍ له (وهو الطَّرد) مترتِّبٌ على ذلك النفيِ، ولو كان الثاني تعليلًا لعملٍ لهم لقال: (وما عليهم من حِسابِك مِن شيءٍ فيَطردُوك) [919] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/369) .
- وفيه تعريضٌ بالمشركينَ بأنَّهم أظهروا أنَّهم أرادوا بِطَرْدِ ضُعفاءِ المؤمنينَ عن مجلسِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النُّصْحَ له؛ ليكتَسِبَ إقبالَ المشركينَ عليه، والإطماع بأنَّهم يُؤمِنونَ به، فيَكْثُر مُتَّبِعوه [920] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/251). .
- وقوله: مِنْ شَيْءٍ (مِن) زائدةٌ لتوكيدِ النَّفيِ؛ للتَّنصيصِ على الشُّمولِ في سياقِ النَّفيِ [921] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/249). .
- وقد اجتَمَع في هذه الآية خمسةُ مُؤَكِّدات؛ وهي: (مِن) البيانيَّة، و(مِن) الزائدةِ، وتقديمُ المعمولِ، وصيغةُ الحصْرِ في قوله: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، والتأكيدُ بالتَّتميمِ بنَفيِ المقابِلِ في قوله: وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛ فإنَّه شبيهٌ بالتَّوكيدِ اللَّفظيِّ، وكلُّ ذلِك للتَّنصيصِ على منتهى التَّبرئَةِ من محاوَلَةِ إجابَتِهم لاقتراحِهم [922] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/250). .
- قوله: فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ فيه تعريضٌ بالذين سألوا طَرْدَهم لإرضاءِ كبريائِهِم؛ بأنَّهم ظالِمونَ معتادون على الظُّلْم، وإعادة فِعل الطَّرْد دون الاقتصارِ على قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ لإفادةِ تأكيدِ ذلك النَّهيِ [923] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/251- 252). .
3- قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ استئنافٌ مُبيِّن لِمَا نشأ عنه ما سَبَقَ من النهيِ [924] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/139). ؛ لأنَّ السَّامِعَ لَمَّا شعر بقصَّةٍ أومَأَ إليها قولُه تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم الآية، يأخُذُه العَجَب من كبرياءِ عُظماءِ أهْلِ الشِّرْكِ، وكيف يَرْضَونَ البقاءَ في ضلالةٍ؛ تكبُّرًا عن غِشْيانِ مَجْلسٍ فيه ضعفاءُ النَّاسِ من الصَّالحين، فأُجيبَ بأنَّ هذا الخَلْقَ العجيبَ فتنةٌ لهم، خَلَقَها اللهُ في نُفوسِهم بسوءِ خُلُقِهم [925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/252). .
- والكاف في قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ؛ لتأكيدِ ما أفادَه اسمُ الإشارةِ (ذلك) مِن الفخامة [926] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/140). ، وتُفيدُ التَّشبيهَ المقصودَ منه التعجُّبُ من المشَبَّهِ، بأنَّه بلغ الغايةَ في العَجَب [927] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/253). .
- قوله: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا الاستفهامُ مُستعمَلٌ في التعجُّبِ والإنكارِ، غرضُهُم منه إنكارُ أنْ يُخَصَّ هؤلاءِ مِن بينهم بإصابةِ الحَقِّ، والسَّبْقِ إلى الخيرِ؛ فغَرَضُهم بذلك إنكارُ وقوعِ المنِّ رأسًا على طريقةِ قولِهم: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ، لا تحقيرُ الممنونِ عليهم مع الاعترافِ بوُقوعِه بطريقِ الاعتراضِ عليه تعالى، وإنما قالوا: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ على سَبيلِ التهكُّم ومجاراةِ الخَصْم؛ إنكارًا منهم لأنْ يكونَ المؤمنون مِن الفُقراءِ والعَبيدِ على الحقِّ، وممنونًا عليهم مِن بَينهم بالخَيرِ، أي: حيثُ اعتقَدَ المؤمنونَ أنَّ اللهَ مَنَّ عليهم بمعرفةِ الحقِّ، وحَرَمَ صناديدَ قريشٍ؛ فلذلك تعجَّبَ أولئكَ من هذا الاعتقادِ، أي: كيف يُظَنُّ أنَّ اللهَ يَمُنُّ على فَقراءَ وعبيدٍ، ويتركُ سادةَ أهْلِ الوادي [928] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/28)، ((تفسير البيضاوي)) (2/164)، ((تفسير أبي السعود)) (3/140)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/254). ؟!
- والإشارةُ هَؤُلَاءِ مستعمَلةٌ في التَّحقيرِ أو التَّعجُّبِ [929] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/254). .
- وتقديمُ المُسنَدِ إليه أَهَؤُلَاءِ على الخَبَرِ الفِعليِّ مَنَّ اللَّهُ؛ لقَصْدِ تَقويةِ الخبرِ [930] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/254). .
- قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ تذييلٌ للجملةِ كُلِّها؛ فهو من كلامِ اللهِ تعالى، وليس مِن مقولِ القَوْلِ؛ ولذلك فُصِلَ- أي لم يُعْطَف بالواوِ [931] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/256). .
- والاستفهامُ في قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؛ لتقريرِ عِلمِه البالغِ بذلك، أي: أليسَ الله بأعلمَ بالشَّاكرين لِنِعَمِه حتى تَستبعِدوا إنعامَه عليهم، وفيه مِنَ الإشارةِ إلى أنَّ أولئك الضُّعفاءَ عارفون بحقِّ نِعَم الله تعالى في تنزيل القرآنِ والتوفيقِ للإيمان، شاكِرون له تعالى على ذلِك، مع التعريضِ بأنَّ القائلين بمعزلٍ من ذلك [932] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/140)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/256). .
4- قوله: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
في هذِه الآية مناسبةٌ حسنةٌ؛ إذ سِيقَ هذا المقولُ أحْسَنَ مَساقٍ؛ أمَرَه أوَّلًا أن يقولَ للمؤمنينَ: سلامٌ عليكم، فبدأ أوَّلًا بالسَّلامةِ والأمْنِ لِمَن آمَنَ، ثم خاطَبَهم ثانيًا بوجوبِ الرَّحْمةِ، وأسنَد الكتابةَ إلى ربِّهم، أي: كتَب النَّاظِرُ لكم في مَصالِحِكم، والذي يُرَبِّيكم ويَمْلِكُكم، الرَّحْمةَ؛ فهذا تبشيرٌ بعُمومِ الرَّحْمةِ، ثم أبدلَ منها شيئًا خاصًّا، وهو غُفرانُه ورَحْمَتُه لِمَن تاب وأصلَحَ [933] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/528). وهذا على أحدِ الأوجهِ في الآيةِ.
- قوله: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا عَطْفٌ على قَولِه وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، وهو ارتقاءٌ في إكرامِ الذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بالغَداةِ والعَشِيِّ؛ فهم المرادُ بِقَولِه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا؛ وُصِفوا هنا بالإيمان بآياتِ الله عزَّ وجلَّ، كما وُصفوا في الآيةِ التي قبلها بالمداومةِ على عِبادتِه تعالى بالإخلاصِ، وتأخيرُ وصفِهم بالإيمانِ مع تقدُّمه على الوصفِ الأوَّلِ؛ لأنَّ مدارَ الوَعدِ بالرَّحْمة والمغفرةِ هو الإيمانُ بها، كما أنَّ مناطَ النهْيِ عن الطردِ فيما سبَق هو المداومةُ على العبادةِ [934] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/140)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/256). .
- قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ في التعرُّضِ لعنوانِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِهم رَبُّكُمْ إظهارُ اللُّطْفِ بهم والإشعارُ بعلَّة الحُكْمِ [935] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/140). .
5- قوله: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمينَ الجملةُ تذييلٌ للكلامِ الذي مضى مبتَدَأً بقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهم [936] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/260). [الأنعام: 51].
- والمجرِمون في قوله: سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ هم المشركِون، وُضِعَ الظاهرُ موضعَ المضمرِ؛ للتنصيصِ على أنَّهم المرادُ، ولإجراءِ وصْفِ الإجرامِ عليهم. وخصَّ المجِرمين؛ لأنَّهم المقصودُ من هذه الآياتِ كلِّها؛ لإيضاحِ خفيِّ أحوالِهم للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمسلمين [937] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/261). .