موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (160-165)

ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ

غريب الكلمات:


قِيَمًا: مُسْتقيمًا، أو ثابتًا، أو مُقَوِّمًا لأمورِ مَعاشِهِم ومَعادِهم، وأَصْلُ (قوم): يدُلُّ على انْتِصابٍ أو عَزْمٍ [2438] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 691)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 106). .
مِلَّةَ: أي: دينَ، وطريقةَ، مشتقَّة من أَمْلَلْتُ (أي أَمْلَيْتُ)؛ لأنَّها تُبنَى على مسموعٍ ومتلوٍّ؛ فإذا أُريدَ الدِّينُ باعتبارِ الدُّعاءِ إليه؛ قيل: (مِلَّة)، وإذا أُريدَ باعتبارِ الطَّاعةِ والانقيادِ له؛ قيل: (دين) [2439] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 773، 774)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 91)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 443). .
وَنُسُكِي: وذَبْحي، والنُّسُكُ: العِبادةُ، والذَّبائِحُ، وأَصْلُ (نسك): يدُلُّ على عبادةٍ وتقَرُّبٍ إلى اللهِ تعالى؛ ومنه قيل للعابِدِ: ناسِكٌ [2440] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 78)، ((تفسير ابن جرير)) (10/46)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 472)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/420)، ((المفردات)) للراغب (ص: 802)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 94). .
رَبًّا: الرَّبُّ: السيِّدُ، والمالِك، والمُصْلِح، والصِّاحِبُ، والمُرَبِّي، والخالِق، والمعبود، وأصْلُه: إصلاحُ الشَّيْءِ والقيامُ عليه [2441] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/381)، ((المفردات)) للراغب (ص: 336)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 44)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 465). .
وِزْرَ: الوِزْرُ هو الإثمُ والذَّنْب، والثِّقْلُ والحِمْل أيضًا، وقيل: الوِزْرُ: هو الحِمْلُ الثَّقيلُ مِن الإثمِ، وهو الإثمُ العَظيمُ، وأصلُ (وزر): يدلُّ على مَا حمَلَه الإنسانُ، وعلى الثِّقل في الشَّيء؛ ومنه سُمِّيت الآثامُ أوزارًا؛ لأنَّها أحمالٌ مُثقِلةٌ [2442] يُنظر: ((العين)) للخليل بن أحمد (7/380)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 152)، ((تفسير ابن جرير)) (9/216)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 489)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (13/167)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/108)، ((المفردات)) للراغب (ص: 867). .
خَلَائِفَ الْأَرْضِ: أي: سُكَّانَ الأرضِ، يَخلُفُ بَعضُكم بَعْضًا، واحِدُهم خَليفَة، والخِلافَةُ النِّيابةُ عن الغَير، خَلَفَ فلانٌ فلانًا: قام بالأَمْرِ عنه، وأَصْلُ (خلف): مجيءُ شَيءٍ بعدَ شيءٍ يقومُ مَقامَه [2443] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 164)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 207)، (( مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/210)، ((المفردات)) للراغب (ص: 294). .
لِيَبْلُوَكُمْ: أي: لِيَختبرَكم ولِيَمتحنَكم، ويكونُ البلاءُ في الخَيرِ والشَّرِّ، وأَصلُ (بلي) من الامتحانِ، وهو الاخْتبارُ [2444] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/92)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/433)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/293)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/112). .

مشكل الإعراب:


1- قوله فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
قولُه تعالى: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها إنَّما ذكَّر العددَ عَشْرُ مع أنَّ المَعْدودَ أَمْثال مذكَّر- والقاعدةُ أنَّ العَدَدَ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ يُخالِفُ المعدودَ في التَّذكيرِ والتَّأنيثِ- فلم يَقُلْ: (عَشرَةُ)؛ وذلك لأوجهٍ؛ منها: أنَّ المذكَّرُ أَمْثَال [2445] العِبرةُ في المعدودِ بِمُفْرَدِه، ومفرد (أمثال) (مَثَل) وهو مذَكَّر. اكتَسَبَ من المؤَنَّثِ ها التأنيثَ؛ فأُعْطِيَ حُكْمَ المؤَنَّث، ومنها: أنَّه راعَى الموصوفَ المَحذوفَ، والتقديرُ: فله عَشْرُ حَسَناتٍ أمثالِها، ثم حَذَفَ الموصوفُ (حَسَنات) وأقامَ صِفَتَهأمثالها مقامَه؛ تاركًا العَدَدَ على حالِه [2446] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/278-279)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/552)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/236-237). .
2- قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا
إلى صِرَاطٍ: جارٌّ ومجرورٌ في مَحلِّ نَصْبٍ: مفعولٌ به ثانٍ لـ (هدى).
دينًا: منصوبٌ على أنَّه بدَلٌ مِنْ محلِّ إِلَى صِرَاطٍ؛ لأنَّه في مَحَلِّ نَصْبٍ.
قِيَمًا نَعْتٌ لـ دِينًا، والقِيَم: مصدرٌ بمعنى القيامِ، وُصِفَ به الدِّينُ مبالغةً؛ كقولنا: رجلٌ عَدْلٌ.
مِلَّةَ مَنْصُوبةٌ على أنَّها بَدَلٌ مِنْ دينًا [2447] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/279)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/553)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/238). .

المعنى الإجمالي:


يخبِرُ تعالى أنَّه من جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بالحَسَنةِ فله عَشْرُ أَمْثالِها، ومَن جاء بالسَّيِّئةِ فلا يُجْزَى إلَّا مِثْلَها، ولا أحَدَ يُظْلَمُ عند الله شيئًا.
ثم أَمَرَ اللهُ نَبِيَّه أن يُعْلِنَ قائِلًا: إنِّي هداني ربِّي إلى طريقٍ واضِحٍ قويمٍ؛ دينًا مستقيمًا قائمًا ثابتًا معتدِلًا، هو شريعةُ إبراهيمَ، المستقيمِ على الحَقِّ، والمائِلِ عن سُبُلِ الضَّلالةِ، وما كان إبراهيمُ عليه السَّلامُ مِنَ المشركينَ.
 قل- يا مُحمَّد: إنَّ صَلاتي وذَبْحي وحياتي ومَماتي لِلَّهِ وَحْدَه، لا شَرِيكَ له، وبِذَلك أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلمينَ. وقُل أيضًا لهؤلاءِ المُشركينَ: أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ رَبًّا، وهو جَلَّ وعلا ربُّ كُلِّ شَيءٍ، وما يَكْسِبُ كُلُّ شَخصٍ من الآثامِ فهو عليه، لا يَتَعَدَّى إلى غَيْرِه شيءٌ منه، ولا تَحْمِل نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئًا من الآثامِ، بل كلٌّ يتحَمَّلُ ما ارتَكَبَه من إِثْمٍ، ثمَّ إلى اللهِ مَرْجِعُ النَّاسِ أَجمعينَ فيُخْبِرُهم تعالى بما كانوا فيه يَخْتَلِفون.
وهو جلَّ وعلا الذي جَعَلَكم خلائِفَ في الأَرْضِ بعد أُمَمٍ أَهْلَكَهم، ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بعضٍ دَرَجاتٍ؛ لِيَخْتَبِرَكم فيما مَنَحَكم مِن فَضْلِه، وأَوْلاكم مِن نِعَمِه، فيَنْظُرَ كيف تَعملونَ؟ إنَّ رَبَّك سريعُ العِقابِ، وإنَّه لَغفورٌ رحيمٌ.

تفسير الآيات:


مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا أَمَرَ اللهُ تعالى الخَلْقَ بسلوكِ صِراطِه المستقيمِ، ونَهاهم عنِ اتِّباعِ السُّبُل؛ لئَلَّا تَتَفَرَّقَ بهم عن سَبيلِه، ثم بَيَّنَ أنَّ بَعْضًا منهم لم يَمْتَثِلوا ذلك، بل اتَّبَعوا السُّبُلَ، فتَفَرَّقَت بهم عن سَبيلِه في قولِه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا- بيَّنَ أنَّه جلَّ وعلا بالنِّسبةِ إلى مَن عصاه، فاتَّبَعَ تلك السُّبُل الضَّالَّة، وبالنِّسبةِ إلى مَن أَطاعَه، فاتَّبَعَ ذلك الصِّراطَ المُستقيمَ، أنَّ مُعامَلَتَه للمُحسنينَ في غايةِ الإكرامِ والتَّمامِ والكَمالِ، وللمُسِيئينَ في غايَةِ الإنصافِ والعَدَالةِ [2448] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/608). .
وأيضًا على عادةِ القُرآنِ أنَّه إذا أنْذَر أعقب الإنذارَ ببِشارَةٍ لمَن لا يَحِقُّ عليه ذلك الإنذارُ، وإذا بَشَّر أعقب البشارَة بنذارةٍ لمَن يَتَّصِفُ بضِدِّ ما بُشِّرَ عليه- أنه لَمَّا أَنْذَرَ تعالى وحَذَّرَ من التَّرَيُّث في اكتسابِ الخَيرِ، قبل أن يأتِيَ بَعْضُ آياتِ الله القاهِرَةِ، بقَوْلِه: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا فحَدَّ لهم بذلك حَدًّا هو مِن مَظاهرِ عَدْلِه، أَعْقَبَ ذلك بِبُشْرى مِن مظاهِرِ فَضْلِه وعَدْلِه، وهي الجزاءُ على الحَسَنَةِ بعَشْرِ أمثالها، والجزاءُ على السَّيِّئةِ بِمِثْلِها [2449] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/194، 195). .
مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160).
مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
أي: مَنْ وَافَى ربَّه يومَ القيامَةِ بالخَصْلَةِ الحَسَنَةِ التي تُرْضِي اللهَ تعالى، والتي كان يَعْمَلُها في دارِ الدُّنيا؛ سواءٌ كانت حسنَةً قَوْليَّةً أو فِعْليَّةً، ظاهرةً أو باطنةً، متعلِّقةً بحَقِّ الله سبحانه أو حَقِّ خَلْقِه- فَلَه مِنَ الثَّوابِ على أقَلِّ التَّقديراتِ عَشْرُ حَسَناتٍ؛ كُلُّ حَسَنَةٍ منها مِثْلُ حَسَنَتِه التي جاءَ بها [2450] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/36)، ((تفسير ابن كثير)) (3/378)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/608-609). .
وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا.
أي: ومَنْ وَافى رَبَّه سبحانه يَوْمَ القيامَةِ بالخَصْلَةِ السَّيِّئةِ التي تَسُوءُ صاحِبَها، فجَزاؤُه سَيِّئةٌ واحِدَةٌ مِثْلُها مِن غَيْرِ مُضاعَفَتِها عليه [2451] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/36-38)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/609). .
وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ.
أي: والجميعُ لا يُظْلَمون، فلا يُزادُ في سيِّئاتِ المُسيءِ، ولا يُنقَصُ مِن حَسَناتِ المُحْسِن، وهذا من تمامِ عَدْلِه سبحانَه وإحسانِه، فلا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [2452] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/612-613). .
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى انقِسامَ الخَلْقِ إلى مُهْتَدٍ وضَالٍّ، ومُفَرِّقينَ دِينَهم شِيَعًا ومُهْتدينَ- أَمَرَ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُصَرِّحَ عَلى رُؤُوسِ الأَشْهادِ أنَّه لم يَتَّبِع السُّبُلَ الزَّائغَةَ، ولا الطُّرُقَ الضَّالَّةَ، وأنَّه على الهُدى المستقيمِ، والْمَحَجَّة البيضاءِ التي هداه إليها رَبُّه؛ فقال سبحانه [2453] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/613). :
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
أي: قُلْ مُعْلِنًا- يا مُحمَّدُ: إنَّني قد أَنْعَمَ عليَّ رَبِّي؛ بـأَنْ أَرْشَدَني ووَفَّقَني لسُلُوكِ الطَّريقِ الواضِحِ القَويمِ، الذي لا اعْوِجاجَ فيه ولا انْحِرافَ [2454] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/44)، ((تفسير ابن كثير)) (3/380)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/613-614). .
دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
أي: هداني رَبِّي إلى صراطٍ مُستقيمٍ، وهو دينٌ قائمٌ ثابتٌ معتدلٌ، يتضَمَّنُ العقائِدَ النَّافِعَةَ، والأعمالَ الصَّالِحَةَ، والأَمْرَ بكُلِّ حَسَنٍ، والنهيَ عن كُلِّ قَبيحٍ، ألا وهو شريعةُ إبراهيمَ المستقيمِ على طَريقِ الحَقِّ، والمائِلِ عن طُرُقِ الضَّلالَةِ، مِن أديانِ أَهْلِ الانحرافِ؛ كاليَهودِ والنَّصارى، وما كان مِنَ المشركينَ باللهِ، صَلواتُ اللهِ وسلامُه عليه [2455] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/44-45)، ((تفسير ابن كثير)) (3/380)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/614-618). .
قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لما عرَّفه رَبُّه الدِّينَ المستقيمَ، عرَّفه كيف يقومُ به ويُؤَدِّيه [2456] ينظر: ((تفسير الرازي)) (14/191). ، فقال تعالى:
قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162).
أي: قُلْ- يا مُحمَّد- للمشركينَ: إنَّ صلاتي وذَبْحي [2457] واختار أنَّ النُّسك هنا بمعنى الذَّبح: ابنُ جريرٍ في ((تفسيره)) (10/46)، وابنُ كثير في ((تفسيره)) (3/381)، والسعديُّ في ((تفسيره)) (ص: 282)، وابن عثيمين في ((تفسير سورة الفاتحة والبقرة)) (2/432)، ونسبه الشنقيطيُّ لجمهورِ العلماءِ. يُنظر: ((العذب النمير)) (2/627). وقيل: النُّسك هنا أعمُّ، فهو بمعنى العبادةِ، ويدخلُ فيه الذبحُ. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/627-628). ، وحياتي ووفاتي [2458] اختلف المفسِّرون في معنى محياي ومماتي على أقوال: فقيل المعنى: أنَّ الذي يحييني ويميتني هو اللهُ تعالى، وأنَّه هو الذي يدبِّر أمري حيًّا وميتًا. وهو في الجملةِ اختيارُ الواحديِّ في ((التفسير الوسيط)) (2/344)، والسعديِّ في ((تفسيره)) (ص: 282)، وابنِ عثيمين في ((مجموع الفتاوى والرسائل)) (9/208). وقيل: ومحياي أي: ما أعملُه في حياتي، ومماتي أي: ما أُوصي به بعدَ وفاتي. وهو اختيارُ القرطبيِّ في ((تفسيره)) (7/152). وقيل غير ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/369)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/201-203). ، كلُّ ذلك لله خالِقِ العالَمينَ ومَالِكِهم ومُدَبِّرِهم؛ فهو وَحْدَه المستحِقُّ لِأَنْ يُفْرَدَ له ذلك [2459] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/45-46)، ((تفسير ابن كثير)) (3/381-382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/203). .
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163).
أي: لا شَريكَ له في شيءٍ مِن ذلك مِنْ خَلْقِه، بل هو وحدَه الذي له الإخلاصُ في جميعِ ذلك كلِّه ، وبذلك الإخلاصِ أَمَرَني ربِّي، وأنا عبدٌ مأمورٌ، عليَّ امتثالُ أَمْرِه، وأنا أوَّلُ المُقِرِّينَ المُذْعِنينَ الخاضِعينَ مِن هذه الأُمَّة لرَبِّه سبحانه [2460] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/46)، ((تفسير ابن كثير)) (3/382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/629). .
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ((كان إذا قام إلى الصَّلاةِ، قال: وجَّهتُ وَجْهيَ للَّذي فطَرَ السَّمواتِ والأَرضَ حنيفًا، وما أنا مِنَ المُشركينَ. إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومَماتي لله ربِّ العالَمينَ، لا شَريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ، وأنا من المسلمِينَ. اللهمَّ أنت الملِكُ، لا إلهَ إلَّا أنت، أنت رَبِّى، وأنا عبدُك، ظَلَمْتُ نَفْسي، واعترفتُ بذنبي، فاغْفِرْ لي ذنوبي جميعًا؛ إنَّه لا يغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنت، واهْدِني لأَحْسَنِ الأخلاقِ، لا يَهْدي لأَحْسَنِها إلا أنت، واصْرِفْ عني سيِّئَها، لا يَصْرِفُ عني سيِّئَها إلَّا أنت، لبَّيك! وسعدَيك! والخيرُ كلُّه في يدَيك، والشرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركْتَ وتعالَيتَ، أستغْفِرُك وأتوبُ إليك )) [2461] رواه مسلم (771). .
قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) .
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا أَمَرَ تعالى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم بالتوحيد المحضِ، وهو أن يقول: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي.. إلى قوله: لَا شَرِيكَ لَهُ.. أَمَرَه بأن يَذْكُرَ ما يجري مَجْرى الدَّليلِ على صِحَّةِ هذا التوحيدِ، فقال [2462] ينظر: ((تفسير الرازي)) (14/191). :
قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ.
أي: قل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المشركينَ: أَسِوَى اللهِ أتَّخِذُ ربًّا يَسُودُني ويَحْفَظُني ويَكْلَؤُني، ويُدَبِّرُ أمري، وهو خالِقُ ومالِكُ ومدَبِّرُ كُلِّ شيءٍ؟ والمعنى: لا يمكِنُ أن أفعَلَ ذلك، فأطلُبَ ربًّا غَيْرَه؛ فهو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وغيرُه مخلوقٌ مَربوبٌ مَملوكٌ له سبحانه وتعالى [2463] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/48)، ((تفسير ابن كثير)) (3/383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/630-631). .
وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا.
أي: ما يكسِبُه المرءُ من الآثامِ لا يتعَدَّى منه شيءٌ إلى غيره، فلا تَجْني نفسٌ ذنبًا إلَّا أُخِذَتْ به هي دونَ غيرها [2464] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/48)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 385)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/206-207)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/631). .
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
أي: ولا تَحمِلُ نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئًا من الآثامِ، بل كلٌّ يتحَمَّلُ آثامَ نَفْسِه [2465] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/48-49)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/207)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/632). قال ابنُ جريرٍ: (وإنَّما يعني بذلك المشركينَ الذين أَمَرَ اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقول هذا القَوْلَ لهم، يقول: قل لهم: إنَّا لَسْنَا مأخوذينَ بآثامِكم، وعليكم عقوبةُ إجرامِكم، ولنا جزاءُ أعمالِنا. وهذا كما أمَرَه اللهُ جلَّ ثناؤه في موضِعٍ آخَرَ؛ أن يقول لهم: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6]) ((تفسير ابن جرير)) (10/48-49). وإلى هذا ذهب ابنُ عاشور في ((تفسيره)) (8-أ/206-207)، والشنقيطي في ((العذب النمير)) (2/631). قال السعدي: (كلٌّ عليه وِزرُ نفسِه، وإن كان أحدٌ قد تسبَّب في ضلالِ غيرِه ووزرِه، فإنَّ عليه وزرَ التسبُّبِ مِن غيرِ أن ينقصَ مِن وزرِ المباشرِ شيءٌ). ((تفسير السعدي)) (282). .
كما قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: 18].
وقال سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [العنكبوت: 12].
وقال عزَّ وجلَّ: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38].
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
أي: ثمَّ رجوعُكم- أيُّها النَّاسُ- إلى اللهِ تعالى وَحْدَه يومَ القيامَةِ، فيُخْبِرُكم فيه إخبارَ مُجازاةٍ بالذي كُنتم تختلفونَ فيه: مَن كانوا منكم شِيَعًا، وفرَّقوا دينَهم، واتَّبعوا الأهواءَ والضَّلالاتِ، ومن كانوا على الصِّراطِ المستقيمِ، مرجعُهُم جميعًا إلى اللهِ تعالى، فيُبَيِّنُ الضَّالَّ من المهْتدِي، ويعامِلُهم بحَسَبِ ما كانوا عليه من هدًى وضلالٍ؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشَرٌّ [2466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/49-50)، ((تفسير ابن كثير)) (3/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282-283)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/635). قال ابن عاشور: (ثمَّ للترتيب الرُّتْبي. وهذا الكلامُ يحتمِلُ أن يكونَ مِن جملةِ القولِ المأمورِ به، فيكون تعقيبًا للمتاركَةِ بما فيه تهديدُهم ووعيدُهم، فكان موقِع ثمَّ؛ لأنَّ هذا الخبَرَ أهَمَّ. فالخطابُ في قوله: إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ خطابٌ للمُشركينَ، وكذلك الضَّميرانِ في قوله: بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ والمعنى: بما كُنْتُم فيه تختلفونَ مع المسلمينَ؛ لأنَّ الاختلافَ واقِعٌ بينهم وبين المُسلمينَ، وليس بينَ المُشركينَ في أنفُسِهم اختلاف. فأدمَجَ الوعيدَ بالوعيد. وقد جعلوا هذه الجملة مع التي قبلها آيةً واحدةً في المصاحف. ويَحتملُ أن يكون المقولُ قد انتهى عند قوله: وِزْرَ أُخْرَى فيكون قوله: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ استئنافَ كلامٍ من الله تعالى خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمعاندينَ له. وثُمَّ صالحة للاستئنافِ؛ لأنَّ الاستئنافَ مُلائِمٌ للترتيب الرُّتْبي، والكلام وعيدٌ ووعد أيضًا، ولا ينافي ذلك أن تكونَ مع التي قبلها آيةً واحدةً) ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/208). .
كما قال تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: 24 - 26].
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165).
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ.
أي: واللهُ تعالى أهْلَكَ مَن كان قَبْلَكم مِنَ الأُمَم، ثُمَّ أنشَأَكم مِن بَعْدِهم، فجَعَلَكم خلائِفَ في الأَرْضِ، تَخْلُفونهم فيها، جيلًا بعدَ جيلٍ، وقرنًا بعدَ قَرْنٍ [2467] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/50)، ((تفسير ابن كثير)) (3/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 283). .
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ.
أي: وخالَفَ بين أَحْوالِكم، وفَاوَتَ بينكم، فجَعَلَ بَعْضَكم فوقَ بعضٍ، في الأرزاقِ والأخلاقِ، والقوَّة والعافِيَة، والمَحاسِن والمساوِئ، والأشكالِ والألوانِ وغيرها، وله الحِكْمَةُ في ذلك [2468] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/50-51)، ((تفسير ابن كثير)) (3/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 283). .
لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ.
أي: لِيَخْتَبِرَكم فيما خوَّلكم مِن فَضْلِه، ومَنَحَكم مِن نِعَمِه؛ فينظُرَ كيف تعملونَ [2469] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/51)، ((تفسير ابن كثير)) (3/385). .
عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خَضِرةٌ [2470] حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ: أي: غَضَّةٌ ناعِمةٌ طيِّبةٌ، مُزَيَّنةٌ في عُيونِكم وقُلوبِكم، وإنَّما وَصَفَها بالخَضِرَة؛ لأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الشَّيءَ النَّاعِمَ خَضِرًا، أو لتَشَبُّهِها بالخضْرَواتِ في سُرعةِ زَوالِها. يُنظر: ((المعلم بفوائد مسلم)) للمازري (2/33)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/2044). ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فيها، فينظُر كيف تعملونَ، فاتَّقُوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانت في النِّساءِ )) [2471] رواه مسلم (2742). .
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ.
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان الغالِبُ على فواصِلِ الآياتِ قَبْلَها هو التَّهديدَ؛ بَدَأَ بِقَوْله [2472] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/705). :
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ.
أي: إنَّ ربَّك- يا مُحمَّدُ- سريعٌ عقابُه لِمـَن عَصاه، وخالَفَ رُسُلَه، وكذَّب بآياتِه [2473] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/51)، ((تفسير ابن كثير)) (3/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 283). .
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: وإنَّه لساتِرٌ للذُّنوبِ، متجاوِزٌ عن العُيُوبِ لِمَن آمَنَ به، واتَّبَع رُسُلَه، وعَمِلَ صالحًا، وتاب، وإليه أناب، رحيمٌ به سبحانه [2474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/51)، ((تفسير ابن كثير)) (3/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 283). .

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا فيه أنَّ الجزاءَ على الأعمالِ في الآخِرَةِ يكون على السَّيِّئةِ بِمِثْلِها، وعلى الحَسَنَةِ بعَشْرِ أمثالِها؛ فضلًا من الله ونعمةً، جل ثناؤه، وعَظُمَت نَعْماؤه، فيا خَسارَةَ مَن غَلَبَت سيِّئاتُه حسناتِه المضاعَفَةَ [2475] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/252). !
2- قولُه تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يدلُّ على أنَّ الدِّينَ لا بدَّ أنْ يُؤَدَّى مع الإخلاصِ، وأكَّدَه بقَوْلِه جلَّ وعلا: لَا شَرِيكَ لَهُ وهذا يدلُّ على أنَّه لا يَكْفي في العباداتِ أن يُؤْتَى بها كيفَ كانت، بل يجبُ أنْ يُؤْتى بها مع تمامِ الإخلاصِ [2477] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/191). .
3- قولُه تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ موقِعُ هذه الآيةِ عَقِبَ قولِه: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فيه تذكيرٌ بالنِّعمةِ بعد الإنذارِ بِسَلْبِها، وتحريضٌ على تدارُكِ ما فات، وهو يَفْتَحُ أَعْيُنَهم للنَّظَرِ في عواقِبِ الأُمَم، وانقراضِها وبقائِها [2478] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/210). .
4- قولُه تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ فيه تذكيرٌ بنعمةٍ تتضَمَّنُ عبرَةً وموعظةً: وذلك أنَّه لَمَّا جَعَلَهم خلائِفَ غَيْرِهم فقد أنشَأَهم وأَوْجَدَهم على حينِ أَعْدَم غيرَهم، فهذه نعمةٌ؛ لأنَّه لو قَدَّرَ بقاءَ الأُمَم التي قَبْلَها لَمَا وُجِدَ هؤلاء، وفيه تذكيرٌ بعظيمِ صُنْعِ اللهِ ومِنَّتِه لاستدعاءِ الشُّكْرِ، والتَّحذيرِ مِنَ الكُفْرِ [2479] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/210). .
5- أنَّ للهِ تعالى سُنَنًا في اسْتِخلافِ الأُمَم واختبارِهم بالنِّعَمِ والنِّقَم؛ ليُظْهِرَ أيُّهم أحسَنُ عملًا، فيترتَّبَ عليه الجزاءُ في الدَّارينِ؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُه تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، فرَفَعَ بَعْضَهم فوقَ بعضٍ دَرَجاتٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، والغِنى والفَقْر، والقُوَّةِ والضَّعْف، والعِلْمِ والجَهْلِ، والعِزِّ والذُّلِّ؛ ليَخْتَبِرَهم فيما أَعْطاهم، ليَظْهَرَ المطيعُ منهم والعاصي [2480] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/221-222). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا هذه الآيةُ الكريمةُ مُفَصِّلَةٌ لِمَا أُجْمِلَ في الآيةِ الأخرى، وهي قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [2481] ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/378). [النمل: 89].
2- قولُه تعالى في سورةِ النِّساءِ: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا الآية [النساء: 40]، لم يُبَيِّنْ في هذه الآيَةِ الكريمةِ أَقَلَّ ما تُضاعَفُ به الحسَنَةُ ولا أكثَرَه، ولكِنَّه بَيَّنَ في هذا الموضِعِ من سورةِ الأنعامِ أنَّ أقَلَّ ما تُضاعَفُ به عَشْرُ أمثالِها، وهو قولُه: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا. وبَيَّنَ في موضعٍ آخَرَ أنَّ المضاعَفَةَ ربَّما بَلَغَتْ سَبْعَمائةِ ضِعْفٍ إلى ما شاءَ الله، وهو قولُه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [2482] ينظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/241). [البقرة: 261].
3- قال تعالى: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا مِن هنا يَتَبَيَّن أنَّ ما يَجْرِي على ألْسِنَةِ العامَّةِ: أنَّ السَّيِّئاتِ تُضاعَفُ في مكَّةَ كما تُضاعَفُ الحَسَناتُ؛ أنَّ ذلك الإطلاقَ لا يجوزُ؛ لأنَّ مُضاعَفَةَ السَّيِّئاتِ ممنوعةٌ قطعًا؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وهو نصٌّ صريحٌ قرآنيٌّ في أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُضَاعَفُ، ولكِنَّ السَّيِّئةَ في حَرَمِ مكَّةَ مثلًا تَعْظُمُ؛ لأنَّ السَّيِّئة تَعْظُم بِحَسَب عِظَمِ الزَّمانِ والمَكانِ، فإذا عَظُمَتِ السَّيئةُ عَظُمَ جَزاؤُها؛ لأنَّ الجَزاءَ بِحَسَبِ الذَّنْبِ: إذا عَظُمَ الذَّنْبُ عَظُمَ الجَزاءُ، وإذا صَغُرَ الذَّنْبُ صَغُرَ الجَزاءُ، فهو مِن عِظَمِ الذَّنْبِ؛ وعِظَمُ الجزاءِ يكونُ تبعًا لعِظَمِ الذَّنْبِ لا من المضاعَفَةِ؛ لأنَّ السَّيئاتِ لا تُضاعَفُ، ولكنَّها تَعْظُمُ، وتكونُ أكبَرَ في زمانٍ من زمانٍ، وفي مَحلٍّ مِن مَحلٍّ؛ ولذا قال في حَرَمِ مكَّةَ: وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: آية 25] وقال في الأشهر الحرم: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثم قال: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ [التوبة: آية 36] مع أنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ في غَيْرِهِنَّ حرامٌ [2483] ينظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/612). .
4- قولُه تعالى: قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فيه إيذانٌ بانتهاءِ السُّورَةِ؛ لأنَّ الواعِظَ والمُناظِرَ؛ إذا أشْبَعَ الكلامَ في غَرَضِه، ثم أخَذَ يُبَيِّنُ ما رَضِيَه لنَفْسِه وما قَرَّ عليه قَرارُه؛ عَلِمَ السَّامِعُ أنَّه قد أَخَذَ يَطْوِي سِجِلَّ المُحاجَّةِ؛ ولذلك غَيَّرَ الأُسْلوبَ، فأَمَرَ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنْ يَقولَ أشياءَ يُعْلِنُ بها أصولَ دِينِه، وتَكَرَّرَ الأمرُ بالقَوْلِ ثلاثَ مَرَّاتٍ؛ تَنْويهًا بالمَقولِ [2484] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/197). .
5- قولُ اللهِ تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، عبَّرَ بملَّةِ إبراهيمَ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام هو النبيُّ المُرسَل الذي أجمَعَ على الاعترافِ بفَضْلِه، وصِحَّة دِينِه، وحُسْنِ هَدْيِه؛ العَرَبُ ومَنْ حَوْلَهم؛ مِنْ أَهْلِ الكتابِ مِنَ اليهودِ والنَّصارى، وكلٌّ يدَّعِي الاهتداءَ بِهُداه؛ ففي ذِكْرِه استمالةٌ للعَرَبِ، ثمَّ لأَهْلِ الكِتابِ إلى الإسلامِ؛ ببيانِ أنَّ أساسَه، وقواعِدَ عقائِدِه، ودعائِمَ فضائلِه، هي ما كان عليه إبراهيمُ المتَّفَقُ على هُداه وجلالَتِه [2485] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/212). .
6- قال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هذا عمومٌ، ثم خَصَّصَ سبحانه من ذلك أَشْرَفَ العباداتِ، فقال: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي أي: ذَبْحي، وذلك لشَرَفِ هاتينِ العِبادَتَينِ وفَضْلِهما، ودلالَتِهِما على مَحَبَّةِ اللهِ تعالى، وإخلاصِ الدِّينِ له، والتَّقَرُّبِ إليه بالقَلْبِ واللِّسانِ والجَوارِح، وبالذَّبْح الذي هو بَذْلُ ما تُحِبُّه النَّفْسُ من المالِ؛ لِمَا هو أحَبُّ إليها، وهو الله تعالى، ومَن أَخْلَصَ في صلاتِه ونُسُكِه؛ استَلْزَمَ ذلك إخلاصَه لله في سائِرِ أعمالِه [2486] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 282). .
7- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا فيه عَدَمُ نفوذِ تَصْريفِ شخْصٍ على آخَرَ إلَّا ما قام عليه الدَّليلُ [2487] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 125). .
8- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى يُبَيِّنُ أنَّ الجزاءَ عند الله تعالى على الأعمالِ مبنيٌّ على عَدَمِ انتفاعِ أحدٍ أو مؤاخَذَتِه بعملِ غَيْرِه، وذلك مِمَّا يهْدِمُ أساسَ الشِّرْك الذي هو الاتِّكالُ على الوُسَطاءِ بينَ اللهِ والنَّاسِ في غُفرانِ ذُنُوبِهم، وقضاءِ حاجَتِهم [2488] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/211). .
9- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى أصلٌ في أنَّه لا يُؤخَذُ أحدٌ بِفِعْلِ أحَدٍ [2489] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 125). ، وهي قاعدةٌ مِن أُصُولِ دِينِ الله تعالى الذي بَعَثَ به جميعَ رُسُلِه، وهي مِنْ أَعْظَمِ أركانِ الإصلاحِ للبَشَر في أفرادِهم وجَماعاتِهم؛ لأنَّها هادِمَةٌ لأساسِ الوَثَنِيَّة، وهاديَةٌ للبَشَرِ إلى ما تتوقَّفُ عليه سعادَتُهم الدُّنْيويَّة والأُخْرويَّة، (وهو عَمَلُهم) [2490] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/217). .
10- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى لا يُعارِضُه قولُه: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ؛ فالآيةُ الأولى محمولةٌ على من لم يَتَسَبَّبْ في الفِعْلِ بِوَجْهٍ، وما عداها محمولٌ على من تَسَبَّبَ فيه بوجْهٍ؛ كالأَمْرِ به [2491] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 182). .
11- قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَظهَرُ أنَّ هذا دليلٌ على إمكانِ البَعْثِ، وعلى وُقُوعِه؛ لأنَّ الذي جَعَلَ بعضَ الأَجيالِ خلائِفَ لِمَا سَبَقَها، فعَمَروا الأَرْضَ جِيلًا بعدَ جيلٍ، لا يُعْجِزُه أن يَحْشُرَها جميعًا بعد انقضاءِ عالَمِ حياتِها الأُولى، ثمَّ إنَّ الذي دَبَّرَ ذلك وأتقَنَه لا يليقُ به ألَّا يُقيمَ بينهم ميزانَ الجزاءِ على ما صَنَعوا في الحياةِ الأُولى؛ لئلَّا يَذْهَبَ المعتَدُونَ والظَّالِمونَ فائزينَ بما جَنَوْا، وإذا كان يُقيمُ ميزانَ الجزاءِ على الظَّالِمينَ، فكيف يَتْرُك إثابَةَ المحسنينَ؟! وقد أشارَ إلى الشِّقِّ الأَوَّلِ قَوْلُه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ، وأشار إلى الشِّقِّ الثَّاني قَوْلُه: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ. ولذلك أعقبه بتذييلِه: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [2492] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/209). .
12- مناسبةُ ختمِ الآيةِ بقولِه: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هو أنه لَمَّا كان الابتلاءُ يَظْهَرُ به المسيءُ والمحسِنُ، والطَّائِعُ والعاصي؛ لذا ذَكَرَ هذينِ الوَصْفَينِ، وخَتَمَ بهما [2493] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/705). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا استئنافٌ ابتدائيٌّ، مُبَيِّنٌ لمقاديرِ أجْزِيَةِ العاملينَ، وقد صُدِّرَ ببيانِ أجزِيَةِ المحسنينَ المدلولِ عليهم بذِكْرِ أضدادِهم [2494] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/206)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/195). ، والكلامُ تذييلٌ جامِعٌ لأحوالِ الفريقينِ اللَّذينِ اقتضاهما قَوْلُه: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا. وهذا بيانٌ لبعْضِ الإجمالِ الذي في قوله: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا... [2495] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/195). .
2- قوله: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا إنَّما قال في جانِبِ السَّيِّئةِ: فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثلَهَا بصيغَةِ الحَصْرِ؛ لأجْلِ ما في صِيغَتِه مِن تَقْديمِ جانِبِ النَّفيِ، اهتمامًا به؛ لإظهارِ العَدْلِ الإلهيِّ؛ فالحَصْرُ حقيقيٌّ [2496] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/196). .
3- قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ للانتقالِ مِن مجادَلَةِ المشركينَ، وما تَخَلَّلَها، إلى فَذْلَكَةِ ما أَمَرَ به الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الشَّأْنِ، غَلْقًا لبابِ المجادَلَةِ مع المُعْرِضينَ [2497] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/197). .
- وفيه: تصديرُ الجملةِ بـقوله: إنني؛ لإظهارِ كَمالِ الاعتناءِ بِمَضْمونِها. والتعَرُّضُ لعُنوانِ الربوبيَّةِ مع الإضافَةِ إلى ضَميرِه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لِمَزيدِ تَشْرِيفِه [2498] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/206). .
- وقد أسنَدَ الهدايةَ إلى رَبِّه في قَوْلِه: هَدَانِي رَبِّي ليدُلَّ على اختصاصِه بعبادَتِه إيَّاه [2499] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/702). ، وتعريضًا بالمُشركينَ الَّذين أضَلَّهم أربابُهم، ولو وَحَّدُوا الرَّبَّ الحقيقَ بالعبادَةِ لهَداهم [2500] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/198). .
- وقوله: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا شُبِّهَتْ هيئةُ الإرشادِ إلى الحَقِّ المبَلِّغِ إلى النَّجاة بهيئةِ مَنْ يَدُلُّ السَّائِرَ على الطَّريقِ المبَلِّغةِ للمقصودِ [2501] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/198). ، والمناسبةُ بين الهدايةِ وبَيْنَ الصِّراطِ تامَّةٌ؛ لأنَّ حقيقةَ الهدايةِ التَّعريفُ بالطَّريقِ، وحقيقةَ الصِّراطِ الطَّريقُ الواسِعَةُ [2502] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/198). .
- قوله: قِيَمًا مصدرٌ نُعِتَ به مبالغةً؛ فهو وصْفٌ للدِّينِ بمصدَرِ القيامِ، المقصود به كفايةُ المصلحةِ [2503] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/207)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/199). .
4- قوله: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ استئنافٌ يتنَزَّلُ منزلةَ التفريعِ عن الأَوَّلِ، إلَّا أنَّه استُؤْنِفَ للإشارَةِ إلى أنَّه غَرَضٌ مُستقِلٌّ مهِمٌّ في ذاتِه، وإن كان متفرِّعًا عن غيره، وحاصِلُ ما تضمَّنه هو الإخلاصُ لله في العبادَةِ [2504] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/200). .
- وقيل افتُتِحَتْ جملةُ المقولِ بحرفِ التوكيدِ في قوله: إِنَّ صَلَاتِي للاهتمامِ بالخبَرِ ولتحقيقِه [2505] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/201). .
- وجَعَلَ صلاتَه لله دون غيرِه في قوله: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي تعريضًا بالمشركينَ؛ إذ كانوا يسجُدونَ للأصنامِ [2506] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/201). .
5- قوله: وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ تقديمُ الجارِّ والمجرورِ للاهتمامِ بالمشارِ إليه [2507] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/204). .
6- قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا استئنافٌ مفتَتَحٌ بالأمْرِ بالقَوْلِ، يتنَزَّلُ منزلةَ النتيجةِ لِمَا قبله [2508] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/205). ، والاستفهامُ في قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ إنكارٌ عليهم؛ لأنَّهم يرغبونَ أن يَعتَرِفَ بربوبيَّةِ أصنامِهم [2509] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/704)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/206). .
- وقد قُدِّمَ المفعولُ غَيْرَ على فِعْلِه أَبْغِي؛ لأنَّه المقصودُ من الاستفهامِ الإنكاريِّ، لأنَّ محلَّ الإنكارِ هو أن يكونَ غيرُ الله يُبتغَى له ربًّا [2510] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/206). .
7- قوله: وَهُو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ جملةُ حالٍ، مؤكِّدةٌ للإنكارِ [2511] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/207). .
8- قوله: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ على القولِ بأن هذا الكلامَ من جملةِ القَوْلِ المأمورِ به، فيكون تعقيبًا للمُتاركةِ بما فيه تهديدُهم ووعيدهم [2512] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/208). .
- قوله: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ تلوينٌ للخِطابِ، وتوجيهٌ له إلى الكُلِّ؛ لتأكيدِ الوَعْدِ، وتشديدِ الوعيد [2513] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/705)، ((تفسير أبي السعود)) (3/207). .
9- قوله: وَهُو الَّذي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ جاء قولُه: خَلَائِفَ الأَرْضِ بلفظِ التَّعريفِ بالإضافَةِ هنا، وقال في «فاطر» خَلَائِفَ فِي الَأرْضِ بالتَّنكيرِ؛ وذلك أنَّ آيةَ الأنعامِ هنا تقَدَّمَها ما هو مِن سياقِ النِّعَم عليهم؛ من قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى قوله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا فناسَبَ الخطابَ لهم في ذلك بلَفْظِ التَّعريفِ الدَّالِّ على أنَّهم خُلفاؤها المالكونَ لها، وفيه من التَّفخيمِ لهم ما ليس في آيَةِ فاطِرٍ؛ لأنَّه ورد في آية فاطر نكرةً، فقال: خلائِفَ فيها، فليس فيه من التمَكُّنِ والتصَرُّفِ ما في قَوْلِه تعالى: خَلَائِفَ الْأَرْضِ [2514] يُنظر: ((كشف المعاني فى المتشابه من المثاني)) لابن جماعة (ص: 303). .
10- قوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ فيه: الكنايةُ عن الشَّرَفِ والفَضْلِ، وهذا التفاوُتُ ليس ناشئًا عن عَجْزٍ عن المساواةِ بينهم، ولكنْ للابتلاءِ والامتحانِ [2515] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (3/291). .
- وقوله: إِنَّ رَبَّكَ فيه: تجريدُ الخطابِ لرَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، مع إضافَةِ اسمِ الرَّبِّ إلى ضميرِه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لإبرازِ مزيدِ اللُّطْفِ به صلَّى الله عليه وسلَّم [2516] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/208). .
11- قَالَ سبحانه هنا: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ بلامٍ واحدةٍ في كلمةِ لَغَفُورٌ، وقال في سورةِ الأَعرافِ: إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ وإنَّه لَغَفُورٌ رحيمٌ باللَّامِ في الجملتينِ؛ لأنَّ ما هنا وَقَعَ بعد قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ؛ فأتى باللَّامِ المؤَكِّدة في الجملةِ الثَّانية فقط؛ ترجيحًا للغُفرانِ على سُرعةِ العِقابِ. وما هناك وَقَعَ بعد قَوْلِه: وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ، وقوله: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فأتى باللَّامِ في الجُملَةِ الأولى؛ لمناسَبَةِ ما قبلها، وفي الثَّانيةِ تَبَعًا للَّامِ في الأولى [2517] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/183-184). .
وقيل: الفَرْقُ بينَ هذه الآيَةِ وآيَةِ الأعرافِ- حيثُ أتى هناك باللَّامِ، فقال لَسَرِيعُ الْعِقَابِ دون ما هنا- أنَّ اللَّامَ تُفيدُ التَّوكيدَ، فأفادَتْ هناك تأكيدَ سُرعةِ العِقابِ؛ لأنَّ العِقابَ المذكورَ هناك عقابٌ عاجِلٌ، وهو عقابُ بني إسرائِيلَ بالذُّلِّ والنِّقْمةِ، وأداءِ الجِزْيَةِ بعد المَسْخِ؛ لأنَّه في سِياقِ قَوْلِه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف: 167]، فتأكيدُ السُّرعةِ أفادَ بيانَ التَّعجيلِ، وهو مناسِبٌ، بخلافِ العِقابِ المذكورِ هنا؛ فإنَّه آجِلٌ بدليلِ قَوْلِه: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: 164] فاكتفى فيه بتأكيدِ (إنَّ)، ولَمَّا اختُصَّتْ آيةُ الأعرافِ بزيادَةِ العذابِ عاجلًا اختُصَّتْ بزيادَةِ التَّأكيدِ لَفْظًا بـ «اللَّامِ» [2518] ينظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (4/65).   .