موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (154-159)

ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ

غريب الكلمات:


تَمَامًا: أي: أَتْمَمْناه إتمامًا كَامِلًا، جَامِعًا لِجَمِيعِ مَا يُحتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَريعَتِه، وتَمامُ الشَّيءِ: انتهاؤُه إلى حدٍّ لا يُحتاجُ إلى شيءٍ خارجٍ عنه، وأَصْلُ (تمم): دَلِيلُ الكَمالِ؛ يُقَالُ: تَمَّ الشَّيْءُ، إِذَا كَمَلَ [2364] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/339)، ((المفردات)) للراغب (ص: 502)، ((تفسير ابن كثير)) (3/368)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 322). .
وَتَفْصِيلًا: أي: تَبْيِينًا، وأَصْلُ (فصل): يدلُّ على تمييزِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيءِ وإبانَتِه عنه [2365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/678)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/505). .
طَائِفَتَيْنِ: أي: جماعَتَينِ، والطَّائِفَةُ: جماعةٌ من النَّاسِ، وأَصْلُ (طوف): دَوَرانُ الشَّيءِ على الشَّيءِ [2366] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/432)، ((المفردات)) للراغب (ص: 531). .
دِرَاسَتِهِمْ: أي: قِراءَتِهم الكُتُبَ وعِلمِهم بها، أو تِلاوَتِهم، وأَصْلُ (درس): يَدُلُّ عَلَى خَفَاءٍ وَخَفْضٍ وَعَفَاءٍ [2367] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 163)، (مقاييس اللغة)) (2/267)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 106)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 452). .
بَيِّنَةٌ: أي: بصيرةٌ ودَلالةٌ، ويقينٌ، وحُجَّةٌ وبُرهانٌ، وأَصْلُ (بين): يدلُّ على الانْكِشافِ [2368] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/327)، ((تفسير القرطبي)) (6/438)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 160)، ((تفسير ابن كثير)) (3/264). .
وَصَدَفَ: أي: أعْرَضَ، وعَدَل عَن الْحَقِّ، والصُّدُوف: الإعراضُ عن الشَّيءِ؛ يُقال: صَدَفَ عن الشَّيء، أي: أَعْرَضَ عنه إِعْراضًا شديدًا، يَجري مَجْرى الصَّدَفِ، أي: الميلِ في أرجُلِ البَعيرِ، وأَصْل (صدف) يدلُّ على المَيْلِ [2369] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/338)، ((المفردات)) للراغب (ص: 478)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 191)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 987). .
يَنْظُرُونَ: أي: يَنْتَظِرونَ؛ فالنَّظَرُ يأتي بمعنى الانتظارِ، وأصْلُ (نظر): تأمُّلُ الشَّيءِ ومُعايَنَتُه، ومنه: نَظَرْتُه، أي: انتَظَرْته، كأنَّه يَنْظُر إلى الوَقْتِ الذي يأتي فيه [2370] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 164)، ((تفسير ابن جرير)) (10/11)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/444)، ((المفردات)) للراغب (ص: 813)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/31). .

مشكل الإعراب:


1- قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
- تمامًا منصوبٌ، وفي نَصْبِه أوجُهٌ: أحدُها: أنْ يكونَ مفعولًا مِنْ أَجلِه؛ أي: لأجْلِ تمامِ نِعْمَتِنا. الثاني: أن يكونَ مصدرًا في موضِعِ الحالِ: إمَّا مِن الكِتابِ: أي تامًّا، أو مِن (نا العَظَمةِ) في آتَيْنَا؛ أي: مُتَمِّمينَ. الثالث: أن يكون مفعولًا مطلقًا نائبًا عن المَصدرِ؛ لأنَّه نَوعُه؛ أي: آتَيْنَاه إيتاءَ تمامٍ لا نُقصانٍ، أو لأنَّه اسمُ المَصدَرِ على تقديرِ آتَيناه، أي: أتمَمْناه تمامًا [2371] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/278)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/226-227)، ((الجدول في إعراب القرآن)) (8/334). .
- عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ: أَحْسَنَ بفتحِ النُّونِ: فِعْلٌ ماضٍ واقعٌ صلةً للموصولِ، وفاعِلُه ضميرٌ مستَتِرٌ يعودُ على مُوسَى. وقيل: الضَّميرُ يَعودُ على كُلِّ مَن أحسَنَ، والموصولُ الَّذِي مرادٌ به الجِنْسُ. وقيل: الَّذِي هنا مصدريَّةٌ، وليسَتْ موصولةً، وأَحْسَنَ فعلٌ ماضٍ صِلَتُها، وفاعِلُ أَحْسَنَ ضميرٌ مُستتِرٌ يعودُ على موسى؛ أَيْ: تمامًا على إحسانِ موسى بطاعَتِنا، وقيامِه بأمْرِنا ونَهْيِنا. وقُرئ: (أحْسَنُ) بضَمِّ النونِ على أنَّه اسْمٌ؛ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وجُملَتُه صِلَةٌ؛ أي: على الذي هو أحسَنُ، فحُذِفَ العائِدُ (هو). وقيل غيرُ ذلك [2372] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/278)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/550)، ((تفسير أبي حيان)) (4/694)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/227-228). .
2- قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا
- لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: نَفْسًا مفعولٌ به مُقَدَّمٌ منصوبٌ. إِيمَانُهَا فاعِلٌ مؤخَّرٌ مرفوعٌ، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ جملةٌ في محلِّ نصبٍ نعتٌ لـنَفْسًا [2373] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/82)، ((تفسير أبي حيان)) (4/700)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/233-235). قال أبو حيان- رحمه الله تعالى: (وجازَ الفَصلُ بالفاعِلِ بين الموصوفِ وصِفَتِه؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ؛ إذ قد اشترك الموصوفُ- الذي هو المفعول- والفاعِلُ في العامِلِ، فعلى هذا يجوز: ضربَ هندًا غلامُها التَّميميَّةَ، ومَن جَعَلَ الجملةَ حالًا [مِنْ (ها) في إيمانِها] أبعَدَ، ومَنْ جَعَلَها مستأنفةً فهو أبعَدُ. [والقائِلُ بذلك أبو البقاءِ العكبريُّ في التِّبيانِ]) (1/552). ((تفسير أبي حيان)) (4/700). .

المعنى الإجمالي:


يُخْبِرُ تعالى أنَّه آتى مُوسَى التوراةَ كاملةً، جامعةً لجميعِ ما يحتاجُ إليه في شريعتِه؛ جزاءً على إحسانِه في العملِ وطاعتِه، وإتمامًا لنِعْمَتِه عليه، وتَوْضِيحًا لكلِّ شَيْءٍ يَحتاجُ إليه قَوْمُه مِنْ أَمْرِ دِينِهم، وهدايةً لهم، ورحمةً؛ وحتى يُؤْمِنوا بلِقاءِ اللهِ تعالى يَوْمَ القِيامَةِ.
وبيَّن اللهُ تعالى أنَّه أَنْزَلَ هذا القرآنَ مُبارَكًا، فيه الخَيْرُ الكثيرُ، والعِلْمُ الغَزيرُ، وأَمَرَ العبادَ أَنْ يَتَّبِعوه، وأَنْ يَتَّقُوا رَبَّهم؛ لَعَلَّهم يُرْحَمونَ.
ثم أَخْبَرَ سبحانه أنَّه أَنْزَلَ هذا الكِتابَ قَطْعًا لحُجَّةِ مُشْرِكي قُرَيْشٍ، من أنْ يَحْتَجُّوا بأنَّ الكتابَ إنَّما أُنْزِلَ على طائِفَتينِ مِن قَبْلِهم: هم اليَهُودُ والنَّصَارى، وهم لا عِلْمَ لهم به ولا معرفةَ، ولا يَفْقَهونَ اللِّسانَ الذي جاء به ولم يُؤْمَرُوا بما فيه. كذلك كانَ إنزالُه الكتابَ قَطْعًا لتَعَلُّلِهم من أنْ يقولوا: لو أنَّا أُنْزِلَ إلينا الكتابُ كما أُنْزِلَ على اليَهودِ والنَّصارى لكُنَّا أَهْدَى منهم؛ فبَيَّنَ تعالى أنَّه قد جاءَهم القُرآنُ حُجَّةً واضِحَةً بَيِّنَةً، وهُدًى لهم ورحمةً، وأَوْضَحَ أنَّه لا أحَدَ أشَدُّ ظُلمًا مِمَّنْ كَذَّبَ بآياتِ اللهِ وأَعْرَضَ عنها بعد أنْ جَاءتْه، وتَوَعَّدَ الَّذين يُعْرِضونَ عن آياتِه بأنَّ لهم سُوءَ العَذابِ؛ جزاءَ ذلك الإعراضِ.
فهل ينتَظِرُ هؤلاءِ المُشْركونَ إلَّا أن تَأْتِيَهم الملائِكَةُ فتَقْبِضَ أَرْواحَهُم على الكُفْرِ، أو يَأْتِيَهم اللهُ في مَوْقِفِ يومِ القِيامَةِ لفَصْلِ القَضَاءِ بَيْنَ الخَلْقِ، أو أنْ تَطْلُعَ عليهم الشَّمْسُ من مَغْرِبها؛ فإنَّها إذا طَلَعَتْ مِن مَغْرِبها لا يَنْفَعُ أحَدًا الإيمانُ إذا لم يَكُنْ قد آمَن مِن قَبْلِ ذلك، ولا تُقْبَلُ توبةُ عاصٍ، ولا عَمَلٌ صالِحٌ مِن أَحَدٍ لم يكن عامِلًا به قبلَ طُلُوعِها مِن مَغْرِبها، وأَمَرَ نَبِيَّهم أن يقولَ لهم: انْتَظِروا أحَدَ تلك الأشياءِ، ونحن مُنْتَظِرونَ كذلك.
ثم أخبَرَ تعالى أنَّ الَّذين اختَلَفوا في دينِ الله وفارَقُوه، أو أَصْبَحوا فِرَقًا وأَحْزابًا؛ فإنَّ نَبِيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بَرِيءٌ منهم وممَّا هم فيه، إنَّما أَمْرُهم ومَصِيرُهم إلى اللهِ، ثم يُخْبِرُهم تعالى يومَ القيامَةِ بما عَمِلُوه في الدُّنيا، ويُجازِيهم عليه.

تفسير الآيات:


ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ.
أي: ثمَّ آتَيْنا مُوسى التَّوراةَ [2375] قال أبو حيان: (الكتابُ هنا التوراةُ بلا خلافٍ) ((تفسير أبي حيان) (4/693). كاملةً جامعةً لجميعِ ما يُحتاجُ إليه في شريعتِه [2376] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/368-369). ؛ جزاءً على إِحْسانِه في العَمَلِ، وقيامِه بأوامِرِنا وطاعَتِنا، وتمامًا لنِعَمِنا عليه، وكمالًا لإِحْسانِنا إليه، زيادةً على ما أَنْعَمْنا به عليه مِنْ قبلُ [2377] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/673-678)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .
وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ.
أي: وتبيينًا لكلِّ شيءٍ يحتاجُ قَوْمُه وأَتْباعُه إلى تَفْصيلِه مِن أَمْرِ دِينِهم؛ مِنَ الأحكامِ والعَقائِد وغيرِ ذلك [2378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/678)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281). .
وَهُدًى وَرَحْمَةً.
أي: وهدايةً لهم إلى الصِّراطِ المُستقيم،ِ ورحمةً بهم، تَحْصُلُ لهم بها السَّعادةُ والنَّجاةُ من الضَّلالةِ [2379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/678)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281). .
لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ.
أي: آتَينا موسَى التَّوراةَ؛ كي يُؤمِنَ قَوْمُه بالبَعْثِ، ويُصدِّقوا بالثَّوابِ والعِقابِ؛ فيَسْتَعِدُّوا لذلك [2380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/679)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281). .
وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى أنَّه أنزَلَ الكُتُبَ رَحمةً منه- لأنَّ غايَتَها الدَّلالةُ على مُنْزِلِها، فتُمْتَثَل أوامِرُه، وتُتَّقَى مَناهيه وزَواجِرُه- بيَّنَ أنَّه لم يَخُصَّ تلك الأُمَمَ بذلك، بل أَنْزَلَ على هذه الأُمَّةِ كتابًا، ولم يَرْضَ لها كَوْنَه مثلَ تلك الكُتُبِ، بل جَعَلَه أَعْظَمَها بَرَكةً، وأَبْيَنَها دَلالةً [2381] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/329). ، فقال تعالى:
وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ.
أي: وهذا القرآنُ الذي أَنْزَلناه إلى نَبِيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم فيه الخيرُ الكثيرُ، والعِلْمُ الغزيرُ، وهو الذي تُسْتَمَدُّ منه سائِرُ العلومِ، ويُمَيَّز به بين الحَسَنِ والقَبيحِ، والنَّافِع والضَّار، والباطِلِ والحَقِّ، فمن تَعَلَّمَهُ وعَمِلَ به؛ غَمَرَتْه الخيراتُ والبَرَكاتُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ [2382] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/525-532). .
فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
أي: فاجْعَلوه إِمامًا تَتَّبِعونَه، وتَعْمَلونَ بما فيه- أيُّها النَّاسُ- فيما يأمُرُ به ويَنْهَى عنه، وابْنُوا أُصُولَ دِينِكم وفُرُوعَه عليه، واتَّقُوا اللهَ تعالى، فلا تُخالِفُوا أَمْرَه، ولا تَسْتَحِلُّوا مَحارِمَه؛ لتُرْحَموا، فتَنْجُوا مِنْ عَذابِ اللهِ عزَّ وجلَّ [2383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/536). .
أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156).
أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا.
أي: أَنْزَلْنا إليكم هذا الكِتابَ المُبارَكَ- يا كُفَّارَ قُريشٍ- قَطْعًا لحُجَّتِكم وعُذْرِكم؛ لِئَلَّا تَقُولوا: لم يُنَزَّلْ علينا كتابٌ فَنَتَّبِعَه، ولم نُؤْمَرْ ولم نُنْهَ، فليس علينا حُجَّةٌ فيما نَأْتي ونَذَرُ؛ إذْ لم يَأْتِ مِنَ اللهِ كتابٌ ولا رسولٌ، وإنَّما الحُجَّةُ على طائِفَتَيِ اليهودِ والنَّصارَى اللَّتَينِ أُنْزِلَ عليهما التَّوراةُ والإنجيلُ [2384] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/6-7)، ((تفسير ابن كثير)) (3/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/553-554). .
كما قال تعالى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 47].
وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ.
أي: والكُتُبُ التي أَنْزَلْتَها عليهم، ليس لَنا بها عِلْمٌ ولا مَعْرِفَةٌ؛ فلا ندري ما هي، ولا نَعْلَمُ ما يَقْرَؤون؟ فليس هو بِلِسانِنا؛ فنَفْهَمَ ما يقولونَ؛ فهم كانوا أَهْلَه دُوننا، ولم نُؤْمَرْ بما فيه [2385] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/8)، ((تفسير ابن كثير)) (3/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/554-555). .
أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (157) .
أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ.
أي: وقَطَعْنا تَعَلُّلَكم؛ لئلَّا تَقُولوا: لو أَنَّا أُنْزِلَ علينا كتابٌ- كما أُنْزِلَ على اليَهُودِ والنَّصَارى- لَكُنَّا أَشَدَّ منهم استقامَةً على طريقِ الحَقِّ، واتِّباعًا للكِتابِ، وأَحْسَنَ عَمَلًا بما فيه [2386] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/9)، ((تفسير ابن كثير)) (3/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/555). .
فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ.
أي: فقَدْ جاءَكم كتابٌ مِنَ اللهِ تعالى على لِسانِ مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم بلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبِينٍ؛ حُجَّةً عليكم واضِحَةً بَيِّنَةً، فيه بيانٌ للحَقِّ، وفُرقانٌ بَينَ الصَّوابِ والخَطَأِ، وهُدًى من الضَّلالَةِ، ورحمةً مِنَ اللهِ لِمَنْ عَمِلَ به واتَّبَعَه؛ تَحْصُلُ لهم بها السَّعادةُ في دُنياهم وأُخْراهم [2387] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/9)، ((تفسير ابن كثير)) (3/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/555). .
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا.
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا قامتْ عليهم الحجَّةُ، وبيَّن الله ما يُوجِب الانقيادَ لأحكامِ هذا القرآنِ، والإيمانَ بأخبارِه- حسُن وقوعُ تحذيرِ التقريرِ، وأنَّ مَن لم يرفعْ بهذا القرآن رأسًا، وكذَّب به، فإنَّه أظلمُ الظَّالمين [2388] يُنظر: ((تفسير البقاعي)) (7/331)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280). ، فقال تعالى:
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا.
أي: فمَنْ أَخْطَأُ فِعْلًا، وأَشَدُّ تَجاوُزًا وعُدْوانًا مِمَّنْ كذَّبَ بِحُجَجِ اللهِ وأَدِلَّتِه، وأَعرضَ عنها بعدَ ما جاءَتْه، فلم يُؤمِنْ بها، وصَرفَ النَّاسَ وصَدَّهُم عنها؟
سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ.
أي: سَيُجَازِي اللهُ تعالى الَّذين يُعْرِضونَ عن آياتِه، ويَصُدُّونَ النَّاسَ عنها؛ العذابَ السَّيِّئَ، والعِقابَ الشَّديدَ [2389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/557). .
قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل: 88].
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ أنَّه إنَّما أَنْزَلَ الكِتابَ؛ إِزالَةً للعُذْرِ، وإزاحةً للعِلَّةِ؛ بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنونَ البتَّةَ، وشَرَحَ أحوالًا تُوجِبُ اليَأْسَ عَن دُخُولِهم في الإيمانِ، فقال [2390] ينظر: ((تفسير الرازي)) (14/188). :
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ.
أي: هل ينتَظِرُ هؤلاءِ المُشْركونَ إلَّا أنْ تَأْتِيَهم الملائكَةُ بالمَوْتِ، فتَقْبِضَ أَرْواحَهم على الكُفْرِ، أو أنْ يَأْتِيَهم ربُّكَ- يا مُحمَّد- في مَوْقِفِ القِيامَةِ؛ لفَصْلِ القَضاءِ بَين العِبادِ، أو أنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبها [2391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/11)، ((تفسير ابن كثير)) (3/371)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/560-562). قال الرازيُّ: (أجمعوا على أنَّ المرادَ بهذه الآياتِ علاماتُ القيامةِ) ((تفسير الرازي)) (14/188). ؟
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا.
أي: إذا طَلَعَت الشَّمْسُ مِن مَغْرِبها، فلا يُقْبَلُ إيمانُ كافِرٍ، لم يَكُنْ مُؤْمِنًا من قَبْلِ طُلُوعِها، ولا تُقْبَلُ توبةٌ مِن عاصٍ، ولا يُقبَل عملٌ صالحٌ مِن أحَدٍ لم يكن عاملًا به قبل طُلوعِها [2392] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/13، 28)، ((تفسير ابن كثير)) (3/371، 376)، ((تفسير السعدي)) (ص: 281-282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/589-590). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْربِها، فإذا طَلَعَتْ فرآها النَّاسُ آمَنُوا أجمعونَ، فذلك حين: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)) [2393] رواه البخاري (6506) واللفظ له، ومسلم (157). .
وعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ يومًا: ((أتَدْرُونَ أينَ تذهبُ هذهِ الشَّمسُ؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: إنَّ هذهِ الشَّمسَ تجري حتَّى تنتَهيَ تحتَ العَرْشِ فتخِرُّ ساجدةً، فلا تزالُ كذلِكَ حتَّى يقالَ لَها: ارتَفِعي، ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فتُصبحُ طالعةً مِنْ مَطلَعِها، ثمَّ تجري حتَّى تنتَهيَ إلى مستقَرِّها ذاك تحتَ العرشِ، فتخرُّ ساجدةً، ولا تزالُ كذلِكَ حتَّى يقالَ لَها: ارتَفِعي، ارجِعي من حيثُ جِئْتِ، فتَرْجِعُ فتُصْبِحُ طالعةً من مَطْلعِها، ثمَّ تجري لا يستنكرُ النَّاسُ منها شيئًا، حتَّى تنتَهيَ إلى مُستقرِّها ذاكَ تحتَ العَرشِ، فيقالُ لَها: ارتفِعي، أَصبِحي طالعةً مِن مَغْربِكِ، فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَغْربِها؛ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَتَدْرُونَ متى ذاكُم؟ ذاكَ حينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)) [2394] رواه مسلم (159). .
قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاء المشركينَ: انتَظِرُوا أنْ تَأْتِيَكم الملائكةُ بالمَوتِ، فتَقْبِضَ أَرْواحَكم، أو أنْ يَأْتِيَ رَبُّكَ لفَصْلِ القَضَاء في مَوْقِفِ القيامة، أو أَنْ يَأْتيَكم طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبها، فتُطوى صحائِفُ الأعمالِ، ولا يَنْفَعُكم إيمانُكم حينئذٍ إنْ آمَنْتُم، فتَعْلَمون حينئذٍ المُحِقَّ مِنَّا مِنَ المُبْطِل، وتَتَبَيَّنون عند ذلك مَنِ النَّاجي منَّا ومنكم، ومَنِ الهالكُ؟ إنَّا مُنْتَظِرون ذلك، فيُجْزِل الله لنا ثَوابَه، ويُنْزِل بكم عَذابَه [2395] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/29)، ((تفسير القرطبي)) (7/149)، ((تفسير ابن كثير)) (3/376)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/601). .
قال تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد: 18].
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159)  .
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا ذَكَرَ تعالى أنَّ صِراطَه مُستقيمٌ، ونَهَى عَنِ اتِّباعِ السُّبُل، وذَكَرَ مُوسى عليه السَّلامُ وما أُنْزَلَ عليه، وذَكَرَ القُرآنَ، وأَمَرَ باتِّباعِه، وذَكَرَ ما يَنْتَظِرُ الكُفَّارَ مِمَّا هو كائِنٌ بهم- انتَقَلَ إلى ذِكْرِ مَنِ اتَّبَعَ السُّبُلَ، فتَفَرَّقَت به عن سَبيلِ الله؛ لِيُنَبِّهَ المؤمنينَ على الائتلافِ على الدِّينِ القَويمِ، ولِئَلَّا يَخْتَلِفوا كما اخْتَلَفَ مَنْ قَبْلَهم مِنَ الأُمَم، بَعْدَ أنْ كانوا مُتَّفِقينَ على الشَّرائِعِ التي بُعِثَ أَنْبياؤُهم بها [2396] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/700). ، فقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ.
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسير:
في قَوْلِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم قراءتانِ:
1- قراءةُ فَارَقُوا أي: زَايَلوا دِينَهم، وتَرَكوه، وانْصَرَفوا عنه [2397] قرأ بها حمزة والكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 251). ويُنظر: لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 278)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 152). وفي القراءة بـ (فَارَقُوا) وجهٌ آخر أن (فاعَلَ) بمعنى (فَعَّل) نحو: ضاعَفْتُ الحساب وضعَّفْتُه. ينظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/235) .
2- قراءَةُ فَرَّقُوا مِنَ التَّفْريقِ [2398] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 251). ويُنظر: لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 278)، ((تفسير القرآن العظيم)) (6/326). .
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ.
أي: إنَّ الَّذين اختَلَفوا في دِينِ الله تعالى وفَارَقُوه، أو تَشَتَّتوا فيه؛ فأَصْبَحوا فِرَقًا وأَحْزابًا وأَدْيانًا؛ كلٌّ منها يزعُمُ أنَّه الحَقُّ؛ تَبَعًا للأَهْواءِ والضَّلالاتِ- فأنت بريءٌ منهم، يا محمَّدُ، وممَّا هم فيه [2399] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/30-36)، ((تفسير ابن كثير)) (3/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/601-607). .
قال عزَّ وجلَّ: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 52-56].
وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13].
إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ.
أي: إنَّ أَمْرَ هؤلاءِ- الَّذين فارَقوا دِينَهم وفرَّقوه، فكانوا فيه شِيَعًا- ومَصِيرَهم إلى اللهِ تعالى وَحْدَه، ثمَّ يخْبِرُهم سبحانه إذا جاؤُوه يومَ القيامَةِ بالَّذي كانوا يَعْمَلونه في الدُّنيا، فيَجِدُونَ كُلَّ ما عَمِلوه في كتابٍ، لا يُغَادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلَّا أَحْصاها، ويُجازيهم بأَعْمالِهم [2400] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/36)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/342)، ((تفسير ابن عطية)) (2/367)، ((تفسير ابن كثير)) (3/378)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/607). .
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج: 17].

الفوائد التربوية:


1- القُرآنُ هُدًى ورحمةٌ؛ فعَلَيْنا اتِّباعُ ما هَدَى إليه، واتِّقاءُ ما نَهى عنه وحَذَّرَ؛ لِتَكونَ رَحْمَتُه تعالى مرْجُوَّةً لنا في الدُّنيا والآخِرَة؛ فأكبَرُ سَبَبٍ لِنَيْلِ رَحمةِ اللهِ اتِّباعُ هذا القرآنِ، عِلْمًا وعملًا، قال الله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [2401] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/180). .
2- قولُ اللهِ تعالى: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا فيه تَحْذيرُ المؤمنين مِن الإعْراضِ عن الأعمالِ الصَّالِحَةِ [2402] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8أ/189). .
3- الإنسانُ يكتَسِبُ الخيرَ بإيمانِه؛ فالطَّاعَةُ والبِرُّ والتَّقْوى إنَّما تَنْفَعُ وتَنْمُو إذا كان مع العَبْدِ الإيمانُ، فإذا خلا القَلْبُ من الإيمانِ لم يَنْفَعْه شَيءٌ مِن ذلك؛ يُرْشِدُ إلى ذلك قَوْلُ اللهِ تعالى: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا [2403] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 281). .
4- قولُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ دليلٌ على أنَّ الدِّينَ يَأْمُرُ بالاجْتِماعِ والائْتِلافِ، ويَنْهى عن التَّفَرُّقِ والاختلافِ في أهْلِ الدِّينِ، وفي سائِرِ مَسائِلِه الأُصُوليَّةِ والفروعِيَّة [2404] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/335)، ((تفسير السعدي)) (ص: 282). ، فالله تعالى ذكر التفرُّقَ في سِياقِ الذَّمِّ، فيُؤْذِنُ ذلك بأنَّ اللهَ يُحَذِّرُ المُسلمينَ مِن ذلك [2405] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/193). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- جَرَتِ العادَةُ أنَّ اللهَ يُنَوِّهُ بالتَّوراةِ والقُرآنِ معًا؛ لأنَّهما أعظَمُ الكُتُبِ المنَزَّلة؛ لأنَّه قبل نُزُولِ القُرآنِ كانت التَّوراةُ أعْظَمَ الكُتُبِ المُنَزَّلةِ، وأجَمَعَها للأحكامِ؛ كما قال اللهُ: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فلمَّا نَزَلَ القُرآنُ كان أشْمَلَ كتابٍ وأَعْظَمَه؛ لأنَّه جَمَعَ اللهُ فيه عُلُومَ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ، وزادَ فيه أَشْياءَ لم تُنْزَلْ على غيرِه؛ ولِذا لَمَّا نَزَلَت التَّوراةُ في قوله: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ نوَّه بالقُرآنِ العَظيمِ بَعْدَه، فقال: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ مُبَارَكٌ ومِثْلُ هذا يَتَكَرَّرُ في القُرآنِ، كقَوْلِه في التَّوراةِ: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: 91] ثم قال: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الأنعام: 92] فأَتْبَعَ التَّنويهَ بالتَّوراةِ التَّنويهَ بالقُرآنِ؛ كَقَوْله: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحمَةً وَهَذَا يعني: القُرآنَ كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ [هود: 17] وكقَولِه: قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ [القصص: 48] والجِنُّ الَّذين استَمَعوا القرآنَ قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [2406] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/524، 525). [الأحقاف: 30].
2- قولُ اللهِ تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَمَّا أَمَرَ باتِّباعِ الكِتابِ، وكان الإنسانُ رُبَّما تَبِعَه في الظَّاهِرِ، أَمَرَ بإيقاعِ التَّقْوى المُصَحِّحةِ للباطِنِ إيقاعًا عامًّا؛ ولذلك حُذِفَ الضَّميرُ، فقال: وَاتَّقُوا أي: ومع ذلك فأَوْقِعوا التَّقْوى [2407] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/329). .
3- وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ في هذه الآياتِ دليلٌ على أنَّ عِلْمَ القُرآنِ أَجَلُّ العُلومِ وأَبْرَكُها وأَوْسَعُها، وأنَّه به تَحْصُل الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المستقيمِ؛ هدايةً تامَّةً لا يُحتاجُ مَعَها إلى تَخَرُّصِ المتَكَلِّمينَ، ولا إلى أَفْكارِ المتفَلْسِفينَ، ولا لغيرِ ذلك مِنْ عُلومِ الأَوَّلينِ والآخِرينَ [2408] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 281). .
4- استُدِلَّ على أنَّ المجوسَ لَيسُوا مِن أَهْلِ الكِتابِ بقَوْلِ اللهِ تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا أي: اليهودِ والنَّصارى؛ فتَبَيَّنَ أنَّه تعالى أَنْزَلَ القرآنَ؛ كراهةَ أنْ يَقُولوا ذلك، ومَنْعًا لأنْ يَقُولوا ذلك، فلو كان قَدْ أُنْزِلَ على أكثَرَ مِنْ طَائِفَتَينِ لكانَ هذا القَوْلُ كَذِبًا، فلا يحتاجُ إلى مانِعٍ مِن قَولِه [2409] ينظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (32/187). .
5- قولُ اللهِ تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ، هذا التَّقْسيمُ والتَّنويعُ نَصٌّ صَريحٌ في معناه، فلا يَحْتَمِلُ تأويلَ إتيانِ الرَّبِّ جَلَّ جلالُه بإتيانِ مَلائِكَتِه أو آياتِه [2410] ينظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/329-330). .
6- في قَوْلِه تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا لَمَّا كان هذا وعيدًا للمُكَذِّبينَ بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم مُنتظَرًا، وهم يَنْتَظِرونَ بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأَتْباعِهِ قَوارِعَ الدَّهْرِ ومَصائِبَ الأُمورِ؛ قال قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ فسَتَعْلمونَ أيُّنَا أحَقُّ بالأَمْنِ [2411] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 282). ؟
7- قولُه تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ فيه دليلٌ لمذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في إِثباتِ الأفعالِ الاختياريَّةِ لِلَّهِ تعالى؛ كالاستواءِ والنُّزُولِ والإتيانِ لله تبارك وتعالى؛ مِن غيرِ تشبيهٍ له بصِفاتِ المخْلوقينَ [2412] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 282). .
8- قولُ اللهِ تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، لا يُعارِضُه آيةُ سُورَةِ النِّساءِ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: 18]؛ لأنَّ مَحْمَلَ آيةِ النِّساءِ على تَعيينِ وَقْتِ فَواتِ التَّوبةِ بالنِّسبة للأَحْوالِ الخاصَّةِ بآحادِ النَّاسِ، ومَحْمَلَ آيةِ سُورَةِ الأنعامِ تَعْيينُ وَقْتِ فَواتِ التَّوبَةِ بالنِّسبَةِ إلى النَّاسِ كافَّةً، وهي حالةُ يأسِ النَّاسِ كُلِّهم مِنَ البَقَاءِ [2413] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) ( 8-أ/190-191). .
9- قولُ اللهِ تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا يدلُّ على أنَّ الإِيمانَ يَنْفَعُ إذا كان إيمانًا بالغَيْبِ، وكان اختيارًا مِنَ العبدِ، فأمَّا إذا وُجِدَتِ الآياتُ صار الأَمْرُ شهادةً، ولم يَبْقَ للإيمانِ فائدةٌ؛ لأنَّه يُشْبِه الإيمانَ الضَّروريَّ، كإيمانِ الغَريقِ والحَريقِ ونَحْوِهما، مِمَّن إذا رأى الموتَ أقلَعَ عمَّا هو فيه [2414] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 281). .
10- كُلُّ مُبتدِعٍ خالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكَذَّبَ ببعْضِ ما جاءَ به مِنَ الحَقِّ، وابتَدَعَ من الباطِلِ ما لم تَشْرَعْه الرُّسُلُ- فالرَّسولُ بَريءٌ مِمَّا ابتَدَعَه وخالَفَه فيه؛ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [2415] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/371). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ فيه: تقديمُ المجرورِ على عامِلِه يُؤْمِنُونَ للاهتِمامِ بأَمْرِ البَعْثِ والجَزاءِ [2416] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/177). .
2- قوله: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
- تَنكير كِتَابٌ للتَّعظيمِ، أي: وهذا القرآنُ الذي يُتْلَى عليكم كِتابٌ عظيمُ القَدْرِ [2417] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/180). .
- قدَّمَ الوصْفَ بالإنزالِ على الوصفِ بالبَرَكة؛ لأنَّ الكلامَ مع مَن يُنكِرُ رسالةَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُنكِرُ إنزالَ الكتُبِ الإلهيَّةِ، وكونه مُباركًا عليهم هو وصفٌ حاصلٌ لهم منه، متراخٍ عن الإنزالِ؛ فلذلك تأخَّر الوصْفُ بالبَرَكة، وتقدَّم الوصفُ بالإنزالِ [2418] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/694- 695). .
- وكان الوَصْفُ بالفِعْلِ المُسنَد إلى نونِ العَظَمَةِ أَنْزَلْنَاهُ أَوْلى مِنَ الوَصْفِ بالاسْمِ؛ لِما يَدُلُّ الإسْنادُ إلى اللهِ تعالى مِنَ التَّعْظيمِ والتَّشريفِ، وليس ذلِك في الاسمِ لو كانَ التركيبُ (مُنزَلٌ)، أو (مُنْزَلٌ منَّا) [2419] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/695). .
- في قَوْلِه: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَعْدٌ على اتِّباعِ القُرآنِ الكَريم، وتَعْريضٌ بالوعيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لم يَتَّبِعوه [2420] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/179). .
3- قوله: فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ تنوين بَيِّنَةٌ للتفخيمِ، وفي التعَرُّضِ لوَصْفِ الربوبيَّة مع الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهم في قوله: رَبِّكُمْ مزيدُ تأكيدٍ لإيجابِ الاتِّباعِ [2421] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/202). .
4- قوله: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ تنوينُهما أيضًا للتفخيم؛ عبَّرَ عن القرآنِ بالبيِّنةِ؛ إيذانًا بكمالِ تَمَكُّنِهم مِن دِراسَتِه، ثمَّ بالهدى والرَّحمةِ؛ تنبيهًا على أنَّه مُشْتَمِلٌ على ما اشتَمَلَت عليه التَّوراةُ مِن هدايةِ النَّاسِ ورَحْمَتِهم [2422] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/202). .
5- قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا فيه: وَضْعُ الموصولِ مَوْضِعَ ضميرِهم بطريقِ الالتفاتِ؛ تنصيصًا على اتِّصافهم بما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإشعارًا بعلَّةِ التَّحكيمِ، وإسقاطًا لهم عن رُتْبَةِ الخِطابِ، والمعنى إنكارُ أنْ يكونَ أحَدٌ أظَلْمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذلك أو مُساويًا له [2423] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/202). .
6- قوله: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا فيه: وَضْعُ الموصولِ مَوْضِعَ المُضْمَر- حيث لم يَقُلْ: سَنَجْزِيهم- لتَحقيقِ مَناطِ الجَزاءِ [2424] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/203). .
7- قولُه: بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (كَان) هنا مفيدةٌ للِاسْتِمرارِ، أي: بِصَدْفِهم وإعراضِهم عن الآياتِ إعراضًا مُستمِرًّا [2425] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/183). .
8- قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ... هَلْ للاستِفهامِ الإنكاريِّ، أي: ما يَنظُرون إلَّا أنْ تأتيَهم الملائكةُ...إلخ. والآية استئنافٌ بَيانيٌّ نشأَ في قوله قَبْلَه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ، وهذا الاستئنافُ يَحتمِلُ الوعيدَ والتهديدَ، ويَحتمِلُ التَّهكُّمَ؛ فإنْ كان وعيدًا وتَهديدًا فهو ناشئٌ عن جملة: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا؛ لإثارتِه سُؤالَ سائلٍ يقول: متى يكون جزاؤُهم؟ فقيل: هَلْ يَنْظُرُونَ....
وإنْ كان تَهكُّمًا بِهم على صَدْفِهم عن الآياتِ التي جاءتْهم، وتَطلُّعهم إلى آياتٍ أعظمَ منها في اعتقادِهم؛ فهو ناشئٌ عن جملة: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا؛ لأنَّه يُثيرُ سؤالَ سائلٍ يقول: ماذا كانوا يَترقَّبون من الآياتِ فوقَ الآياتِ التي جاءتْهم؟ فقيل: هَلْ يَنْظُرُونَ... [2426] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/183- 185)، وينظر أيضًا: ((تفسير أبي السعود)) (3/203). !
9- قوله: أَو يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ التَّعبيرُ عنها بالبَعْضِ؛ للتَّهويلِ والتَّفْخيمِ [2427] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/203). .
- وإضافَةُ الآياتِ في الموضِعَينِ إلى اسْمِ الرَّبِّ في قَوْلِه: آيَاتِ رَبِّكَ مُنْبِئٌ عن المالِكِيَّة الكُلِّيَّة لذلك، وإضافَتُه إلى ضَمِيره صلَّى الله عليه وسلَّم للتَّشْريفِ [2428] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/203). .
10- قوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا فيه: استئنافٌ بيانيٌّ؛ تذكيرًا لهم بأنَّ الانتظارَ والتَّرَيُّثَ عن الإيمانِ وَخِيمُ العاقِبَةِ [2429] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/186). .
- قولُه: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا فيه: تَقديمُ المفعولِ في قوله: نَفْسًا إِيمَانُهَا ليَتِمَّ الإيجازُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ [2430] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/187). ، ووَقَعَ في الكلام إيجازُ حَذْفٍ؛ اعتمادًا على القَرينةِ الواضِحَةِ. والتقديرُ: لا ينفَعُ نفسًا غيرَ مؤمنةٍ إيمانُها، أو نفسًا لم تكنْ كسَبَتْ خيرًا في إيمانِها مِن قَبْلُ كَسْبُها [2431] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/188). .
11- قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ فيه: استئنافٌ لبيانِ أَحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إِثْرَ بيانِ حَالِ المُشركينَ [2432] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/205). ، وقد جاء الاستئناف عَقِبَ الوعيدِ كالنَّتيجَةِ والفَذْلكة [2433] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/191). .
12- قوله: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ فيه: استئنافٌ بيانيٌّ [2434] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/192). ، وصيغَةُ القَصْرِ؛ لقَلْبِ اعتقادِ السَّائِلِ المترَدِّد؛ أَيْ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم ولَا إلى غَيْره، وَهذا إِنْذارٌ شَدِيدٌ [2435] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/192). ، وفيه تَعْزِيةٌ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم [2436] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (7/150). .
13- قولُه: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عَبَّرَ عن إظهارِه بالتَّنْبِئَة؛ لِمَا بيْنَهما مِنَ المُلابَسَةِ في أنَّهما سَبَبانِ للعِلْمِ؛ تنبيهًا على أنَّهم كانوا جاهِلِينَ بحالِ ما ارْتَكَبوه، غافِلِينَ عن سُوءِ عاقِبَتِه [2437] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/206). .