موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (51-56)

ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ

غريب الكلمات:


أُمَّتُكُمْ: أي: مِلَّتُكم ودينُكم وشريعتُكم، والأصلُ أنَّه يُقالُ للقومِ يجتمعونَ على دينٍ واحدٍ: أُمَّةٌ، فتُقامُ الأُمَّةُ مقامَ الدِّينِ، وتُطلَقُ الأُمَّةُ أيضًا على البُرْهةِ مِن الزَّمنِ، والرَّجلِ المُقتدَى به، والأصلِ، والمرجِعِ، ويُقالُ لكلِّ ما كان أصلًا لوجودِ شيءٍ أو تربيتِه أو إصلاحِه أو مبدئِه: أمٌّ [452] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 298)، ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 249)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21)، ((المفردات)) للراغب (ص: 85)، ((تفسير البغوي)) (3/367)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/173). .
زُبُرًا: أي: كُتبًا مُختلِفةً، جمعُ زبورٍ، وأصلُ (زبر): يدُلُّ على قراءةٍ وكتابةٍ وما أشبهَ ذلك [453] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 298)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/44)، ((المفردات)) للراغب (ص: 377)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 250)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 308). .
حِزْبٍ: أي: طائِفةٍ وفِرْقةٍ، والحزبُ: الجماعةُ مِن الناسِ، أو: جماعةٌ فيها غِلَظٌ، والطَّائفةُ مِن كلِّ شيءٍ حزبٌ، وأصلُ (حزب): يدُلُّ على تَجَمُّعِ الشَّيءِ [454] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/498)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/55)، ((المفردات)) للراغب (ص: 231)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 223). .
غَمْرَتِهِمْ: أي: عَمايَتِهم وجَهْلِهم وضَلالِهم، وسُمِّيَتْ غَمْرةً؛ لأنَّها شَيءٌ يَستُرُ الحقَّ عن العينِ، وأصْلُ الغَمْرِ: إزالةُ أثَرِ الشَّيءِ، وكذلك تَغطيةٌ وسَتْرٌ [455] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/64)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/392، 393)، ((المفردات)) للراغب (ص: 614)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 251)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 674). .

مشكل الإعراب:


1- قولُه تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
قَولُه: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً: أُمَّتُكُمْ خبَرُ لـ (إنَّ)، ونُصِبَ أُمَّةً على الحالِ من أُمَّتُكُمْ، أو نُصِبَ على البدَلِ مِن هَذِهِ، فيكونُ قد فُصِلَ بالخبَرِ بين البَدَلِ والمُبدَلِ منه [456] ينظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/503)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/926)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/195). .
2- قوله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ
أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ: (ما) مَوصولةٌ بمعنى (الَّذي) [457] قال الألوسي: (ومَن جوَّز كونَها مصدريةً وجعَل المصدرَ الحاصلَ بعدَ السبكِ اسمَ أنَّ وخبرَها نُسَارِعُ على تقديرِ «مسارعة»، بِناءً على أنَّ الأصلَ «أنْ نسارع»، فحُذفت «أنْ» وارتفَع الفعلُ- لم يُوفِّ القرآنَ الكريمَ حقَّه، وكذا مَن جعَلها كافَّةً كالكسائيِّ). ((تفسير الألوسي)) (9/243).  ، وهي اسمُ (أنَّ)، ونُمِدُّهُمْ صِلتُها، وعائدُه الضَّميرُ في بِهِ. ومِنْ مَالٍ متعلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن الموصولِ (ما). ونُسَارِعُ خبرُ (أنَّ)، والعائدُ مِن هذه الجُملةِ إلى اسم (أنَّ) مَحذوفٌ، تَقديرُه: نُسارِعُ لهم به، أو فيه. والمصدرُ المُؤوَّلُ سَدَّ مَسدَّ مَفعولَي (يحسَبُ). وقيل غيرُ ذلك [458] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكِّي (2/503)، ((التبيان)) للعكبري (2/957)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/350)، ((تفسير الألوسي)) (9/243). .

المعنى الإجمالي:


يخاطبُ اللهُ رسلَه آمرًا إيَّاهم بأن يأكُلوا مِنَ الرِّزقِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وأن يعْمَلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ؛ ويُذكِّرُهم بأنَّه عَليمٌ بما يعمَلونَ، لا يَخْفَى عليه مِن أعمالِهم شَيءٌ. ويبيِّنُ لهم أنَّ دِينَهم جميعًا دِينٌ واحِدٌ، وهو الإسلامُ، وأنه هو رَبُّهم؛ فعليهم أن يتَّقوه، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نَواهيه.
ويخبِرُ تعالى أنَّ الناسَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ تفرَّقتْ في الدِّينِ، وجعلوه كتبًا وضَعوها، دانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ، وجعَل له دينًا، كُلُّ حِزْبٍ مُعْجَبٌ برأيِه، يَعتقِدُ أنَّه على الحَقِّ دون غيره! وأمَر اللهُ نبيَّه أن يَتركَهم في غَفلَتِهم وحَيرتِهم إلى أنْ يَنزِلَ العَذابُ بهم أو الموتُ.
ثم يقولُ تعالى: أيظُنُّ هؤلاء المُفَرِّقونَ دِينَهم أنَّ ما يبسُطُه لهم جلَّ وعلا مِن أموالٍ وأولادٍ في الدُّنيا هو تعجيلٌ لثوابِهم لِكَرامتِهم علَيْه؟! كلَّا! إنَّما يفعل ذلك فِتنةً لهم واستِدراجًا، ولكِنَّهم لا يَشعُرونَ بذلك.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
المناسبةُ لهذا الاستئنافِ هي قولُه: وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون: 50]، ولِيَحصُلَ مِنْ ذلك الرَّدُّ على اعتقادِ الأقوامِ المُعلِّلينَ تكذيبَهم رُسُلَهم بعِلَّةِ أنَّهم يأكُلونَ الطَّعامَ، كما قالَ تعالَى في الآيةِ السَّابقةِ: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون: 33]، وليُبْطِلَ بذلك ما ابْتَدَعه النَّصارَى مِنَ الرَّهبانِيَّةِ [459] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/68). .
وأيضًا لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ عيسَى عليه السَّلامُ على مِنْهاجِ إخوانِه مِنَ الرُّسلِ في الأكْلِ والعِبادةِ، وجميعِ الأحوالِ؛ زاد في تَحقيقِ ذلك بَيانًا لِمَن ضَلَّ بأنِ اعتقَدَ فيه ما لا يَليقُ به، فقال مُخاطِبًا لِجَميعِ الرُّسلِ [460] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/154). :
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا.
أي: يا أيُّها الرُّسُلُ، كُلُوا مِنَ الرِّزقِ الحَلالِ المُستلَذِّ النَّافِعِ، واعْمَلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ الخالِصةَ للهِ، المُوافِقةَ لِشَريعتِه [461] يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/482)، ((تفسير البيضاوي)) (4/89)، ((تفسير النسفي)) (2/471)، ((تفسير ابن كثير)) (5/477)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/154، 155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 553)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/334). قيل: المرادُ أنَّ كُلَّ رَسولٍ في زمانِه خُوطِبَ بذلك. وممَّن قال بهذا: ابنُ جُزي، والقاسمي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/52)، ((تفسير القاسمي)) (7/291)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/334). وقيل: الخِطابُ للنبيِّ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وممَّن ذهب إلى ذلك: مقاتلُ بنُ سليمان، وابنُ قتيبة، والزجَّاج. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/158)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 297)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/15). قال ابنُ الجوزي: (قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ قال ابنُ عباس، والحسنُ، ومجاهدٌ، وقتادةُ في آخرينَ: يعني بالرُّسُلِ هاهنا محمَّدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- وحْدَه. وهو مذهَبُ العربِ في مخاطبةِ الواحِدِ خِطابَ الجميعِ، ويتضَمَّنُ هذا أنَّ الرسُلَ جميعًا كذا أُمِروا. وإِلى هذا المعنى ذهَب ابنُ قتيبةَ والزجَّاجُ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/264). وقيل: الخِطابُ لعيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وممن ذهب إلى ذلك: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/59). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عطية)) (4/146). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمَرَ المُؤمِنينَ بما أمَرَ به المُرسَلينَ؛ فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172]، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أشعَثَ أغبَرَ [462] أشعَثَ: أي: مُتفَرِّقَ شَعرِ الرَّأسِ. أغبَرَ: أي: مُغْبَرَّ البَدَنِ يعلوه الغُبارُ. ينُظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (9/4024). ، يَمُدُّ يَدَيه إلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطعَمُه حَرامٌ، ومَشرَبُه حَرامٌ، ومَلبَسُه حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ؛ فأنَّى يُستَجابُ لذلك؟!)) [463] رواه مسلم (1015). .
إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
أي: لا يَخْفى علَيَّ شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسأُجازيكم عليها جَميعًا؛ فاجتَهِدوا في صالحِ الأعمالِ [464] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/59)، ((تفسير النسفي)) (2/471)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/69). .
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52).
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً.
أي: وقُلْنا للرُّسُلِ: إنَّ دِينَكم جَميعًا دِينٌ واحِدٌ، وهو الإسلامُ [465] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 748)، ((تفسير ابن عطية)) (4/146)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/219)، ((تفسير ابن كثير)) (5/479)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/69). قال الشنقيطي: (فقَولُه: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، أي: إنَّ هذِه شَريعتُكم شَريعة واحِدة، ودِينُكم دِينٌ واحدٌ، ورَبُّكم واحدٌ؛ فلا تَتفَرَّقوا في الدِّينِ). ((أضواء البيان)) (7/61). ويُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/242). وقال القرطبي: (قولُه تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً المعنَى: هذا الَّذي تقَدَّم ذكرُه هو دينُكم ومِلَّتُكم فالْتَزِموه. والأمَّةُ هنا: الدِّينُ). ((تفسير القرطبي)) (12/129). وقال ابنُ عطية: (الإشارةُ بـ «هذه» إلى الحنيفيةِ السمحةِ ملَّةِ إبراهيمَ عليه السلامُ، وهو دينُ الإسلامِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/146). .
كما قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((أنا أَولى النَّاسِ بعِيسى ابنِ مَريمَ في الدُّنيا والآخِرةِ، والأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ [466] أولادُ العَلَّاتِ: الَّذين أُمَّهاتُهم مُختلفةٌ وأبُوهُم واحِدٌ؛ أرادَ أنَّ إيمانَهم واحِدٌ، وشرائعَهُم مُختلفةٌ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/291). ؛ أُمَّهاتُهم شَتَّى، ودِينُهم واحِدٌ)) [467] رواه البخاري (3443). .
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
أي: وأنا رَبُّكم فاتَّقوني بفِعلِ أوامِري، واجتِنابِ نَواهيَّ، ولا تُشرِكوا بي شَيئًا [468] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 553)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/69). .
كما قال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92].
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53).
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا.
أي: فتَفرَّقَ النَّاسُ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ في هذا الدِّينِ الواحِدِ الَّذي شرَعَه اللهُ لهم؛ وجعلوه كُتبًا وضَعوها، دانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ كُتبِ الفِرَقِ الأخرَى، وجعَل كلُّ فريقٍ منهم لنفْسِه دِينًا [469] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/61، 63)، ((تفسير القرطبي)) (12/129، 130)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/72، 73). قال القرطبي: (الافتراقُ المحَذَّرُ منه في الآيةِ والحديثِ [يعني: حديثَ افتراقِ الأمَّةِ] إنَّما هو في أصولِ الدِّينِ وقواعِدِه؛ لأنَّه قد أطلَقَ عليها مِلَلًا، وأخبَرَ أنَّ التمَسُّكَ بشَيءٍ مِن تلك المِلَلِ مُوجِبٌ لدُخولِ النَّارِ. ومِثلُ هذا لا يُقالُ في الفروعِ؛ فإنَّه لا يُوجِبُ تعديدَ المِلَلِ، ولا عذابَ النَّارِ). ((تفسير القرطبي)) (12/130). وقال أيضًا: (قَولُه تعالى: زُبُرًا يعني: كُتُبًا وَضَعوها، وضَلالاتٍ ألَّفوها، قاله ابنُ زيدٍ. وقيل: إنَّهم فرَّقوا الكُتُبَ، فاتَّبَعت فِرقةٌ الصُّحُفَ، وفِرقةٌ التَّوراةَ، وفِرقةٌ الزَّبورَ، وفِرقةٌ الإنجيلَ، ثمَّ حُرِّفَ الكُلُّ وبُدِّلَ، قاله قتادةُ. وقيل: أخَذَ كُلُّ فريقٍ منهم كتابًا آمَنَ به، وكفَرَ بما سِواه). ((تفسير القرطبي)) (12/130). وقال ابنُ جريرٍ في معنى زُبُرًا: (إجماعُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك على أنَّه مرادٌ به الكتبُ). ((تفسير ابن جرير)) (17/63). وقال الشنقيطي: (وقوله في هذه الآيةِ: زُبُرًا أي: قِطَعًا كزُبَرِ الحديدِ والفضَّةِ، أي: قِطَعِها). ((أضواء البيان)) (4/247). .
كما قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 105].
وقال سبحانَه: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [الأنبياء: 93].
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.
أي: كلُّ فَريقٍ منهم مَسْرورونَ بما اختارُوه لأنفُسِهم، فَرِحونَ بباطِلِهم، يَعتَقِدونَ أنَّهم على الحَقِّ دونَ مَن سِواهم [470] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/63)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 748)، ((تفسير القرطبي)) (12/130)، ((تفسير ابن كثير)) (5/479)، ((تفسير الشوكاني)) (3/576)، ((تفسير السعدي)) (ص: 553). .
كما قال تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: 32].
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ومآلَ أمْرِهم مِنَ الإهلاكِ حين كذَّبوا الرُّسلَ، كان ذلك مِثالًا لِقُريشٍ؛ فخاطَبَ رَسولَه في شأْنِهم بقولِه [471] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/567). :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54).
أي: فاتْرُكْ -يا مُحمَّدُ- هؤلاء المُشرِكينَ المُختَلِفينَ في دِينِهم، الَّذين هم بمَنزلةِ مَن تقدَّمَ؛ اترُكْهم في حَيْرَتِهم وضَلالتِهم وغَفلَتِهم الَّتي غَرِقوا فيها، إلى أنْ يأتيَهم العَذابُ أو الموتُ [472] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/64)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 749)، ((تفسير القرطبي)) (12/130)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/596)، ((تفسير ابن كثير)) (5/479)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 553)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/335). قال ابنُ تيميَّةَ: (قال الله تعالى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أي: فيما يغمُرُ قُلوبَهم مِن حُبِّ المالِ والبنينَ، المانِعِ لهم مِن المُسارَعةِ في الخيراتِ والأعمالِ الصَّالحةِ). ((مجموع الفتاوى)) (10/596). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: 159].
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان القومُ في نِعَمٍ عَظيمةٍ في الدُّنيا، جاز أنْ يظُنُّوا أنَّ تلك النِّعمَ كالثَّوابِ المُعجَّلِ لهم على أديانِهم؛ فبيَّنَ سُبحانَه أنَّ الأمْرَ بخِلافِ ذلك [473] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/282). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا كان المُوجِبَ لِغُرورِ الكافرينَ ظَنُّهم أنَّ حالَهم -في بَسْطِ الأرزاقِ مِن الأموالِ والأولادِ- حالُ الموعودِ لا المُتوعَّدِ، أنْكَر ذلك عليهم؛ تَنبيهًا لِمَن سبَقَتْ له السَّعادةُ، وكُتِبَت له الحُسْنى وزِيادةٌ، فقال [474] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/158). :
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ.
أي: أيظُنُّ أولئك الَّذين فَرَّقوا دِينَهم أنَّ ما نَبسُطُه عليهم في الدُّنيا مِنَ الأموالِ والأبناءِ هو تَعجيلٌ لِثَوابِهم؛ لِمَعزَّتِهم وكَرامتِهم عندنا؟! كلَّا! ليس الأمرُ كما يَزعُمونَ، بلْ هم يُسارِعونَ في أسبابِ الشُّرورِ، ولكِنْ لا يَشعُرونَ أنِّي أُعْطِيهم ذلك فِتْنةً واستِدراجًا لهم [475] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/65)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 749)، ((تفسير القرطبي)) (12/131)، ((تفسير ابن كثير)) (5/479)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). .
كما قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: 178].
وقال سُبحانَه: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 55].
وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ [سبأ: 34 - 37].

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا دَلَّ هذا على أنَّ الحلالَ عَونٌ على الطاعةِ والعمَلِ الصَّالحِ [476] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/477)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/155). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، بَعدَ قولِه: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، تَحذيرٌ مِن مُخالَفةِ ما أمَرَهُم به، وإذا كان ذلك تَحذيرًا للرُّسلِ مع عُلُوِّ شأْنِهم، فبأنْ يكونَ تَحذيرًا لِغَيرِهم أَوْلى؛ فهو تَحذيرٌ، والمُرادُ أتْباعُهم [477] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/281)، ((تفسير أبي حيان)) (7/566). . وفيه أيضًا تَحريضٌ على الاستِزادةِ مِن الأعمالِ الصَّالحةِ؛ لأنَّ ذلك يَتضمَّنُ الوعْدَ بالجَزاءِ عنها، وأنَّه لا يَضِيعُ منه شَيءٌ؛ فالخَبرُ مُستعمَلٌ في التَّحريضِ [478] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/69). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ وقَّفَهم تعالى على خطَأِ رأْيِهم في أنَّ نِعمةَ اللهِ عليهم بالمالِ ونَحْوِه إنَّما هي لِرِضاهُ عن حالِهم، وبيَّنَ تعالى أنَّ ذلك إنَّما هو إملاءٌ واستِدراجٌ إلى المعاصي، واستِجرارٌ إلى زِيادةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبونه مُسارَعةً لهم في الخَيراتِ، ومُعاجَلةً بالإحسانِ [479] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/567). .
4- كلُّ لذَّةٍ أعقَبَتْ ألَمًا، أو منَعَتْ لذَّةً أكمَلَ منها؛ فليست بِلَذَّةٍ في الحقيقةِ، وإنْ غالَطَتِ النَّفْسُ في الالتِذاذِ بها؛ فأيُّ لَذَّةٍ لآكلِ طَعامٍ شَهِيٍّ مَسمومٍ يُقطِّعُ أمعاءَه عن قَريبٍ؟! وهذه هي لَذَّاتُ الكُفَّارِ والفُسَّاقِ بعُلُوِّهم في الأرضِ وفَسادِهم، وفرَحِهم فيها بغَيرِ الحقِّ ومرَحِهم، وذلك مِثْلُ لَذَّةِ الَّذين اتَّخَذوا مِن دُونِ اللهِ أولياءَ يُحِبُّونَهم كحُبِّ اللهِ، فنَالوا بهم مَودَّةَ بَيْنِهم في الحياةِ الدُّنيا، ثمَّ استحالَتْ تلك اللَّذَّةُ أعظَمَ ألَمٍ وأمَرَّهُ، ومِن ذلك لَذَّةُ العقائِدِ الفاسدةِ والفرَحِ بها، ولَذَّةُ غَلبةِ أهْلِ الجَورِ والظُّلمِ والعُدوانِ، والزِّنا، والسَّرقةِ، وشُربِ المُسكِراتِ، وقد أخبَرَ اللهُ سُبحانَه وتَعالى أنَّه لم يُمَكِّنْهم مِن ذلك لِخَيرٍ يُرِيدُه بهم، إنَّما هو استِدراجٌ مِنه؛ لِيُنِيلَهم به أعظَمَ الألَمِ؛ قال اللهُ تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 55- 56]، وقال تعالى: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [480] يُنظر: ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 161). [التوبة: 55].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، هذا أمْرٌ منه تَعالى لِرُسلِه بأكْلِ الطَّيِّباتِ الَّتي هي الرِّزقُ الطَّيِّبُ الحلالُ، وشُكْرِ اللهِ بالعمَلِ الصَّالحِ الَّذي به يَصلُحُ القَلْبُ والبدَنُ، والدُّنيا والآخرةُ، ويُخبِرُهم أنَّه بما يَعْمَلون عليمٌ، فكلُّ عمَلٍ عَمِلُوه، وكلُّ سَعْيٍ اكتَسَبوه؛ فإنَّ اللهَ يَعلَمُه، وسيُجازِيهم عليه أتَمَّ الجزاءِ وأفضَلَهُ، فدَلَّ هذا على أنَّ الرُّسلَ كلَّهم مُتَّفِقون على إباحةِ الطَّيِّباتِ مِنَ المآكِلِ، وتَحريمِ الخبائثِ منها، وأنَّهم مُتَّفِقون على كلِّ عمَلٍ صالحٍ وإنْ تَنوَّعَتْ بَعضُ أجناسِ المأموراتِ، واختلَفَتْ بها الشَّرائعُ؛ فإنَّها كلَّها عمَلٌ صالِحٌ، ولكنْ تَتفاوَتُ بتَفاوُتِ الأزمنةِ [481] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 553). .
2- قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا فيه: بَيانُ كَرامةِ الرُّسلِ عندَ اللهِ، ونَزاهتِهم في أُمورِهم الجُسمانيَّةِ والرُّوحانيَّةِ؛ فالأكْلُ مِنَ الطَّيِّباتِ نَزاهةٌ جِسْميَّةٌ، والعمَلُ الصَّالِحُ نَزاهةٌ نَفسانيَّةٌ [482] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/68). .
3- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وقال: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة: 172]؛ فأمَرَ بالأكْلِ والشُّكرِ، فمَن أكَلَ ولم يَشكُرْ كان مَذْمومًا، ومَن لم يأكُلْ ولم يَشكُرْ كان مَذْمومًا [483] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/716). .
4- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً دَلالةٌ على أنَّ دِينَ الأنبياءِ واحدٌ [484] يُنظر: ((الإخنائية)) لابن تيمية (ص: 163). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً إنْ قِيلَ: لمَّا كانت شَرائعُهم مُختلِفةً؛ فكيف يكونُ دِينُهم واحدًا؟
فالجَوابُ: أن المُرادَ مِنَ الدِّينِ ما لا يَختلِفون فيه مِن مَعرفةِ ذاتِ اللهِ تعالى وصِفاتِه، وأمَّا الشَّرائعُ فإنَّ الاختلافَ فيها لا يُسمَّى اختلافًا في الدِّينِ، فكما يُقالُ في الحائضِ والطَّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهنَّ واحدٌ، وإنِ افترَقَ تَكليفُهما، فكذا هاهنا. ويدُلُّ على ذلك قولُه: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فكأنَّه نبَّهَ بذلك على أنَّ دِينَ الجَميعِ واحدٌ فيما يتَّصِلُ بمَعرفةِ اللهِ تعالى، واتِّقاءِ مَعاصيهِ، فلا مَدخَلَ للشَّرائعِ، وإنِ اختلَفَتْ في ذلك [485] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/281). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ مَقولُ قَولٍ مَحذوفٍ؛ اكتِفاءً بالمَقولِ، وهو استِئنافٌ ابتدائيٌّ، أي: قُلْنا: يا أيُّها الرُّسلُ كُلُوا [486] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/68). . والخِطابُ لجَميعِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، على معنَى: أنَّ كلًّا منهم خُوطِبَ في زَمانِه؛ فيَدخُلُ تحتَه عِيسى عليه السَّلامُ دُخولًا أوَّلِيًّا، وإنَّما أتى بصُورةِ الجَمْعِ؛ لِيَعتقِدَ السَّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ له جَميعُ الرُّسلِ ووُصُّوا به: حَقيقٌ أنْ يُوحَّدَ به ويُعمَلَ عليه. أو يكونُ ابتداءَ كَلامٍ؛ ذُكِرَ تَنبيهًا على أنَّ تَهيئةَ أسبابِ التَّنعيمِ لم تكُنْ له خاصَّةً، وأنَّ إباحةَ الطَّيِّباتِ للأنبياءِ عليهم السَّلامُ شَرعٌ قديمٌ، واحتجاجًا على الرَّهبانِيَّةِ في رَفْضِ الطَّيِّباتِ، أو حِكايةً لِمَا ذُكِرَ لِعِيسى عليه السَّلامُ ومَريمَ وإيوائِهما إلى الرَّبوةِ؛ لِيَقْتديَا بالرُّسلِ في تَناوُلِ ما رُزِقَا. وقيل: النِّداءُ له، ولَفْظُ الجَمْعِ للتَّعظيمِ. وقيل: هو خِطابٌ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَحْدَه على دأْبِ العرَبِ في مُخاطَبةِ الواحدِ بلَفْظِ الجَمعِ، أو لِقيامِه مقامَ الرُّسلِ، وفيه إبانةٌ لِفَضلِه وقِيامِه مقامَ الكُلِّ في حِيازةِ كَمالاتِهم [487] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/190)، ((تفسير البيضاوي)) (4/89)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/591)، ((تفسير أبي حيان)) (7/566)، ((تفسير أبي السعود)) (6/138)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/68). .
- والأمْرُ في قولِه: كُلُوا للإباحةِ، وإنْ كان الأكْلُ أمْرًا جِبِليًّا للبشرِ، إلَّا أنَّ المُرادَ به هنا لَازِمُه، وهو إعلامُ المُكذِّبينَ بأنَّ الأكْلَ لا يُنافي الرِّسالةَ، وأنَّ الَّذي أرسَلَ الرُّسلَ أباح لهمُ الأكْلَ. وتَعليقُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بكسْبِ الإباحةِ المُستفادَةِ مِن الأمْرِ شَرْطٌ أنْ يكونَ المُباحُ مِنَ الطَّيِّباتِ، أي: أنْ يكونَ المأْكولُ طَيِّبًا. ويَزِيدُ في الرَّدِّ على المُكذِّبينَ بأنَّ الرُّسلَ إنَّما يَجْتنِبونَ الخبائِثَ، ولا يَجتنِبونَ ما أحَلَّ اللهُ لهم مِن الطَّيِّباتِ [488] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/68). .
- قولُه: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا في تَقديمِ الأكْلِ مِن الطَّيِّباتِ على العمَلِ الصَّالحِ: دَلالةٌ على أنَّه لا يكونُ صالِحًا إلَّا مَسبوقًا بأكْلِ الحلالِ [489] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/281)، ((تفسير أبي حيان)) (7/566). . وفي عَطْفِ العمَلِ الصَّالحِ على الأمْرِ بأكْلِ الطَّيِّباتِ: إيماءٌ إلى أنَّ هِمَّةَ الرُّسلِ إنَّما تَنصرِفُ إلى الأعمالِ الصَّالحةِ [490] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/69). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث جاء قولُه: وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ بلَفظِ (عليم)، وفي سُورةِ (سبَأٍ) قال: وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ: 11] بلَفظِ (بصير)؛ ووَجْهُه: أنَّه تقدَّمَ آيةَ (المُؤمِنون) إيتاءُ الكِتابِ، وجَعْلُ مَريمَ وابْنِها آيةً، والعِلْمُ بهما أنسَبُ مِن بَصَرِهما، وفي سُورةِ (سبَأٍ) تقدَّمَ قولُه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، والبصَرُ بإِلَانَةِ الحديدِ أنسَبُ مِن العِلْمِ بها [491] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 390، 391). . وقيل: خَصَّ كلَّ سُورةٍ بما وافَقَ فواصِلَ الآيِ [492] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 184)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/331). .
2- قولُه تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
- قولُه: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً فيه تأْكيدُ الكَلامِ بحَرفِ (إنَّ)؛ للرَّدِّ على المُشركينَ مِن أُمَمِ الرُّسلِ، أو المُشرِكينَ المُخاطَبينَ بالقُرآنِ [493] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/70). .
- وإنَّما أُشِيرَ إليها بـ هَذِهِ؛ للتَّنبيهِ على كَمالِ ظُهورِ أمْرِ الأُمَّةِ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ، وانتظامِها بسَببِ ذلكَ في سِلْكِ الأُمورِ المُشاهَدةِ [494] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/138). . وقيل: الإشارةُ بقولِه: هَذِهِ إلى أمْرٍ مُسْتَحضَرٍ في الذِّهنِ بَيَّنَه الخبرُ والحالُ؛ ولذلك أُنِّثَ اسمُ الإشارةِ، أي: هذه الشَّريعةُ الَّتي أَوْحَينا إليك هي شَريعتُك، ومعنى هذا الإخبارِ: أنَّك تَلتزِمُها ولا تَنقُصُ منها، ولا تُغيِّرُ منها شيئًا، ولِأجْلِ هذا المُرادِ جُعِلَ الخَبرُ ما حَقُّه أنْ يكونَ بَيانًا لاسمِ الإشارةِ؛ لأنَّه لم يُقْصَدْ به بَيانُ اسمِ الإشارةِ، بل قُصِدَ به الإخبارُ عن اسمِ الإشارةِ؛ لإفادةِ الاتِّحادِ بيْن مَدْلوليِ اسمِ الإشارةِ وخَبرِه؛ فيُفِيدُ أنَّه هو هو لا يُغيَّرُ عن حالِه؛ فالخَبرُ مُستعمَلٌ في مَعْنى التَّحريضِ والمُلازَمةِ [495] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/71، 72). .
- وفِعْلُ الأمْرِ فَاتَّقُونِ في حَقِّ الرُّسلِ للتَّهييجِ والإلهابِ، وفي حَقِّ الأُمَمِ للتَّحذيرِ والإيجابِ، والفاءُ لِتَرتيبِ الأمْرِ، أو وُجوبِ الامتثالِ به على ما قَبْلَه مِن اختِصاصِ الرُّبوبيَّةِ به تعالى واتِّحادِ الأُمَّةِ؛ فإنَّ كُلًّا منهما مُوجِبٌ للاتِّقاءِ حَتْمًا [496] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/138). .
- وفي قولِه: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث جاء قولُه هنا: فَاتَّقُونِ، وفي (الأنبياءِ): فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92]؛ فيجوزُ أنَّ اللهَ أمَرَهم بالعِبادةِ وبالتَّقْوى، ولكنْ حَكَى في كلِّ سُورةٍ أمْرًا مِن الأمْرَينِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ الأمرانِ وقَعَا في خِطابٍ واحدٍ، فاقْتُصِرَ على بَعْضِه في سُورةِ (الأنبياءِ)، وذُكِرَ مُعظَمُه في سُورةِ (المُؤمِنينَ)، بحَسَبِ ما اقتضاهُ مَقامُ الحِكايةِ في كِلْتَا السُّورتينِ. ويحتمِلُ أنْ يكونَ كلُّ أمْرٍ مِن الأمْرينِ قد وقَعَ في خِطابٍ مُستقِلٍّ؛ تَماثَلَ بَعضُه، وزاد الآخَرُ عليه بحَسَبِ ما اقتضاهُ مَقامُ الخِطابِ مِن قَصْدِ إبلاغِه للأُمَمِ كما في سُورةِ (الأنبياءِ)، أو مِن قَصْدِ اختِصاصِ الرُّسلِ كما في سُورةِ (المُؤمِنينَ)، وعلى كلٍّ فوَجْهُ ذلك: أنَّ آيةَ سُورةِ (الأنبياءِ) لم تُذْكَرْ فيها رِسالاتُ الرُّسلِ إلى أقْوامِهم بالتَّوحيدِ عدَا رِسالةَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، ثمَّ جاء ذِكْرُ غَيرِه مِن الرُّسلِ والأنبياءِ مع الثَّناءِ عليهم، وطالَ البُعْدُ بيْنَ ذلك وبيْنَ قِصَّةِ إبراهيمَ؛ فكان الأمْرُ بإفرادِ اللهِ تعالى بالعِبادةِ -الَّذي هو المعنى الَّذي اتَّحدَتْ فيه الأديانُ- أَوْلى هُنالِك؛ لأنَّ المَقصودَ مِن ذلك الأمْرِ أنْ يُبلَّغَ إلى أقوامِهم، فكان ذِكْرُ الأمْرِ بالعِبادةِ أَوْلى بالمَقامِ في تلك السُّورةِ؛ لأنَّه الَّذي حَظُّ الأُمَمِ منه أكثَرُ؛ إذِ الأنبياءُ والرُّسلُ لم يَكونوا بخِلافِ ذلك قطُّ، فلا يُقْصَدُ أمْرُ الأنبياءِ بذلك؛ إذ يَصِيرُ مِن تَحصيلِ الحاصلِ، إلَّا إذا أُرِيدَ به الأمْرُ بالدَّوامِ. وأمَّا آيةُ سُورةِ (المُؤمِنون) فقد جاءت بعْدَ ذِكْرِ ما أُرسِلَ به الرُّسلُ إلى أقوامِهم مِن التَّوحيدِ وإبطالِ الشِّركِ؛ فكان حَظُّ الرُّسلِ مِن ذلك أكثَرَ كما يَقْتضيهِ افتِتاحُ الخِطابِ بـ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51]؛ فكان ذِكْرُ الأمْرِ بالتَّقوى هنا أنسَبَ بالمَقامِ؛ لأنَّ التَّقوى لا حَدَّ لها؛ فالرُّسلُ مأْمُورونَ بها، وبالازديادِ منها [497] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/70، 71). .
- وأيضًا قولُه: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ أبلَغُ في التَّخويفِ والتَّحذيرِ من قولِه في (الأنبياءِ): وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92]؛ لأنَّ هذه جاءت عَقِيبَ إهْلاكِ طوائفَ كَثيرينَ مِن قَومِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذين مِن بَعْدِهم، وفي (الأنبياءِ) وإنْ تقدَّمَتْ أيضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قبْلَها: فإنَّه جاء بَعْدَها ما يدُلُّ على الإحسانِ واللُّطفِ التَّامِّ في قِصِّةِ أيُّوبَ ويُونسَ وزكريَّا ومَرْيمَ؛ فناسَبَ الأمْرُ بالعِبادةِ لمَن هذه صِفَتُه تعالى [498] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/566، 567). .
3- قوله تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
- قولُه: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا جِيءَ بفاءِ التَّعقيبِ هنا؛ لإفادةِ أنَّ الأُمَمَ لم يَتريَّثوا عَقِبَ تَبليغِ الرُّسل إيَّاهم وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 52] أنْ تَقطَّعوا أمْرَهم بيْنهم، وذلك مُبالَغةٌ في عدَمِ قَبولِهم، وفي نِفارِهم عن تَوحيدِ اللهِ وعِبادتِه؛ فالكلامُ مَسوقٌ مَساقَ الذَّمِّ؛ ولذلك قد تُفِيدُ الفاءُ مع التَّعقيبِ معنَى التَّفريعِ، أي: فتفرَّعَ على ما أمَرْناهُم به مِن التَّوحيدِ أنَّهم أتَوْا بعَكْسِ المطلوبِ منهم؛ فيُفِيدُ الكلامُ زِيادةً على الذَّمِّ تَعجيبًا مِن حالِهم. وممَّا يَزِيدُ معنَى الذَّمِّ تَذييلُه بقولِه: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، أي: وهم ليسوا بحالِ مَن يَفرَحُ [499] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/566، 567)، ((تفسير أبي السعود)) (6/139)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/72). ، وجاء في سورةِ (الأنبياءِ) بالواوِ وَتَقَطَّعُوا [الأنبياء: 93]؛ فاحتمَلَ معنى الفاءِ، واحتمَلَ تأخُّرَ تَقطُّعِهم عن الأمْرِ بالعِبادةِ، وفَرَحُ كلِّ حِزْبٍ بما لدَيْهِ دَليلٌ على نِعْمتِه في ضَلالِه، وأنَّه هو الَّذي يَنْبَغي أنْ يُعتقَدَ، وكأنَّه لا رِيبةَ عندَه في أنَّه الحقُّ [500] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/566، 567). !
- والتقطُّعُ: الانقطاعُ الشَّديدُ، وأصلُه مُطاوِعُ (قطَّع) -بالتَّشديدِ- الذي هو مُضاعَفُ (قطَع) -بالتخفيف. واستُعمِلَ فِعلًا مُتعديًا بمعنى قَطَّع بقَصْدِ إفادةِ الشِّدَّةِ في حُصولِ الفِعلِ؛ فالمعنى: قطَّعوا أمْرَهم بيْنهم قِطعًا كثيرةً، أي: تفرَّقوا على نِحَلٍ كَثيرةٍ، فجَعَل كُلُّ فريقٍ منهم لنَفْسِه دِينًا [501] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/97) و(18/72، 73). . وقيل: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ: فتفَرَّقُوا في أمرِهِم، على نَزْعِ الخافِضِ، ويجوز أن يكونَ أَمْرَهُمْ على هذا نصبًا على التمييزِ عندَ الكوفيينَ المجوِّزينَ تعريفَ التمييزِ [502] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (9/242). .
- قولُه: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ تَذييلٌ لِمَا قَبْلَه؛ لأنَّ التَّقطُّعَ يَقْتَضي التَّحزُّبَ؛ فذُيِّلَ بأنَّ كلَّ فَريقٍ منهم فَرِحٌ بدِينِه، ففي الكلامِ صِفَةٌ مَحذوفةٌ لـ حِزْبٍ، أي: كلُّ حِزْبٍ منهم؛ بدَلالةِ المَقامِ، أي: إنَّهم فَرِحونَ بدِينِهم عن غَيرِ دَليلٍ ولا تَبصُّرٍ، بل لمجرَّدِ العُكوفِ على المعتادِ، وذلك يُومِئُ إليه لَدَيْهِمْ المُقْتَضي أنَّه مُتقرِّرٌ بيْنهم مِن قَبْلُ، أي: بالدِّينِ الَّذي هو لَدَيْهم، فهم لا يَرْضَون على مَن خالَفَهم ويُعادُونَه، وذلك يُفْضِي إلى التَّفريقِ والتَّخاذُلِ بين الأُمَّةِ الواحدةِ، وهو خِلافُ مُرادِ اللهِ؛ ولذلك ذُيِّلَ به قولُه: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [503] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/73). .
4- قولُه تعالى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ انتِقالٌ بالكَلامِ إلى خِطابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وضَميرُ الجَمْعِ فَذَرْهُمْ عائدٌ إلى مَعروفٍ مِن السِّياقِ، وهم مُشرِكو قُريشٍ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/74). . وفيه وَعيدٌ لهم بعَذابِ الدُّنيا والآخِرةِ، وتَسليةٌ لرَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ونَهْيٌ له عن الاستعجالِ بعَذابِهم، والجَزَعِ مِن تأْخيرِه [505] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/191)، ((تفسير أبي حيان)) (7/567)، ((تفسير أبي السعود)) (6/139). .
- وفي قولِه: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ شبَّهَ جَهْلَهم بغَمرةِ الماءِ إذا وقَعَ فيها الشَّخصُ، فلا يَدْرِي كيف يَتخلَّصُ منها، والجامِعُ: الوُقوعُ في وَرطةِ الهَلاكِ. أو هو تَمثيلٌ؛ شَبَّهَ حالَ هؤلاء مع ما هُم عليه مِن مُحاولَةِ الباطلِ والانغماسِ فيه، بحالِ مَن يَدخُلُ في الماءِ الغامِرِ لِلَّعَبِ، والجامِعُ: تَضييعُ السَّعيِ بَعْدَ الكَدْحِ في العَملِ [506] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/191)، ((تفسير البيضاوي)) (4/90)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/593، 594)، ((تفسير أبي حيان)) (7/567)، ((تفسير أبي السعود)) (6/139). .
- والفاءُ في قولِه: فَذَرْهُم ... لِتَرتيبِ الأمْرِ بالتَّركِ على ما قبْلَه مِن كَونِهم فَرِحينَ بما لَدَيْهم؛ فإنَّ انْهِماكَهم فيما هُم فيه، وإصْرارَهم عليه: مِن مَخايلِ كَونِهم مَطبوعًا على قُلوبِهم، أي: اترُكْهُم على حالِهم [507] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/139). .
- وإضافةُ الغَمرةِ إلى ضَميرِهم باعتبارِ مُلازَمَتِها إيَّاهم حتَّى قد عُرِفَتْ بهم [508] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/74). .
- وفي تَنكيرِ وإبْهامِ حِينٍ ما لا يَخْفَى مِن التَّهويلِ [509] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/139). .
- والكَلامُ في قولِه: حَتَّى حِينٍ ظاهِرُه المُتارَكةُ، والمَقصودُ منه: الإملاءُ لهم، وإنْذارُهم بما يَسْتقبِلُهم مِن سُوءِ العاقبةِ في وَقتٍ ما؛ ولذلك نُكِّرَ لَفظُ حِينٍ المَجعولُ غايةً لاستِدراجِهم، أي: زَمنٌ مُبْهَمٌ [510] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/74). .
5- قوله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ
- الاستِفهامُ في قولِه: أَيَحْسَبُونَ استِفهامٌ إنكاريٌّ وتَوبيخيٌّ على هذا الحُسبانِ [511] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/139)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/75). .
- وقولُه: مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ فيه تَقديمُ المالِ على البنينَ؛ لعَراقتِه فيما نِيطَ به من الزِّينةِ والإمدادِ وغيرِ ذلك، وعُمومِه بالنِّسبةِ إلى الأفرادِ والأوقاتِ؛ فإنَّه زِينةٌ ومَمَدٌّ لكلِّ أحدٍ من الآباءِ والبنينَ في كلِّ وقتٍ وحينٍ، وأمَّا البَنونَ فزينتُهم وإمدادُهم إنَّما يكونُ بالنِّسبةِ إلى مَن بلَغَ مَبْلغَ الأُبوَّةِ، ولأنَّ المالَ مَناطٌ لِبَقاءِ النفْسِ، والبنينَ لبقاءِ النَّوعِ، ولأنَّ الحاجةَ إليه أمَسُّ مِن الحاجةِ إليهم، ولأنَّه أقدَمُ منهم في الوُجودِ، ولأنَّه زِينةٌ بدُونِهم مِن غيرِ عكسٍ؛ فإنَّ مَن له بَنونَ بلا مالٍ، فهو في ضِيقِ حالٍ ونَكالٍ [512] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/225) و(6/139). .
6- قوله تعالى: نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ
- قولُه: بَل لَا يَشْعُرُونَ (بَلْ) استِدْراكٌ لقولِه: أَيَحْسَبُونَ، يعني: بل هم أشباهُ البهائمِ، لا فِطْنةَ بهم ولا شُعورَ حتَّى يتأَمَّلوا ويَتفكَّروا في ذلك: أهوَ استِدْراجٌ، أم مُسارَعةٌ في الخيرِ؟ وفيه تَهديدٌ ووَعيدٌ [513] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/191)، ((تفسير أبي حيان)) (7/568). .