موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (168-173)

ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ

غريب الكلمات :


الْفَحْشَاءِ: ما عظُم قبُحه وفحُش، مِن الأفعال والأقوال [1510] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 361)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 626). .
أَلْفَيْنَا: وجْدنا [1511] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 68)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 50)، ((المفردات)) للراغب (ص: 744)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100). .
يَنْعِقُ: يَصيح؛ يقال: نعَق بالغنمِ يَنعِق بها إذا صاح بها، فلا تَدري ما يقول لها، إلَّا أنَّها تنزجر بالصَّوت عمَّا هي فيه [1512] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 68)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/445)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100). .
اضْطُرَّ: أُلْجِئَ، والاضْطِرَارُ: يُطلق على حمْل الإنسانِ على ما يَضُرُّهُ وما يكرهه، إمَّا بسببٍ خارج؛ كمَن يُضرَب، أو يُهدَّد، حتى يفعلَ منقادًا، ويُؤْخَذ قهرًا، وإمَّا بسببٍ داخل؛ كالقهر بقوَّةٍ يناله بدفعها الهلاك، كمَن اشتدَّ به الجوعُ فَاضْطُرَّ إلى أكْل ميتة [1513] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 89)، ((المفردات)) للراغب (ص: 504)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100). .
غير بَاغٍ: غير طالبٍ ما ليس له طلبُه [1514] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 118)، ((المفردات)) للراغب (ص: 137)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100). .
وَلَا عَادٍ: وَلَا متجاوزٍ الحَدَّ [1515] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/249)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 26)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100). .

المعنى الإجمالي:


يأمُر اللهُ جميعَ البَشر المؤمنَ منهم والكافرَ أنْ يأكلوا مِن كلِّ ما في الأرض نباتًا كان أو حيوانًا إذا توفَّر فيه شرطانِ: أنْ يكونَ ممَّا أحلَّه اللهُ، وأنْ يكون طاهرًا لا ضرَرَ فيه.
ونهاهم أنْ يتَّبِعوا خُطُوات الشيطان؛ وذلك بطاعتِه في تحريمِ ما أحلَّ اللهُ، أو تحليلِ ما حرَّم من المآكل، فإنَّه عدوٌّ لهم، ظاهرُ العداوة، لا يمكن أنْ يريدَ لهم نفعًا، بل يأمُرُهم بكل سيِّئٍ من الأعمال، وبجميع القبائحِ التي بلَغت في القُبح منتهاها، وأن يفتَرُوا على الله الكذبَ؛ باختلاقِ أفعالٍ باطلة، ونِسبتها إلى الله عزَّ وجلَّ بلا علم؛ كتحريمِ الحلالِ، وتحليل الحرام من المأكولات.
ويُخبِر تعالى عن المشركين أنَّهم إذا أُمِروا بالالتزام بما جاء مِن عندِ الله، وأن يكونَ ما يحلُّونه ويحرِّمونه على وَفْقِ الشَّريعة المنزَّلة، كان جوابهم أنَّهم لن يتَّبِعوا إلا ما وجَدوا عليه أسلافَهم، بما فيه من تحليلٍ وتحريم مخالفٍ لِما أراد الله، فأنكَر اللهُ عليهم هذه التبعيَّةَ والتَّقليد الأعمى، فكيف يتَّبِعون آباءهم وهم على حالٍ لا تؤهِّلُهم لأنْ يُتَّبعوا؛ فهم لا عقلَ لهم يُرشِدهم إلى الحق، ولا يحمِلون العِلم النَّافع الذي يقوِّم عمَلَهم، ويُنِير طريقهم.
ثم ضرَب الله مثلًا للكفَّار حين يدعوهم الداعي إلى الإيمان، ولا ينتفعون بما يَسمعونه منهم، فمَثَلهم كالبهائمِ التي يُصوِّت لها الراعي ويَصيح بها فتَسمع صوتَه ولا تَفهم ما يقول، فكذلك هؤلاء الكفَّار لَمَّا لم تُؤمن قلوبُهم أولَ مرة، تعطَّل انتفاعهم بحواسِّهم، فلا يسمعون الحقَّ سماعَ فَهم وقَبول، ولا يتكلَّمون به، ولا يُبصرون سبيله، فينتج عن ذلك أنَّهم لا يعقلون شيئًا من الحق.
ثم يأمر اللهُ تعالى المؤمنين أن يكونَ مأكولهم هو الطِّاهِرَ النافع من المطعومات، التي رزقهم إيَّاها، وأنْ يقوموا بشكره جلَّ وعلا بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، فإنْ كانوا ملتزمين بالخضوعِ والطاعةِ لله عزَّ وجلَّ وحْدَه، فسيَمتثِلون هذين الأمرين.
وبَعدَ أنْ ذكَر اللهُ تعالى إباحةَ الأكْل الطيِّب لعباده، عدَّد لهم أجناس المحرَّمات؛ ليجتنبوها، فحرَّم تعالى لحومَ الأنعام التي ماتتْ حتفَ أنفها، ولم تُذكَّ ذكاةً شرعيَّة، والدَّمَ المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذُبِحَ على غير اسم الله تعالى، كالذي يُذبَح للأوثان، ويُسمَّى عليه بغير اسمه سبحانه، مع الجهر بذلك، ويُستثنى من تحريم أكْلها مَن ألجأته ضرورةٌ إلى الأكل منها، غيرَ مُتجاوزٍ للقَدْر الذي يَدفَع به الضرورة، فمَن كانت هذه حالتَه، فلا إثمَ عليه لو تناول منها، والله عزَّ وجلَّ غفورٌ، حيث رفع الإثم عنه، رحيمٌ حين وسَّع لعباده وشرَع لهم هذا الاستثناء؛ حتى لا يقعوا في الحرَج.   

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168).
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا.
يُخاطب اللهُ تعالى جميع النَّاس؛ مؤمنهم وكافرهم، آذِنًا لهم بأن يأكلوا مِن جميع ما في الأرض من نباتاتٍ وحيوانات، بشرْط أنْ يكونَ حلالًا، وطاهرًا غيرَ ضارٍّ [1516] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/37)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (7/45-47)، ((تفسير ابن كثير)) (1/478)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/233). .
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
أي: لا تسلكوا طريقَ الشَّيطان، ولا تَقتفوا أثرَه الذي أضلَّ فيه أتْباعه، وهو ما دعا إليه ممَّا هو خلاف طاعة الله عزَّ وجلَّ، ومن ذلك: تحريمُ ما أحلَّ اللهُ تعالى من المآكل، وتحليلُ ما حرَّم منها، والدَّعوة إلى تناوُل خبيثها، وتَرْك طيِّبها، لا تُطيعوا هذا العدوَّ الظاهر العدواة، الذي يُريد أنْ يقودَكم شيئًا فشيئًا إلى التَّهلُكة [1517] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/37)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/253)، ((تفسير ابن كثير)) (1/478). .
كما قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأنعام: 140-142].
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169).
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ.
أي: إنَّ الشيطانَ يأمُرُ بالأعمال السيِّئة الآثِمة التي تسُوءُ عاقبتُها، وتسُوء صاحبَها، كما يأمُرُ أيضًا بما هو أغلظ من ذلك مما يتناهى قُبحُه، ويتجاوزُ حدَّه كالزِّنا [1518] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/39-40)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/104-105). .
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
أي: يأمُرُ الشَّيطانُ النَّاسَ أيضًا باختلاقِ أعمالٍ باطلة تُنسب مشروعيَّتُها إلى الله عزَّ وجلَّ، كذِبًا وافتراءً عليه جلَّ وعلا، وإلا فليس لهم مستنَدٌ مِن علمٍ صحيحٍ يُثبتُ أمرَ اللهِ تعالى بها، ومن ذلك تحريمُ ما أحلَّ الله تعالى، أو تحليل ما حرَّمه مِن المأكولات [1519] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/40-41)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/105). .
كما قال سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 114-116].
وقال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 27-28].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 32-33].
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170).
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ.
أي: إذا قيل للمشركين: التزِموا باتِّباع الوحيِ الإلهيِّ فحسبُ؛ فأحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه، دون التَّقوُّلِ على الله تعالى بلا عِلمٍ واتِّباعِ الأوهام [1520] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (19/263)، ((تفسير ابن كثير)) (1/480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/106). .
قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.
أي: أعرَضوا عن الوحي، وهو العلم النَّافع حقًّا، وأخَذوا بما وجَدوا عليه أسلافهم، فقلَّدوهم فيه، ومن ذلك تحريمُ ما أحلَّ اللهُ تعالى، وتحليلُ ما حرَّمه [1521] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/43)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (19/263)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81). .
أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
أي: أيتَّبعون آباءَهم حتى لو كانوا على هذه الحالِ التي لا يستحقُّون أنْ يُتَّبعوا فيها؛ إذ ليس لديهم عقلٌ سليم يُرشِدهم إلى اتِّباع الحقِّ، ويزجُرُهم عن اتِّباع الباطل، ولا يحمِلون عِلمًا نافعًا يعمَلون على وَفْقِه عملًا صالحًا؛ فكيف يتَّبعون هؤلاء ومِثْلُهم لا يصلُحُ أنْ يُقتدى بهم [1522] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/43-44)، ((تفسير ابن كثير)) (1/480)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/242-243). ؟!
كما قال سبحانه: مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة: 103-104].
وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: 20-21].
وقال جلَّ وعلا: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات: 69-70].
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171).
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً.
أي: شبَّه اللهُ تعالى الكفَّارَ عند دعوة الدَّاعي لهم إلى الإيمان -كالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ- شبَّههم بالبهائمِ التي يصوِّت لها راعيها، فتسمَعُ الصَّوت ولا تفهَمُ المعنى، فكذلك حالُ الكفَّارِ الَّذين لا ينتفعون مِن تلك الدَّعوة بشيء، لكنَّهم يسمعون ما تُقام عليهم به الحجَّة [1523] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/50-51)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (7/27) (16/8)، (28/195)، ((تفسير ابن كثير)) (1/480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81). .
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
أي: إنَّ قلوبهم لَمَّا لم تؤمن، تعطَّل انتفاعهم الحقيقي بحواسِّهم تبعًا لذلك، فلا يسمعون الحق سماع فَهمٍ وقَبول، ولا ينطقون به، ولا يبصرون طريقه، فقلوبهم لا تعقل شيئًا من الحق [1524] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/51)، ((تفسير ابن كثير)) (1/480)، ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/809)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/245). .
كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110].
وقال عزَّ وجلَّ: أَمْ تَحْسَبُ أنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44].
وقال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179].
وقال أيضًا: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].
وقال سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ [يونس: 42-43].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا الله.
أي: يأمُرُ اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بالأكل ممَّا أحلَّ اللهُ تعالى لهم؛ من أنواع المطعوماتِ الطَّاهرة النَّافعة، التي رزَقهم إيَّاها، كما أمَرهم أيضًا بالقيام بشُكره؛ بقلوبهم، وألسنتِهم، وجوارحهم [1525] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/52-53)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (17/180)، (22/135)، ((تفسير ابن كثير)) (1/480-481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة: 87-88].
وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أيها النَّاسُ، إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمر المؤمنين بما أمَر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172]، ثم ذكَر الرجلَ يُطيلُ السَّفرَ، أشعثَ أغبَرَ، يمدُّ يدَيه إلى السَّماءِ، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعَمُه حرامٌ، ومشرَبُه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟! )) [1526] رواه مسلم (1015). .
وعن أنسٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إن اللهَ لَيَرضَى عن العبدِ أنْ يأكلَ الأَكْلةَ فيحمَدَه عليها، أو يشرَبَ الشَّربةَ فيحمَدَه عليها )) [1527] رواه مسلم (2734). .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
أي: إنْ كنتم تُطيعون الله تعالى حقًّا، وتخضَعون له ممتثلينَ لأوامرِه، ومجتنبين لنواهيه، فكُلوا ممَّا رزَقكم اللهُ تعالى، واشكروه على ما أنعَم به عليكم [1528] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/53)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/247). .
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا قيَّد سبحانه وتعالى الإذنَ لعباده بالطيِّب من الرِّزق، افتقَر الأمرُ إلى بيان الخبيث منه ليُجتَنَب، فبيَّن صريحًا ما حرَّم عليهم ممَّا كان المشركون يستحلُّونه ويحرِّمون غيرَه، وأفهَم حِلَّ ما عداه، وأنه كثيرٌ جدًّا؛ ليزدادَ المخاطَب شكرًا [1529] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/340). ، فقال:
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ.
أي: قد حرَّم الله تعالى عليكم- أيُّها المؤمنون- الميتةَ التي ماتت حتْفَ أنفها دون ذكاةٍ شرعيَّة، والدَّم المسفوح، ولحم الخنزير- ويدخُل فيه شحمُه- وما ذُبح على غير اسم الله عزَّ وجلَّ، كالذي يُذبَح للأصنام، ويُسمَّى عليه بغير اسمه سبحانه، مع رفْع الصَّوت بذلك [1530] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/53، 55)، ((تفسير ابن كثير)) (1/481-482)، ((تفسير ابن عثيمين-سورة الفاتحة والبقرة)) (2/249، 250، 255). ((تفسير السعدي)) (ص:81-82)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/213)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/361). وقال القرطبي: (ذكَر الله سبحانه وتعالى الدَّم هاهنا مطلقًا، وقيَّده في الأنعام بقوله: مَسْفُوحًا  وحمل العلماء هاهنا المطلَق على المقيَّد إجماعًا، فالدم هنا يُراد به المسفوح؛ لأنَّ ما خالط اللحمَ فغير محرَّم بإجماع، وكذلك الكبد والطِّحال مُجمَعٌ عليه، وفي دم الحوت المزايل له اختلافٌ) ((تفسير القرطبي)) (2/222). وقال الواحدي: (معنى وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ قال ابن عباس: ما ذبح للأصنام وذكر عليه غير اسم الله. وهذا قول جميع المفسِّرين) ((التفسير الوسيط)) (1/257). .
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه.
أي: مَن ألجأتْه الضرورةُ إلى الأكْل من تلك المحرَّمات وهو غير مبتغٍ لتناولِها مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، وغير متجاوزٍ قدْرَ الضَّرورة، فلا يتناول منها إلَّا بمقدارِ ما يسدُّ جوعه، فمَن كانت حاله كذلك فليس عليه إثمٌ مِن تناولِ تلك المحرَّمات [1531] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/58، 62، 63)، ((الاختيارات الفقهية)) لابن تيميَّة (ص: 617)، ((تفسير السعدي)) (ص: 82)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/251). .
ثم ذكَر تعالى تعليلَ الحُكمِ بانتفاءِ الإثم، فقال [1532] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/121-122)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/252). :
إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى يَغفِر ذنوبَ عباده، فيسترها ويتجاوز عن المؤاخذةِ بها، ومن ذلك أنَّه رفَع بمغفرته الإثمَ عنهم في تناوُل ما حرَّمه؛ تجاوزًا منه سبحانه، وهو الرَّحيم بعباده، ومن رحمته أنْ شرَع لهم ذلك توسعةً منه [1533] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/63-64)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/259)، ((تفسير القرطبي)) (2/234)، ((تفسير السعدي)) (ص: 82)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/121-122)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/252). .

الفوائد التربويَّة:


1- أن مَن تعصَّب لمذهبٍ مع مخالفة الدليل ففيه شَبَهٌ من هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، والواجب أنَّ الإنسان إذا قيل له: (اتَّبِعْ ما أنزَل اللهُ) أنْ يقولَ: (سمِعْنا وأطَعْنا) [1534] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/243). .
2- أن كلَّ مَن خالَف الحقَّ وما أنزَل اللهُ، فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [البقرة: 170] [1535] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/244). .
3- توجيه المرء إلى طلَب الرِّزق من الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَا رَزَقْنَاكُمْ؛ فإذا كان هذا الرِّزق مِن الله سبحانه وتعالى فلنطُلْبه منه، مع فِعل الأسباب التي أمَرنا بها [1536] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/248). .
4- أنَّ الشُّكر لله عزَّ وجلَّ من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [1537] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/248). .
5- وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يُؤخَذ ذلك من اللام في قوله تعالى: لِلَّهِ، ومِن تقديم المعمول (إيَّاه) في قوله تعالى: إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [1538] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/248). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- إثبات رحمةِ الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين: أولًا: من أمرِه إيَّاهم بالأكل من الطيِّباتِ؛ لأنَّ بذلك حِفظًا لصحَّتِهم، ثانيًا: من قوله تعالى: مَا رَزَقْنَاكُمْ؛ فإنَّ الرِّزقَ بلا شكٍّ من رحمة الله [1539] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/249). .
2- أنَّ التحريمَ والتحليل إلى الله تعالى؛ فهو حقٌّ خاصٌّ به وحده؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ [1540] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/254). .
3- قوله تعالى: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فيه أنَّ الشِّركَ- وإن كانت نجاستُه معنويَّة- قد يؤدِّي إلى خُبثِ الأعيان؛ إذ هذه البهيمة التي أُهلَّ لغير الله بها نجسةٌ خبيثة محرَّمة، والتي ذُكِر اسمُ الله عليها طيِّبةٌ حلال [1541] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/255). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ذكر (إنَّ) للاهتمام بالخبر؛ لأنَّ عداوةَ الشيطان معلومة لكل أحد، أو تُجعَل (إنَّ) للتأكيد بتنزيل غير المتردِّد في الحُكم منزلةَ المتردِّد أو المنكِر؛ لأنَّهم لاتباعهم الإشاراتِ الشيطانيَّةَ بمنزلة مَن يُنكر عداوته، وهي تُفيد معنى التعليل والربط في مِثل هذا، وتغني غناء الفاء، وهو شأنها بعد الأمر والنهي [1542] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/104). .
2- في قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ جاء بناء قِيلَ لِمَا لم يُسمَّ فاعله؛ لأنَّه أخصر؛ فلو ذُكِر الآمرون لطال الكلام؛ لأنَّ الآمِر بذلك هو الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام ومَن يتبعه من المؤمنين [1543] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/103). .
3- في قوله: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ
- الهمزة للاستفهام المصحوب بالتوبيخ والإنكارِ والتقريع، والتعجُّب من حالهم؛ فهي بمعنى الردِّ لا بمعنى النَّفي، وإنَّما جُعلت همزة الاستفهام لذلك؛ لأنَّها تقتضي الإقرارَ بشيءٍ يكون الإقرارُ به فضيحةً، كما يقتضي الاستفهام الإخبارَ عن المستفهَم عنه [1544] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/213)، ((تفسير الرازي)) (5/188)، ((تفسير أبي حيان)) (2/103)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/106). .
- وهذا التركيب من بديع التَّراكيب العربيَّة وأعلاها إيجازًا؛ فـ(لو) للشرط، وجوابها محذوف دلَّ عليه الكلامُ السَّابق، تقديره: لاتَّبعوهم، والمستفهَم عنه هو الارتباط الذي بيْن الشَّرْط وجوابه [1545] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/106). .
4- قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ فيه من البلاغة: إيجاز بالحذف على طريقة (الاحتباك)، حيث حذف من الأوَّل ما أثبت نَظيره في الثاني، وحذف من الثاني ما أثبت نَظيره في الأول، والتقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعِق والذي يُنعَق به؛ فحذف من الأوَّل الأنبياء؛ لدلالة الذي ينعق عليه، وحذف من الثاني الذي يُنعَق به؛ لدلالة الذين كفروا عليه [1546] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/332)، ((تفسير القاسمي)) (1/471)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/239-240). .
5- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
- فيه إيجازٌ بالحذف بليغ؛ حيث عدَل هاهنا عن ذِكر تعداد المباحات، فأجملها لكثرتها، بينما ذكر في الآية التي تليها تفاصيلَ المحرَّمات لقلَّتها، كما حُذف جواب إنْ الشرطية، (فاشكروه)، وحذفه شائعٌ في كلام العرب؛ لدلالة السِّياق عليه [1547] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/108)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/242-243). .
- وفي قوله: وَاشْكُرُوا للهِ التفات؛ إذ خرج من ضمير المتكلِّم في رَزَقْنَاكُمْ إلى اسم الغائب؛ لأنَّ هذا الاسم الظاهر متضمِّنٌ لجميع الأوصاف التي منها وصْفُ الإنعامِ والرزق، والشُّكرُ ليس على هذا الإذن الخاص، بل يُشكَر على سائر الإنعامات والامتنانات التي منها هذا الامتنان الخاص [1548] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/109)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/243). .
- وفي قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: قدم المفعولَ به إيَّاه على الفعل والفاعل تَعبدُون؛ لإفادة الاختصاص؛ لأنَّه سبحانه مختصٌّ وحده باستحقاق العبادة [1549] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/243). .