موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (136-140)

ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غريب الكلمات :


ذَرَأَ: أَي خَلَق؛ يُقالُ: ذَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ يذْرَؤُهُمْ ذَرْأً وَذَرْوًا: إِذا خَلَقَهُمْ، وأصْلُه من قولهم: ذَرَأْنَا الأرضَ، أي: بَذَرْناها [2067] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((تفسير ابن جرير)) (9/569)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 229)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/352). .
الْحَرْثِ: الزَّرع، والبَساتين والمَزَارِع، وأصْلُه: إلقاءُ البَذْرِ في الأَرْضِ وتهيئَتُها للزَّرعِ، والكَسبُ والجَمْعُ [2068] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/80)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/156)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/49)، ((المفردات)) للراغب (ص: 226)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/120 و 1/162)،. .
نَصِيبًا: أي حظًّا وقِسْمًا وجُزْءًا، والنَّصيبُ: الحظُّ المنصوبُ، أي: المعَيَّنُ، وأَصْلُ (نصب): إقامةُ شيءٍ، وإهدافٌ في استواءٍ [2069] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 128)، ((تفسير ابن جرير)) (9/569)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/434)، ((المفردات)) للراغب (ص: 808)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 72). .
لِيُرْدُوهُمْ: أي: ليُهْلِكوهم، والرَّدى: الهلاكُ، وأَصْل (ردي) يَدُلُّ على رمْيٍ أو ترامٍ، وما أشبَهَ ذلك [2070] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 161)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/506)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 103). .
حِجْرٌ: أي حرامٌ، وَأَصْلُ (حجر): المنعُ والإحاطةُ على الشَّيءِ [2071] يُنظر: (((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 161)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 203)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/138)، (تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 103). .
خَالِصَةٌ: أي: حَلالٌ أو خاصَّةٌ، وأَصْلُ (خلص): تَنقِيَةُ الشَّيءِ وتهذِيبُه [2072] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/208)، ((تفسير القرطبي)) (7/95)، ((تفسير ابن كثير)) (3/346)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 436). .
سَفَهًا: أي: جَهْلًا، وأصل السَّفهِ: الجَهْلُ، والخِفَّةُ في البَدنِ والعَقْلِ، والضَّعْفُ والحُمْقُ، واستُعمِلَ في خِفَّة النَّفسِ؛ لنُقصانِ العَقْلِ [2073] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 41)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 273)، ((المفردات)) للراغب (ص: 414)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 51). .

مشكل الإعراب :


قوله تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ
زَيَّنَ: يُقْرَأ بفَتْحِ الزَّاي والياءِ على البناءِ للمعلوم، وفاعلُه: شُرَكَاؤُهُمْ، والمفعولُ قَتْلَ وأَوْلَادِهم مجرورٌ بإضافةِ قَتْلَ إليه مِن إضافةِ المصدرِ إلى مَفعولِه.
 ويُقرأ: (زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ) [2074] وهذه قِراءةُ ابنِ عامرٍ- رحمه اللهُ تعالى- وهو أعلى القُرَّاءِ السَّبَعَةِ سنَدًا، من كبارِ التَّابعينَ الذين أَخَذُوا عن الصَّحَابة؛ كعثمانَ بنِ عفَّانَ، وأبي الدَّرداءِ، ومُعاوِيَةَ، وفضالة بنِ عبيدٍ، وهو مع ذلك عربيٌّ صريحٌ مِن صَميمِ العَرَب، وكلامُه في اللُّغةِ حجَّةٌ وقولُه دليلٌ؛ لأنَّه كان قبلَ أنْ يُوجَدَ اللَّحْنُ؛ فكيف وقد قرأَ بما تلَقَّى، وتلَقَّنَ وسَمِعَ ورأى؟! وهي قراءةٌ متواترةٌ صحيحةٌ، وموافِقَةٌ لرَسْمِ المصحَفِ الشَّامي الذي أرسله عثمانُ رضِي اللهُ عنه، ولقواعِدِ اللُّغَةِ العربيَّةِ نثرًا ونَظْمًا؛ وقد تجرَّأَ بعضُ النحاة، وأَنْكَرَ هذه القِراءةَ؛ لأنَّه فُصِل فيها بين المضافِ (قَتْلُ) والمضافِ إليه (شُرَكَائِهِمْ) بالمفعولِ (أَوْلَادَهُمْ)؛ ورُدَّ إِنْكارُهم هذا بما مضى، وبأنَّ العَرَبَ قد استعملَتْ ذلك كثيرًا في كلامِها؛ ومن ذلك قَوْلِهم: (هو غلامُ إنْ شاءَ اللهُ أخيكَ) يريدون: هو غلامُ أخيكَ؛ فَلَأنْ يُفْصَلَ بالمفردِ أسهَلُ. وسَمِعَ الكسائيُّ قَوْلَ بَعْضِهم: (إنَّ الشَّاةَ لتَجْتَرُّ فتسمَعُ صوتَ واللهِ ربِّها) أي: صَوْتَ رَبِّها واللهِ، ففُصِلَ بالقَسَمِ، وهو في قُوَّةِ الجملةِ، وقال الشَّاعِرُ: فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَّةٍ            زَجَّ القَلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ والتقديرُ: زَجَّ أبي مَزَادَةَ القَلُوصَ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص، وهو مفعول.  وعليه؛ فقراءةُ ابن عامرٍ صحيحةٌ من حيث اللُّغةُ، كما هي صحيحةٌ من حيثُ النَّقْلُ. ويُنظَرُ في أوجُهِ الاعتراضِ والجوابِ عنها: ((الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين)) لأبي البركات الأنباري (2/349-355)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/162-175).  بضَمِّ الزَّايِ، وكسْرِ الياءِ على البناءِ لِـَما لم يُسَمَّ فاعِلُه. وقَتْلُ بالرَّفع على أنَّه نائِبٌ عن الفاعِل، وأَوْلَادَهُمْ بالنَّصبِ على أنَّه مفعولُ المَصْدرِ قَتْلُ، وشُرَكَائِهِمْ بالجرِّ على إضافَةِ قَتْلُ إليه من إِضافَةِ الْمَصدَرِ إِلى فَاعِلِه، وقد فُصِلَ بينهما بالمفعولِ، والمَعْنى على هذه القراءةِ: أنَّ مُزيِّنًا زَيَّنَ لكثيرٍ من المشركينَ أن يقتُل شركاؤُهم أولادَهم؛ وإسنادُ القتْلِ إلى الشُّركاءِ؛ إمَّا لأنَّ الشُّرَكاء سببُ القتلِ إذا كان القَتْلُ قِربانًا للأصنامِ، وإمَّا لأنَّ الَّذين شرَعوا لهم القَتْلَ هم القائمونَ بدِيانة الشِّركِ؛ مثل عمرِو بنِ لُحَيٍّ ومَن بَعدَه [2075] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/271-272)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/540-541)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/161-162)، ((تفسير ابن عاشور)) (8/102). .

المعنى الإجمالي :


يخبِرُ تعالى أنَّ المشركينَ جَعَلوا لله مِمَّا خَلَقَ من الزُّروعِ والثِّمارِ والأنعامِ جُزءًا، وجعلوا لشركائِهم جزءًا كذلك، فإنْ وَصَلَ شيءٌ مِمَّا خَصَّصُوه لآلِهَتِهم إلى ما جعلوه للهِ رَدُّوه إلى مَحَلِّه من نصيبِ آلِهَتِهم، وإنِ اختَلَطَ شيءٌ مِمَّا خَصَّصوه للهِ بما جَعَلُوه لآلِهَتِهم تركوه فلم يَرُدُّوه إلى مَحَلِّه، ولم يهتمُّوا بذلك، ساءَ ما يحكمونَ!
كذلك زَيَّنَت الشَّياطينُ لكثيرٍ من المشركينَ قَتْلَ أولادِهم؛ ليُهْلِكوهم ويَخْلِطوا عليهم دينَهم، ولو شاء اللهُ ما فعلوا ذلك، ثم أمَرَ اللهُ نَبِيَّه أن يَدَعَهم وما يَفتَرونَ.
وقال هؤلاءِ المشركونَ: هذه الأنعامُ وهذا الزَّرعُ حرامٌ، لا يجوزُ لأحدٍ أن يأكُلَ منه، إلَّا مَن أَذِنُوا له، وهذا بحَسَبِ ادِّعائِهم الذي لا مُستَنَدَ له ولا حُجَّةَ، وحَرَّمَ هؤلاءِ المشركونَ ظُهورَ بعضِ الأنعامِ فَلم يُحِلُّوا ركُوبَها، وبعضٌ من الأنعامِ لا يذكرونَ اسْمَ اللهِ عليها، سَيَجْزِيهم اللهُ بما كانوا يَفْتَرونَ.
وقال هؤلاءِ المشركونَ: ما في بُطُونِ هذه الأنعامِ مِن لَبَنٍ وأجِنَّةٍ؛ حلالٌ لذُكُورنا، وحرامٌ على إناثِنا، هذا إن خَرَجَتِ الأجِنَّةُ أحياءً، وإن يَكُنْ ما في بُطونِها مَيْتَةً، فهو حلالُ الأَكْلِ للذُّكورِ والإناثِ، وهم شُرَكاءُ فيه، ثم توَعَّدَ اللهُ تعالى أنَّه سَيَجْزي هؤلاءِ المُفْتَرينَ عليه الكَذِبَ حين وَصَفُوا ما أحَلَّه بأنَّه حرامٌ، وما حَرَّمَه بأنَّه حلالٌ، وَنَسَبوا كَذِبَهم ذلك إلى اللهِ تعالى؛ إنَّه تعالى حكيمٌ عليمٌ.
ثم يخبِرُ تعالى أنَّه قد خَسِرَ هؤلاء المشركونَ الَّذين قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بغيرِ عِلْمٍ، وحَرَّموا ما رَزَقَهم الله تعالى؛ كذبًا وافتراءً عليه، قد انَحَرَفوا عن الطَّريقِ القويمِ، ولم يُوَفَّقوا للصَّوابِ.

تفسير الآيات :


وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (136) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ تعالى قُبْحَ طريقَتِهم في إنكارِهم البَعثَ والقيامةَ؛ ذَكَرَ عَقيبَه أنواعًا من جَهالاتِهم، ورَكاكاتِ أَقْوالِهم؛ تنبيهًا على ضَعْفٍ عقولِهم، وقِلَّة مَحْصولِهم، وتنفيرًا للعُقلاءِ عنِ الالتِفاتِ إلى كَلِماتِهم [2076] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/157)، ((تفسير أبي حيان)) (4/654). ، فقال تعالى:
وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا.
أي: وجَعَلَ المشركونَ مِمَّا خَلَقَ الله مِنَ الزُّروعِ والثِّمارِ والأنعامِ قِسْمًا وجُزءًا له تعالى، وجَعَلوا لشُرَكائِهم مع الله تعالى نصيبًا من ذلك، والحالُ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي ذَرَأَه للعبادِ، وأوجَدَه رِزقًا، وهؤلاءِ الشُّركاءُ لم يرزُقُوهم، ولم يُوجِدوا لهم شيئًا من ذلك [2077] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/568-569)، ((تفسير ابن كثير)) (3/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 274). قال ابن جرير: (وجَعَلوا مِثْلَه لشُرَكائهم، وهم أوثانُهم بإجماعٍ مِن أَهْلِ التَّأويلِ عليه) ((تفسير ابن جرير)) (9/573). .
فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ.
أي: فَإِنْ وَصَلَ شيءٌ مِمَّا جَعَلوه لآلِهَتِهم إلى ما جَعَلوه للهِ سبحانه؛ رَدُّوه إلى مَحَلِّه مع نصيبِ أَوْثانِهم، فحَفِظوه واعتَنَوْا به، وإن اختَلَطَ شيءٌ مِمَّا جَعَلوه للهِ تعالى بما جَعَلوه لآلِهَتِهم؛ تَرَكوه فيه ولم يَرُدُّوه إلى مَحَلِّه، ولم يُبَالوا ويهتمُّوا بذلك [2078] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/573)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/387). .
سَاء مَا يَحْكُمُونَ.
أي: قد أساؤُوا في حُكْمِهم؛ إذ أَخَذُوا مِن نصيبِ اللهِ تعالى لِشُرَكائِهم، ولم يجْعَلوا له سبحانه شيئًا مِنْ نصيبِ شُرَكائِهم، فجَعَلوا ما للمَخْلوقِ يُجتهَدُ فيه ويُحفَظُ، أكثرَ مما يُفعَلُ بحقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ، الذي هو ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه وخالِقُه، وكلُّ شيءٍ تحت قُدرَتِه ومَشيئَتِه، سبحانه وتعالى [2079] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/573)، ((تفسير ابن كثير)) (3/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275). .
وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137).
وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ.
أي: وكما حسَّنَت الشَّياطينُ لهؤلاءِ المشركينَ أن يَجْعَلوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ من الحَرْثِ والأنعامِ نصيبًا، كذلك حسَّنوا لهم قَتْلَ أولادِهم خَشيَةَ الإملاقِ، ووَأْدَ البناتِ خَشيةَ العارِ، وكلُّ هذا مِن خُدَعِ الشَّياطينِ، الَّذين يريدونَ أن يُهلِكوهم، وأن يَخْلِطوا عليهم دينَهم فيلتَبِس، فيَضِلُّوا ويَهْلِكوا بأفعالٍ في غايَةِ القُبحِ؛ تُزيَّنُ لهم فتكونُ لديهم من الأمورِ الحَسَنة الجميلةِ، والخِصالِ الحميدَةِ [2080] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/574)، ((تفسير ابن كثير)) (3/344-345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275). .
كما قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام: 151] .
وقال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: 58-59] .
وقال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء: 31] .
وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
أي: ولو شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ لَمَنَعَ هؤلاءِ المشركينَ، وحَالَ بينهم وبين قَتلِ أَوْلادِهم، ولكنَّ اللهَ تعالى بحَسَبِ ما اقتضَتْه حِكْمَتُه، خلَّى بينهم وبين أفعالِهم، وخَذَلَهم عن الهُدى والحَقِّ، فأطاعوا الشَّياطينَ التي أغوَتْهم، وقَتَلُوا أولادَهم. وكلُّ هذا واقعٌ بمشيئَتِه تعالى، وله الحِكمةُ التامَّةُ في ذلك، فدَعْهُم- يا مُحمَّدُ- وما يختلقونَ ويتقوَّلونَ على الله تعالى مِنَ الكذبِ، ولا تحزَنْ عليهم؛ فإنَّهم لن يضُرُّوا اللهَ تعالى شيئًا؛ فسَيَحْكُمُ اللهُ بينك وبينهم؛ فهو لهم بالمِرْصادِ؛ يستدْرِجُهم، ويُمْهِلُهم [2081] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/574)، ((تفسير ابن كثير)) (3/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275). وقيل المعنى: ولو شاءَ الله تعالى لَمَنَع الشركاءَ عن تزيينِ القتلِ لأتباعِهم المشركينَ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/104-105). .
وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تعالى إقدامَهم على ما دلَّ النَّقلُ على قُبحِه- مع قبحِه في العَقْلِ- مِن قَتْلِ الأولادِ؛ أتبَعَه إِحْجامَهم عما حَسَّنَه الشَّرْعُ مِن ذَبْحِ بعضِ الأنعامِ لِنَفْعِهم، وضَمَّ إليه جملةً مِمَّا منعوا أنفُسَهم منه، ودانوا به لمجرَّدِ أهوائِهم [2082] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/284). ، فقال تعالى:
وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ.
أي: وقال هؤلاءِ المشركونَ: هذه الأَنْعامُ وهذا الزَّرعُ حرامٌ لا يجوزُ أن يأكُلَ منه أحَدٌ، إلَّا مَنْ أذِنَّا له، وهذا بحَسَبِ أهوائِهم وادِّعائِهم الذي لا مُستَنَدَ له ولا حُجَّةَ [2083] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/578)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/106). .
كما قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: 59] .
وقال سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103] .
وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا.
أي: وحرَّم هؤلاءِ الجهلَةُ من المشركينَ ركوبَ ظُهُورِ بعضِ أَنْعامِهم [2084] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/582)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ /107). .
وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ.
أي: وحرَّموا مِن أنعامِهم صِنفًا آخَرَ لا يَحجُّون عليها، ولا يَذْكُرونَ اسمَ الله عليها إنْ رَكِبوها، أو حَلَبُوها أو حَمَلوا عليها أو ذَبَحوها، وهذا كَذِبٌ منهم على اللهِ تعالى؛ إذ لم يأذَنْ لهم بذلك [2085] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/582-583)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/108). .
سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ.
أي: سيُجازِيهم اللهُ عزَّ وجلَّ بسَبَبِ اختلاقِهم الكَذِبَ عليه، وتحريمِهم ما أحَلَّه سبحانه من الأَكْلِ والمنافِعِ [2086] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/583)، ((تفسير السعدي)) (ص: 275)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/109). .
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (139) .
 وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا.
أي: وقال هؤلاءِ المشركونَ: جميعُ ما في بُطونِ تلك الأنعامِ مِن لَبَنٍ وجَنينٍ، فهو حلالٌ لذُكُورِنا وحرامٌ على إناثِنا. هذا إذا خَرَجَت الأجنَّةُ أحياءً [2087] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/586-587)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 378)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء.
أي: وإنْ يكُنْ ما في بطونِ تلك الأنعامِ قد وُلِدَ مَيْتًا فهو حلالٌ للذُّكورِ والإناثِ، وهُم شُركاءُ في أكْلِه، لا يُحَرِّمونه على أَحَدٍ منهم [2088] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/588-589)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 378)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ.
أي: سيجازي اللهُ تعالى هؤلاءِ المفترينَ عليه الكَذِبَ حين وَصَفُوا ما أحلَّه بأنَّه حرامٌ، ووَصَفوا ما حَرَّمَه بأنَّه حلالٌ، ونَسَبُوا كَذِبَهم في ذلك إلى اللهِ تعالى [2089] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/589)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
كما قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 116] .
إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ.
أي: إنَّ اللهَ تعالى حكيمٌ في أفعالِه وأقوالِه وشَرْعِه وقَدَرِه، ومن ذلك أنَّه حكيمٌ في مجازاةِ أولئك المُشْركينَ على قَوْلِهم الكَذِبَ عليه سبحانَه، حكيمٌ في إمهالِه لهم، وتمكينِهم ممَّا هم فيه مِن الضَّلالِ، وهو عليمٌ بأعمالِ عبادِه خَيْرِها وشَرِّها، ومن ذلك عِلْمُه بأولئك المُشْركينَ، وبما قالوه عليه وافْتَرَوه، وسَيَجْزِيهم على ذلك أتمَّ الجَزاءِ [2090] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/590)، ((تفسير ابن كثير)) (3/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (140)  .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ تعالى- فيما تقَدَّمَ- قَتْلَهم أولادَهم، وتحريمَهم ما رَزَقَهم اللهُ، جَمَعَ هَذَينِ الأَمْرَينِ في هذه الآيةِ، وبَيَّنَ ما لَزِمَهم على هذا الحُكْمِ، وهو الخُسرانُ، والسَّفاهةُ، وعَدَمُ العِلْم، وتحريمُ ما رَزَقَهم اللهُ، والافتراءُ على اللهِ، والضَّلالُ، وعدمُ الاهتداءِ؛ فهذه أمورٌ سبْعَةٌ، وكلُّ واحدٍ منها سببٌ تامٌّ في حُصُولِ الذَّمِّ [2091] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/161). ، فقال تعالى:
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ.
أي: قد هَلَكَ هؤلاءِ المشركونَ الَّذين قَتَلوا أولادَهم، وحرَّموا ما أَحَلَّه اللهُ تعالى مِن أنعامِهم، وجَعَلَه رِزْقًا لهم، وخَسِروا فِي الدُّنيا والآخرةِ، ففي الدُّنيا خَسِروا أولادَهم بِقَتْلِهم، وَضَيَّقُوا عليهم في أموالِهم، بما حَرَّموا مِن أشياءَ ابْتَدَعوها، وفي الآخرةِ يَصيرون إلى شَرِّ المَنازِلِ بكَذِبِهم على اللَّه، وقد فَعَلوا ذلك جهالةً منهم، صادرةً عن نَقْصِ عقولٍ، وضَعْفِ أحلامٍ، وقِلَّةِ فَهْمٍ بعاجِلِ ضَرَرِ ذلك وآجِلِه؛ وذلك كَذِبًا عليه سبحانه وتعالى [2092] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/590-591)، ((تفسير ابن كثير)) (3/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/114-115). .
عن عياضٍ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال ذاتَ يومٍ في خُطبتِه: ((أَلَا إنَّ ربِّي أَمَرَني أنْ أُعلِّمَكم ما جَهِلْتُم، مِمَّا علَّمَني يومِي هذا: كلُّ مالٍ نَحَلْتُه عبدًا حَلالٌ، وإنِّي خلقْتُ عبادي حُنَفَاءَ كُلَّهم، وإنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطينُ فاجْتالَتْهُم [2093] فاجْتالَتْهم: أي: اسْتَّخَفَّتْهم، فجَالوا معهم في الضَّلال. يُقالُ: جال واجْتال: إِذا ذهب وجاء. ومنه الجَوَلان في الحربِ، واجتال الشَّيءَ إذا ذَهَب به وساقَه. ينظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/317)، ((شرح النووي على مسلم)) (17/197). عن دِينهِم، وحرَّمَتْ عليهِم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهُم أنْ يُشْرِكوا بي ما لَمْ أُنَزِّلْ بهِ سُلْطَانًا... )) الحديث [2094] رواه مسلم (2865). .
قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ.
أي: قد انحَرَفوا عن طريقِ الحَقِّ، ولم يكونوا موفَّقينَ للصَّوابِ [2095] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/115). .
عنِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما، قال: ((إذا سرَّكَ أن تَعلَمَ جَهْلَ العَرَبِ، فاقرَأْ ما فوقَ الثَّلاثينَ ومِئَةٍ مِن سورةِ الأَنْعامِ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ إلى قولِه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) [2096] رواه البخاري (3524). .

الفوائد التربوية :


1- الغُلُوُّ يُخْرِجُ أصحابَه إلى أن يَجْعَلوا البَشَرَ مثلَ الإلهِ، بل أفضَلَ من الإلهِ في بعضِ الأمورِ، كما ذَكَرَ اللهُ عن المشركينَ؛ قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، وقال تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [2097] يُنظر: ((منهاج السنة)) لابن تيمية (2/395). [سورة الأنعام: 108].
2- قال تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ مِثْلُ هذا كثيرٌ؛ فالفاعِلُ للذَّنْبِ لو جَزَمَ بأنَّه يحصُلُ له به الضَّررُ الرَّاجِحُ لم يفعَلْه، لكنَّه يُزَيِّنُ له ما فيه من اللذَّةِ التي يظُنُّ أنَّها مصلحةٌ، ولا يَجْزِم بوقوعِ عُقوبَتِه، بل يرجو العفْوَ بحَسَناتٍ أو توبةٍ، أو بعفوِ اللهِ ونحو ذلك، وهذا كلُّه مِن اتِّباعِ الظَّنِّ وما تهوى الأَنْفُسُ، ولو كان له عِلْمٌ كامِلٌ لَعَرَف به رُجْحانَ ضَرَرِ السَّيِّئة، فأوجَبَ له ذلك الخشيَةَ المانِعَةَ له من مُواقَعَتِها [2098] يُنظر: ((تفسير ابن رجب الحنبلي)) (2/128). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- في قَوْلِه تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ...سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ عَدَّدَ تبارك وتعالى شيئًا مِن خُرافاتِهم؛ ليُنَبِّه بذلك على ضلالِهم والحَذَرِ منهم، وأنَّ معارَضَةَ أمثالِ هؤلاءِ السُّفَهاءِ للحَقِّ الذي جاء به الرَّسولُ؛ لا تقْدَحُ فيه أصلًا؛ فإنَّهم لا أهلِيَّةَ لهم في مقابَلَةِ الحَقِّ [2099] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 275). .
2- الأصلُ في العباداتِ التَّوقيفُ، فلا يُشْرَعُ منها إلا ما شَرَعَه اللهُ تعالى؛ ولهذا ذَمَّ المشركينَ الَّذين شَرَعوا من الدِّينِ ما لم يأذَنْ به، وحَرَّموا ما لم يُحَرِّمْه؛ قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ... إلى قَوْلِه: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، فلا حَرامَ إلا ما حَرَّمَه اللهُ تعالى، ولا دِينَ إلَّا ما شَرَعَه [2100] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (29/17). .
3- قولُ اللهِ تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا قَرَنَ الأوَّلَ بالزَّعْمِ الذي يُعَبَّر به غالبًا عن قَوْلِ الكَذِب والباطِلِ على ما فيه من البِرِّ والخيرِ، دون الثاني الذي هو شَرٌّ محْضٌ؛ وذلك لمناسَبَةٍ حَسَنةٍ: أنَّ الأوَّلَ وحْده هو الذي يُمكِن أن يَسْتَحْسِنَه المؤمنُ أو العاقِلُ وإن لم يكُنْ مُؤْمِنًا، فاحْتِيجَ إلى قَرْنِه بكونِه زعمًا مُختَرَعًا لهم، لا دينًا مُشْتَرَعًا لله تعالى، فكان بهذا باطلًا في نَفسِه، فوقَ كَوْنِه مقرونًا بالشِّرْكِ؛ إذ جَعَلوا مِثْلَه لِمَا اتَّخذوا للهِ من الأَنْدادِ [2101] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/107). .
4- في قَوْلِه تعالى: فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ قد يستَشْكِلُ بعضُهم، فيقول: أليسَت جميعُ الأَشْياءِ لله، فكيف نُسِبُوا إلى الكَذِبِ في قولهم: هذا للهِ؟ الجواب: أنَّ إفرازَهم النَّصِيبينِ؛ نصيبًا لله ونصيبًا للشَّيطانِ هو الكَذِبُ [2102] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/157). .
5- قولُه تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا... سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ المقصودُ من حكايةِ أمثالِ هذه المذاهِبِ الفاسِدةِ أنْ يعرِفَ النَّاسُ قِلَّةَ عُقُولِ القائلينَ بهذه المذاهِبِ، وأنْ يصيرَ ذلك سببًا لتَحْقيرِهم في أعيُنِ العُقَلاءِ، وألَّا يَلْتفِتَ إلى كلامِهم أحدٌ البتَّةَ [2103] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/158). .
6- قولُ اللهِ تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ سمَّى المُزَيِّنينَ لهم ذلك مِنْ شياطينِ الإنسِ- كالسَّدَنَة- أو الجنِّ؛ شُرَكاءَ، وإن لم يُسَمُّوهم هم آلهةً أو شُرَكاءَ؛ لأنَّهم أطاعوهم طاعةَ إذعانٍ دينيٍّ في التَّحليلِ والتَّحريمِ، وهو خاصٌّ بالرَّبِّ المعبودِ [2104] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/109). .
7- قولُ اللهِ تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ، لَمَّا كان المُزَيِّن لخِسَّتِه أهلًا لِأَنْ لا يُقْبَلَ تزيينُه، ولا يُلْتَفَتَ إليه، فكان امتثالُ قولِه غريبًا، وكان الإقدامُ على فِعْلِ الأَمْرِ المُزَيَّنِ أشدَّ غرابةً- قدَّمَ قَوْلَه قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ تنبيهًا على ذلك [2105] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/282). .
8- كلُّ من أطاعَ غيرَ الله في تشريعٍ مُخالِفٍ لِمَا شَرَعَه اللهُ؛ فقد أشْرَكَ به مع اللهِ، كما يدُلُّ لذلك قَوْلُه: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ فسمَّاهم شركاءَ لَمَّا أَطاعُوهم في قَتْلِ الأَوْلادِ [2106] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/56). .
9- قولُ اللهِ تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ يدلُّ على أنَّ كلَّ ما فعَلَه المُشركونَ هو بِقَدَرِ اللهِ تبارك وتعالى [2107] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/458). .
10- قولُ اللهِ تعالى: وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا، لَمَّا كان ذَمُّهم على مجرَّدِ التَّحريمِ لا على كونِه من مُعَيَّنٍ، بُنِيَ للمَجْهولِ [2108] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/284). .
11- قولُ اللهِ تعالى: وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا استدَلَّ به مالكٌ رَحِمَه الله على أنَّه لا يجوزُ الوَقْفُ على أَوْلادِ الذُّكورِ دُونَ البَناتِ، وأنَّ ذلك الوَقْفَ يُفْسَخُ ولو بَعْدَ موتٍ؛ لأنَّ ذلك مِن فِعْلِ الجاهليَّةِ. واستدلَّ به بعضُ المالكيَّةِ على مِثْلِ ذلك في الهِبَةِ [2109] ينظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 122). .
12-  فائدةُ تأنيثِ خَالِصَةٌ المُبالغةُ في خُلوصِ ما في بُطونِ الأنْعامِ الَّتي كانوا حَرَّمُوا ما في بُطونِها على أزواجِهم، لذُكورِهم دونَ إناثِهم، وذلك مِثلُ قَولِهم: رجلٌ نسَّابَة وعلَّامةٌ، إذا أُريدَ بها المُبَالغةُ في وَصْفِ مَن كان ذلك مِن صِفَتِه، وقيل غيرُ ذلك [2110] ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/586)، ((تفسير القرطبي)) (7/96). .

بلاغة الآيات :


1- قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فيه: تأخيرُ قولِه: نَصِيبًا عن المجرورينِ (لله- مما)؛ اهتمامًا بالمقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ [2111] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/189). .
2- قوله: فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ فيه: مبالغةٌ في صَوْنِه من أن يُعطَى لِمَا للهِ؛ لأنَّه إذا كان لا يَصِلُ فهو لا يُتْرَكُ إذا وَصَلَ بالأَوْلى [2112] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/97). .
3- قوله: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ فيه: استئنافٌ لإِنْشاءِ ذَمِّ شرائِعِهم [2113] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/97). .
4- قوله: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أولَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ
معنى اللام في قوله: لِيُرْدُوهُمْ إن كان التَّزيينُ مِنَ الشَّياطينِ؛ فهي على حقيقةِ التعليلِ، وإن كان من السَّدَنَة فعلى معنى الصَّيرورةِ [2114] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/70). .
5- قوله: فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (ذَرْهُمْ) أمرٌ فيه تهديدٌ ووعيدٌ [2115] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/659). .
6- قوله: سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ فيه: استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّ الافتراءَ على الخالِقِ أمرٌ شنيعٌ عند جميعِ الخَلْقِ، فالإخبارُ به يُثيرُ سُؤالَ من يَسألُ عمَّا سيلقَوْنَه مِن جزاءِ افترائِهم، فأُجِيبَ بأنَّ اللهَ سيجزيهم بما كانوا يَفْترونَ [2116] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/109). .
- وقد أبهَمَ الجزاءَ للتَّهويلِ؛ لتَذْهَبَ النُّفوسُ كُلَّ مذهَبٍ مُمْكِنٍ في أنواعِ الجزاءِ على الإِثمِ [2117] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/190)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/109). ، وفيه: تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ [2118] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/660). .
7- قوله: قَدْ خَسِرَ الَّذين قَتَلُوا أولَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْر عِلْمٍ تذييلٌ جُعِلَ فذلكةً للكلامِ السَّابِقِ [2119] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/113). .
8- قوله: افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ فيه: إظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقِعِ الإضمارِ- حيث لم يَقُلْ: (عليه)- لإظهار كَمالِ عُتوِّهم وطُغيانِهم [2120] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/191). .
9- قوله: قَدْ ضَلُّوا وَمَا كانُوا مُهْتَدِينَ استئنافٌ ابتدائيٌّ لزيادةِ النِّداءِ على تحقُّقِ ضَلالِهم [2121] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/115). .
- فائدةُ قوله: وَمَا كانُوا مُهْتَدِينَ بعد قوله: قَدْ ضَلُّوا أنَّهم بعدما ضلُّوا، لم يهتدوا مرَّة أُخرى [2122] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/178). ، وهذا نهايةُ المبالغةِ في الذَّمِّ [2123] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/466). .
- زيادةُ قَوْلِه: كَانُوا هنا لتحقيقِ النَّفيِ؛ مثل موقِعِها مع لامِ الجُحُودِ [2124] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/116). .