موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (112-119)

ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ

غريب الكلمات:


رَغَدًا: واسعًا طَيِّبًا كثيرًا، وأصلُ (رغد): يدلُّ على أطيَبِ العَيشِ [1322] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 46، 249)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/417)، ((المفردات)) للراغب (ص: 358)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 66)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 484). .
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: أي: ذُبِحَ لغَيرِ اللهِ، ورُفِعَ فيه الصَّوتُ عند ذبحِه بتَسميةِ غَيرِ اللهِ، وأصلُ الإهلالِ: يدلُّ على رَفعِ الصَّوتِ [1323] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 69)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 15)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/11)، ((المفردات)) للراغب (ص: 843)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 26). قال الشنقيطي: (كانوا إذا ذَبَحوا لغيرِ الله رفَعوا أصواتَهم باسمِ الأصنامِ، فصار يُطلقُ على كلِّ ما ذُبِحَ لغيرِ الله: «أُهِلَّ لغيرِ الله به»). ((العذب النمير)) (2/380). .
اضْطُرَّ: أي: أُلْجِئَ، وأُحوِج، أو أُكرِه، والاضْطِرارُ: يُطلقُ على حمْلِ الإنسانِ على ما يَضُرُّه وما يكرهُه، وأصلُ الاضطرارِ: فِعلُ ما لا يَتهيَّأُ له الامتناعُ منه [1324] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/58)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 89)، ((المفردات)) للراغب (ص: 504)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 137). .
بَاغٍ: أي: طالِبٍ له، راغِبٍ فيه لِذاتِه، وأصلُ (بغي): يَدُلُّ على قَصْدِ الفَسادِ [1325] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 118)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 137)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 100). .
عَادٍ: أي: مُتَجاوزٍ قَدْرَ الضَّرورةِ، وأصلُ (عدو): يدُلُّ على التَّجاوُزِ [1326] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 118)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/249)، ((المفردات)) للراغب (ص: 137)، ((تفسير البغوي)) (1/201)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (2/80). .
هَادُوا: أي: دخَلوا في دينِ اليَهوديَّةِ؛ مِن قَولِهم: هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: 156]، وكان اسمَ مَدْحٍ، ثمَّ صار بعد نَسخِ شَريعتِهم لازِمًا لهم، وإن لم يكُنْ فيه معنى المَدحِ، وأصلُ (هود): يدُلُّ على الرُّجوعِ برِفقٍ [1327] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/32)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 490، 495)، ((البسيط)) للواحدي (2/610)، ((المفردات)) للراغب (ص: 847)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 91). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ
الْكَذِبَ: مَنصوبٌ، وفي نَصبِه أوجُهٌ؛ أحدُها: أنَّه مَفعولٌ به لـ  تَصِفُ. ولِمَا تَصِفُ عِلَّةٌ للنَّهيِ عن قَولِ ذلك. و(ما) في لِمَا مَصدريَّةٌ. وهَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ جُملةٌ في محَلِّ نَصبٍ مَقولُ القَولِ، أي: ولا تقولوا: هذا حَلالٌ وهذا حرامٌ لأجْلِ وَصْفِ ألسِنَتِكم الكَذِبَ، والمعنى: لا تُحَلِّلوا ولا تُحَرِّموا لأجلِ قَولٍ تَنطِقُ به ألسِنَتُكم من غيرِ حُجَّةٍ. الثاني: أنَّه مَفعولٌ به لـ تَقُولُوا، ويكونُ قَولُه: هَذَا حَلَالٌ... بَدَلًا مِن الْكَذِبَ بدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ؛ لأنَّه عَينُه، والتقديرُ: ولا تقولوا الكَذِبَ: هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ؛ لِوَصفِ ألسِنَتِكم. الثالث: أن يَنتَصِبَ على البَدلِ مِن العائِدِ المحذوفِ على مَا إذا قُلْنا: إنَّ (ما) مَوصولةٌ بمعنى الذي، والتَّقديرُ: لِما تَصِفُه [1328] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/809)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/297)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (14/406)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/250). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى مبينًا سوءَ عاقبةِ الذين يجحدونَ نعمَ الله، ويكذِّبونَ بآياتِه: وضرَبَ اللهُ مثَلًا قَريةً كانت في أمانٍ واطمِئْنانٍ يأتيها رِزقُها هنيئًا سَهلًا مِن كُلِّ جِهةٍ، فجحَدَ أهلُها نِعَمَ اللهِ عليهم، وأشرَكوا به، ولم يَشكُروا له، فعاقَبَهم اللهُ بالجُوعِ والخَوفِ؛ بسبَبِ كُفرِهم وصَنيعِهم. ولقد أرسلَ اللهُ إلى أهلِ تلك القَريةِ رَسولًا منهم، يَعرِفونَ نَسَبَه وأمانَتَه وصِدْقَه، فكذَّبوه، فأخَذَهم العذابُ مِن القتل والجُوعِ والخَوفِ، وهم مشركون باللهِ.
ثمَّ أمَر الله عبادَه بأن يأكلوا ممَّا أحلَّه لهم، وأن يشْكُروه على نعمِه، فقال: فكُلوا- أيُّها النَّاسُ- مِمَّا رزَقَكم اللهُ حالَ كَونِه حَلالًا مُستَطابًا، واشكُروا نِعمةَ اللهِ عليكم بالاعترافِ بها وصَرْفِها في طاعةِ اللهِ، إن كنتُم تَعبُدونَ اللهَ وَحدَه.
ثمَّ بيَّن ما حرَّمه على عبادِه، فقال: إنَّما حرَّم اللهُ عليكم المَيتةَ مِن الحَيوانِ، والدَّمَ المَسفوحَ- كالذي يخرجُ مِن الحيوانِ عندَ ذَبحِه- ولَحمَ الخِنزيرِ، وما ذُبِحَ لغَيرِ الله؛ فمَن ألجأَتْه ضَرورةٌ إلى أَكْلِ شَيءٍ مِن هذه المُحَرَّماتِ وهو غيرُ مريدٍ لأكلِها مِن غيرِ اضطرارٍ، ولا مُتَجاوزٍ حدَّ الضَّرورةِ؛ فإنَّ اللهَ غَفورٌ له رَحيمٌ به، لا يُعاقِبُه على ما فعَلَ.
ثمَّ نهَى الله تعالى عن القولِ عليه بغيرِ علمٍ، فقال: ولا تَقولوا- أيُّها المُشرِكونَ- لِما تَصِفُه ألسِنَتُكم كَذِبًا: هذا حَلالٌ، لِما حرَّمَه اللهُ، وهذا حَرامٌ، لِما أحَلَّه اللهُ؛ لتختَلِقوا على اللهِ الكَذِبَ؛ إنَّ الذينَ يَختَلِقونَ على اللهِ الكَذِبَ لا يَفوزونَ بخَيرٍ في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، مَتاعُهم في الدُّنيا مَتاعٌ قليلٌ، ولهم في الآخرةِ عَذابٌ مُوجِعٌ.
ثم ذكر تعالى أنَّ ما حرَّمه على اليهودِ مِن طيباتٍ، إنَّما كان بسببِ ظلمِهم، فقال: وعلى اليهودِ حَرَّمْنا ما أخبَرْناك به- يا مُحمَّدُ- مِن قبلُ في سُورةِ (الأنعامِ)، وما ظَلمْناهم بتَحريمِ ذلك عليهم، ولكِنْ كانوا ظالِمينَ لأنفُسِهم بمخالفةِ أمرِ الله، فاستحَقُّوا ما عُوقبوا به.
ثمَّ بيَّن الله تعالى سَعةَ رحمتِه سبحانَه بعبادِه، ورأفتِه بهم، فقال: ثمَّ إنَّ رَبَّك للَّذينَ فَعَلوا المعاصيَ في حالِ سَفَهٍ وجهالةٍ منهم وغَفلةٍ عن عاقِبتِها، ثمَّ رَجَعوا إلى اللهِ عمَّا كانوا عليه من الذُّنوبِ، وأصلَحوا أعمالَهم- إنَّ رَبَّك مِن بعدها لَغفورٌ لهم، رحيمٌ بهم.

تفسير الآيات:


وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا هَدَّدَ اللهُ تعالى الكُفَّارَ بالوَعيدِ الشَّديدِ في الآخرةِ؛ هَدَّدَهم أيضًا بآفاتِ الدُّنيا، وهو الوقوعُ في الجُوعِ والخَوفِ [1329] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/278). .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً.
أي: وجعَلَ اللهُ قَريةً يعيشُ أهلُها في أمنٍ واطمِئنانٍ واستقرارٍ [1330] اختلَف المفسِّرونَ: هل المراد بهذه القريةِ قريةٌ معينةٌ، أو المرادُ قريةٌ غيرُ معينةٍ؟ فقيل: هي قريةٌ معينةٌ، وممن اختار أنَّ المرادَ بها مكَّةُ: ابنُ جريرٍ، وابن أبي زمنين، والواحدي، وابنُ الجوزي- ونَسَبه للجُمهورِ- والقرطبي، وابنُ كثير، والسَّعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/382)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (2/421)، ((الوسيط)) للواحدي (3/88)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/589)، ((تفسير القرطبي)) (10/194)، ((تفسير ابن كثير)) (4/607)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). قال الشنقيطي: (وهذه الصِّفاتُ المذكورةُ الَّتي اتَّصَفتْ بها هذه القريةُ: تتَّفقُ معَ صفاتِ أهلِ مكَّةَ المذكورةِ في القرآنِ). ((أضواء البيان)) (2/455). وقال الرازي: (هذه القريةُ الَّتي ضَرَب اللَّهُ بها هذا المثلَ يحتملُ أنْ تكونَ شيئًا مفروضًا، ويحتملُ أنْ تكونَ قريةً مُعيَّنةً، وعلى هذا التَّقديرِ الثَّاني فتلك القريةُ يحتملُ أنْ تكونَ مكَّةَ أوْ غيرَها... والأقرَبُ أنَّها غَيرُ مَكَّةَ؛ لأنَّها ضُرِبَت مَثَلًا لِمَكَّةَ، ومَثَلُ مَكَّةَ يكونُ غَيرَ مَكَّة). ((تفسير الرازي)) (20/278، 279). وقيل: المرادُ: قريةٌ غيرُ معينةٍ، وممن اختار ذلك: ابنُ عطيةَ، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/426)، ((تفسير الشوكاني)) (3/238). مَثَلًا لكُلِّ مَن أنعَمَ اللهُ عليهم، فأبطَرَتْهم النِّعمةُ وكَفَروا وتوَلَّوا، فأحلَّ اللهُ بهم نِقَمَه [1331] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/382)، ((تفسير الزمخشري)) (2/638)، ((تفسير ابن كثير)) (4/607)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/304). قال الرازي: (قوله: مُطْمَئِنَّةً إشارة إلى الصحَّةِ؛ لأنَّ هواء ذلك البلدِ لَمَّا كان ملائمًا لأمزجتِهم، اطمأنُّوا إليه واستقرُّوا فيه). ((تفسير الرازي)) (20/279). وقال الشوكاني: (وصَفَ القريةَ بأنَّها كانت آمنةً غيرَ خائفةٍ، مُطمئِنَّةً غيرَ منزعجةٍ، أي: لا يخافُ أهلُها ولا ينزَعِجون). ((تفسير الشوكاني)) (3/238). .
كما قال تعالى عن مكَّةَ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67].
وقال سُبحانَه: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 1 - 4].
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
أي: يأتي أهلَ تلك القَريةِ أقواتُهم ومَعايشُهم بوَفرةٍ وهَناءٍ وسُهولةٍ، مِن كُلِّ ناحيةٍ [1332] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/382)، ((تفسير ابن كثير)) (4/608)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/305)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/459). .
كما قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص: 57].
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ.
أي: فجحَدَ أهلُ تلك القَريةِ بما أنعَمَ اللهُ عليهم، فلم يَشكُروا اللهَ عليها [1333] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/385)، ((تفسير ابن كثير)) (4/608)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/306). .
كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: 28].
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
أي: فأذاق اللهُ أهلَ تلك القَريةِ الجُوعَ والخَوفَ الذي بان أثَرُه عليهم مِن الهُزالِ وشُحوبةِ اللَّونِ وسُوءِ الحالِ مِمَّا ظهَرَ على أبدانِهم، وذلك بعد أن كانوا في رَغَدٍ مِن العَيشِ والأمْنِ؛ بسبَبِ ما كانوا يَصنَعونَ مِن الكُفرِ وجُحودِ النِّعَمِ، والتَّكذيبِ بالحَقِّ، وارتِكابِ المعاصي [1334] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/385، 386)، ((تفسير القرطبي)) (10/194)، ((تفسير ابن كثير)) (4/608)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/308). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((إنَّ قُرَيشًا لَمَّا غَلَبوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستَعصَوا عليه قال: اللهُمَّ أعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كسبعِ يوسُفَ، فأخذَتْهم سَنَةٌ [1335] السَّنةُ: القَحْطُ والجَدْبُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/141). أكَلوا فيها العِظامَ والميتةَ مِن الجَهْدِ، حتى جعَلَ أحَدُهم يرى ما بينَه وبينَ السَّماءِ كهَيئةِ الدُّخَانِ مِن الجُوعِ )) [1336] رواه البخاري (4822) واللفظ له، ومسلم (2798). .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أخبَرَ اللهُ تعالى عن الكافِرينَ بأنَّهم أُذيقوا لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ بما كانوا يَصنَعونَ، وكان إنَّما ذكَرَ مِن صُنعِهم أنَّهم كَفَروا بأنْعُمِ اللهِ؛ زِيدَ هنا أنَّ ما كانوا يَصنَعونَ عامٌّ لكُلِّ عَمَلٍ لا يُرضي اللهَ، غيرُ مَخصوصٍ بكُفرِهم نِعمةَ الله، وإنَّ مِن أشنَعِ ما كانوا يَصنَعونَ تَكذيبَهم رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مع أنَّه منهم، وذلك أظهَرُ في معنى الإنعامِ عليهم والرِّفقِ بهم [1337] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/308). .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ.
أي: ولقد جاءَ أهلَ تلك القَريةِ رَسولٌ مِن أنفُسِهم، يَعرِفونَه ويَعرِفونَ نَسَبَه؛ لِيَدعُوَهم إلى الحقِّ، فكذَّبوه فيما جاءَهم به مِن الوَحيِ [1338] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/386)، ((الوسيط)) للواحدي (3/88)، ((تفسير البيضاوي)) (3/243). .
كما قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 128- 129].
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ.
أي: فأخَذَهم عذابُ الدُّنيا بالجُوعِ والخَوفِ والقَتلِ، والحالُ أنَّهم مُشرِكونَ باللهِ [1339] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/386)، ((الهداية)) لمكي (6/4104)، ((الوسيط)) للواحدي (3/88)، ((تفسير الزمخشري)) (2/640). .
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا تقَرَّرَ بما مضى من أدلَّةِ التَّوحيدِ، فثَبَت ثباتًا لا يتطَرَّقُ إليه شَكٌّ أنَّ اللهَ هو الإلهُ وَحدَه، كما أنَّه هو الرَّازِقُ وَحدَه، ونَبَّهَهم على دقائِقَ في تَقديرِه للأرزاقِ تدُلُّ على عَظَمتِه وشُمولِ عِلمِه وقُدرتِه واختيارِه، فثَبَت أنَّهم ظالِمونَ فيما جَعَلوا للأصنامِ مِن رِزقِه، وأنَّه ليس لأحدٍ أن يتحَرَّكَ إلَّا بأمْرِه سُبحانَه، وختَمَ ذلك بهذا المثَلِ المُحَذِّرِ مِن كُفرانِ النِّعَمِ- عَقَّبَه بقولِه تعالى صادًّا لهم عن أفعالِ الجاهليَّةِ [1340] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/267). :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا.
أي: فكُلوا- أيُّها النَّاسُ- مِمَّا رزَقَكم اللهُ مِن الحَيواناتِ والحُبوبِ والثِّمارِ وغَيرِها، في حالِ كَونِها حلالًا لم يُحَرِّمْها اللهُ، ومِن كَسْبٍ طَيِّبٍ لا إثمَ فيه، مُستلَذَّةً يَطيبُ للنَّاسِ طَعمُها [1341] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/387)، ((تفسير ابن عطية)) (3/427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/309). .
وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
أي: واشكُروا اللهَ- أيُّها النَّاسُ- على نِعَمِه، واصرِفوها في طاعتِه، إن كنتُم تَعبُدونَ اللهَ وَحدَه وتُطيعونَه فيما أمَرَكم به، ونهاكم عنه، ومِن ذلك استِحلالُ ما أحَلَّ اللهُ مِن الرِّزقِ [1342] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/387)، ((تفسير ابن كثير)) (4/609)، ((تفسير القاسمي)) (6/417)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). .
كما قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172].
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان الإذنُ في قَولِه تعالى: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا إنَّما هو في بَعضِ الرِّزقِ في الحالِ المَذكورِ، فاحتِيجَ إلى مَعرِفتِه، وكانت المُباحاتُ أكثَرَ مِن المَحظوراتِ؛ حَصَرَ القَليلَ لِيُعلَمَ منه الكثيرُ؛ لأنَّ كُلَّ ضِدَّينِ مَعروفينِ إجمالًا عُيِّنَ أحَدُهما، عُرِفَ مِن تَعيِينِه الآخَرُ، فقال تعالى [1343] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/268). :
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .
أي: إنَّما حرَّم اللهُ تعالى عليكم المَيْتةَ مِن الحيواناتِ التي ماتَت حَتْفَ أنفِها- دونَ ذَكاةٍ شرعيَّةٍ ولا اصطِيادٍ [1344] ويُستثنى مِن ذلك مَيتةُ الجَرادِ والسَّمَكِ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 451). - والدَّمَ المَسفوحَ [1345] الدَّم المَسفوح: هو المُنصَبُّ المُسالُ كالذي يَخرُجُ عند الذَّكاةِ، أو يَخرُجُ عند فَصْدِ العِرْقِ، وما أشبهَ ذلك. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/359-360)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/37). ، ولَحمَ الخِنزيرِ [1346] وذلك شاملٌ للحمِه، وشحمِه، وجميعِ أجزائِه. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 451). ، وما ذُبِحَ على غَيرِ اسمِ الله عزَّ وجلَّ، كالذي يُذبَحُ للأصنامِ، ويُسمَّى عليه بغيرِ اسمِه سُبحانَه [1347] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/388)، ((تفسير ابن كثير)) (4/609)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). .
كما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3].
وقال سُبحانَه: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145].
  فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: فمَن ألجأَتْه الضَّرورةُ إلى الأكْلِ مِن تلك المُحرَّماتِ الأربعةِ، وهو غيرُ مُبتَغٍ لِتَناوُلِها مِن غَيرِ ضَرورةٍ، ولا مُريدٍ التلذُّذَ بأكْلِها، وغيرُ مُتَجاوزٍ قدْرَ الضَّرورةِ، فلا يتناوَلُ منها إلَّا بمِقدارِ ما يَدفَعُ عنه الهَلاكَ؛ فمَن كانت حالُه كذلك فلا حرَجَ عليه ولا إثمَ مِن تَناوُلِ تلك المحرَّمات؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَغفِرُ ذُنوبَ عِبادِه، فيَستُرُها، ويتَجاوَزُ عن المُؤاخَذةِ بها، ومِن ذلك تجاوزُه عمَّن أكَل ما حرَّمه الله مضطرًّا، وهو الرَّحيمُ بعِبادِه، ومِن رَحمتِه أنْ شرَع لهم ذلك؛ تَوسِعةً منه، فأباح أكْلَ ذلك عند الضَّرورةِ [1348] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/388)، ((أحكام القرآن)) للجصاص (1/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). قال الماوردي: (وفي قولِه: غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ثلاثةُ أقاويلَ:  أحدُها: غَيْرَ بَاغٍ على الإمامِ، وَلَا عَادٍ على الأُمةِ بإفسادِ شملِهم، فيدخلُ الباغي على الإمامِ وأُمتِه، والعادي: قاطعُ الطريقِ، وهو معنَى قولِ مجاهدٍ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ. والثاني: غَيْرَ بَاغٍ في أكلِه فوقَ حاجتِه، وَلَا عَادٍ يعني: متعديًا بأكلِها وهو يجدُ غيرَها، وهو قولُ قتادةَ، والحسنِ، وعكرمةَ، والربيعِ، وابنِ زيدٍ. والثالثُ: غَيْرَ بَاغٍ في أكلِها شهوةً وتلذذًا، وَلَا عَادٍ باستيفاءِ الأكلِ إلى حدِّ الشِّبَعِ، وهو قولُ السُّديِّ). ((تفسير الماوردي)) (1/222). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 173].
وقال سُبحانَه: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 3].
وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حَصَر اللهُ تعالى المُحَرَّماتِ في تلك الأربَعِ؛ بالَغَ في تأكيدِ ذلك الحَصرِ، وزَيَّفَ طريقةَ الكُفَّارِ في الزِّيادةِ على هذه الأربَعِ، وفي النُّقصانِ عنها أُخرَى؛ فإنَّهم كانوا يُحَرِّمونَ البَحيرةَ، والسَّائِبةَ، والوَصيلةَ، والحاميَ، وكانوا يقولونَ: ما في بُطونِ هذه الأنعامِ خالِصةٌ لذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ على أزواجِنا، فقد زادوا في المُحَرَّمات وزادوا أيضًا في المُحَلَّلاتِ؛ وذلك لأنَّهم حَلَّلوا المَيتةَ والدَّمَ ولحمَ الخِنزيرِ، وما أُهِلَّ به لغيرِ الله تعالى، فاللهُ تعالى بَيَّنَ أنَّ المُحَرَّماتِ هي هذه الأربعةُ، وبيَّنَ أنَّ الأشياءَ التي يقولونَ: إنَّ هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، كَذِبٌ وافتراءٌ على اللهِ تعالى، ثمَّ ذكَرَ الوَعيدَ الشَّديدَ على هذا الكَذِبِ [1349] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/281). .
وأيضًا لَمَّا أمَرَهم بتَناوُلِ ما أحَلَّ لهم؛ عدَّد عليهم مُحرَّماتِه؛ لِيُعلَمَ أنَّ ما عَداها حِلٌّ لهم، ثمَّ أكَّد ذلك بالنَّهيِ عن التَّحريمِ والتَّحليلِ بأهوائِهم، فقال [1350] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/243). :
وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
أي: لا تحرِّموا وتُحلِّلوا مِن تلقاءِ أنفسكم، كذبًا على اللهِ، مِن غَيرِ مُستنَدٍ صَحيحٍ، ولا حُجَّةٍ بَيِّنةٍ، فتَقولوا لِما أحَلَّ اللهُ: هو حَرامٌ، وتَقولوا لِما حَرَّمه: هو حَلالٌ؛ كي تختَلِقوا الكَذِبَ على اللهِ سُبحانَه [1351] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/390)، ((تفسير النسفي)) (2/239)، ((تفسير ابن كثير)) (4/609)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/311)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/461-462)، (7/53). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 138- 139].
وقال سُبحانَه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [يونس: 59-60].
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ.
أي: إنَّ الذين يَتَقوَّلونَ على اللهِ الكَذِبَ لا يَفوزونَ في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ [1352] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/390)، ((تفسير ابن كثير)) (4/609)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/463). قال ابن جرير: (لا يُخَلَّدونَ في الدُّنيا، ولا يَبقَونَ فيها). ((تفسير ابن جرير)) (14/390). وقال الشنقيطي: (أي: لا يَنالونَ الفَلاحَ، وهو يُطلَقُ على مَعنَيينِ: أحدهما: الفوزُ بالمطلوبِ الأكبر، والثاني: البقاءُ السَّرمديُّ). ((أضواء البيان)) (2/463). .
مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117).
أي: للمُفتَرينَ على اللهِ الكَذِبَ مَتاعٌ قليلٌ في الدُّنيا، ولهم بعد ذلك عَذابٌ مُؤلِمٌ في الآخِرةِ [1353] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/390)، ((الوسيط)) للواحدي (3/89)، ((تفسير ابن عطية)) (3/429)، ((تفسير ابن كثير)) (4/609)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/463). .
كما قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان: 24].
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى أنَّه إنَّما حَرَّمَ علينا المَيتةَ والدَّمَ ولَحمَ الخِنزيرِ، وما أُهِلَّ لِغَيرِ الله به، وأنَّه أرخَصَ فيه عندَ الضَّرورةِ، وفي ذلك تَوسِعةٌ لهذه الأمَّةِ التي يُريدُ اللهُ بها اليُسرَ، ولا يُريدُ بها العُسرَ- ذكَرَ سُبحانَه وتعالى ما كان حَرَّمَه على اليَهودِ في شَريعتِهم قبل أن يَنسَخَها، وما كانوا فيه من الآصارِ والأغلالِ، والحَرَجِ والتَّضييقِ [1354] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/610). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى لهم نِعمَتَه بتَوسِعتِه عليهم بما ضَيَّقوا به على أنفُسِهم؛ بيَّنَ لهم نِعمةً أخرى، بتَمييزِهم على بني إسرائيلَ [1355] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/270). .
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ.
أي: وعلى اليَهودِ حَرَّمْنا ما أوحَيناه إليك- يا محمَّدُ- من قبلُ في سُورةِ (الأنعامِ) [1356] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/491، 492)، ((تفسير ابن جرير)) (14/391)، ((تفسير السمرقندي)) (2/296)، ((تفسير ابن كثير)) (4/610)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). .
كما في قَولِه تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام: 146].
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أي: وما ظَلَمْنا اليَهودَ بتَحريمِ ما حرَّمْنا عليهم مِن الطَّيِّباتِ، ولكِنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم بمَعصيةِ اللهِ سُبحانَه، فاستَحَقُّوا عُقوبةَ اللهِ بتَحريمِ الطيِّباتِ عليهم [1357] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/391)، ((تفسير القرطبي)) (10/197)، ((تفسير الخازن)) (3/104)، ((تفسير ابن كثير)) (4/610). .
كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160].
وقال سُبحانَه: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ [الأنعام: 146].
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ المقصودَ بَيانُ أنَّ الافتراءَ على اللهِ ومُخالفةَ أمرِ اللهِ، لا يَمنَعُهم مِن التَّوبةِ، وحُصولِ المَغفِرةِ والرَّحمةِ [1358] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/283). ، فلمَّا ذُكِرَت أحوالُ أهلِ الشِّركِ، وكان منها ما حَرَّموه على أنفُسِهم، وكان المُسلِمونَ قد شارَكوهم أيَّامَ الجاهليَّةِ في ذلك، وورَدَت قوارِعُ الذَّمِّ لِمَا صَنَعوا؛ كان مِمَّا يُتوَهَّمُ عُلوقُه بأذهانِ المُسلِمينَ أن يَحسَبوا أنَّهم سيَنالُهم شَيءٌ مِن غَمصٍ [1359] الغَمْصُ: الاحتِقارُ والاستِصغارُ. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (18/57). لِما اقتَرَفوه في الجاهليَّةِ، فطَمْأَنَ اللهُ نُفوسَهم بأنَّهم لَمَّا تابوا بالإقلاعِ عن ذلك بالإسلامِ، وأصلَحوا عمَلَهم بعدَ أن أفسَدوا؛ فإنَّ اللهَ قد غفَرَ لهم مَغفِرةً عَظيمةً، ورَحِمَهم رَحمةً واسِعةً [1360] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/313). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى هذه النِّعمةَ الدُّنيَويَّةَ، عطَفَ عليها نِعمةً هي أكبَرُ منها جِدًّا؛ استِجلابًا لكُلِّ ظالمٍ، فقال تعالى [1361] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/268). :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ.
أي: ثمَّ إنَّ رَبَّك- يا مُحَمَّدُ- للذين اقتَرَفوا ما لا ينبغي فِعلُه مِن الكُفرِ أو المعاصي، عن سَفَهٍ منهم، وإيثارٍ للدُّنيا، وعَمايةٍ عن عَواقِبِ ما اقتَرَفوا [1362] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/392)، ((تفسير الرازي)) (20/283)، ((تفسير ابن عطية)) (3/430)، ((تفسير ابن كثير)) (4/610)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). قال ابنُ عطيَّة: (قَولُه تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ هذه آيةُ تأنيسٍ لجَميعِ العالَمِ، أخبَر اللهُ تعالى فيها أنَّه يَغفِرُ للتَّائِبِ، والآيةُ إشارةٌ إلى الكُفَّارِ الذين افتَرَوا على اللهِ، وفَعَلوا الأفاعيلَ المذكورةَ، فهم إذا تابوا مِن كُفرِهم بالإيمانِ، وأصلَحوا مِن أعمالِ الإسلامِ؛ غَفَر الله لهم، وتناولَت هذه الآيةُ بعدَ ذلك كلَّ واقعٍ تحتَ لَفظِها مِن كافرٍ وعاصٍ). ((تفسير ابن عطية)) (3/430). وقال أيضًا: («الجهالةُ» عندي في هذا الموضِعِ ليست ضِدَّ العلمِ، بل هي تعدِّي الطَّورِ وركوبُ الرأسِ، ومنه قول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أو أجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ»). ((تفسير ابن عطية)) (3/430). قال السمين الحلبي: (قوله: بِجَهَالَةٍ فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعلِ يَعْمَلُونَ، ومعناها المصاحبةُ، أي: يعملون السوءَ ملتَبِسينَ بجهالةٍ، أي: مصاحِبينَ لها، ويجوز أن يكونَ حالًا من المفعولِ، أي: ملتبَسًا بجهالةٍ، وفيه بعدٌ وتجوُّزٌ. والثاني: أن يتعلقَ بـ يَعْمَلُونَ على أنها باء السببيةِ). ((الدر المصون)) (3/623). وممَّن قال بالأولِ: ابنُ عاشور، وممَّن قال بالثاني: الرازي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/283)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/314). .
  ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا .
أي: ثمَّ رَجَعوا إلى اللهِ، ونَدِموا، وأقلَعوا عن السُّوءِ مِن بعدِ ما عَمِلوه، وأصلَحوا أعمالَهم، فأقبلوا على فِعلِ الطَّاعاتِ [1363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/392)، ((تفسير ابن كثير)) (4/610)، ((تفسير السعدي)) (ص: 451). .
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: إنَّ ربَّك مِن بَعدِها [1364] قيل: الضَّميرُ يعودُ على التَّوبةِ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ جريرٍ، والسمرقندي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/392)، ((تفسير السمرقندي)) (2/296). وقيل: الضَّميرُ عائِدٌ على الفَعلةِ السَّيِّئةِ. وممَّن قال بذلك: ابن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/610). وجمَع بينهما البقاعيُّ، فقال: (مِنْ بَعْدِهَا أي: التَّوبةِ وما تقَدَّمَها من أعمالِ السُّوءِ). ((نظم الدرر)) (11/272). لَغَفورٌ لذُنوبِهم، فيَستُرُها عليهم، رحيمٌ بهم، فيَقبَلُ تَوبتَهم منها، ولا يُعاقِبُهم [1365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/392)، ((تفسير السمرقندي)) (2/296)، ((تفسير الرازي)) (20/283)، ((تفسير ابن كثير)) (4/610). .

الفوائد التربوية:


1- قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً... فيجِبُ على كُلِّ عاقلٍ أنْ يعتبِرَ بهذا المَثَلِ، وألَّا يُقابِلَ نِعَمَ اللَّهِ بالكفرِ والطُّغيانِ؛ لئلَّا يَحِلَّ به ما حلَّ بهذه القريةِ المذكورةِ، بل عليه أنْ يُقابلَها بالشُّكرِ، فيشكُرها بالطَّاعةِ والعبادةِ لِلَّه، فقد بَيَّن تعالى أَنَّ الشُّكرَ يزيدُ النِّعمَ والكفرَ يُذْهِبُها، إلَّا ما كان استدراجًا، فقال في شُكرِ النِّعمةِ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [1366] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/459) و (9/112). [إبراهيم: 7].
2- في قَولِه تعالى: فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ أنَّ الجَدْبَ والقَحْطَ، وضِيقَ الرِّزقِ والفِتَنَ كُلَّها؛ سَببُها المعاصي [1367] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/368). .
3- قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ الآيةُ تحذِّرُ المسلمينَ مِن أن يتقوَّلوا على اللهِ ما لم يَقُلْه بنصٍّ صريحٍ، أو بإيجادِ معانٍ وأوصافٍ للأفعالِ قد جعَل لأمثالِها أحكامًا [1368] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/312). ، فلا يجوزُ للعَبدِ أن يقولَ: هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ إلَّا بما عَلِمَ أنَّ اللهَ سُبحانَه أحَلَّه وحَرَّمه. وقال بعضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أن يقولَ: أحَلَّ اللهُ كذا، وحَرَّمَ كذا، فيقولَ اللهُ له: كَذَبْتَ! لم أُحِلَّ كذا، ولم أُحَرِّمْ كذا؛ فلا ينبغي أن يقولَ لِما لا يَعلَمُ وُرودَ الوَحيِ المُبِينِ بتَحليلِه وتَحريمِه: أحَلَّه اللهُ، وحَرَّمَه اللهُ؛ لمُجَرَّدِ التَّقليدِ، أو بالتَّأويلِ [1369] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/31). . وعن أبي نَضرةَ، قَالَ: (قرأت هذه الآية في سُورَة النحل: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ...، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا) [1370] يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2306). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ حَضٌّ منه تعالى لعبادِه على التَّوبةِ، ودَعوةٌ لهم إلى الإنابةِ، فأخبَرَ أنَّ مَن عَمِلَ سُوءًا بجَهالةٍ بعَاقبةِ ما تجني عليه، ولو كان مُتَعَمِّدًا للذَّنبِ- فإنَّه لا بُدَّ أن يَنقُصَ ما في قَلبِه مِن العِلمِ وَقتَ مُقارفَةِ الذَّنبِ- فإذا تاب وأصلَحَ بأن تَرَك الذَّنبَ ونَدِمَ عليه، وأصلَحَ أعمالَه؛ فإنَّ اللهَ يَغفِرُ له ويَرحَمُه، ويتقَبَّلُ تَوبتَه، ويُعيدُه إلى حالتِه الأولى أو أعلى منها [1371] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 451). .
5- قال تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ فكُلُّ مَن عصى الله فهو جاهِلٌ، وكلُّ من أطاعه فهو عالمٌ، وبيانُه مِن وجهينِ:
أحدهما: أنَّ مَن كان عالِمًا بالله تعالى وعظَمتِه وكبريائِه وجلالِه، فإنه يهابُه ويخشاه، فلا يقَعُ منه مع استحضارِ ذلك عصيانُه، كما قال بعضُهم: (لو تفكَّر النَّاسُ في عظمةِ الله تعالى، ما عَصَوه)، وقال آخَرُ: (كفى بخشيةِ اللهِ عِلمًا، وكفى بالاغترارِ بالله جَهلًا).
 والثاني: أنَّ مَن آثر المعصيةَ على الطاعةِ فإنَّما حمَلَه على ذلك جهلُه وظنُّه أنَّها تنفَعُه عاجِلًا باستِعجالِ لذَّتِها، وإن كان عنده إيمانٌ فهو يرجو التخلُّصَ مِن سوءِ عاقبتِها بالتَّوبةِ في آخِرِ عُمُرِه، وهذا جَهلٌ مَحضٌ؛ فإنَّه يتعجَّلُ الإثمَ والخِزيَ، ويفوتُه عِزُّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطَّاعةِ، وقد يتمكَّنُ مِن التوبة بعد ذلك، وقد يعاجلُه الموتُ بغتةً، فهو كجائعٍ أكلَ طعامًا مسمومًا لدَفعِ جُوعِه الحاضرِ، ورجا أن يتخلَّصَ مِن ضَرَرِه بشُربِ الدِّرياقِ بعدَه، وهذا لا يفعَلُه إلَّا جاهِلٌ [1372] يُنظر: ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 334). !

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قَولِ اللهِ تعالى: فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ إنْ قيلَ: الأنعُمُ جَمعُ قِلَّةٍ، فكأنَّ تلك القَريةَ كَفَرَت بأنواعٍ قَليلةٍ مِن نِعَمِ اللهِ، فعَذَّبَها اللهُ تعالى، فلِمَ لم يَقُلْ تعالى: (كَفَروا بنِعَمٍ عَظيمةٍ فاستوجبوا العَذابَ)؟
أجيب: بأنَّ المَقصودَ التَّنبيهُ بالأدنى على الأعلى؛ فإنَّ كُفرانَ النِّعَمِ القَليلةِ لَمَّا أوجَبَ العَذابَ، فبِكُفرانِ النِّعَمِ الكثيرةِ أَولى [1373] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/279)، ((تفسير أبي حيان)) (6/603)، ((تفسير الشربيني)) (2/265). .
 وقيل: إنَّ الله سُبحانَه نبَّه على سعةِ فضلِه بجمعِ القِلَّةِ الدالِّ على أنَّ كثرةَ فضلِه عليهم تافهةٌ بالنسبةِ إلى ما عندَه سُبحانَه وتعالى [1374] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/264). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ تعليقُ ذلك بالشَّرطِ؛ للبَعثِ على الامتِثالِ، لإظهارِ صِدقِ إيمانِهم [1375] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/309). .
3- في قَولِه تعالى: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ تحريمُ لحمِ الخنزيرِ، ويُلْحَقُ بذلك شَحْمُه؛ لأنَّ اللَّحمَ عندَ الإطلاقِ يعمُّ جميعَ أجزائِه حتَّى الشَّحْم، وهذا هو المفهومُ مِن لغةِ العربِ، ومِن العرفِ المطَّردِ، أمَّا لو قيل: لحمٌ وشَحْمٌ؛ فإنه يُفَرَّقُ بينهما، فإذا قيل: لحمُ الإبلِ، أو لحمُ الضَّأنِ، أو لحمُ البقرِ، أو لحمُ الخِنزيرِ؛ صار شامِلًا للجَميعِ [1376] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/16)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/47). ونقَل غيرُ واحدٍ الإجماعَ على حرمةِ شحمِ الخنزيرِ. يُنظر: ((مراتب الإجماع)) لابن حزم (ص: 23)، ((الإقناع)) لابن القطان (1/109). .
4- في قَولِه تعالى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ تعظيمُ أمرِ الشِّركِ، وبيانُ خطورته؛ فإنَّه يؤثِّرُ حتى على المأكولاتِ [1377] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/47). .
5- قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يدخُلُ في هذا كُلُّ مَن ابتدَعَ بِدعةً ليس له فيها مُستنَدٌ شَرعيٌّ، أو حلَّل شيئًا ممَّا حرَّم اللهُ، أو حرَّم شيئًا ممَّا أباح اللهُ بمجرَّدِ رأيِه وتَشهِّيه [1378] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/609). .
6- يجِبُ أن نَعرِفَ أنَّ مَنْعَ العِبادِ مِمَّا لم يَدُلَّ الشَّرعُ على مَنْعِه، كالتَّرخيصِ لهم فيما دَلَّ الشَّرعُ على مَنعِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى جعَلَهَما سواءً، فقال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، بل قد يقولُ قائِلٌ: إنَّ تَحريمَ الحَلالِ أشَدُّ مِن تَحليلِ الحرامِ؛ لأنَّ الأصلَ الحِلُّ، واللهُ عزَّ وجَلَّ يُحبُّ التَّيسيرَ لعِبادِه [1379] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (1/37). .
7- أنَّ الأمرَ إلى اللهِ تعالى تحليلًا وتَحريمًا، وليس إلينا، ولا لأحدٍ مِن النَّاسِ، بل هو إلى اللهِ ورَسولِه؛ قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [1380] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/463). .
8- أنكَرَ تعالى على مَن نسَبَ إلى دِينِه تَحليلَ شَيءٍ أو تَحريمَه مِن عِندِه بِلا بُرهانٍ مِن اللهِ، فقال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فكيف بمن نسَبَ إلى أوصافِه سُبحانَه وتعالى ما لم يَصِفْ به نَفسَه؟! أو نفى عنه منها ما وصَفَ به نَفسَه [1381] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/378). ؟!
9- قال اللهُ تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَمَّا كان تَحليلُهم وتَحريمُهم قولًا فارِغًا ليس له حَقيقةٌ أصلًا؛ لأنَّه لا دليلَ عليه؛ عبَّرَ عنه بأنَّه وَصفٌ باللِّسانِ لا يَستَحِقُّ أن يَدخُلَ إلى القَلبِ [1382] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/269). .
10- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ لَمَّا كان المُفتَري يَفتَري لتَحصيلِ مَطلوبٍ، نفى اللهُ تعالى عنه الفَلاحَ؛ لأنَّه الفوزُ بالخيرِ والنَّجاحِ [1383] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/243). .
11- قَولُ اللهِ تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ليس المعنى أنَّه يَغفِرُ لِمَن يَعمَلُ السُّوءَ بجَهالةٍ، ولا يَغفِرُ لِمَن عَمِلَه بغيرِ جَهالةٍ، بل المرادُ أنَّ جَميعَ مَن تاب فهذا سَبيلُه، وإنَّما خُصَّ مَن يَعمَلُ السُّوءَ بجَهالةٍ؛ لأنَّ أكثَرَ مَن يأتي الذُّنوبَ يأتيها بقِلَّةِ فِكرٍ في عاقبةٍ، أو عندَ غَلَبةِ شَهوةٍ، أو في جَهالةِ شَبابٍ، فذُكِرَ الأكثَرُ على عادةِ العَرَب في مثلِ ذلك [1384] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/609). .
12- قَولُ اللهِ تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ويدخلُ في هذا الحكمِ مَن عمِل حرامًا مِن المسلمينَ جاهلًا بأنَّه حرامٌ، وكان غيرَ مقصِّرٍ في جهلِه [1385] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/314). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
- قولُه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فيه التَّعبيرُ عن ضَربِ المثَلِ الواقعِ في حالِ نُزولِ الآيةِ بصِيغةِ الماضي ضَرَبَ-، على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ-؛ للتَّشويقِ إلى الإصْغاءِ إليه، وهو مِن استِعْمالِ الماضي في الحالِ لِتَحقيقِ وُقوعِه، مثلُ قولِه: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1]، أو لِتَقريبِ زمَنِ الماضي مِن زمَنِ الحالِ، مثلُ: قد قامَتِ الصَّلاةُ. ويَجوزُ أن يَكونَ ضَرَبَ مُستعمَلًا في مَعنى الطَّلبِ والأمرِ، أي: اضْرِبْ يا محمَّدُ لقَومِك مثَلًا قريةً إلى آخِرِه، وإنَّما صِيغَ في صيغةِ الخبَرِ تَوسُّلًا إلى إسنادِه إلى اللهِ؛ تَشريفًا له، وتنويهًا به [1386] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/304). .
- قولُه: قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ جعَل المثَلَ قريةً موصوفةً بصِفاتٍ تُبيِّنُ حالَها المقصودَ مِن التَّمثيلِ، فاستَغْنى عن تَعيينِ القَريةِ، والنُّكتةُ في ذلك أن يَصلُحَ هذا المثَلُ للتَّعريضِ بالمشرِكينَ باحتِمالِ أن تَكونَ القريةُ قريَتَهم- مكَّةَ- بأنْ جعَلَهم مثَلًا للنَّاسِ مِن بَعدِهم [1387] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/304). .
- وفي قولِه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً تأخيرُ قريةٍ مع كونِها مفعولًا أوَّلَ؛ لِئَلَّا يَحولَ المفعولُ الثَّاني بينَها وبينَ صِفَتِها وما يتَرتَّبُ عليها؛ إذِ التَّأخيرُ عن الكلِّ مُخِلٌّ بتَجاذُبِ أطرافِ النَّظْمِ وتَجاوُبِها، ولأنَّ تأخيرَ ما حقُّه التَّقديمُ ممَّا يورِثُ النَّفسَ تَرقُّبًا لِوُرودِه، وتَشوُّقًا إليه لا سيَّما إذا كان في المقدَّمِ ما يَدْعو إليه؛ فإنَّ المثَلَ ممَّا يَدْعو إلى المُحافَظةِ على تَفاصيلِ أحوالِ ما هو مثَلٌ، فيتَمكَّنُ المؤخَّرُ عندَ وُرودِه لدَيْها فَضْلَ تَمكُّنٍ [1388] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/144). .
- وقَدَّمَ الأمْنَ على الطُّمَأنينةِ في قولِه: آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً؛ إذ لا تَحصُلُ الطُّمَأنينةُ بدُونِه، كما أنَّ الخَوفَ يُسَبِّبُ الانزِعاجَ والقَلَقَ [1389] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/305). .
- وفي قولِه: يَأْتِيهَا رِزْقُهَا غيَّر سَبْكَها عن الصِّفةِ الأُولى آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً؛ لأنَّ إتيانَ رِزقِها متجدِّدٌ، وكونَها آمِنةً مطمئنَّةً ثابتٌ مستمرٌّ [1390] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/145). .
- قولُه: فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ: فيه اقتِرانُ فِعلِ (كَفَرَتْ) بفاءِ التَّعقيبِ بعدَ أنْ كانَت آمِنةً مُطمئنَّةً باعتبارِ حصولِ الكفرِ عَقِبَ النِّعمِ الَّتي كانوا فيها حينَ طرَأ عليهم الكُفرُ؛ وذلك عِندَ بَعثةِ الرَّسولِ إليهم، وهذا على القولِ بأنَّ القريةَ هي مكةُ. وأمَّا قَرْنُ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ بفاءِ التَّعقيبِ، فهو تَعقيبٌ عُرْفيٌّ في مِثلِ ذلك [1391] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/306). . وقيل: لما كانت السعةُ تجرُّ إلى البطرِ غالبًا، نبَّه تعالى لهم ذلك بالفاءِ، فقال تعالى: فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [1392] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/264). .
- في قَولِه: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ شَبَّهَ ما يُدرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بما يُدرَكُ مِن طَعمِ المُرِّ، وأمَّا اللِّباسُ فقد شُبِّهَ به- لاشتمالِه على اللَّابِسِ- ما غَشِيَ الإنسانَ، والتبَسَ به مِن بَعضِ الحَوادِثِ، وأمَّا إيقاعُ الإذاقةِ على لِباسِ الجُوعِ والخَوفِ؛ فلأنَّه لَمَّا وقعَ عِبارةً عَمَّا يغشَى منهما ويُلابسُ، فكأنَّه قيل: فأذاقهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوفِ [1393] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/638)، ((تفسير أبي حيان)) (6/604)، ((تفسير أبي السعود)) (5/145). .
- وقولُه: الْجُوعِ وَالْخَوْفِ مُقابَلٌ بما تقدَّم مِن ذِكْرِ الأمنِ وإتيانِ الرِّزقِ، فقابَلَهما بالجوعِ النَّاشئِ عن انْقِطاعِ الرِّزقِ وبالخَوفِ، وقدَّم الجوعَ؛ لِيَلِيَ المتأخِّرَ وهو إتيانُ الرِّزقِ [1394] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/604). .
- قولُه: بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ في صيغةِ (الصُّنعِ) إيذانٌ بأنَّ كُفْرانَ النِّعمةِ صار صَنْعةً راسِخةً لهم، وسُنَّةً مَسلوكةً [1395] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/145). .
2- قَولُه تعالى: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
- قولُه: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا... مفرَّعٌ على نَتيجةِ التَّمثيلِ، وصَدٌّ لهم عمَّا يؤدِّي إلى مِثلِ عاقِبتِه، أي: وإذْ قد استَبان لكُم حال مَن كفَر بأنعُمِ اللهِ، وكذَّب رسولَه، وما حلَّ بهم بسَببِ ذلك مِن اللُّتَيَّا والَّتي أوَّلًا وآخِرًا؛ فانْتهُوا عمَّا أنتم عليه مِن كُفرانِ النِّعَمِ، وتَكْذيبِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كَيْ لا يَحُلَّ بكُم مِثلُ ما حَلَّ بهم، واعْرِفوا حقَّ نِعَمِ اللهِ تعالى، وأطيعوا رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمرِه ونهيِه، وكُلوا مِن رزقِ اللهِ حالَ كونِه حَلَالًا طَيِّبًا [1396] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/146). .
- قولُه: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ فيه إظهارُ اسمِ الجلالةِ، مع أنَّ مُقتَضى الظَّاهرِ الإضمارُ؛ لزيادةِ التَّذكيرِ، ولِتَكونَ جُملةُ هذا الأمرِ مُستقِلَّةً بدَلالتِها بحيث تَصِحُّ أن تَجرِيَ مَجْرى المثَلِ [1397] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/309). .
- وصرَّح هنا بالنِّعْمةِ؛ لِتَقدُّمِ ذِكْرِها مع مَن كفَر بها، ولم يَجِئْ ذلك في سورةِ (البقرةِ)، بل قال: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة: 172] لَمَّا لم يتَقدَّمْ ذلك [1398] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/297)، ((تفسير ابن عادل)) (12/177). .
3- قَولُه تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قَولُه تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ حصَرَ التَّحريمَ في هذه الأربعةِ؛ فإنَّها مُحرَّمةٌ في كلِّ مِلَّةٍ، لا تُباحُ بحالٍ، إلَّا عند الضَّرورةِ، وبدأ بالأخَفِّ تَحريمًا، ثمَّ بما هو أشَدُّ منه؛ فإنَّ تَحريمَ الميتةِ دونَ تَحريمِ الدَّمِ؛ فإنَّه أخبَثُ منها، ولحمُ الخِنزيرِ أخبَثُ منهما، وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ أخبثُ الأربعةِ [1399] يُنظر: ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (1/527). .
4- قَولُه تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
- قولُه: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ: وَصْفُ ألسِنَتِهم الكَذِبَ هو مِن فَصيحِ الكلامِ وبَليغِه، وهو مُبالَغةٌ في وَصْفِ كلامِهم بالكذبِ، حيث جعَل قولَهم كأنَّه عَينُ الكَذِبِ ومَحْضُه، فإذا نطَقَت به ألسِنتُهم فقد حلَّت الكذبَ بحِلْيَتِه وصوَّرَتْه بصورتِه، وكأنَّ حقيقةَ الكذبِ كانت مَجهولةً، وألسِنَتَهم تَصِفُها وتُعرِّفُها بكَلامِهم هذا، كقولِهم: (ووَجهُها يَصِفُ الجَمالَ، وعينُها تَصِفُ السِّحرَ) [1400] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/641)، ((تفسير البيضاوي)) (3/243)، ((تفسير أبي حيان)) (6/606)، ((تفسير أبي السعود)) (5/147). .
- وفي قولِه: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ عاد الخِطابُ إلى المشرِكين بقَرينةِ قولِه: لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ؛ فالجملةُ معطوفةٌ على جملةِ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً... الآية، وفيه تَعريضٌ بتَحذيرِ المسلِمين؛ لأنَّهم كانوا قَريبي عَهْدٍ بجاهليَّةٍ، فرُبَّما بَقِيَت في نُفوسِ بعضِهم كَراهيَّةُ أكْلِ ما كانوا يتَعفَّفون عن أكلِه في الجاهليَّةِ [1401] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/310). .
5- قَولُه تعالى: مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ استئنافٌ بيانيٌّ في صورةِ جوابٍ عمَّا يَجيشُ بِخاطِرِ سائلٍ يَسأَلُ عن عدَمِ فَلاحِهم مع مُشاهَدةِ كثيرٍ مِنهم في حالةٍ مِن الفَلاحِ، فأُجيبَ بأنَّ ذلك مَتاعٌ، أي: نفعٌ مُوقَّتٌ زائلٌ، ولهم بعدَه عذابٌ أليمٌ [1402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/312). .
- قولُه: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فيه تقديمُ لَهُمْ؛ للاهتمامِ؛ زِيادةً في التَّحذيرِ، وجيءَ بلامِ الاستحقاقِ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ العذابَ خصَّهم لأجْلِ افتِرائِهم [1403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/312). .
6- قَولُه تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
- قولُه: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا فيه تقديمُ المجرورِ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا؛ للاهتمامِ، وللإشارةِ إلى أنَّ ذلك حَرُم عليهم ابتِداءً، ولم يَكُنْ مُحرَّمًا مِن شريعةِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، الَّتي كان عليها سلَفُهم، كما قال تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران: 93]، أي: علَيهم دونَ غَيرِهم؛ فلا تَحسَبوا أنَّ ذلك مِن الحَنيفيَّةِ [1404] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/312- 313). .
7- قَولُه تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
- في قولِه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ وقَع الإقبالُ بالخطابِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيماءً إلى أنَّ تلك المغفِرةَ مِن برَكاتِ الدِّينِ الذي أُرسِل به [1405] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/312). .
- وثُمَّ للتَّرتيبِ الرُّتْبيِّ؛ لأنَّ الجملةَ المعطوفةَ بـ (ثُمَّ) تضمَّنَت حُكمَ التَّوبةِ وأنَّ المغفِرةَ والرَّحمةَ مِن آثارِها، وذلك أهَمُّ عِندَ المخاطَبينَ ممَّا سبَق مِن وعيدٍ [1406] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/312). .
- قولُه: ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أي: مِن بعدِ ما عَمِلوا ما عَمِلوا، والتَّصريحُ به معَ دَلالةِ (ثُمَّ) عليه للتَّأكيدِ والمبالَغةِ [1407] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/148). .
- قولُه: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ فيه تَكْريرُ قولِه: إِنَّ رَبَّكَ؛ لِتَأكيدِ الوَعدِ، وإظهارِ كَمالِ العِنايةِ بإنجازِه [1408] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/148). ؛ وهو تأكيدٌ لفظيٌّ لقولِه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ؛ لزيادةِ الاهْتِمامِ بالخبَرِ على الاهتِمامِ الحاصِلِ بحَرفِ التَّوكيدِ ولامِ الابْتِداءِ، وليتَّصِلَ خبَرُ إنَّ باسْمِها؛ لِبُعدِ ما بينَهما [1409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/314). .
- والتَّعرُّضُ لوَصفِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضَميرِ النبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في قوله: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ مع ظهورِ الأثرِ في التَّائِبين؛ للإيماءِ إلى أنَّ إفاضةَ آثارِ الرُّبوبيَّةِ مِن المغفرةِ والرَّحمةِ عليهم بسَببِ كونِه الواسطةَ في تبليغِ شَريعةِ الله تعالى، وكَونِهم مِن أتْباعِه صلَّى الله عليه وسلَّم [1410] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/148). .
- قولُه: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وقَع الخبرُ بوَصفِ اللهِ تعالى بصفةِ المبالَغةِ في المغفرةِ والرَّحمةِ، وهو كِنايَةٌ عن غُفرانِه لهم ورَحمتِه إيَّاهم في ضِمْنِ وصفِ اللهِ بهاتَينِ الصِّفتَينِ العَظيمتينِ [1411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/314). .