موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيتان (59-60)

ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ

المعنى الإجمالي:


يأمُرُ اللهُ تعالى رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ للمُشرِكينَ: أخبِروني عن هذا الرِّزقِ الذي خلَقَه اللهُ لكم، فأحللتُم بعضَ ذلك لأنفُسِكم، وحرَّمتُم بَعضَه، قلْ لهم: هل اللهُ أباح لكم تحليلَ ما أحلَلْتُم، وتحريمَ ما حرَّمتُم، أم أنَّكم تَختَلِقونَ عليه الكَذِبَ؟!
ثمَّ توعَّدَهم سبحانَه بسوءِ المَصيرِ على جُرأتِهم وكَذِبِهم، فقال: وما يظُنُّ هؤلاءِ الذينَ يتخَرَّصونَ على اللهِ الكَذِبَ، أنَّ اللهَ فاعِلٌ بهم يومَ القيامةِ بكَذِبِهم وفِريَتِهم عليه؟! أيحسَبونَ أنَّه سيتركُهم بدونِ عِقابٍ؟ كلَّا، إنَّ عقابَهم لَشديدٌ بسبب افترائِهم عليه الكَذِبَ، إنَّ اللهَ لذو فَضلٍ على خَلْقِه بنِعَمِه الكثيرةِ، والتي منها تسخيرُه نِعَمَ الدُّنيا لهم، وإمهالُه العاصينَ وعدمُ مُعاجَلتِهم بالعقوبةِ، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكرونَ اللهَ على تفَضُّلِه عليهم بذلك.

تفسير الآيتين:


قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ (59).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الدَّلائِلَ الكثيرةَ على صِحَّةِ نبُوَّةِ نَفسِه، وبيَّنَ فسادَ سؤالاتِهم وشُبُهاتِهم في إنكارِها- أتبَعَ ذلك ببيانِ فَسادِ طَريقتِهم في شرائِعِهم وأحكامِهم، وبيَّنَ أنَّ التَّمييزَ بين هذه الأشياءِ بالحِلِّ والحُرمةِ- مع أنَّه لم يشهَدْ بذلك لا عَقلٌ ولا نَقلٌ- طريقٌ باطِلٌ، ومَنهجٌ فاسِدٌ، والمقصودُ إبطالُ مذاهِبِ القومِ في أديانِهم وفي أحكامِهم، وأنَّهم ليسُوا على شيءٍ في بابٍ مِن الأبوابِ [772] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/271). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى قولَه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس: 57]، وكان المرادُ بذلك كتابَ اللهِ المُشتَمِلَ على التَّحليلِ والتَّحريمِ- بَيَّنَ فسادَ شَرائِعِهم وأحكامِهم من الحلالِ والحرامِ مِن غَيرِ مُستنَدٍ في ذلك إلى وَحيٍ [773] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/77). .
وأيضًا فهذا الكلامُ وقَع عقبَ ما تقدَّم مِن تكذيبِهم بالقرآنِ، وادعائِهم أنَّه مفترى، وأنَّه ليس بحقٍّ، ثم إبطالِ أن يكونَ القرآنُ مفترًى على الله؛ لأنَّه اشتَمل على تفصيلِ الشريعةِ، وتصديقِ الكتبِ السالفةِ، ولأنَّه أعجزَ مكذِّبيه عن معارضتِه، فلما استوفَى ذلك بأوضحِ حجَّةٍ، وبانَتْ لقاصدِ الاهتداءِ المحجةُ، لا جرَمَ دالت النوبةُ إلى إظهارِ خَطلِ عقولِهم، واختلالِ تكذيبِهم [774] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/207-208). .
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أخبِروني عن الرِّزقِ الذي خَلَقَه اللهُ لكم، فجعَلْتُم بعضَه حرامًا عليكم، وبَعضَه حلالًا لكم [775] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/201)، ((البسيط)) للواحدي (11/235، 236)، ((تفسير ابن عطية)) (3/127)، ((تفسير القرطبي)) (8/57)، ((تفسير ابن كثير)) (4/275)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367). ومعنى إنزالِ الرزق: كونُه مقَدَّرًا في السماءِ، محصَّلٌ هو أو ما يتوقَّفُ عليه وجودًا أو بقاءً بأسبابٍ سَماويَّةٍ، كالمطرِ الذي ينزلُ من جهةِ العلوِّ. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/156)، ((تفسير الشوكاني)) (2/517)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/209). .
قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: آللَّهُ أذِنَ لكم بأن تُحَرِّموا ما حرَّمتُم، وتُحِلُّوا ما أحلَلْتُم، أم أنَّكم تَكذِبونَ على اللهِ في ذلك [776] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/201)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/227)، ((تفسير أبي السعود)) (4/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367). قال أبو حيان: (والظَّاهرُ أنَّ «أم» مُتَّصلةٌ، والمعنَى: أخْبِرونِي آللَّهُ أذِنَ لكم في التَّحليلِ والتحريمِ، فأنتم تفعلونَ ذلك بإذنِه، أم تكذبونَ على اللَّه في نسبةِ ذلك إليه؟ فنَبَّه بتوقيفِهم على أحدِ القسمينِ، وهم لا يمكنُهم ادِّعاءُ إذنِ اللَّه في ذلك فثَبَت افتراؤُهم. وقال الزمخشري: ويجوزُ أن تكونَ الهمزةُ للإنكارِ، و(أم) منقطعةٌ بمعنى (بل) أتفترونَ على الله تقريرًا للافتراءِ. انتهَى). ((تفسير أبي حيان)) (6/77)، ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/354). ؟! 
كما قال سُبحانه: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: 21].
وقال تبارك وتعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 116].
وقال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103].
وقال عزَّ وجلَّ: وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 138-139].
وقال جلَّ جلالُه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: 32].
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ (60).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان قد مضَى من أدلَّةِ المعادِ ما صَيَّرَه كالشَّمسِ، وكان افتراؤُهم قد ثبت بعَدَمِ قُدرتِهم على مُستنَدٍ بإذنِ اللهِ لهم في ذلك؛ قال مشيرًا إلى أنَّ القيامةَ ممَّا هو معلومٌ لا يَسوغُ إنكارُه [777] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/148). :
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أي: وما ظنُّ الذين يتقوَّلونَ على اللهِ الكَذِبَ أن يَحُلَّ بهم يومَ القيامةِ مِن النَّكالِ؟ أيحسَبونَ أنَّ اللهَ لا يُعاقِبُهم به [778] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/203)، ((البسيط)) للواحدي (11/237)، ((تفسير ابن كثير)) (4/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/210). ؟!
كما قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: 60].
إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ.
أي: إنَّ اللهَ لَصاحِبُ تفَضُّلٍ على النَّاسِ بنِعَمِه الكثيرةِ؛ ومنها: ما سخَّره لهم من نِعَم الدُّنيا وأباحه لهم، ومنها إمهالُ العاصِينَ، وعَدَمُ معاجَلتِهم بالعقوبةِ، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ اللهَ على ما تفضَّلَ به مِن نِعَمٍ، بل يستعينون بها على مَعصِيتِه، ويحرِّمون بَعضَها [779] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/204)، ((تفسير ابن عطية)) (3/127)، ((تفسير ابن كثير)) (4/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: 243].

الفوائد التربوية :


قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ فيه إنكارٌ على من حَرَّمَ ما أحَلَّ الله، أو أحَلَّ ما حرَّمَ، بمجَرَّدِ الآراءِ والأهواءِ التي لا مُستنَدَ لها، ولا دليلَ عليها [780] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/276). ، وكفَى بهذه الآيةِ زاجرةً زجْرًا بليغًا عن التَّجوُّزِ فيما يُسأَلُ عنه مِن الأحكامِ، وباعثًا على وُجوبِ الاحتياطِ فيه [781] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/354). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا عبَّرَ عن الخَلْقِ بالإنزالِ؛ تنبيهًا على أنَّه شَيءٌ لا يُمكِنُ للمُشرِكينَ ادِّعاؤه لأصنامِهم؛ لنزولِ أسبابِه من موضِعٍ لا تعلُّقَ لهم به بوجهٍ [782] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/148). .
الأصلُ في العباداتِ التَّوقيفُ، فلا يُشرَعُ منها إلَّا ما شَرَعه اللهُ تعالى، وإلَّا دخَلْنا في معنى قَولِه تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21]. والعاداتُ الأصلُ فيها العفوُ، فلا يُحظَرُ منها إلَّا ما حَرَّمَه، وإلَّا دَخَلْنا في معنى قَولِه تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا [783] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (29/17). .
قَولُ الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ فيه أنَّ كُلَّ ما خلقَه اللهُ تعالى للنَّاسِ، وسَخَّرَه من سائِرِ مَنافِعِ الكونِ، الأصلُ فيه الإباحةُ كالرِّزقِ، ويؤخَذُ من هذه الآيةِ بالفحوَى، وبناءِ المِنَّةِ فيه على كَونِه منه تعالى [784] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/337). .
في قَولِه تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ذَمٌّ لمَن دانَ بغير شرعِ اللهِ سبحانه [785] يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (4/198). .
الإذنُ المذكورُ في قَولِه تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ هو إِذْنٌ شرعيٌّ- وهو ما يأمرُ به سبحانَه ويَرضاه- وأمَّا الإذنُ الكَونيُّ، فهو كقولِه تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: 102] أي: بمَشيئَتِه وقدَرِه [786] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 282). .
إنَّ المشركين قد ارتكبوا في دينِهم بما يلزمُهم منه مماثلةُ الحالةِ التي أنكروها، فإنَّهم قد وضعوا دينًا، فجعلوا بعضَ أرزاقِهم حلالًا لهم، وبعضَها حرامًا عليهم، كما قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ فإن كان ذلك حقًّا بزعمِهم، فمَن الذي أبلَغهم تلك الشرائعَ عن الله، ولماذا تقبَّلوها عمَّن شرَعها لهم، ولم يكذِّبوه، وهم لا يستطيعون أن يلتزموا ذلك، وإن كان ذلك مِن تلقاءِ أنفسِهم فقد افتروا على الله، فلزِمهم ما ألصقوه بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فعلق بهم، وبرأ الله منه رسولَه، فهذا الاستدلالُ مِن الطريقِ المسمَّى بالقلبِ [787]  المعارضةُ على سبيلِ القلبِ: هي معارضةُ دليلِ المعللِ بعينِ دليلِه، وإيضاحُه أن يقولَ له: دليلُك هذا ينتجُ نقيضَ دعواك، فهو حجةٌ عليك لا لك، وسُمِّيت معارضةً بالقلبِ؛ لأنَّه قلَب عليه دليلَه بعينِه حجةً عليه لا له. يُنظر: ((آداب البحث والمناظرة)) للشنقيطي (ص: 77). في علمِ الجدلِ [788] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/207). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هذه الآيةُ وإن كانت في صُورةِ الاستعلامِ، إلَّا أنَّ المرادَ منها تعظيمُ وعيدِ مَن يَفتَري عليه تعالى [789] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/272). .
قولُ الله تعالى: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيه سؤالٌ: أنَّ هذا تهديدٌ، فكيف ناسَبَه قَولُه بعدُ: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ؟ الجواب: هو مُناسِبٌ لأنَّ مَعناه: إنَّ الله لذو فَضلٍ على النَّاسِ؛ حيث أنعمَ عليهم بالعَقلِ، وإرسالِ الرُّسُلِ، وتأخيرِ العذابِ، وفتحِ بابِ التَّوبةِ، أي: كيف تَفتَرونَ على اللهِ الكَذِبَ مع تضافُرِ نِعَمِه عليكم [790] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:249-250). ؟!

بلاغة الآيتين:


قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
قولُه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ، الاستفهامُ في أَرَأَيْتُمْ وآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ تقريريٌّ، باعتبارِ إلزامِهم بأحَدِ الأمْرَينِ؛ إمَّا أن يكونَ اللهُ أَذِن لهم، أو أنْ يَكونوا مُفتَرين على اللهِ، وقد شِيبَ التَّقريرُ في ذلك بالإنكارِ [791] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/208). .
وقُلْ الثَّاني تأكيدٌ لـ قُلْ الأوَّلِ، وهو معترِضٌ بينَ جملةِ الاستفهامِ الأولى وجملةِ الاستفهامِ الثَّانيةِ؛ لزيادةِ إشرافِ الأسماعِ عليه [792] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/354)، ((تفسير أبي حيان)) (6/77)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/208). .
قولُه: أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ و(أَمْ) متَّصِلةٌ، والاستفهامُ للتَّقريرِ والتَّبكيتِ؛ لتَحقُّقِ العلمِ بالشِّقِّ الأخيرِ قطعًا، كأنَّه قيل: أم لم يَأذَنْ لكم، بل تَفتَرون عليه سُبحانه؛ ويجوزُ أن يكون الاستفهام للإنكارِ، وأَمْ منقطِعةٌ، بمعنى: بَلْ أتَفْتَرون على اللهِ؛ تقريرًا للافتراءِ [793] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/354)، ((تفسير أبي السعود)) (4/156). .
وفيه: إظهارُ الاسمِ الجليلِ، وتقديمُه على الفعلِ تَفْتَرُونَ؛ للدَّلالةِ على كمالِ قُبحِ افترائِهم، وتأكيدًا للتَّبكيتِ إثْرَ تأكيدٍ، مع مُراعاةِ الفَواصلِ [794] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/156). .
واختيارُ الاستدلالِ عليهم بشيءٍ مِن تشريعِهم في خصوصِ أرزاقِهم في قولِه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا... يزيدُ هذا الاستدلالَ مناسبةً بآخرِ الكلامِ الذي قبلَه؛ ليظهرَ ما فيه مِن حسنِ التخلُّصِ إليه، وذلك أنَّ آخرَ الكلامِ المتقدِّم جملةُ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، أي: مِن أموالِهم، وتلك الأموالُ هي التي رزَقهم الله إيَّاها، فجعَلوا منها حلالًا، ومنها حرامًا، وكفَروا نعمةَ الله؛ إذ حرَّموا على أنفسِهم مِن طيِّباتِ ما أعطاهم ربُّهم، وحسبُهم بذلك شناعةً بهم ملصقةٌ، وأبوابًا مِن الخيرِ في وجوهِهم مغلقةٌ [795] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/207-208). .
قوله تعالى: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
قولُه: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ (ما) للاستفهامِ، وهذا الاستفهامُ مُستعمَلٌ هنا في التَّعجُّبِ مِن حالِهم، والمقصودُ به: التَّعريضُ بالمشرِكين؛ لِيَستَفيقوا مِن غَفلتِهم، ويُحاسِبوا أنفُسَهم [796] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/210). .
وأبْهمَ الأمرَ، أي: لم يُوضِّحْ جَزاءَهم، على سبيلِ التَّهديدِ والإيعادِ يومَ يكونُ الجزاءُ بالإحسانِ والإساءةِ [797] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/78). .
وأيضًا في قولِه: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ العدولُ عن مُقتَضى الظَّاهرِ إلى الإتيانِ بالموصولِ بالصِّلةِ المختصَّةِ بهم: الَّذِينَ يَفْتَرُونَ...- إذْ كان مُقتَضى الظَّاهرِ أن يُؤتى بضَميرِ (هُم) مُضافًا إليه الظَّنُّ، إمَّا ضميرَ خطابٍ أو غَيبةٍ، فيُقالَ: (وما ظَنُّكم) أو (وما ظنُّهم)؛ للتَّنبيهِ على أنَّ التَّرديدَ بين أن يَكونَ اللهُ أَذِن لهم فيما حرَّموه، وبين أن يَكونوا مُفتَرين عليه قد انحصَر في القسمِ الثَّاني، وهو كونُهم مُفتَرين؛ إذ لا مَساغَ لهم في ادِّعاءِ أنَّه أَذِن لهم، فإذا تعيَّن أنَّهم مُفتَرون، فقد صار الافتراءُ حالَهم المختصَّ بهم، وفي الموصولِ إيذانٌ بعِلَّةِ التَّعجُّبِ مِن ظنِّهم بأنفُسِهم يومَ القيامةِ [798] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/210). .
قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ تذييلٌ للكلامِ المفتتَحِ بقولِه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس: 57]، وفيه قطعٌ لِعُذرِ المشركين، وتَسجيلٌ عليهم بالتَّمرُّدِ بأنَّ اللهَ تفضَّل عليهم بالرِّزقِ والموعظةِ والإرشادِ، فقابَلوا ذلك بالكفرِ دون الشُّكرِ، وجعَلوا رِزقَهم أنَّهم يُكذِّبون، في حينِ قابَله المؤمِنون بالفرَحِ والشُّكرِ فانتفَعوا به في الدُّنيا والآخرةِ [799] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/211). ، مع ما فيه من التَّأكيدِ بـ(إنَّ) واللَّامِ واسْميَّةِ الجملةِ.
وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث قال اللهُ تعالى هنا: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ، وكذلك في سورةِ النَّملِ قال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [النمل: 73]، وأمَّا في البقرةِ ويوسُفَ وغافرٍ، فقال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: 243، يوسف: 38، غافر: 61]، ووجهُ ذلك: أنَّ في سورةِ يونُسَ تقدَّم قولُه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [يونس: 55] فوافَقه، وفي غيرِها جاء بلفظِ الصَّريحِ [800] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:141). ، وأيضًا لأنَّ آيةَ غافرٍ لَمَّا تقدَّمها قولُه تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: 57]، ومقصودُ هذه الآيةِ تحريكُ الخلقِ للاعتبارِ، والتَّذكيرُ بما نصَب سبحانه مِن الدَّلائلِ والآياتِ؛ فاقتَضى ذلك تَكْرارَ الظَّاهرِ، كما في آيةِ التَّذكيرِ والتَّنبيهِ، ثمَّ جيءَ بعدَ هذا بقولِه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ؛ فنُوسِبَ بينَ هذا وبينَ ما تقدَّم؛ لِتَجيءَ هذه الآياتُ على مِنهاجٍ واحدٍ مِن التَّذكيرِ، فاقتضَتِ الثَّانيةُ تَكْريرَ الظَّاهرِ. وأمَّا آيةُ يونُسَ فإنَّما تقَدَّمها تأنيسٌ بقولِه تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا... الآيةَ [يونس: 58] ، ثمَّ رجَع الكلامُ إلى تَعنيفِ الكُفَّارِ في تَحْكيمِهم، فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: 59]، ثمَّ قال: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ، ولم يتَقدَّمْ تَكريرٌ يُطلَبُ بمُناسَبةٍ؛ فلِذلك ورَد الكلامُ على ما هو الأصلُ مِن الإتيانِ بالضَّميرِ؛ لِيَحصُلَ به ربطُ الكلامِ، فجاء كلٌّ مِن الموضِعَينِ على ما يَقتَضيه ما قَبلَه؛ رَعيًا لِتَناسُبِ الكلامِ [801] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/246). .