موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (61-64)

ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ

غريب الكلمات:


تُفِيضُونَ: أي: تأخُذونَ فيه، وتَخوضونَ، وأصلُ (فيض): يدلُّ على جَرَيانِ الشَّيءِ بسُهولةٍ [802] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 197)، ((تفسير ابن جرير)) (21/118)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 162)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/465)، ((المفردات)) للراغب (ص: 648). .
يَعْزُبُ: أي: يَبعُدُ ويَغيبُ، وأصلُ (عزب): يدلُّ على تباعُدٍ وتنَحٍّ [803] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 197، 353)، ((تفسير ابن جرير)) (12/208)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/310)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 342). .
مِثْقَالِ ذَرَّةٍ: أي: زنةِ نملةٍ صغيرةٍ، يقالُ: هذا على مثقالِ هذا أي: على وزنِ هذا، وأصلُ (ثقل): ضدُّ الخفةِ، والذَّرَّةُ هي أصغرُ النَّملِ، وتُطلقُ كذلك على ما لا وزنَ لها، وما يرفعُه الريحُ مِن الترابِ، وأجزاءِ الهواءِ في الكوةِ [804] الكوةُ- بفتحِ الكافِ وضمِّها- : الخرقُ في الحائطِ ونحوِه. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (39/425). ، وأصلُ (ذَرَّ): يَدُلُّ على لَطافَةٍ وانتشارٍ [805] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 127)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 455)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/382)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 167)، ، ((تاج العروس)) للزبيدي (28/157). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
مِنْ مِثْقَالِ: فاعلٌ لـ يَعْزُبُ مرفوعٌ محلًّا، مجرورٌ لَفظًا، و (مِنْ) حرفُ صِلةٍ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ (ولا): الواوُ عاطفةٌ. (لا) زائدةٌ؛ لتأكيدِ النفيِ. (أصغَرَ وأكبرَ) مجرورانِ عطفًا على لفظِ مِثْقَالِ، أو علىذَرَّةٍ، وجرُّهما بالفتحةِ نيابةً عن الكسرةِ؛ لأنَّهما ممنوعانِ مِن الصَّرفِ؛ للوَصفيَّةِ ووَزنِ الفِعلِ. وإِلَّا فِي كِتَابٍ: أي: إلَّا هو في كتابٍ، والاستثناءُ مُنقطِعٌ. وقيل: (لا) فيهما نافيةٌ للجنسِ و (أصغر) و(أكبر) اسماها، فهما مَبْنيانِ على الفتحِ. ويوقَفُ على فِي السَّمَاءِ ومَا بعْدهَا مُسْتَأْنف ليس معطوفًا على ما قبلَه. وإِلَّا فِي كِتَابٍ (إلَّا) أداةُ حصرٍ، و (فِي كِتَابٍ) متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبر (لا) النافيةِ للجنسِ.
وقُرِئ: وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ بالرفعِ فيهما عطفًا على محلِّ مِثْقَالِ؛ لأنَّه في موضعِ رفعٍ بـ يَعْزُبُ. أو هو مبتدأٌ، و (في كتاب) متعلقٌ بمحذوفٍ خبرٌ له [806] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/348)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/679)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/230)، ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: 317). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: وما تكونُ- يا مُحمَّدُ- في أيِّ عملٍ من الأعمالِ، وما تتلو من سورةٍ من القُرآنِ، ولا تعملونَ- أيُّها النَّاسُ- عملًا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، صغيرًا أو كبيرًا، إلَّا واللهُ مطَّلِعٌ عليكم، حين تأخُذونَ فيه وتَعمَلونَه، فنَحفَظُه عليكم ونَجزيكم به، وما يغيبُ عن ربِّك- يا مُحمَّدُ- مِن زِنةِ نَملةٍ صَغيرةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصغَرِ الأشياءِ ولا أكبَرِها، إلَّا وهو في لوحٍ مَحفوظٍ مكتوبٍ فيه كلُّ شَيءٍ، ألَا إنَّ مَن تولَّاهم اللهُ تعالى بنَصرِه ومحَبَّتِه ورعايتِه، لا خوفٌ عليهم ممَّا يَستَقبِلونَه، ولا هم يَحزنونَ على ما فاتهم، وهؤلاء الأولياءُ هم الذين آمنوا بما وجبَ عليهم الإيمانُ به، وكانوا يتَّقونَ اللهَ بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نواهيه، فلهؤلاءِ الأولياءِ البُشرى مِن اللهِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ بما يَسُرُّهم، لا تغييرَ لِقَولِ اللهِ، ولا خُلْفَ لوَعدِه، ذلك هو الفوزُ العظيمُ.

تفسير الآيات:


وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا أطال اللهُ تعالى الكلامَ في أمرِ الرَّسولِ، بإيرادِ الدَّلائلِ على فسادِ مذاهِبِ الكفَّارِ، وفي أمْرِه بإيرادِ الجَوابِ عن شُبُهاتِهم، وفي أمرِه بتحَمُّلِ أذاهم، وبالرِّفقِ معهم- ذكَرَ هذا الكلامَ ليحصُلَ به تمامُ السَّلوةِ والسُّرورِ للمُطيعينَ، وتمامُ الخوفِ والفَزَع للمُذنبينَ، وهو كونُه سُبحانَه عالِمًا بعمَلِ كُلِّ واحدٍ، وبما في قَلْبِه من الدَّواعي والصَّوارف؛ فإنَّ الإنسانَ ربَّما أظهَرَ مِن نفسِه نُسُكًا وطاعةً، وزُهدًا وتقوى، ويكونُ باطِنُه مملوءًا من الخَبَث، وربما كان بالعَكسِ مِن ذلك، فإذا كان الحَقُّ سُبحانَه عالِمًا بما في البواطِنِ، كان ذلك من أعظَمِ أنواعِ السُّرورِ للمُطيعينَ، ومن أعظَمِ أنواعِ التَّهديدِ للمُذنِبينَ [807] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/272). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ الله تعالى جُملةً مِن أحوالِ الكُفَّارِ ومذاهِبِهم، والرَّدَّ عليهم، ومحاورةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم، وذكَرَ فَضْلَه تعالى على النَّاسِ، وأنَّ أكثَرَهم لا يشكُرُه على فَضلِه- ذكَرَ تعالى اطِّلاعَه على أحوالِهم وحالِ الرَّسولِ معهم في مجاهَدتِه لهم، وتلاوةِ القرآنِ عليهم، وأنَّه تعالى عالمٌ بجميعِ أعمالِهم، واستطرَدَ من ذلك إلى ذِكرِ أولياءِ الله تعالى، ليُظهِرَ التفاوتَ بين الفريقينِ؛ فريقِ الشَّيطانِ وفَريقِ الرَّحمنِ [808] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/78). .
وأيضًا لَمَّا ذكَّرَ اللهُ تعالى عبادَه بفَضلِه، وما يجِبُ عليهم مِن شُكرِه، وبكونِ أكثَرِهم لا يَشكرونَه كما يجِبُ عليهم- عطفَ على ذلك تذكيرَه لهم بإحاطةِ عِلمِه بشُؤونِهم وأعمالِهم كُلِّها؛ صغيرِها وكبيرِها، جليلِها وحقيرِها، وبكُلِّ ما في العوالِمِ عُلويِّها وسُفليِّها؛ ليحاسِبُوا أنفُسَهم على تقصيرِهم في ذِكْرِه وشُكرِه وعبادتِه [809] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/338). .
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ.
أي: وما تكونُ- يا محمَّدُ [810] قال الواحدي: (الخطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأُمَّتُه داخلونَ في هذا الخطابِ؛ لأنَّ خِطابَ الرَّئيسِ خطابٌ له ولأتباعِه، يدلُّ على هذا قَولُه: وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ. ((الوسيط)) (2/552). وممَّن ذهَب إلى ذلك: ابنُ عطيةَ والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/127)، ((تفسير القرطبي)) (8/356). - في أيِّ عملٍ من الأعمالِ، وما تتلو من سورةٍ مِن القرآنِ، ولا تعملونَ- أيُّها النَّاسُ- مِن عَمَلٍ صغيرٍ أو كبيرٍ، من خيرٍ أو شَرٍّ، إلَّا واللهُ مطَّلِعٌ عليكم حين تأخذونَ فيه، وتَقومونَ به [811] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/204)، ((تفسير ابن كثير)) (4/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/211-213). اختلف المفسِّرون في الضَّميرِ في مِنْهُ إلى ماذا يعودُ؟ فقيل: يعودُ إلى القرآن. وممن ذهب إلى ذلك: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/204). وقيل: يعودُ إلى الشَّأنِ. وممَّن ذهب إلى ذلك: الزَّجَّاج، وابن عطية. يُنظر: ((معاني القرآن)) (3/26)، ((تفسير ابن عطية)) (3/127). وقيل: يعودُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. وممَّن ذهب إلى ذلك: الواحدي. يُنظر: ((الوسيط)) (2/552). قال الخازن: (اختلَفوا في الضَّميرِ في مِنْهُ إلى ماذا يعودُ؟ فقيل: يعودُ إلى الشأنِ؛ إذ تلاوةُ القرآنِ شأنٌ مِن شؤونِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل هو أعظَمُ شُؤونِه، فعلى هذا يكونُ داخلًا تحت قولِه تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ إلَّا أنَّه سبحانه وتعالى خصَّه بالذِّكرِ لِشَرَفِه وعلوِّ مَرتبتِه. وقيل: إنَّه راجعٌ إلى القرآنِ؛ لأنَّه قد تقَدَّمَ ذِكرُه في قولِه سُبحانه وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [يونس: 58]، فعلى هذا يكونُ المعنى: وما تتلو من القرآنِ مِن قرآنٍ، يعني: من سورةٍ وشَيءٍ منه؛ لأنَّ لفظَ القُرآنِ يُطلَقُ على جميعِه وعلى بَعضِه. وقيل: الضَّميرُ في مِنْهُ راجِعٌ إلى اللهِ تعالى، والمعنى: وما تتلو من اللهِ مِن قُرآنٍ نازلٍ عليك). ((تفسير الخازن)) (2/449). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/337)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/339). .
وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.
أي: وما يغيبُ عن رَبِّك- يا مُحمَّدُ- وزنُ نَملةٍ صَغيرةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصغَرَ مِن ذلك ولا أكبَرَ، فلا يخفَى عليه سبحانَه أصغرُ الأشياءِ، وإنْ خفَّ في الوزنِ كلَّ الخِفَّةِ، ولا أكبرُها وإنْ عَظُمَ وثَقُل وزنُه، وكلُّ ذلك في لوحٍ مَحفوظٍ، مكتوبٍ فيه كلُّ شَيءٍ [812] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/207، 208)، ((البسيط)) للواحدي (11/242)، ((تفسير ابن عطية)) (3/127، 128)، ((تفسير القرطبي)) (8/356، 357)، ((تفسير السعدي)) (ص: 368)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/214-215). قال ابنُ عاشورٍ: (والمرادُ بالأرضِ والسماءِ هنا العالمُ السفليُّ والعالمُ العلويُّ، والمقصودُ تعميمُ الجهاتِ والأبعادِ بأخصرِ عبارةٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (11/214). .
كما قال الله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59].
وقال سُبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود: 6].
وقال عزَّ وجلَّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: 70].
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لمَّا بيَّن سبحانه إحاطتَه بجميعِ الأشياءِ، وكان في ذلك تقويةٌ لقلوبِ المطيعين، وكسرٌ لقلوبِ العاصينَ؛ ذكَر حالَ المطيعينَ [813] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/519). ، فقال:
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
أي: ألَا إنَّ مَن تولَّاهم اللهُ تعالى بنَصرِه ومحبَّتِه ورعايَتِه، لا خوفٌ عليهم ممَّا يستَقبِلونَه، ولا هم يَحزَنونَ على ما مَضَى [814] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/208)، ((تفسير ابن عطية)) (3/128)، ((تفسير القرطبي)) (8/357)، ((تفسير ابن كثير)) (4/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 368)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/217، 218). .
ثمَّ ذكَر وصفَهم، فقال:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (63).
أي: هم الذين آمَنوا بما وجبَ عليهم الإيمانُ به، وصدَّقوا إيمانَهم بلزومِ تقوى اللهِ، بفِعلِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهيه [815] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/213)، ((تفسير السعدي)) (ص: 368)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/218). .
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64).
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ.
أي: لأولياءِ الله البُشرى من اللهِ في الحياةِ الدُّنيا- ومن ذلك ما وُعِدوا به من الخَيرِ في القرآنِ والسُّنَّةِ، ومن البِشاراتِ الرُّؤيا الصَّالحةُ، والثَّناءُ الحَسَنُ- ولهم البُشرى في الآخرةِ بدُخولِ الجنَّةِ [816] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/214)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/8)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/151، 152)، ((تفسير ابن كثير)) (4/281)، ((تفسير السعدي)) (ص: 368)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/219). قال ابن عطية: (أمَّا بُشرى الآخرةِ، فهي بالجنَّةِ. قولًا واحِدًا). ((تفسير ابن عطية)) (3/129). .
كما قال تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة: 21-22].
وقال سُبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: 30-31].
وقال عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 101 - 103].
وقال جلَّ جلالُه: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد: 12].
وعن البراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ مِن الآخرةِ، نزَل إليه ملائكةٌ مِن السماءِ بيضُ الوجوهِ، كأنَّ وجوهَهم الشمسُ، معهم كفنٌ مِن أكفانِ الجنةِ، وحنوطٌ [817] الحَنوطُ: ما يُخلَطُ مِن الطِّيبِ لأكفانِ الموتى وأجسادِهم. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (3/1176). مِن حنوطِ الجنةِ، حتى يجلسوا منه مدَّ البصرِ، ثم يجيءُ ملكُ الموت عليه السَّلام حتى يجلسَ عندَ رأسِه، فيقول: أيَّتُها النفسُ الطيبةُ، اخرُجي إلى مغفرةٍ مِن الله ورضوانٍ، فتخرج تسيلُ كما تسيلُ القطرةُ من فِي السِّقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرفةَ عينٍ حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفنِ، وفي ذلك الحنوطِ، ويخرج منها كأطيبِ نفحةِ [818] النَّفحةُ: المرَّةُ مِن نَفحِ الطِّيبِ، أي: رائحَتِه. يُنظر: ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/325). مسكٍ وُجِدت على وجهِ الأرضِ، فيصعدون بها، فلا يمرُّون - يعني بها - على ملإٍ من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الطيبُ؟! فيقولون: فلانُ بنُ فلانٍ، بأحسنِ أسمائِه التي كانوا يسمُّونه بها في الدُّنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماءِ الدنيا، فيستفتحون له، فيُفتح لهم، فيشيِّعُه من كلِّ سماءٍ مقرَّبوها إلى السماءِ التي تليها، حتى يُنتهَى به إلى السماءِ السابعةِ، فيقول الله عزَّ وجلَّ: اكتبوا كتابَ عبدي في عِلِّيين [819]  عِلِّيِّينَ: هو دِيوانُ المُقَرَّبينَ. يُنظر: ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/326). ، وأعيدوه إلى الأرضِ، فإنِّي منها خلقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارةً أخرَى، فتُعاد روحُه في جسدِه، فيأتيه ملَكانِ، فيُجلسانِه، فيقولانِ له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: ديني الإسلامُ، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيقولان له: وما علمُك؟ فيقولُ: قرأتُ كتابَ الله، فآمنتُ به، وصدَّقت، فينادي منادٍ في السماءِ: أن صدَق عبدي، فأفْرِشوه مِن الجنة، وألْبِسوه مِن الجنةِ، وافتحوا له بابًا إلى الجنةِ، فيأتيه من رَوْحها [820]  مِن رَوْحِها- بفتح الراء- : أي: مِن نَسيمِها. يُنظر: ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/327). ، وطِيبها، ويُفسحُ له في قبرِه مدَّ بصرِه، ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ، حسنُ الثيابِ، طيِّبُ الرِّيحِ، فيقول: أبْشِرْ بالذي يَسرُّك، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعَدُ، فيقولُ له: مَن أنت؟ فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالخيرِ، فيقولُ: أنا عملُك الصالحُ، فيقول: ربِّ أقمِ الساعةَ حتى أرجعَ إلى أهلِي ومالِي)) [821] أخرجه أحمد (18534)، والطيالسي (789)، والحاكم (107). صحَّح إسناده الطبري في ((مسند عمر)) (2/494)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1/300)، وقال ابنُ منده في ((الإيمان)) (398): إسنادُه متَّصلٌ مشهورٌ ثابتٌ على رسمِ الجماعةِ، وحسَّنه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/280). .
وعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهِ عنه، قال: ((قيل لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرأيتَ الرَّجُلَ يعمَلُ العمَلَ مِن الخَيرِ، ويَحمَدُه النَّاسُ عليه؟ قال: تلك عاجِلُ بُشرى المؤمِنِ) ) [822] رواه مسلم (2642). .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم يَبْقَ من النُّبُوَّةِ إلا المُبَشِّراتُ، قالوا : وما المُبَشِّراتُ ؟ قال : الرؤيا الصالحةُ )) [823] رواه البخاري (6990). .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناسُ، إنه لم يبقَ من مبشراتِ النبوةِ إلا الرؤيا الصالحةُ، يراها المسلمُ، أو تُرى له) ) [824] رواه مسلم (479). .
لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ.
لا خُلْفَ لوعدِ الله؛ فما وعَد الله فهو حقٌّ، لا يمكنُ تغييرُه ولا تبديلُه، وهو كائنٌ لا محالةَ [825] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/225)، ((تفسير ابن عطية)) (3/129)، ((تفسير القرطبي)) (8/359)، ((تفسير ابن كثير)) (4/281)، ((تفسير السعدي)) (ص: 368). .
كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام: 115].
وقال سُبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: 9].
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
أي: ما يُبشَّرُ به أولياءُ اللهِ هو الظَّفَرُ العَظيمُ بكلِّ مَحبوبٍ، والنجاةُ الكبيرةُ مِن كُلِّ مَحذورٍ [826] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 368)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/220). .

الفوائد التربوية:


مما يُوجبُ خشيةَ اللهِ تعالى في السِّرِّ والعَلانيةِ ضرورةُ مُراقبتِه تعالى؛ والعلمُ بأنَّه شاهِدٌ ورقيبٌ على قلوبِ عبادِه وأعمالِهم، وأنَّه مع عبادِه حيث كانوا، كما دلَّ القرآنُ على ذلك في مواضِعَ، منها قولُه تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [827] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/164). .
 قَولُ الله تعالى: وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ الإفاضةُ في العمَلِ أخَصُّ مِن إتيانِه مُطلقًا، وحِكمةُ تَخصيصِها بالذِّكرِ دونَ اللَّفظِ الأعمِّ منها، هي أنَّ ما يُفيضُ فيه الإنسانُ مهتَمًّا به مندفِعًا فيه، جديرٌ بألَّا يَنسى أو يَغفُل عن مراقبةِ رَبِّه فيه، واطِّلاعِه عليه؛ فاللَّفظُ يذَكِّرُه به تذكيرًا منبِّهًا مُؤثِّرًا، وكذلك لفظُ (يَعزُب) الدالُّ على الخفاءِ والبُعدِ معًا، فكأنَّه يقولُ: إنَّ ما شأنُه أن يَبعُدَ ويَخفى عليكم مِن أعمالِكم لا يغيبُ عن عِلمِ رَبِّكم؛ فإنَّه لا يَعزُبُ عنه مِن مثقالِ ذَرَّةٍ [828] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/339). .
أولياءُ اللهِ هم الذين جَمَعوا بين الإيمانِ الصَّحيحِ ومَلَكةِ التقوى له عزَّ وجلَّ، وما تقتضيه مِن عمَلٍ، فظاهِرُ الآيةِ أنَّ مَن آمَن واتَّقى، فهو داخِلٌ في أولياءِ اللهِ، وهذا هو الذي تقتضيه الشَّريعةُ في الوليِّ، فكلُّ من كان مؤمنًا تقيًّا كان لِلَّه وليًّا، وقد ضَمِنَ اللهُ تعالى لأوليائِه ألَّا يحصُلَ لهم ما يخافونَه، وألَّا يحُلَّ بهم ما يَحزُنُهم، قال الله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [829] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/128)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/224)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/342)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/218). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ الله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ التعبيرُ في خطابِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالشَّأنِ- وهو الأمرُ العظيمُ أو ذو البالِ- يدلُّ على أنَّ جَميعَ أمورِه وأعمالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانت عظيمةً، حتى العاداتِ منها؛ لأنَّه كان قُدوةً صالحةً فيها كلِّها [830] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/339). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إن قيل: كيف جُمِعَ الضَّميرُ، مع أنَّه أُفرِدَ قبلُ في قولِه تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ والخطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟
الجواب: جُمِعَ ليدُلَّ على أنَّ الأُمَّةَ داخِلونَ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما خوطِبَ به قبلُ [831] والقاعدةُ أنَّ الخطاباتِ الموجهةَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، تشملُ الأُمَّةَ إلا لدليلٍ. يُنظر: ((قواعد التفسير)) لخالد السبت (2/578). ، أو جُمِعَ تعظيمًا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [832] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:250). .
قال الله تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ الذرُّ: صغارُ النملِ، جعَلها الله مثالًا؛ إذ لا يُعرفُ في الحيوانِ المتغذِّي المتناسلِ المشهورِ النوعِ والموضعِ أصغرُ منه [833] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/128). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ إنَّما قُيِّد بقَولِه تعالى: فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ تقريبًا لعُقولِ العامَّةِ [834] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/28). ، فعبَّر بالأرضِ والسماءِ مع أنَّه سبحانَه لا يغيبُ عنه شيءٌ، لا فيهما، ولا فيما هو خارجٌ عنهما؛ لأنَّ الناسَ لا يشاهدونَ سواهما، وسوَى ما فيهما مِن المخلوقاتِ [835] يُنظر: (( تفسير الشوكاني)) (2/519). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فيه إشارةٌ إلى ما في الوجودِ مِن أشياءَ لا تُدرِكُها الأبصارُ، وقد رُئيَ كثيرٌ منها في هذا العَصرِ بالآلاتِ التي تكبِّرُ المرئيَّاتِ أضعافًا كثيرةً، ولم يكُنْ هذا ممَّا يَخطُرُ في البالِ في عصرِ التَّنزيلِ، فهو من دقائقِ تَعبيرِ القُرآنِ، التي تَظهَرُ حِكمتُها للنَّاسِ آنًا بعد آنٍ [836] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/340). .
 من ظنَّ أنَّ أحدًا مِن الذين لا يؤدُّونَ الواجباتِ، ولا يترُكونَ المُحَرَّماتِ- سواءٌ كان عاقلًا، أو مجنونًا، أو مُولَهًا أو مُتَوَلِّهًا- فمن اعتقَدَ أنَّ أحدًا مِن هؤلاء، مِن أولياءِ اللهِ المُتَّقينَ، وحِزبِه المُفلِحينَ، وعبادِه الصَّالحينَ، وجُندِه الغالبينَ، السَّابقينَ المُقَرَّبينَ والمُقتَصدينَ، الذين يرفَعُ الله درجاتِهم بالعِلمِ والإيمانِ، مع كونِه لا يؤدِّي الواجباتِ، ولا يترُكُ المُحَرَّمات- كان المُعتَقِدُ لولايةِ مِثلِ هذا كافرًا مرتدًّا عن دينِ الإسلامِ، غيرَ شاهدٍ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل هو مكَذِّبٌ لمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما شَهِدَ به؛ لأنَّ محمَّدًا أخبَرَ عن الله أنَّ أولياءَ اللهِ هم المُتَّقونَ المؤمِنونَ؛ قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [837] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/432). .
قَولُ اللهِ تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه أنَّ أهلَ الثَّوابِ لا يحصُلُ لهم خوفٌ في مَحفِلِ القيامةِ، كما قال تعالى أيضًا: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [838] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/277). [الأنبياء: 103].
قَولُ اللهِ تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ هذه البُشرى مُبَيَّنةٌ في مواضِعَ مِن كتابِ الله تعالى، وقد يُرادُ بها متعَلَّقُها الذي يبشَّرونَ به، ولم يُذكَرْ هنا؛ ليشمَلَ كلَّ ما بُشِّروا به في كتابِ الله تعالى، وعلى لسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأمَّا البُشرَى في الحياةِ الدُّنيا فأهمُّها البِشارةُ بالنَّصرِ، وبحُسنِ العاقِبةِ في كلِّ أمرٍ، وباستخلافِهم في الأرضِ ما أقاموا شَرعَ اللهِ وسُنَنَه، ونَصَروا دينَه، وأعلَوْا كَلِمتَه، وأمَّا في الآخرةِ فمِن أكمَلِها وأجمَعِها لمعاني الآيةِ لأكمَلِهم قولُه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [839] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/342). [فصلت: 30 - 32].
قَولُ الله تعالى: ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ اشتمَلَ على النجاةِ مِن كلِّ محذورٍ، والظَّفَرِ بكلِّ مَطلوبٍ مَحبوبٍ، وحُصِرَ الفَوزُ فيه؛ لأنَّه لا فوزَ لِغَيرِ أهلِ الإيمان والتَّقوى [840] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:368). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
قولُه: وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ: على القولِ بأنَّ الضَّميرَ في مِنْهُ عائدٌ على شأنٍ، ومِنْ قُرْآنٍ تفسيرٌ للضَّميرِ؛ فيكون خُصَّ مِنْ قُرْآنٍ مِن العمومِ؛ لأنَّ القرآنَ هو أعظَمُ شُؤونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتنبيهًا على علُوِّ مَرتبتِه، وعلى القولِ بأنَّه يعودُ على التَّنزيلِ، وفُسِّر بالقرآنِ لأنَّ كلَّ جزءٍ منه قرآنٌ، فيكونُ أُضْمِرَ قبلَ الذِّكْرِ على سَبيلِ التَّفخيمِ له [841] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/354)، ((تفسير الرازي)) (17/272)، ((تفسير أبي حيان)) (6/78-79). .
قولُه: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ فيه تعميمٌ للخطابِ بعدَ تخصيصِه بمَن هو رأسُهم؛ ولذلك ذُكِر حيث خصَّ ما فيه فخامةٌ، وذُكر حيث عمَّ ما يتَناوَلُ الجليلَ والحقيرَ [842] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/116-117). .
قولُه: مِنْ عَمَلٍ مفعولُ تَعْمَلُونَ، فهو مَصدرٌ بمعنى المفعولِ، وأُدخِلَت عليه (مِن)؛ لإفادة التَّعميمِ؛ لِيَشمَلَ العملَ الجليلَ والحقيرَ، والخيرَ والشَّرَّ [843] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/213). ، فدخولُ مِنْ التبعيضيَّةِ على النكرةِ المنفيةِ يؤكِّدُ هذا العُمومَ [844] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/339). .
قولُه: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ فيه مُواجَهةُ اللهِ تعالى بالخطابِ لرسولِ اللهِ وحدَه؛ تَشريفًا له وتَعظيمًا [845] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/79). .
و(مِنْ) في قولِه: مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ؛ لِتَأكيدِ عُمومِ النَّفيِ الَّذي في وَمَا يَعْزُبُ [846] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/214). .
قولُه: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ناسبَ تقديمُ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لأنَّه ذكَر تعالى أنَّه لا يَغيبُ عن عِلمِه أدقُّ الأشياءِ الَّتي نُشاهِدُها، وهي الذَّرَّةُ، ثمَّ أتى بقولِه: وَلَا أَكْبَرَ على سبيلِ إحاطةِ عِلمِه بجَميعِ الأشياءِ؛ فمَن عَلِم أدَقَّ الأشياءِ وأخفاها كان عِلمُه مُتعلِّقًا بأكبَرِ الأشياءِ وأظهَرِها [847] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/79). ، ولأنَّ ذكرَ الأصغرِ هو الأهَمُّ في سياقِ العِلمِ بالخفيِّ، وعَطفَ عليه الأكبَرَ؛ لإفادةِ كونِ الأكبَرِ لا يكبُرُ عليه سُبحانه، كما أنَّ الأصغَرَ لا يَعزُبُ عنه [848] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/340). .
وفي قولِه تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ مناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث قال اللهُ تعالى هنا: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وقال في سورةِ سبأٍ: عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ: 3]، وقال فيما بعدُ: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:22]؛ فقدَّم الأرضَ على السَّماءِ في سورةِ يونُسَ، وعكَس ذلك في الموضِعَين من سورةِ سبأٍ؛ ووجهُ ذلك: أنَّ آيةَ يونُسَ مقصودٌ فيها من تأكيدِ الاستيفاءِ والاستغراقِ ما لم يُقصَدْ في الأُخرَيَينِ، وإن كان العمومُ مُرادًا في الجميعِ، إلَّا أنَّ آيةَ يونُسَ قضَت بزيادةِ التَّأكيدِ؛ ولذلك تَكرَّرَت فيها معَ ما قبلَها (ما) النَّافيةُ المتلقَّى بها القَسَمُ في قولِه: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [يونس: 61]، فقوَّى بذلك قصْدَ تأكيدِ الاستغراقِ، وتَضمينِ الكلامِ معنى القسَمِ؛ فقال تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ بزيادةِ (مِن) في الفاعلِ، وهي مقتَضِيةٌ معنى الاستغراقِ في مثلِ هذا. ثمَّ إنَّه قد تَقدَّم قبلَ هذه الآيةِ قولُه تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ؛ فدخولُ (مِن) في المفعولِ في الموضِعَين مِن قولِه: وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ- حيث زِيدَت في المفعولِ، وهو اسمٌ نَكِرةٌ، وارِدٌ في سياقِ النَّفيِ- وذلك محصِّلٌ للاستغراقِ، ثمَّ حُمِل عليه قولُه تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ؛ فناسبَ هذا تقديمَ ذِكرِ الأرضِ على السَّماءِ؛ لأنَّ السَّماءَ مَصعَدُ الأمرِ ومحَلُّ العُلوِّ ومسكَنُ الملائكةِ، وهى مُشاهَدةٌ لهم ومُستقبَلُ الدَّاعين، منها يُنزَّلُ الأمرُ ورِزقُ العبادِ، وفيها الخزَنةُ مِن الملائكةِ، وإليها يُصعَدُ بأرواحِ المؤمِنين ويَعرُجُ الملائكةُ السَّيَّاحون في الأرضِ المسؤولون عن أفعالِ العبادِ، فكان العِلمُ بما فيها أجلى وأظهرَ، وكان العلمُ بما في الأرضِ أخفى، وهذا بالنَّظرِ إلينا وبحسَبِ مُتعارَفِ أحوالِنا، وإلَّا فعِلمُ اللهِ سبحانه بما في الأرضِ وما في السَّماءِ سواءٌ، كما أنَّ عِلمَه بالسِّرِّ والجهرِ مُستوٍ: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [الرعد: 10]، ولكنَّا إنَّما خُوطِبْنا على أحوالِنا وبما نتَعاهَدُه ونتَعارَفُه مِن المعاني والصِّفاتِ؛ ولذلك ورَد في القرآنِ التَّعجُّبُ والدُّعاءُ والتَّرجِّي وغيرُ ذلك، فخُوطِبَ العبادُ بما يتَعارَفون عليه ويَألَفونه فيما بينَهم؛ فلمَّا كانت الأرضُ بالنِّسبةِ إلى اسْمِها- فيما ذكَرْنا- كان أمرُها أخفى، وكان أمرُ السَّماءِ أوضَحَ وأقرَبَ من حيثُ ما ذكَرْنا، خُوطِب الخلقُ على ذلك، فقُدِّم ذِكرُ ما هو عِندَنا كافَّةً أخفى، فقيل عند قصدِ المبالَغةِ في تأكيدِ الاستغراقِ والقسَمِ على ذلك: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [849] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/246-248). [يونس: 61].
وقيل: إنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَر في هذه الآيةِ شَهادتَه على أحوالِ أهلِ الأرضِ وأعمالِهم، ثمَّ وصَل بذلك قولَه: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ [يونس: 61]، ناسَب أن تُقدَّمَ الأرضُ على السَّماءِ في هذا الموضعِ [850] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/274)، ((تفسير أبي حيان)) (6/79). .
وقيل: إنَّ تقديمَ الأرضِ هنا؛ لأنَّ ما فيها أعلَقُ بالغرَضِ الَّذي فيه الكلامُ، وهو أعمالُ النَّاسِ فقد قال: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ؛ فإنَّهم مِن أهلِ الأرضِ، بخلافِ ما في سورةِ سبَأٍ: عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: 3]؛ فإنَّه لَمَّا كان المقامُ لذِكْرِ عِلمِ الغيبِ، والغيبُ ما غاب عن النَّاسِ، ومُعظمُه في السَّماءِ لاءَم ذلك أنْ قُدِّمَت السَّماءُ على الأرضِ [851] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/214). ، فاقتضَى حسنُ النظمِ تقديمُها مرتبةً في الذكرِ مع المخاطبينَ الذين هم أهلُها، بخلافِ الآيةِ التي في سبأ، فإنَّها منتظمةٌ بقولِه عَالِمِ الْغَيْبِ [852]  يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/63). .  وقيل: إنَّه قدَّم ذِكْرَ الأرضِ؛ لأنَّ الكلامَ مع أهلِها، وأخَّره في آيةِ سبَأٍ وقدَّم السَّماءَ؛ لأنَّها في سِياقِ ثَنائِه تعالى على نفسِه ووَصْفِه بإحاطةِ عِلمِه؛ فناسَب تقديمُ السَّماءِ لأنَّها أعَظُم، فإنَّ فيها مِن الشُّموسِ وعَوالِمِها ما يَبعُدُ بعضُه عن بعضٍ مَسافةَ أُلوفٍ [853] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/339). .
قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
قولُه: أَلَا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه افتتاحُ الكلامِ بأداةِ التَّنبيهِ أَلَا؛ للإيماءِ إلى أهميَّةِ شأنِه؛ ولذلك أُكِّدت الجملةُ بـ إنَّ بعدَ أداةِ التَّنبيهِ؛ فصُدِّرَتِ الجملةُ بحَرْفَيِ التَّنبيهِ (ألَا)، والتَّحقيقِ (إنَّ)؛ لزيادةِ تقريرِ مَضْمونِها [854] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /158)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/216). .
قولُه: وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه تَقْديمُ المُسنَدِ إليه هُمْ على الخبَرِ الفِعْليِّ يَحْزَنُونَ؛ لِتَقويةِ الحُكْم الحاصلِ بالخبرِ الفعليِّ، أي: لا يَحصُلُ لهم خوفٌ متمكِّنٌ ثابتٌ يَبقَى فيهم، ولا يَجِدون تَخلُّصًا منه [855] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/217). .
قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ
قولُه: وَكانُوا يَتَّقُونَ فيه التَّعبيرُ بصيغةِ الماضي وَكَانُوا، وهو يَدُلُّ على أنَّ التَّقْوى مُلازِمةٌ لهم، وجاء بصِيغةِ المضارعِ قولُه: يَتَّقُونَ، وهو يَدُلُّ على أنَّها مُتجدِّدةٌ منهم؛ ففي قولِه: وَكَانُوا يَتَّقُونَ إشعارٌ بمُصاحبَتِهم للتَّقوى مُدَّةَ حياتِهم؛ فحالُهم في المستقبَلِ كحالِهم في الماضي [856] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/82)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/218). .
قوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قولُه: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ جملةٌ مُستأنَفةٌ استِئْنافًا بيانيًّا، كأنَّه قيل: هل لهم وراءَ ذلك مِن نِعمةٍ وكَرامةٍ؟ فقيل: لهم ما يَسُرُّهم في الدَّارَين [857] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/160). .
وفيه إيثارُ الإبهامِ والإجمالِ في البُشْرى؛ للإيذانِ بكونِه وراءَ البيانِ والتَّفصيلِ [858] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/160). .
وجملةُ: ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ مُؤَكِّدةٌ لجملةِ: لَهُمُ الْبُشْرَى ومُقرِّرةٌ لِمَضمونِها؛ فلذلك فُصِلَت- أي: لم تُعطَفْ بالواوِ [859] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/220). .
واختيارُ اسمِ الإشارةِ ذَلِكَ؛ لأنَّه أجمَعُ لِمَا ذُكِر، وفيه كمالُ تمييزٍ له؛ لزيادةِ تقريرِ مَعناه، وذُكِر ضميرُ الفصلِ هُوَ بعدَ اسمِ الإشارةِ ذَلِكَ؛ لزيادةِ التَّأكيدِ، ولإفادةِ القصرِ، أي: هو الفوزُ العظيمُ لا غيرُه ممَّا يتقلَّبُ فيه المشرِكون في الحياةِ الدُّنيا مِن رزقٍ ومَنَعةٍ وقوَّةٍ [860] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/220). .
قولُه: هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فيه تفسيرٌ لِما أُبهِم فيما سبَق، وهذه الجملةُ والَّتي قَبلَها اعتراضٌ؛ لِتَحقيقِ المبشَّرِ به، وتعظيمِ شأنِه، أو هذه تَذْييلٌ، والسَّابقةُ اعتِراضٌ [861] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/160). .