موسوعة التفسير

سورةُ سَبَأٍ
الآيات (20-23)

ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ

غَريبُ الكَلِماتِ:


ظَهِيرٍ: أي: مُعينٍ، وأصلُ (ظهر): يدُلُّ على قُوَّةٍ وبُروزٍ [365] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 261)، ((تفسير ابن جرير)) (19/273)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/471)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 280). .
فُزِّعَ: أي: أُزِيلَ الفَزَعُ، وأصلُ (فزع): يدُلُّ على ذُعرٍ [366] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 356)، ((تفسير ابن جرير)) (19/274)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 369)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/501). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى: ولقد تحقَّقَ فيهم ظنُّ إبليسَ فاتَّبَعوه إلَّا فَريقًا مِنَ المؤمِنينَ، وما كان لإبليسَ عليهم قُدرةٌ وتسَلُّطٌ إلَّا لِنَعلَمَ مَن يُؤمِنُ بالآخرةِ ممَّن هو شاكٌّ فيها، عِلمًا يترتَّبُ عليه الجزاءُ، وربُّك -يا محمَّدُ- على كلِّ شَيءٍ حَفيظٌ.
قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: ادعُوا هؤلاء الَّذين تَزعُمونَ أنَّهم شُرَكاءُ لله؛ فإنَّهم لا يَملِكونَ وَزنَ ذَرَّةٍ في السَّمَواتِ ولا في الأرضِ، وليس لِمَعبوداتِكم شِركٌ مع اللهِ في السَّمَواتِ أو الأرضِ، وليس لله مِن هذه الآلهةِ المزعومةِ أيُّ مُعاوِنٍ يَستَعينُ به سُبحانَه وتعالى، فكيف يَصِحُّ أن يكونوا آلِهةً؟!
ولا تَنفَعُ الشَّفاعةُ عندَه تعالى يومَ القيامةِ إلَّا لِمَن أذِنَ له اللهُ أن يَشفَعَ، حتَّى إذا أُزيلَ الفَزَعُ عن قُلوبِهم وذهَبَ منها، تساءَلوا عمَّا قاله الرَّبُّ سُبحانَه، قالت الملائِكةُ: قال اللهُ الحقَّ، وهو العَليُّ الكبيرُ.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أن ذكَرَ -جَلَّت قُدرتُه- قَصَصَ سَبَأٍ، وما كان مِن أمْرِهم في اتِّباعِ الهَوى والشَّيطانِ؛ أردَفَ ذلك الإخبارَ بأنَّهم صدَّقوا ظَنَّ إبليسَ فيهم وفي أمثالِهم ممَّن ركَنوا إلى الغَوايةِ والضَّلالِ؛ إذ تسَلَّط عليهم وانقادوا إلى وَسوستِه [367] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (22/75). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (6/512). .
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ.
أي: ولقد تحقَّقَ عليهم [368] قال الواحدي: (واختلَف المفسِّرون في هذه الآيةِ؛ فمَذهَبُ ابنِ عبَّاسٍ في روايةِ عطاءٍ: [أنَّ الكنايةَ] في قَولِه: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ عن أهلِ سبأٍ، وقال في قوله: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: قليلًا مِن الَّذين صَدَّقوا الأنبياءَ وآمَنوا بالله، وعلى هذا فالاستثناءُ مِن سبَأٍ، وهم مَنْ آمَنَ منهم. ومذهَبُ مُجاهِدٍ أنَّ الكنايةَ: عن النَّاسِ كُلِّهم؛ قال: صَدَّق ظَنَّه على النَّاسِ كُلِّهم إلَّا مَن أطاع اللهَ. وهو ظاهِرُ مذهَبِ المفسِّرينَ). ((البسيط)) (18/353). وممَّن اختار القولَ الأوَّلَ -أنَّ المرادَ: أهلُ سَبَأٍ-: ابنُ جرير، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي، والألوسي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/269)، ((تفسير السمرقندي)) (3/87)، ((تفسير الثعلبي)) (22/87)، ((تفسير البغوي)) (3/678)، ((تفسير الألوسي)) (11/307). وممَّن اختار القولَ الثَّانيَ: الرازيُّ، والنيسابوري، والسعدي، وهو ظاهرُ اختيارِ الشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/202)، ((تفسير النيسابوري)) (5/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 678)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/11). قال السعدي: (قال: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ أي: على جنسِ النَّاسِ، فتكونُ الآيةُ عامَّةً في كلِّ مَنِ اتَّبَعَه). ((تفسير السعدي)) (ص: 678). وقال الإيجي: (كلامُ السَّلَفِ دالٌّ على أنَّ ضميرَ عَلَيْهِمْ لبني آدَمَ، لا لأهلِ سَبَأٍ خاصَّةً). ((تفسير الإيجي)) (3/382). وقيل: المرادُ: الكُفَّارُ الَّذين قالوا: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: 7]. فالضَّميرُ في قوله: عَلَيْهِمْ يعودُ إلى الَّذينَ كفروا مِن قولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ .... واستظهَر هذا القولَ: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/182). ما ظنَّه إبليسُ فيهم، باتِّباعِهم إيَّاه [369] يُنظر: ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 190)، ((تفسير البغوي)) (3/678)، ((تفسير ابن عطية)) (4/417)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/182، 183). والمرادُ بظنِّ إبليسَ: هو ما حكاه اللهُ تعالى عنه في عدَّةِ مواضعَ؛ كقَولِه: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 62]. وقوله: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16، 17]. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ قُتَيْبةَ، وابنُ جرير، والبغوي، وابن عطية، والبِقاعي. يُنظر: ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 190)، ((تفسير ابن جرير)) (19/269)، ((تفسير البغوي)) (3/678)، ((تفسير ابن عطية)) (4/417)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/490). قال ابنُ عطية: (ومعنى الآيةِ أنَّ ما قال إبليسُ مِن أنَّه سيَفتِنُ بني آدمَ ويُغويهم، وما قال مِن أنَّ الله لا يجِدُ أكثرَهم شاكرينَ، وغيرَ ذلك: كان ظنًّا منه، فصدَق فيهم). ((تفسير ابن عطية)) (4/417). .
إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
أي: إلَّا فريقًا مِن [370] قيل: مِنَ في قَولِه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لبيانِ الجِنسِ، لا للتَّبعيضِ، أي: فريقًا هم المؤمنون؛ لأنَّ التَّبعيضَ يقتضي أنَّ فريقًا مِن المؤمنينَ اتَّبَعوا إبليسَ. وممَّن قال بهذا القولِ في الجملةِ: ابنُ عطية، وابنُ عادل، والإيجي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/417)، ((تفسير ابن عادل)) (16/52)، ((تفسير الإيجي)) (3/382). وقيل: هي للتَّبعيضِ، فيُرادُ به بعضُ المؤمنينَ. وممَّن قال بهذا القولِ: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/183). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الشوكاني)) (4/371)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 151، 152). قيل: وذلك لأنَّ كثيرًا مِن المؤمنينَ مَن يُذنِبُ ويَنقادُ لإبليسَ في بعضِ المعاصي، أي: ما سَلِم مِن المؤمنينَ أيضًا إلَّا فريقٌ، وهو المعنِيُّ بقولِه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: 42]. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/293). المُخلصينَ لله تعالى، الثَّابِتينَ على توحيدِه وطاعتِه [371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/269)، ((تفسير السمرقندي)) (3/87)، ((تفسير ابن عطية)) (4/417)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/490، 491)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/183). قال ابن عثيمين: (إذا جعَلْنا الضَّميرَ عَلَيْهِمْ عائدًا على الكُفَّار الَّذين اتَّبَعوا إبليسَ فإنَّ الاستِثناءَ هنا يجبُ أن يكونَ مُنقطِعًا، وإن جَعَلْناه عامًّا لبني آدَمَ أو جنسِ هذه القَبيلةِ «سَبَأٍ» صار الاستِثناءُ مُتَّصِلًا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 150، 151). وقال الشنقيطي: (عِبادُ الله المُخلَصونَ هم المُرادون بالاستِثناءِ في قَولِه في بني إسرائيلَ: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 62]، وقولِه في سبأٍ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وهم الَّذين احترَز منهم بقَولِه: وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 17]). ((أضواء البيان)) (2/277). .
كما قال سُبحانَه: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر: 39، 40].
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ رُبَّما أوهم أنَّ لإبليسَ أمرًا بنَفْسِه؛ فنفاه هنا، فقال [372] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/491). :
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ.
أي: وما كان لإبليسَ على أتْباعِه تسَلُّطٌ واستيلاءٌ إلَّا لِنَعلَمَ المؤمِنينَ بالآخرةِ مِنَ الشَّاكِّينَ فيها؛ عِلمًا وُجوديًّا ظاهريًّا يَترتَّبُ عليه الجزاءُ [373] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/252)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (3/493)، ((تفسير ابن كثير)) (6/513)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/491)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 153-156). قال الشوكاني: (والاستِثناءُ في قَولِه: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ: 21] منقَطِعٌ، والمعنى: لا سُلطانَ له عليهم، ولكِنِ ابتلَيْناهم بوَسوستِه؛ لِنَعلَمَ. وقيل: هو متَّصِلٌ مُفَرَّغٌ مِن أعمِّ العامِّ، أي: ما كان له عليهم تسَلُّطٌ بحالٍ مِن الأحوالِ ولا لعلَّةٍ مِن العِلَلِ إلَّا ليَتميَّزَ مَن يؤمنُ ومَن لا يؤمِنُ؛ لأنَّه سبحانه قد عَلِمَ ذلك عِلمًا أزَلِيًّا). ((تفسير الشوكاني)) (4/371). وقال ابنُ قُتَيْبةَ: (عِلمُ الله تعالى نوعانِ؛ أحدُهما: عِلمُ ما يكونُ مِن إيمانِ المؤمنينَ، وكُفرِ الكافرينَ، وذُنوبِ العاصِين، وطاعاتِ المُطيعينَ؛ قبْلَ أن تكونَ، وهذا عِلمٌ لا تجِبُ به حُجَّةٌ، ولا تقَعُ عليه مَثوبةٌ ولا عقوبةٌ. والآخَرُ: عِلمُ هذه الأمورِ ظاهرةً موجودةً، فيَحِقُّ القولُ، ويقعُ بوقوعِها الجزاءُ، فأراد جلَّ وعزَّ: ما سلَّطْناه عليهم إلَّا لِنَعْلَمَ إيمانَ المؤمنينَ ظاهِرًا موجودًا، وكُفرَ الكافرين ظاهِرًا موجودًا). ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 190، 191). ونقَل الواحديُّ كلامَ ابنِ قُتَيْبةَ هذا، ثمَّ قال: (وهذا معنى قولِ ابنِ عبَّاسٍ، ومقاتلٍ، والكلبيِّ، وجميعِ المفسِّرينَ). ((البسيط)) (18/354، 355). .
كما قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: 42].
وقال الله سُبحانَه: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 99، 100].
وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.
أي: وربُّك -يا محمَّدُ- على كُلِّ شَيءٍ مِن خَلْقِه رَقيبٌ ومُطَّلِعٌ؛ فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أمورِهم وأعمالِهم وأحوالِهم، وسيُجازي عِبادَه بما عَمِلوه مِن خيرٍ وشَرٍّ [374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/272)، ((تفسير القرطبي)) (14/294)، ((تفسير السعدي)) (ص: 678)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/185)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 156، 157). .
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى حالَ الشَّاكِرينَ وحالَ الكافِرينَ، وذكَّرَهم بمَن مضَى؛ عاد إلى خِطابِهم [375] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/203). .
وأيضًا كانت قِصَّةُ سَبأٍ قد ضُرِبت مَثلًا وعِبرةً للمُشرِكينَ مِن قُرَيشٍ، وكان في أحوالِهم مَثيلٌ لأحوالِ المُشرِكينَ في أمْنِ بلادِهم، وتيسيرِ أرزاقِهم، وتأمينِ سُبُلِهم في أسفارِهم، ثمَّ فيما قابَلوا به نِعمةَ اللهِ بالإشراكِ به، وكُفرانِ نِعمتِه، وإفحامِهم دُعاةَ الخَيرِ المُلهَمينَ مِن لَدُنْه إلى دَعوتِهم، فلمَّا تقضَّى خبَرُهم انتُقِل منه إلى تطبيقِ العِبرةِ على مَن قَصَد اعتبارَهم انتِقالًا مُناسبتُه بيِّنةٌ، وهو أيضًا عَودٌ إلى إبطالِ أقوالِ المُشرِكينَ، وسِيقَ لهم مِنَ الكَلامِ ما فيه توقيفٌ على أخطائِهم، وأيضًا فلمَّا جرى مِنِ استِهواءِ الشَّيطانِ أهلَ سَبَأٍ فاتَّبَعوه، وكان الشَّيطانُ مَصدَرَ الضَّلالِ وعُنصُرَ الإشراكِ- أعقَبَ ذِكرَه بذِكرِ فُروعِه وأوليائِه [376] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/185). .
وأيضًا لَمَّا أثبَت سُبحانَه لنَفْسِه ولِذَاتِه الأقدَسِ مِن المُلْكِ في السَّمَواتِ والأرضِ وغَيرِهما ما مَرَّ ذِكرُه، واستدَلَّ عليه مِن الأدِلَّةِ الَّتي لا يُمكِنُ التَّصويبُ إليها بطَعنٍ، وكان المقصودُ الأعظَمُ التَّوحيدَ؛ فإنَّه أصلٌ يَنبني عليه كُلُّ خَيرٍ- قال [377] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/492). :
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ مِن قَومِك: ادعُوا مَعبودِيكم الَّذين تَزعُمونَ أنَّهم شُرَكاءُ لله؛ لِيَنفَعوكم أو يَضُرُّوكم بشَيءٍ؛ فإنَّهم لن يَقدِروا على ذلك، فهم لا يَملِكونَ وَزنَ ذَرَّةٍ في السَّمواتِ ولا في الأرضِ، فكيف يَصِحُّ أن يكونوا آلِهةً [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/272، 273)، ((تفسير القرطبي)) (14/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/513)، ((تفسير السعدي)) (ص: 678). ؟!
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ.
أي: وليس لِمَعبوداتِكم أيُّ شراكةٍ مع اللهِ في أيِّ شَيءٍ مِنَ السَّمواتِ أو الأرضِ [379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/272)، ((تفسير القرطبي)) (14/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/513)، ((تفسير السعدي)) (ص: 678). .
وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
أي: وليس لله مِن تلك الآلهةِ المَزعومةِ أيُّ مُعاوِنٍ يُساعِدُه على شَيءٍ ممَّا يُريدُه سُبحانَه [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/273)، ((تفسير ابن كثير)) (6/513)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/494)، ((تفسير السعدي)) (ص: 678). .
وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان قد بَقِيَ مِن أقسامِ النَّفعِ: الشَّفاعةُ، وكان المقصودُ منها أثَرَها لا عَيْنَها؛ نفاه بقَولِه [381] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/494). :
وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
أي: ولا تَنفَعُ الشَّفاعةُ عِندَ الله يومَ القيامةِ إلَّا لِمَن أَذِنَ له أن يَشفَعَ [382] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/274)، ((الوسيط)) للواحدي (3/493، 494)، ((تفسير القرطبي)) (14/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/514). قال ابن تيميَّةَ: (قد يقالُ: التَّقديرُ: لا تَنفعُ الشَّفاعةُ عندَه إلَّا لِمَن أذِنَ له أن يُشفَعَ فيه، فيُؤذَنُ لغيرِه أن يَشفعَ فيه، فيكونُ الإذنُ للطَّائِفتَينِ، والنَّفعُ للمَشفوعِ له، كأحدِ الوجهَينِ، أو: ولا تنفَعُ إلَّا لِمن أذِنَ له مَن هؤلاء وهؤلاء، فكما أنَّ الإذْنَ للطَّائِفتَينِ فالنَّفعُ أيضًا للطَّائفَتين؛ فالشَّافِعُ يَنتفِعُ بالشَّفاعةِ، وقد يكونُ انتِفاعُه بها أعظَمَ مِن انتفاعِ المشفوعِ له). ((الحسنة والسيئة)) (ص: 139). .
كما قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26].
وقال سُبحانَه: وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: 85 - 87].
حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ.
أي: حتَّى إذا كُشِفَ الفزَعُ عن قُلوبِهم وذهَبَ عنها، تساءَلوا عمَّا قاله الرَّبُّ سُبحانَه، فقالوا: ماذا قال ربُّكم [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/274، 276، 281)، ((تفسير القرطبي)) (14/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/514، 515). ممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ في قُلُوبِهِمْ يعودُ على الملائكةِ: مقاتلُ بنُ سليمان، وابنُ جرير، والسمرقندي، وابنُ عطية، وابنُ جُزَي، وابنُ تيميَّةَ، وابنُ كثير، وابنُ حجر. يُنظر: ((تفسير مقاتل)) (3/531)، ((تفسير ابن جرير)) (19/281)، ((تفسير السمرقندي)) (3/89)، ((تفسير ابن عطية)) (4/418)، ((تفسير ابن جزي)) (2/165)، ((الصفدية)) لابن تيمية (1/214) و(2/289)، ((تفسير ابن كثير)) (6/515)، ((فتح الباري)) لابن حجر (13/456). قال ابنُ جُزَي: (تظاهرت الأحاديثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وآلِه وسلَّم أنَّ هذه الآيةَ في الملائكةِ عليهم السَّلامُ؛ فإنَّهم إذا سَمِعوا الوَحْيَ إلى جِبريلَ يَفزَعونَ لذلك فزَعًا عظيمًا، فإذا زال الفزَعُ عن قلوبِهم قال بعضُهم لبعضٍ: ماذا قال ربُّكم؟ فيقولون: قال الحَقَّ. ومعنى فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ زال عنها الفَزَعُ، والضَّميرُ في قُلُوبِهِمْ وفي قَالُوا للملائكةِ. فإن قيل: كيف ذلك ولم يَتقدَّمْ لهم ذِكرٌ يعودُ الضَّميرُ عليه؟ فالجوابُ: أنَّه قد وقعت إليهم إشارةٌ بقَولِه: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ؛ لأنَّ بعضَ العَرَبِ كانوا يَعبُدونَ الملائكةَ، ويقولون: هؤلاء شُفعاؤُنا عندَ الله، فذِكْرُ الشَّفاعةِ يقتضي ذِكرَ الشَّافِعينَ، فعاد الضَّميرُ على الشُّفَعاءِ الَّذين دَلَّ عليهم لفظُ الشَّفاعةِ. فإن قيل: بِمَ اتَّصَل قَولُه: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ولأيِّ شَيءٍ وقَعَت «حتَّى» غائيَّةً؟ فالجوابُ: أنَّه اتَّصَل بما فُهِمَ مِن الكلامِ مِن أنَّ ثَمَّ انتِظارًا للإذْنْ، وفَزَعًا وتوقُّفًا حتَّى يَزولَ الفَزَعُ بالإذنِ في الشَّفاعةِ، ويَقرُبُ هذا في المعنى مِن قَولِه تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ [النبأ: 38]، ولم يَفهَمْ بَعضُ النَّاسِ اتِّصالَ هذه الآيةِ بما قَبْلَها، فاضطربوا فيها، حتَّى قال بعضُهم: هي في الكُفَّارِ بعدَ الموتِ، ومعنى فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ: رأوُا الحقيقةَ، فقيل لهم: ماذا قال ربُّكم؟ فيقولونَ: قال الحَقَّ، فيُقِرُّونَ حيثُ لا يَنفَعُهم الإقرارُ! والصَّحيحُ أنَّها في الملائكةِ؛ لوُرودِ ذلك في الحديثِ، ولأنَّ القَصدَ الرَّدُّ على الكُفَّارِ الَّذين عَبَدوا الملائِكةَ، فذَكَر شِدَّةَ خَوفِ الملائكةِ مِن اللهِ، وتعظيمِهم له). ((تفسير ابن جزي)) (2/165). وقال ابنُ تيميَّةَ: (والضَّميرُ في قَولِه: عَنْ قُلُوبِهِمْ يَعودُ إلى ما دَلَّ عليه «له» في مَنْ أَذِنَ لَهُ؛ فإنَّ الملائكةَ يدخُلون في قَولِه: لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23]، ودَلَّ عليه قَولُه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ [سبأ: 22]؛ فإنَّ الملائكةَ تدخُلُ في ذلك؛ فسَلَبهم المُلْكَ والشَّرِكةَ والمعاونةَ والشَّفاعةَ إلَّا بإذنِه، ثمَّ بيَّن ذلك حتَّى إنَّه إذا تكَلَّم لا يَثبُتونَ لكَلامِه ولا يَستقِرُّونَ، بل يَفزَعونَ ولا يَفهَمونَ! ثمَّ إذا أُزيلَ عنهم الفَزَعُ يقولون: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ [سبأ: 23]، وذلك أنَّ ما بعدَ «حتَّى» هنا جملةٌ تامَّةٌ، وهو قَولُه: إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [سبأ: 23]، والعامِلُ في «إذا» هو قَولُه قَالُوا مَاذَا و«إذا»: ظَرفٌ لِما يُستقبَلُ مِن الزَّمانِ، مُتضَمِّنٌ معنى الشَّرطِ، أي: لَمَّا زال الفزَعُ عن قلوبِهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟). ((الفتاوى الكبرى)) (6/460). وقال ابنُ حجر: (وأظنُّ البخاريَّ أشار ... إلى ترجيحِ قَولِ مَن قال: إنَّ الضَّميرَ في قَولِه: عَنْ قُلُوبِهِمْ للملائكةِ، وأنَّ فاعِلَ الشَّفاعةِ في قَولِه: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ [سبأ: 23] هم الملائِكةُ؛ بدليلِ قَولِه بعدَ وَصفِ الملائكةِ: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28]). ((فتح الباري)) (13/455). وقيل: المرادُ بالضَّميرِ في قولِه: قُلُوبِهِمْ: الشَّافِعونَ، والمشفوعُ لهم. وممَّن قال بذلك: الزمخشريُّ، والرَّسْعَني، والبيضاوي، والنسفي، والبِقاعي، والعُلَيمي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/580)، ((تفسير الرسعني)) (6/241)، ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير النسفي)) (3/62)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/495)، ((تفسير العليمي)) (5/421)، ((تفسير أبي السعود)) (7/132)، ((تفسير الشوكاني)) (4/372)، ((تفسير القاسمي)) (8/144). قال الزمخشري: (فإنْ قُلتَ: بِمَ اتَّصل قَولُه: إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ولأيِّ شَيءٍ وقَعَت حَتَّى غايةً؟ قلتُ: بما فُهِمَ مِن هذا الكلامِ، مِن أنَّ ثَمَّ انتِظارًا للإذنِ وتوقُّعًا وتمهُّلًا وفَزَعًا مِن الرَّاجينَ للشَّفاعةِ والشُّفَعاءِ: هل يُؤْذَنُ لهم أو لا يؤذَنُ؟ وأنَّه لا يُطلَقُ الإذْنُ إلَّا بعدَ مَلِيٍّ مِن الزَّمانِ، وطولٍ مِن التَّرَبُّصٍ، ومِثلُ هذه الحالِ دلَّ عليها قَولُه عزَّ وجلَّ: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: 37، 38]، كأنَّه قيل: يَتربَّصون ويَتوقَّفون مَلِيًّا فَزِعينَ وَهِلينَ، حتَّى إذا فُزِّع عن قلوبِهم -أى: كُشِفَ الفَزَعُ عن قلوبِ الشَّافعينَ والمشفوعِ لهم بكلمةٍ يتكلَّمُ بها ربُّ العِزَّةِ في إطلاقِ الإذنِ- تباشَروا بذلك، وسأل بعضُهم بعضًا: ماذا قال رَبُّكُم؟ قالُوا: قال الحقَّ، أى: القولَ الحَقَّ، وهو الإذْنُ بالشَّفاعةِ لِمَنِ ارتضى). ((تفسير الزمخشري)) (3/580). وقيل: المرادُ: المشفوعُ لهم. وممَّن قال بهذا القولِ: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/188، 189). وقيل: إنَّ الضَّميرَ في قُلُوبِهِمْ يعودُ على المشركينَ، وفي معنى الكلامِ على ذلك قولان: أحدُهما: أنَّ المعنى: حتَّى إذا كُشف الفزَعُ عن قلوبِ المشركينَ عندَ الموتِ -إقامةً للحُجَّةِ عليهم- قالت لهم الملائكةُ: ماذا قال ربُّكم في الدُّنيا؟ قالوا: الحقَّ، فأقَرُّوا حينَ لم يَنفَعْهم الإقرارُ. قاله الحسَنُ، وابنُ زَيدٍ. والثَّاني: حتَّى إذا كُشِفَ الغِطاءُ عن قُلوبِهم يومَ القيامةِ، قيل لهم: ماذا قال ربُّكم. قاله مجاهِدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/497). قال السعدي: (يحتمِلُ أنَّ الضَّميرَ في هذا الموضِعِ يعود إلى المشركين؛ لأنَّهم مذكورون في اللَّفظِ، والقاعدةُ في الضَّمائرِ: أن تَعودَ إلى أقرَبِ مذكورٍ، ويكونُ المعنى: إذا كان يومُ القيامةِ وفُزِّع عن قلوبِ المشركينَ -أي: زال الفزَعُ- وسُئلوا حينَ رجعَتْ إليهم عقولُهم عن حالِهم في الدُّنيا، وتكذيبِهم للحَقِّ الَّذي جاءت به الرُّسُلُ: أنَّهم يُقِرُّون أنَّ ما هم عليه مِن الكُفرِ والشِّركِ: باطلٌ، وأنَّ ما قال اللهُ وأخبرَتْ به عنه رُسُلُه: هو الحقُّ، فبدَا لهم ما كانوا يُخْفُونَ مِن قبْلُ، وعَلِموا أنَّ الحقَّ لله، واعترَفوا بذُنوبِهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 679). وقال أبو حيَّان: (وأقرَبُها عندي أن يكونَ الضَّميرُ في قُلُوبِهِمْ عائدًا على مَن عاد عليه فَاتَّبَعُوهُ [سبأ: 20] وعَلَيْهِمْ [سبأ: 20] ومِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ: 21]، وتكونَ الجملةُ بعدَ ذلك اعتراضًا، وقولُه: قَالُوا أي: الملائكةُ، لأولئك المتَّبِعينَ الشَّاكِّينَ يَسألونهم سؤالَ توبيخٍ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ على لسانِ مَن بُعِث إليكم بعدَ أن كُشِف الغِطاءُ عن قلوبِهم، فيُقِرُّون إذْ ذاك أنَّ الَّذي قاله وجاءت به أنبياؤه: هو الحَقُّ لا الباطِلُ الَّذي كنَّا فيه مِنِ اتِّباعِ إبليسَ، وشَكِّنا في البعثِ). ((تفسير أبي حيان)) (8/546). ؟
كما قال سُبحانَه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 26 - 29].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا قضى اللهُ الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبَت الملائِكةُ بأجنِحَتِها خُضْعانًا لِقَولِه، كأنَّه سِلْسِلةٌ على صَفْوانٍ [384] الصَّفْوانُ: هو الحَجَرُ الأملَسُ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/192). ، فإذا فُزِّعَ عن قلوبِهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا لِلَّذي قال: الحَقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ، فيَسمَعُها مُستَرِقُ السَّمعِ؛ ومُستَرِقُ السَّمعِ هكذا بعضُه فوقَ بَعضٍ -ووصَف سُفْيانُ بكَفِّه فحَرَّفَها، وبدَّدَ بيْنَ أصابِعِه- فيَسمَعُ الكَلِمةَ فيُلقيها إلى مَن تحتَه، ثمَّ يُلقيها الآخَرُ إلى مَن تحتَه، حتَّى يُلقيَها على لسانِ السَّاحِرِ أو الكاهِنِ، فرُبَّما أدرك الشِّهابُ قبْلَ أن يُلقيَها، ورُبَّما ألقاها قبْلَ أن يُدرِكَه، فيَكذِبُ معها مئةَ كَذْبةٍ، فيُقالُ: أليس قد قال لنا يَومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيُصَدَّقُ بتلك الكَلِمةِ الَّتي سَمِعَ مِن السَّماءِ )) [385] رواه البخاري (4800). .
قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
أي: قالت الملائِكةُ: قال اللهُ القولَ الحَقَّ [386] قيل: المرادُ بالقَولِ الحَقِّ هنا هو: الإذنُ بالشَّفاعةِ. وممَّن نصَّ على هذا المعنى في الجملةِ: الزمخشريُّ، والقرطبي، والعُلَيمي، والشوكاني، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/580)، ((تفسير القرطبي)) (14/295)، ((تفسير العليمي)) (5/421)، ((تفسير الشوكاني)) (4/373)، ((تفسير القاسمي)) (8/144). وقيل: الظَّاهِرُ أنَّ كَلِمةَ الْحَقَّ وقعت حكايةً لِمَقولِ الله بوَصفٍ يجمعُ متنوِّعَ أقوالِ الله تعالى حينَئذٍ؛ مِن قَبولِ شفاعةٍ في بَعضِ المشفوعِ فيهم، ومِن حِرمانٍ لغَيرِهم؛ كما يقالُ: ماذا قال القاضي للخَصمِ؟ فيُقالُ: قال الفَصْلَ. وممَّن استظهَر هذا المعنى: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/189، 190). ، وهو العَليُّ بذاتِه وصفاتِه، وقَهرِه لكُلِّ شَيءٍ مِن خَلْقِه؛ فلا شَيءَ أعلَى منه، ومِن عُلُوِّه أنَّ حُكمَه يعلو وتُذعِنُ له جميعُ الخلائِقِ؛ مُؤمِنُهم وكافِرُهم، ومِن عُلُوِّه أنَّه لا يقولُ غيرَ الحَقِّ؛ وهو الكبيرُ الَّذي لا شَيءَ أكبَرُ منه، ولا يُعارِضُه أحدٌ في شَيءٍ مِن حُكمِه؛ فله أن يَحكُمَ في عبادِه بما يشاءُ، ويَفعَلُ ما يُريدُ [387] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/758)، ((تفسير ابن جرير)) (19/282)، ((البسيط)) للواحدي (18/361)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/496)، ((تفسير الشوكاني)) (4/373)، ((تفسير السعدي)) (ص: 678). قال ابن عثيمين: (الكبيرُ... معناه: ذو الكبرياءِ، ومعناه: أنَّ الله تعالى لا يُماثِلُه شَيءٌ في ذاتِه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 171). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ فيه تَنبيهُ المؤمِنينَ إلى مَكايِدِ الشَّيطانِ وسُوءِ عاقبةِ أتْباعِه؛ لِيَحذَروه ويَستَيقِظوا لكَيدِه، فلا يَقَعوا في شَرَكِ وَسوَستِه [388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/182). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أنَّ إبليسَ يُوصَفُ بالصِّدقِ، ويُوصَفُ بالكَذِبِ، وأمَّا الوَصفُ اللَّازمُ له فهو الكَذِبُ؛ قال اللهُ تعالى: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: 120]، ولكنْ قد يَصدُقُ كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((صَدَقَك وهو كَذوبٌ)) [389] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 151). والحديث أخرجه معلَّقًا البخاريُّ (2311) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مطولًا. ويُنظر: ((تغليق التعليق)) لابن حجر (3/295-297). .
2- قال سُبحانَه وتعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، في قَولِه تعالى: فَاتَّبَعُوهُ أنَّ الشَّيطانَ إمامٌ لكلِّ ضالٍّ، فكلُّ الضَّالِّينَ إمامُهم الشَّيطانُ، وهم مُتَّبِعون له [390] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 152). .
3- في قَولِه تعالى: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دَلالةٌ على أنَّ أكثَرَ النَّاسِ هم أهلُ النَّارِ، وهم الَّذين اتَّبَعوا الشَّيطانَ [391] يُنظر: ((التخويف من النار)) لابن رجب (ص: 265). .
4- في قَولِه تعالى: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنَّ الإيمانَ حاجزٌ عن اتِّباعِ الشَّيطانِ، ومُوجِبٌ لاتِّباعِ هَدْيِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ [392] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 151). .
5- قولُه تعالى: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ، وقولُه تعالى حاكيًا عن الشَّيطانِ مُقَرِّرًا له: وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22] قد دلَّا على نَفيِ سُلطانِ الشَّيطانِ عليهم، فكيفَ أثبَت للشيطانِ على أوليائِه سلطانًا في قَولِه تعالى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 100] ففيه التَّصريحُ بأنَّ الشَّيطانَ له سُلطانٌ على أوليائِه، ونَظيرُه الاستثناءُ في قَولِه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: 42]؟
والجوابُ: أنَّ السُّلطانَ الَّذي أثبَتَه له عليهم غيرُ السُّلطانِ الَّذي نفاه؛ وذلك مِن وجهَينِ:
الأول: أنَّ السُّلطانَ الثَّابتَ هو سُلطانُ التَّمكُّنِ منهم، وتلاعُبِه بهم، وسَوقِه إيَّاهم كيفَ أراد، بتمكينِهم إيَّاه مِن ذلك بطاعتِه ومُوالاتِه، والسُّلطانَ الَّذي نفاه سُلطانُ الحُجَّةِ، فلم يكُنْ لإبليسَ عليهم مِن حُجَّةٍ يَتسلَّطُ بها، غيرَ أنَّه دعاهم فأجابوه بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ، وإطلاقُ السُّلطانِ على البُرهانِ كثيرٌ في القُرآنِ.
الثاني: أنَّ الله لم يَجعلْ له عليهم سُلطانًا ابتِداءً الْبَتَّةَ، ولكِنْ هم سَلَّطوه على أنفُسِهم بطاعتِه ودُخولِهم في جُملةِ جُندِه وحِزبِه، فلمْ يَتسلَّطْ عليهم بقُوَّتِه؛ فإنَّ كَيْدَه ضَعيفٌ، وإنَّما تسَلَّطَ عليهم بإرادتِهم واختيارِهم [393] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 26)، ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) لابن القيم (1/100)، ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 134، 135)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/445). .
6- في قَولِه تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ إلى قَولِه سُبحانَه: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ نفَى سُبحانَه عمَّا سِواه كلَّ ما يتعلَّقُ به المُشرِكونَ؛ فنفَى أن يكونَ لغيرِه مُلكٌ أو قِسْطٌ مِن المُلكِ، أو يكونَ عَونًا للهِ، ولم يَبْقَ إلَّا الشَّفاعةُ؛ فبَيَّنَ أنَّها لا تَنفَعُ إلَّا لِمَن أذِنَ له الرَّبُّ، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [394] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/77). [البقرة: 255].
7- قَولُ الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ هذه أنواعُ التَّعلُّقاتِ الَّتي يتعلَّقُ بها المُشرِكونَ بأندادِهم وأوثانِهم مِنَ البَشَرِ والشَّجَرِ وغيرِهم؛ قَطَعها الله، وبيَّن بُطلانَها تبيينًا حاسمًا لموادِّ الشِّركِ، قاطِعًا لأُصولِه؛ لأنَّ المُشرِكَ إنَّما يدعو ويعبُدُ غيرَ اللهِ؛ لِما يرجو منه مِنَ النَّفعِ، فهذا الرَّجاءُ هو الذي أوجبَ له الشِّركَ، فإذا كان مَن يدعوه مِن دونِ اللهِ لا مالِكًا للنَّفعِ والضُّرِّ، ولا شريكًا للمالِكِ، ولا عَونًا وظهيرًا للمالِكِ، ولا يَقدِرُ أن يشفَعَ بدونِ إذْنِ المالكِ: كان هذا الدُّعاءُ وهذه العِبادةُ ضلالًا في العَقلِ، باطِلةً في الشَّرعِ، بل يَنعكِسُ على المُشرِكِ مَطلوبُه ومقصودُه؛ فإنَّه يُريدُ منها النَّفعَ؛ فبيَّن اللهُ بُطلانَه وعَدَمَه [395] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 678). ويُنظر أيضًا: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/461). .
8- قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، جمَعَت هذه الآيةُ نَفْيَ جَميعِ أصنافِ التَّصرُّفِ عن آلهةِ المُشركينَ، كما جمَعَت نَفْيَ أصنافِ الآلهةِ المَعبودةِ عندَ العرَبِ؛ لأنَّ مِن العرَبِ صابئةً يَعبُدون الكواكبَ، وهي في زَعمِهم مُستقِرَّةٌ في السَّمواتِ تُدبِّرُ أُمورَ أهْلِ الأرضِ؛ فأبطَلَ هذا الزَّعمَ قولُه: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؛ فأمَّا في السَّمواتِ فباعتِرافِهم أنَّ الكواكبَ لا تَتصرَّفُ في السَّمواتِ، وإنَّما تَصرُّفُها في الأرضِ، وأمَّا في الأرضِ فبِقولِه: وَلَا فِي الْأَرْضِ. ومِن العرَبِ عَبَدةُ أصنامٍ يَزعُمون أنَّ الأصنامَ شُركاءُ للهِ في الإلهيَّةِ، فنَفى ذلك بقولِه: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، ومنهم مَن يَزعُمون أنَّ الأصنامَ جَعَلها اللهُ شُفعاءَ لأهلِ الأرضِ، فنَفى ذلك بقولِه: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ الآيةَ [396] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/188). .
9- في قَولِه تعالى: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ إثباتُ الشَّفاعةِ بإذنِ اللهِ تعالى، ولو كانتِ الشَّفاعةُ لا تَنفَعُ مُطلَقًا ما صحَّ الاستِثناءُ، ولو كانت تَنفَعُ مُطلقًا ما صحَّ النَّفيُ؛ إذَنْ فهي تَنفَعُ بإذنِ اللهِ تعالى [397] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 171). .
10- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ نَفْيٌ لأن يكونَ شَفيعٌ عندَه -تعالى- يَضطرُّه إلى قَبولِ الشَّفاعةِ فيمَنْ يَشفَعُ له؛ لتعظيمٍ أو حياءٍ، وصرَّح بالمتعلَّقِ هنا؛ ردًّا على قَولِ المُشرِكينَ: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18]، فنُفِيَت شفاعتُهم في عُمومِ نَفيِ كُلِّ شَفاعةٍ نافِعةٍ عندَ اللهِ إلَّا شَفاعةَ مَن أذِنَ اللهُ أن يَشفَعَ، وفي هذا إبطالُ شفاعةِ أصنامِهم؛ لأنَّهم زَعَموا لهم شَفاعةً لازِمةً مِن صِفاتِ آلهتِهم؛ لأنَّ أوصافَ الإلهِ يجِبُ أن تكونَ ذاتيَّةً، فلمَّا نفى اللهُ كُلَّ شَفاعةٍ لم يَأذَنْ فيها للشَّافِعِ، انتفَتِ الشَّفاعةُ المزعومةُ لأصنامِهم، وبهذا يَندفِعُ ما يُتوهَّمُ مِن أنَّ قَولَه: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ لا يُبطِلُ شَفاعةَ الأصنامِ [398] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/187). .
11- قَولُ الله تعالى: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ يدُلُّ على العَظَمةِ، وهو أنَّه لا افتياتَ عليه تعالى بوجهٍ مِن أحدٍ ما، بل لا بُدَّ أن يَنُصَّ هو سبحانَه على الإذنِ، وإلَّا فلا استطاعةَ عليه أصلًا [399] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/495). ؛ ففي الآيةِ عَظَمةُ اللهِ تعالى وقوَّةُ سلطانِه، ووجهُ ذلك: أنَّ الشَّفاعةَ لا تكونُ إلَّا بإذنِه، بخِلافِ المخلوقينَ؛ فمهما عَظُم مُلْكُهم فإنَّه يَدخُلُ الشَّافعُ على المَلِكِ والسلطانِ، ويَشْفَعُ بدونِ إذنِه [400] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 172). .
12- في قَولِه تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أنَّ كلامَ اللهِ ليس ككَلامِ المخلوقينَ، بل هو أعظَمُ؛ لأنَّ السَّامِعَ له يُصعَقُ إلَّا أنْ يُثبِّتَه اللهُ تعالى [401] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 172). ، وذلك على تفسيرِ الآيةِ بأنَّ الملائكةَ إذا تكلَّم الله تعالى بالوَحْيِ صَعِقوا، فإذا صَعِقوا فُزِّع عن قلوبِهم.
13- قَولُه تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فيه حُجَّةٌ على إبطالِ الشِّركِ، خُصوصًا مَن تعلَّقَ على الصَّالحينَ، وبُرهانٌ عَظيمٌ على وُجوبِ التَّوحيدِ؛ فقد دَلَّ على كبرياءِ الرَّبِّ وعَظَمتِه الَّتي تتضاءلُ وتضمَحِلُّ عندَها عَظَمةُ المخلوقاتِ العظيمةِ، وتخضَعُ له الملائِكةُ والعالَمُ العُلويُّ والسُّفليُّ، ولا تَثبُتُ أفئدتُهم عندَما يَسمَعونَ كَلامَه، أو تتبدَّى لهم بعضُ عَظَمتِه ومَجدِه؛ فالمخلوقاتُ بأَسْرِها خاضِعةٌ لجَلالِه، مُعترِفةٌ بعَظَمتِه ومَجدِه، خاضِعةٌ له، خائفةٌ منه؛ فمَن كان هذا شأنَه فهو الرَّبُّ الَّذي لا يَستَحِقُّ العبادةَ والحَمدَ والثَّناءَ والشُّكرَ والتَّعظيمَ والتَّألُّهَ إلَّا هو، ومَن سِواه ليس له مِن هذا الحَقِّ شَيءٌ [402] يُنظر: ((القول السديد شرح كتاب التوحيد)) للسعدي (ص: 68). .
14- في قَولِه تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أنَّ للمَلائكةِ عُقولًا وفَهمًا وإدراكًا وقُلوبًا، وأنَّهم يَتكلَّمون، وأنَّهم أجسامٌ، لا قُوًى مَعنويَّة كما قال الزَّائِغونَ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 173)، ((شرح ثلاثة الأصول)) لابن عثيمين (ص: 94). .
15- في قَولِه تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ حُجَّةٌ على المُعتزِلةِ والجَهميَّةِ فيما يَجحَدونَ مِن إثباتِ الكَلامِ للهِ، وما يُنكِرونَ مِن الصِّفاتِ [404] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/689). .
16- في قَولِه تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، وقولِه: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255] التَّصريحُ بالعُلُوِّ المُطْلَقِ الدَّالِّ على جميعِ مراتبِ العُلُوِّ -ذاتًا وقَدْرًا وشَرَفًا- [405] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (2/215). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عطْفٌ على قولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ [سبأ: 7] الآيةَ، وما بيْنَهما مِن الأخبارِ المَسوقةِ للاعتبارِ واقعٌ مَوقِعَ الاستِطرادِ والاعتِراضِ؛ فيكونُ ضَميرُ عَلَيْهِمْ عائدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ إلخ، على قولٍ في التَّفسيرِ. وقيل: إنَّ ضَميرَ عَلَيْهِمْ عائدٌ إلى سَبأٍ المُتحدَّثِ عنهم. ولكنْ قولُه تعالى بعْدَ ذلك: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: 22] الآياتِ، هو عَودٌ إلى مُحاجَّةِ المشركينَ المُنتقَلِ منها بذِكرِ قصَّةِ داودَ وسُليمانَ وأهلِ سَبأٍ. وصُلوحيَّةُ الآيةِ للمَحملَينِ ناشئةٌ مِن مَوقعِها، وهذا مِن بلاغةِ القُرآنِ المُستفادَةِ مِن تَرتيبِ مَواقعِ الآيةِ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/182). .
- وفي قولِه: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ إيجازُ حَذْفٍ؛ لأنَّ صِدقَ الظَّنِّ المُفرَّعَ عنه اتِّباعُهم يَقْتضي أنَّه دَعاهم إلى شَيءٍ ظانًّا استِجابةَ دَعوتِه إيَّاهم [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/182). .
- والتعبيرُ بحَرْف الاستعلاءِ (على) في قولِه: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ: إيماءٌ إلى أنَّ عمَلَ إبليسَ كان مِن جِنسِ التَّغلُّبِ والاستعلاءِ عليهم [408] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/183). .
- وقولُه: فَاتَّبَعُوهُ تَفريعٌ وتَعقيبٌ على فِعلِ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ، أي: تَحقَّقَ ظَنُّه حينَ انفَعَلوا لِفِعلِ وَسوستِه، فبادَروا إلى العملِ بما دَعاهم إليه مِن الإشراكِ والكُفرانِ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/183). .
- وقلَّلَ المؤمنينَ بقولِه: إِلَّا فَرِيقًا؛ لأنَّهم قليلٌ بالإضافةِ إلى الكفَّارِ، والتَّعريفُ في المؤمنينَ للاستغراقِ. أو إلَّا فريقًا مِن فِرَقِ المؤمنينَ لم يتَّبِعوه، وهمُ المُخلَصون [410] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/579)، ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير أبي حيان)) (8/540)، ((تفسير أبي السعود)) (7/130)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/183). .
2- قَولُه تعالى: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
- قولُه: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ ... فِعلُ كَانَ في النَّفيِ مع مِنْ الَّتي تُفِيدُ الاستغراقَ في النَّفيِ؛ يُفِيدُ انتفاءَ السُّلطانِ، أي: الملكِ والتَّصريفِ للشَّيطانِ [411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/183). .
- وفي قولِه: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ ... اقتُصِرَ مِن عِلَلِ تَمكينِ الشَّيطانِ على تَمييزِ مَن يُؤمِنُ بالآخِرةِ ومَن لا يُؤمِنُ بها؛ لِمُراعاةِ أحوالِ الَّذين سِيقَت إليهم الموعظةُ بأهلِ سَبأٍ، وهم كفَّارُ قُريشٍ؛ لأنَّ جُحودَهم الآخرةَ قَرينٌ للشِّركِ، ومُساوٍ له؛ فإنَّهم لو آمَنوا بالآخرةِ لآمَنوا برَبِّها، وهو الرَّبُّ الواحدُ الَّذي لا شَريكَ له، وإلَّا فإنَّ عِلَلَ جَعلِ الشَّيطانِ للوَسوسةِ كَثيرةٌ مَرجِعُها إلى تَمييزِ الكُفَّارِ مِن المؤمنينَ، والمُتَّقينَ مِن المُعرضينَ. وكُنِّيَ بـ (نَعلَم) عن إظهارِ التَّمييزِ بيْنَ الحالَينِ؛ لأنَّ الظُّهورَ يُلازِمُ العِلمَ في العُرفِ [412] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/184). . وقيل: ضُمِّنَتْ (نَعْلَم) معنى (نُمَيِّز)؛ ولهذا قال تعالى: مِمَّنْ هُوَ يعني: إلَّا لِنُمَيِّزَ مَن يؤمنُ بالآخرةِ ممَّن هو منها في شكٍّ [413] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 155). .
- وخُولِفَ في النَّظمِ بيْنَ الصِّلتينِ؛ فجاءتْ جُملةُ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ فِعليَّةً، وجاءتْ جُملةُ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ اسميَّةً؛ لأنَّ الإيمانَ بالآخِرةِ طارئٌ على كُفرِهم السَّابقِ، ومُتجدِّدٌ ومُتزايدٌ آنًا فآنًا؛ فكان مُقْتضى الحالِ إيرادَ الفِعلِ في صِلَةِ أصحابِه، وأمَّا شَكُّهم في الآخِرةِ فبِخلافِ ذلك؛ هو أمْرٌ مُتأصِّلٌ فيهم، فاجتُلِبَت لأصحابِه الجُملةُ الاسميَّةُ [414] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/184). .
- وجِيءَ في جُملةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ بحَرفِ الظَّرفيَّةِ (في)؛ للدَّلالةِ على إحاطةِ الشَّكِّ بنُفوسِهم، ويَتعلَّق قولُه: مِنْهَا بقولِه: شَكٍّ [415] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/185). .
- وجُملةُ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ تَذييلٌ، وصِيغةُ (فَعيلٍ) تدُلُّ على قُوَّةِ الفِعلِ، وأفادَ عُمومُ كُلِّ شَيْءٍ أنَّه لا يَخرُجُ عن عِلمِه شَيءٌ مِن الكائناتِ؛ فتَنزَّلَ هذا التَّذييلُ مَنزلةَ الاحتِراسِ عن غيرِ المعنى الكِنائيِّ مِن قولِه: لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ، أي: لِيَظهَرَ ذلك لكلِّ أحدٍ، فتَقومَ الحُجَّةُ لهم وعليهم [416] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/185). .
3- قَولُه تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ افتُتِحَ الكلامُ بأمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنْ يقولَ لهم ما هو مُتتابِعٌ في بَقيَّةِ هذه الآياتِ المُتتابِعةِ بكَلمةِ قُلِ؛ فأُمِرَ بالقَولِ تَجديدًا لِمَعنى التَّبليغِ الَّذي هو مُهِمَّةُ كلِّ القُرآنِ [417] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/185). .
- والأمْرُ في قولِه: ادْعُوا مُستعمَلٌ في التَّخطئةِ والتَّوبيخِ [418] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/186). .
- قولُه: الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: زَعَمْتُموهمْ أربابًا، فحُذِفَ مَفعولَا الزَّعمِ؛ أمَّا الأوَّلُ فحُذِفَ لأنَّه ضَميرٌ مُتَّصلٌ مَنصوبٌ بفِعلٍ؛ قصْدًا لِتَخفيفِ الصِّلةِ بمُتعلِّقاتِها، وأمَّا الثَّاني فحَذْفُه لِدَلالةِ صِفَتِه عليه، وهي مِنْ دُونِ اللَّهِ [419] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/579)، ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير أبي حيان)) (8/541)، ((تفسير أبي السعود)) (7/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/186). . وقيل: حُذِف مَفْعولَا (زعم)؛ تنبيهًا على استهجانِ ذلك واستبشاعِه [420] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/492). .
- وجُملةُ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ استِئنافٌ لِبَيانِ حالِهم، وهي مُبَيِّنةٌ لِمَا في جُملةِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن التَّخطئةِ [421] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير أبي السعود)) (7/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/186). .
- قولُه: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ إعادةُ حرفِ النَّفيِ: تَأكيدٌ له؛ للاهتمامِ به، وقد نُفِيَ أنْ يكونَ لآلهتِهم مُلكٌ مُستقِلٌّ، وأُتبِعَ بنَفْيِ أنْ يكونَ لهم شِركٌ في شَيءٍ مِن السَّماءِ والأرضِ، أي: شِركٌ مع اللهِ، فلمْ يُذكَرْ مُتعلَّقُ الشِّركِ إيجازًا؛ لأنَّه مَحلُّ الوِفاقِ، ثمَّ نُفِيَ أنْ يكونَ منهم ظَهيرٌ، أي: مُعِينٌ للهِ تعالى، وهنا تَعيَّنَ التَّصريحُ بالمُتعلَّقِ؛ رَدًّا على المشركينَ؛ إذ زَعَموا أنَّ آلهتَهم تُقرِّبُ إليه وتُبعِدُ عنه، ثمَّ أُتبِعَ ذلك بنَفْيِ أنْ يكونَ شَفيعٌ عندَ اللهِ يَضطَرُّه إلى قَبولِ الشَّفاعةِ فيمَن يَشفَعُ له؛ لِتَعظيمٍ أو حَياءً [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/186، 187). .
- وذِكْرُ السَّمواتِ والأرضِ للتَّعميمِ عُرفًا، أو لأنَّ آلهتَهم بَعضُها سَماويَّةٌ كالملائكةِ والكواكبِ، وبَعضُها أرضيَّةٌ كالأصنامِ، أو لأنَّ الاسبابَ القريبةَ للخيرِ سَماويَّةٌ وأرضيَّةٌ [423] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير أبي السعود)) (7/131). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال هنا: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وقال في سُورةِ (الإسراءِ): قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء: 56]؛ فأظهَرَ اسمَ اللهِ تعالى هنا في قولِه: مِنْ دُونِ اللَّهِ، وأضْمَرَه في سُورةِ (الإسراءِ) في قولِه: مِنْ دُونِهِ؛ ووَجْهُه: أنَّه إنَّما اختِيرَ الإضمارُ في سُورةِ (الإسراءِ)؛ لِقُوَّةِ الذِّكرِ قبْلُ؛ فقدْ تَكرَّرَ في عشَرةِ مَواضِعَ مُضمَرًا ومُظهَرًا؛ لقولِه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ؛ فـ رَبُّكُمْ واحدٌ، وفي أَعْلَمُ ضَميرُه، وإِنْ يَشَأْ فِيه ضَميرُه، وفي قولِه: يَرْحَمْكُمْ ضَميرُه، وقولُه: أَوْ إِنْ يَشَأْ فيه ضَميرٌ فاعلٌ، وقولُه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ النُّونُ والألِفُ فيه ذِكرٌ له تعالى، ورَبُّكُمْ أَعْلَمُ اسمانِ، وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ قولُه: (نا) اسمُه، وكذلك وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا؛ فكان الإضمارُ تِلوَ الإضماراتِ أَولى بهذا المكانِ؛ فلذلك جاءَ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ. وأمَّا في سُورةِ (سَبأٍ)؛ فإنَّ الَّذي تَقدَّمَه: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ، فالذِّكرُ تَقدَّمَ في ثلاثةِ مَواضعَ، وهناك في أكثَرِ مِن عَشَرةِ مَواضعَ، فحَسُنَ الإظهارُ هنا، وقَوِيَ الإضمارُ هناك؛ فلذلك اختَلَفا [424] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1077-1079)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 208)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/383). .
ووجهٌ آخَرُ: أنَّه لَمَّا قرُبَ مرجِعُه هنا في سُورةِ (الإسراءِ)، وهو الرَّبُّ في قولِه المُتقدِّمِ ذِكْرُه في الآيةِ الأُولى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ؛ عُبِّرَ عنه مُضمَرًا مُناسَبةً، ولم يكُنْ ليُناسِبَ الظَّاهِرُ هنا، ولَمَّا بَعُدَ مرجِعُ الضَّميرِ في سُورةِ (سبَأٍ) لو أُتِيَ به، أُتِيَ بالاسمِ الظَّاهرِ؛ فآيةُ (سبَأٍ) تقدَّمَ قبْلَها قولُه تَعالى مُخبِرًا عن الكافرينَ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [سبأ: 20]، ثمَّ قال بعدَ آيةٍ مِن تَمامِ الآيةِ الَّتي قبْلَها: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: 22]؛ فجِيءَ بالاسمِ الظَّاهرِ؛ ليَكونَ أبعَدَ على إيهامِ عَودةِ الضَّميرِ ورُجوعِه إلى المُتَّبعِ لهم في الآيةِ المُتقدِّمةِ، فجاء كلٌّ على ما يُناسِبُ [425] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 166)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/312، 313)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 328). .
4- قَولُه تعالى: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ جاء نَظْمُ هذه الآيةِ بَديعًا مِن وَفرةِ المعنى؛ فإنَّ النَّفعَ يَجِيءُ بمعنى حُصولِ المَقصودِ مِن العمَلِ ونَجاحِه، ويَجِيءُ بمعنى المُساعِدِ المُلائمِ؛ فالنَّفعُ بالمعنى الأوَّلِ في الآيةِ يُفِيدُ القَبولَ مِن الشَّافعِ لِشَفاعتِه، وبالمعنى الثَّاني يُفِيدُ انتفاعَ المَشفوعِ له بالشَّفاعةِ، أي: حُصولَ النَّفعِ له بانقشاعِ ضُرِّ المُؤاخَذةِ بذَنْبٍ. فلمَّا عُبِّرَ في هذه الآيةِ بلَفظِ (الشَّفاعةِ) الصَّالحِ لِأنْ يُعتبَرَ مُضافًا إلى الفاعلِ أو إلى المفعولِ، احتمَلَ النَّفعُ أنْ يكونَ نفْعَ الفاعلِ، أي: قَبولَ شَفاعتِه، ونفْعَ المفعولِ، أي: قَبولَ شَفاعةِ مَن شفَعَ فيه، وتَعديةُ فِعلِ الشَّفاعةِ باللَّامِ دونَ (في)، ودونَ تَعديتِه بنفْسِه؛ زاد صُلوحيَّتَه للمَعْنيَينِ؛ لأنَّ الشَّفاعةَ تَقْتضي شافعًا ومَشفوعًا فيه، فكان بذلك أوفَرَ معنًى [426] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/187). .
- وفي قولِه: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ... صُرِّحَ بالمُتعلَّقِ هنا أيضًا؛ ردًّا على قَولِ المشركينَ: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18]؛ فنُفِيَت شَفاعتُهم في عُمومِ نَفْيِ كلِّ شَفاعةٍ نافعةٍ عندَ اللهِ إلَّا شفاعةَ مَن أذِنَ اللهُ أنْ يَشفَعَ. وفي هذا إبطالُ شَفاعةِ أصنامِهم؛ لأنَّهم زَعَموا لهمْ شفاعةً لازِمةً مِن صِفاتِ آلهتِهم، فلمَّا نَفى اللهُ كلَّ شَفاعةٍ لم يَأذَنْ فيها للشَّافعِ، انتَفَت الشَّفاعةُ المَزعومةُ لأصنامِهم [427] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/187). . وإنَّما عُلِّقَ النَّفيُ بنَفعِها لا بوُقوعِها؛ تَصريحًا بنَفْيِ ما هو غرَضُهم مِن وُقوعِها [428] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/131). .
- قولُه: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ احتمَلَتِ اللَّامُ أنْ تكونَ داخلةً على الشَّافعِ، وأنَّ (مَن) المَجرورةَ باللَّامِ صادقةٌ على الشَّافعِ، أي: لا تُقبَلُ شَفاعةٌ إلَّا شفاعةٌ كائنةٌ لِمَن أذِنَ اللهُ له، أي: أذِنَ له بأنْ يَشفَعَ؛ فاللَّامُ للمِلكِ، كقولِك: الكرَمُ لِزَيدٍ، أي: هو كريمٌ؛ فيكون في معنى قولِه: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة: 4]. وأنْ تكونَ اللَّامُ داخلةً على المَشفوعِ فيه، و(مَن) صادِقةً على مَشفوعٍ فيه، أي: إلَّا شَفاعةٌ لِمَشفوعٍ أذِنَ اللهُ الشَّافعينَ أنْ يَشفَعوا له، أي: لأجْلِه؛ فاللَّامُ للعِلَّةِ، كقولِك: قمْتُ لِزَيدٍ، فهو كقولِه تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28]. وإنَّما جِيءَ بنَظْمِ هذه الآيةِ على غَيرِ ما نُظِمَت عليه غيرُها؛ لأنَّ المقصودَ هنا إبطالُ رَجائِهم أنْ تَشفَعَ لهم آلِهَتُهم عندَ اللهِ، فيَنتفِعوا بشَفاعتِها؛ لأنَّ أوَّلَ الآيةِ تَوبيخٌ وتَعجيزٌ لهم في دَعوتِهم الآلهةَ المَزعومةَ، فاقتضَتْ إبطالَ الدَّعوةِ والمَدْعُوِّ [429] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/580)، ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/188). .
- قولُه: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... حَتَّى غايةٌ لِمَا أفهَمَه قولُه: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ مِن أنَّ هنالك إذنًا يَصدُرُ لناسٍ مِن الأخيارِ بأنْ يَشفَعوا، كما جاء تَفصيلُ بعضِ هذه الشَّفاعةِ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ، وأنَّ الذين يَرجُون أنْ يُشفَّعَ فيهم يَنتظِرونَ ممَّن هو أهلٌ لِأنْ يَشفَعَ، وهمْ في فَزَعٍ مِن الإشفاقِ ألَّا يُؤذَنَ بالشَّفاعةِ فيهم، فإذا أذِنَ اللهُ لِمَن شاءَ أنْ يَشفَعَ، زال الفزَعُ عن قُلوبِهم واستَبْشَروا؛ إذ إنَّه فُزِّعَ عن قُلوبِ الَّذين قُبِلَت الشَّفاعةُ فيهم، أي: وأيِسَ المَحرُومون مِن قَبولِ الشَّفاعةِ فيهم -على قولٍ في التَّفسيرِ-. وهذا مِن الحذْفِ المُسمَّى بالاكتِفاءِ؛ اكتفاءً بذِكرِ الشَّيءِ عن ذِكرِ نَظيرِه أو ضِدِّه، وحسَّنَه هنا: أنَّه اقتصارٌ على ما يَسُرُّ المؤمنينَ الَّذين لم يَتَّخِذوا مِن دونِ اللهِ أولياءَ [430] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/188، 189). .
- وقد طُوِيَت جُمَلٌ مِن وَراءِ حَتَّى، والتَّقديرُ: إلَّا لِمَن أذِنَ له، ويومَئذٍ يَبْقَى النَّاسُ مُرتقبينَ الإذْنَ لِمَن يَشفَعُ، فَزِعينَ مِن ألَّا يُؤذَنَ لأحدٍ زمنًا يَنْتهي بوَقتِ زَوالِ الفزَعِ عن قُلوبِهم حينَ يُؤذَنُ للشَّافعينَ بأنْ يَشْفَعوا -وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ-، وهو إيجازُ حَذْفٍ [431] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/580)، ((تفسير البيضاوي)) (4/246)، ((تفسير أبي السعود)) (7/132)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/188، 189). .
- وبُنِيَ فُزِّعَ للمَجهولِ؛ لِتَعظيمِ ذلك التَّفزيعِ بأنَّه صادرٌ مِن جانبٍ عظيمٍ؛ ففيه جانبُ الآذِنِ فيه، وجانبُ المبلِّغِ له، وهو الملَكُ [432] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/189). .
- قولُه: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ تَتِمَّةُ جَوابِ المُجيبينَ، عَطَفوا تَعظيمَ اللهِ بذِكرِ صِفتَينِ مِن صِفاتِ جَلالِه؛ وهما: صِفةُ العَلِيِّ، وصِفةُ الكبيرِ. وتَخصيصُ هاتَينِ الصِّفتَينِ؛ لِمُناسَبةِ مَقامِ الجوابِ، أي: قد قَضى بالحقِّ لكلِّ أحدٍ بما يَستحِقُّه؛ فإنَّه لا يَخْفى عليه حالُ أحدٍ، ولا يَعُوقُه عن إيصالِه إلى حَقِّه عائقٌ، ولا يَجوزُ دونَه حائلٌ [433] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/190، 191). .
- وفي قولِهم: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ اعتِرافٌ بِغايةِ عَظَمةِ جَنابِ العِزَّةِ عزَّ وجلَّ، وقُصورِ شأْنِ كلِّ مَن سِواهُ، أي: هو المُنفرِدُ بالعُلوِّ والكِبرياءِ، ليس لأحدٍ مِن أشرافِ الخلائقِ أنْ يَتكلَّمَ إلَّا بإذْنِه [434] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/132). .