موسوعة التفسير

سورةُ الحِجْرِ
الآيات (26-44)

ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ

غريب الكلمات:


صَلْصَالٍ: طينٍ يابسٍ له صَوتٌ، وأصلُ الصَّلصالِ: تردُّدُ الصَّوتِ مِن الشَّيءِ اليابسِ [204] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 437)، ((تفسير ابن جرير)) (14/57)، ((المفردات)) للراغب (ص: 488)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 256). .
حَمَإٍ: طينٍ أسوَدَ متغَيِّرٍ مُنتِنٍ [205] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/59)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 192)، ((المفردات)) للراغب (ص: 259)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 256)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 411). .
مَسْنُونٍ: أي: مَصبوبٍ، مِن سَنَّ الماءَ: إذا صَبَّه، أي: أنَّه مفرَّغٌ على هيئةِ الإنسانِ، أو مُنتِنٍ مُتغَيِّرِ الرَّائحةِ، مِن قَولِهم: سَنَنتُ الحجرَ على الحجَرِ: إذا حكَكْتَه به، فالذي يسيلُ بينهما يقال له: سَنِينٌ، ويكونُ ذلك مُنتِنًا [206] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/88)، ((تفسير ابن جرير)) (14/60)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 419)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/60)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 137، 256)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 881)، ((تفسير الألوسي)) (7/279). .
السَّمُومِ: أي: الرِّيحِ الحارَّةِ التي تدخُلُ مَسامَّ الإنسانِ، وأصل (سمم): يدلُّ على مدخَلٍ في الشَّيءِ [207] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 464، 465)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/62)، ((المفردات)) للراغب (ص: 424)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 189)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 256)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 518). .
فَأَنْظِرْنِي: أي: فأخِّرني، وأجلني، والنظرُ: الانتظارُ، ونظرتُه: أي: انتظرتُه، كأنَّه ينظرُ إلى الوقتِ الذي يأتي فيه، وأصلُ (نظر): تأملُ شيءٍ ومعاينتُه [208] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/45)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/444)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 108)، ((المفردات)) للراغب (ص: 813). .
الْغَاوِينَ: أي: الضالِّينَ، والهالكينَ، والغَيُّ: جهلٌ مِن اعتقادٍ فاسدٍ، وأصلُ (غوي): يدلُّ على خلافِ الرشدِ [209] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/576)، ((المفردات)) للراغب (ص: 620)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 121). .

المعنى الإجمالي:


يخبِرُ تعالى أنَّه خَلقَ آدمَ مِن طينٍ يابسٍ، كائنٍ مِن طينٍ أسودَ مُتغيِّرٍ، وخَلقَ أبا الجِنِّ- وهو إبليسُ- مِن قَبلِ خَلْقِ آدمَ من نارٍ شديدةِ الحرارةِ.
ثم حكَى الله تعالى ما أمَر به الملائكةَ عندَما أراد خلقَ آدمَ، فقال تعالى: اذكُرْ- يا محمَّدُ- حين قال ربُّك للملائكةِ: إنِّي خالِقٌ إنسانًا من طينٍ يابسٍ أسودَ مُتَغيِّرٍ، فإذا أكمَلْتُ صُورتَه ونفَخْتُ فيه الرُّوحَ، فخِرُّوا له ساجِدينَ سُجودَ تحيَّةٍ وتكريمٍ، فسجَدَ الملائِكةُ كُلُّهم أجمعونَ- كما أمَرَهم ربُّهم- إلَّا إبليسَ، امتنَعَ أن يسجُدَ لآدمَ مع الملائكةِ السَّاجِدينَ. قال اللهُ تعالى لإبليس: ما لك ألَّا تَسجُدَ مع الملائكةِ؟ قال إبليسُ تكَبُّرًا وحَسدًا: لا ينبغي لي أن أسجُدَ لإنسانٍ مخلوقٍ مِن طينٍ يابسٍ مُتغيِّر!
 قال اللهُ تعالى له: فاخرُجْ منها؛ فإنَّك مطرودٌ، وإنَّ عليك اللَّعنةَ إلى يومِ القيامةِ. قال إبليسُ: ربِّ أخِّرْني فلا تُهلِكْني إلى اليومِ الذي تَبعَثُ فيه الخلائِقَ، قال اللهُ له: فإنَّك من المؤخَّرين إلى اليومِ الذي يموتُ فيه الخَلقُ عندَ النَّفخةِ الأولى. قال إبليسُ: ربِّ بسبَبِ ما أغويتَني وأضلَلْتَني لأُحسِّنَنَّ لهم مَعصيتَك في الأرضِ، ولأُضِلَّنَّهم عن طريقِ الهُدى، إلَّا عبادَك المُخلَصين الذين اختَرْتَهم لهِدايتِك. قال الله: هذا طريقٌ مُستقيمٌ مُعتَدِلٌ مُوصِلٌ إليَّ وإلى جنَّتي.
إنَّ عبادي الذين أخلَصوا لي، لا سُلطانَ لك على قُلوبِهم، لكِنْ سُلطانُك على مَنِ اتَّبَعَك مِنَ المُشرِكينَ الضالِّينَ الذين رَضُوا بولايتِك وطاعتِك، وإنَّ جهنَّم لَموعِدُ إبليسَ وأتباعِه أجمعينَ، لها سبعةُ أبوابٍ، لكلِّ بابٍ من أتباعِ إبليسَ نصيبٌ مَعلومٌ يَدخُلونَ منه جهنَّمَ.

تفسير الآيات:


وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا نبَّه تعالى على مُنتهى الخَلقِ- وهو الحَشرُ يومَ القيامةِ إلى ما يستقِرُّونَ فيه- نبَّهَهم على مبدَأ أصلِهم آدمَ، وما جرى لعدُوِّه إبليسَ مِن المحاورةِ مع اللهِ تعالى [210] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/475). ، فقال:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ.
أي: ولقد خَلَقْنا آدمَ مِن طينٍ قد اشتَدَّ يُبْسُه بعدما خُمِّرَ، حتى صار له صوتُ صَلصلةٍ إذا نُقِرَ [211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/57، 59)، ((تفسير القرطبي)) (10/21)، ((تفسير البيضاوي)) (3/210)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/41)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/274). قال الخازن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ يعني: آدمَ عليه السلام، في قولِ جميعِ المفسِّرين). ((تفسير الخازن)) (3/54). .
كما قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: 14].
وقال سُبحانَه: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [السجدة: 7-8].
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ.
أي: وهذا الصَّلصالُ مِن طينٍ أسودَ متغَيِّرٍ؛ مِن طُولِ مُكثِه [212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/59)، ((تفسير القرطبي)) (10/21)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/42). قال ابن الجوزي: (قال ابنُ الأنباري: لا خلافَ أنَّ الحمأَ: الطينُ الأسودُ المتغيِّرُ الريحِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/532). وممَّن ذهب إلى أنَّ مَسْنُونٍ بمعنى متغيرٍ: ابنُ جرير، والقرطبي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/59)، ((تفسير القرطبي)) (10/21)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). وممَّن ذهب إلى أنَّ المسنون بمعنى الأملسِ: ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/533). ولذا قال: (مقصودُ الآيةِ: التنبيهُ على شرفِ آدمَ عليه السلامُ، وطيبِ عنصرِه، وطهارةِ محتدِه). ((تفسير ابن كثير)) (4/534). وقال ابن عاشور: (والمَسْنونُ: الذي طالت مُدَّةُ مُكثِه، وهو اسمُ مفعولٍ مِن فعلِ (سَنَّهُ): إذا تركه مدةً طويلة تُشبِه السَّنة. وأحسَبُ أنَّ فعل (سَنَّ) بمعنى تركَ شيئًا مدة طويلةً- غيرُ مسموعٍ. ولعل (تسَنَّهَ) بمعنى تغيَّرَ من طولِ المدة أصلُه مطاوِعُ سَنَّه، ثم تنوسي منه معنى المطاوعة. وقد تقدم قولُه تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ في سورةِ البقرةِ (آية: 259). والمقصود مِن ذِكر هذه الأشياء التنبيهُ على عجيب صُنعِ الله تعالى؛ إذ أخرج من هذه الحالة المَهينةِ نوعًا هو سيدُ أنواع عالَمِ المادة ذاتِ الحياة). ((تفسير ابن عاشور)) (14/42). وقال القاسمي: (مَسْنُونٍ أي: مُصوَّرٍ، من (سُنَّةِ الوجه) وهي صورتُه، أو مصبوبٍ، من (سَنِّ الماءِ) صبِّه. أي: مُفرَغ على هيئة الإنسان. كأنَّه سبحانه أفرغَ الحمَأَ فصوَّرَ منها تمثالَ إنسان أجوف، فيَبِس حتى إذا نُقِرَ صلصل، ثم صيَّرَه جسدًا ولحمًا ونفخَ فيه من رُوحِه). ((تفسير القاسمي)) (6/334). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/53). .
وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ سُبحانه خَلْقَ الإنسانِ؛ أتبَعَه ذِكْرَ ما خلَقَه قَبلَه مِن الجانِّ [213] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/52). ؛ تمهيدًا إلى بيانِ نشأةِ العداوةِ بينَ بني آدمَ وجندِ إبليسَ [214]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/42). .
وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27).
أي: وإبليسَ- أبا الجِنِّ، المتواريَ عن الأعيُنِ- خَلَقْناه من قبلِ آدمَ مِن النارِ الشَّديدةِ الحرارةِ [215] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/43). قال الشنقيطي: (وسُمِّيت نارَ السمومِ؛ لأنَّها تنفُذُ في مسامِّ البدَنِ؛ لشِدَّةِ حَرِّها). ((أضواء البيان)) (2/10). وقال ابنُ عطية: (والسَّمُوم- في كلام العرب- إفراطُ الحَرِّ حتى يَقتُلَ، مِن نارٍ أو شمسٍ أو ريحٍ... وأمَّا إضافةُ نارٍ إلى السَّمُومِ في هذه الآية فيَحتملُ أن تكونَ النارُ أنواعًا، ويكونَ السَّمُومُ أمرًا يختصُّ بنوعٍ منها، فتصحُّ الإضافةُ حينئذٍ، وإن لم يكنْ هذا فيُخرَّجُ هذا على قولِهم: مسجِدُ الجامعِ، ودارُ الآخرةِ، على حذفِ مُضافٍ). ((تفسير ابن عطية)) (3/359). وقال الواحدي: (اختلفوا في معنَى (السَّموم)، فقال ابنُ عباسٍ في روايةِ الكلبيِّ: هي نارٌ لا دُخَانَ لها، والصواعِقُ تكونُ منها... ونحوَ هذا القولِ سواءً رَوَى الفرَّاء عن الحسنِ. وقال آخرون: مِن نارِ الريحِ الحارَّةِ، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ). ((البسيط)) (12/599). .
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28).
أي: واذكُرْ- يا محمَّدُ- إذ قال ربُّك للملائكةِ: إنِّي خالِقٌ إنسانًا مِن طينٍ يابسٍ أسوَدَ متغَيِّرٍ [216] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/65)، ((تفسير القرطبي)) (10/24)، ((تفسير الشوكاني)) (3/155، 156)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/43). .
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)  .
أي: فإذا أكمَلتُ خَلْقَ آدمَ، وصَوَّرْتُه، وصار جسدًا تامًّا في غايةِ الإتقانِ، ونفخْتُ فيه الرُّوحَ التي هي مِن خَلْقي، فصار بشرًا حَيًّا؛ فخِرُّوا له ساجِدينَ تحيَّةً له وتكريمًا [217] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/65)، ((تفسير ابن عطية)) (3/360)، ((تفسير القرطبي)) (10/24)، ((تفسير أبي حيان)) (6/476، 477)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). قال النيسابوري: (لا خلافَ في أنَّ الإضافةَ في قَولِه: رُوحِي للتشريفِ والتكريمِ، مثل: ناقةِ الله، وبيتِ الله). ((تفسير النيسابوري)) (4/220). ويُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 154 - 156). .
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30).
أي: فلمَّا خلَقَ اللهُ آدمَ، ونفَخَ فيه الرُّوحَ، سجدَ له كلُّ الملائكةِ فَورًا، كما أمَرَهم اللهُ [218] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/66)، ((تفسير البغوي)) (3/57)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/54)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). قال الواحدي: (قال الكلبي: فخَرُّوا له ساجدينَ سجدةَ تحيَّة، ولم تكن سجدةَ طاعةٍ. ونحو هذا قال جميعُ المفسِّرين). ((البسيط)) (12/601). .
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31).
أي: إلَّا إبليسَ امتنَعَ أن يكونَ مع الملائكةِ السَّاجِدينَ لآدمَ؛ تكبُّرًا منه وحسَدًا لآدمَ [219] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/66)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (2/384)، ((تفسير الخازن)) (3/56)، ((تفسير ابن كثير)) (4/534)، ((تفسير الشوكاني)) (3/157)، ((تفسير الألوسي)) (7/290). .
كما قال سُبحانه: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ص: 73-74].
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32).
أي: قال الله: يا إبليسُ، ما السَّبَبُ الذي حمَلَك على ألَّا تكونَ مع الملائكةِ السَّاجِدينَ لآدمَ، وقد أمرتُك بالسُّجودِ معهم [220] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/66)، ((تفسير السمعاني)) (3/139)، ((تفسير البيضاوي)) (3/210)، ((تفسير الشربيني)) (2/201)، ((تفسير الشوكاني)) (3/157). قال الرازي: (أجمَعوا على أنَّ المرادَ مِن قولِه: قَالَ يَا إِبْلِيسُ أي: قال اللهُ تعالى له: يا إبليسُ). ((تفسير الرازي)) (19/140). ؟!
كما قال تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص: 75].
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33).
أي: قال إبليسُ تكبُّرًا وحسَدًا لآدمَ- عليه السَّلامُ: لا ينبغي لي أنا- المخلوقَ مِن نارٍ- أن أسجُدَ لهذا الجسَدِ الذي خلقْتَه من طينٍ يابسٍ لا مَنعةَ فيه، إذا نُقِرَ أجاب بالتَّصويتِ، أسودَ متغَيِّرٍ، فأنا خيرٌ منه؛ لأنَّك خلقتَني من نارٍ نافعةٍ بالإشراقِ، مُمتَنِعةٍ ممَّن يريدُها بالإحراقِ، فسُجودي له منافٍ لحالي [221] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/67)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (6/3892)، ((تفسير القرطبي)) (10/26)، ((تفسير أبي السعود)) (5/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). .
كما قال تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 12].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 61-62].
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34).
أي: قال الله لإبليسَ: فاخرُجْ منها [222] قيل: الضَّميرُ يعودُ على السَّموات. وممن قال بهذا: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/429)، ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير السعدي)) (ص: 717)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/46-47). قال ابنُ عاشور: وضميرُ مِنْهَا عائدٌ إلى السمواتِ، وإن لم تُذْكرْ؛ لدلالةِ ذكرِ الملائكةِ عليها). ((تفسير ابن عاشور)) (14/47). وقيل: يعودُ على الجنةِ. وممن قال بهذا: مكي، والبغوي، وابنُ عطيةَ، والخازن، والعليمي، والشِّنقيطي. يُنظر: ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6288)، ((تفسير البغوي)) (3/58)، ((تفسير ابن عطية)) (13/361)، ((تفسير الخازن)) (3/56)، ((تفسير العليمي)) (3/550)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/276). وقال أبو السعود: (فَاخْرُجْ مِنْهَا أي: مِن زمرةِ الملائكةِ المعزَّزينَ، لا مِن السماء؛ فإنَّ وسوستَه لآدمَ عليه الصلاة والسلام في الجنةِ إنَّما كانتْ بعدَ هذا الطَّردِ). ((تفسير أبي السعود)) (5/76). وقيل: يعود على المنزلةِ التي كان فيها مِن الملأ الأعلَى. وممن قال بهذا: ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/534). فإنَّك مَشتومٌ مُحقَّرٌ مذمومٌ [223] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/67)، ((تفسير ابن عطية)) (3/361)، ((تفسير القرطبي)) (10/26)، ((تفسير ابن كثير)) (4/534). .
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35).
أي: وإنَّ طَرْدَك التَّامَّ مِن رَحمتي سيبقَى في الدُّنيا مُتَّصِلًا بك، لاحِقًا لَك، إلى يومِ القيامةِ الذي تُلاقي فيه جزاءَ ما عَمِلتَ [224] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/67)، ((تفسير القرطبي)) (10/26)، ((تفسير الخازن)) (3/56)، ((تفسير ابن كثير)) (4/534)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/47). .
كما قال سُبحانه: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص: 77-78].
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36).
أي: قال إبليسُ: ربِّ فإذ أخرَجْتَني ولعَنْتَني، فأمهِلْني وأخِّرْني، ولا تُهلِكْني إلى أن تبعَثَ خلْقَك يومَ القيامةِ [225] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير القرطبي)) (10/27)، ((تفسير ابن كثير)) (4/535)، ((تفسير الشوكاني)) (3/158). قال أبو السعود: (وأرادَ بذلك أنْ يجدَ فُسحةً لإغوائِهم، ويأخذَ منهم ثأرَه، وينجوَ مِن الموتِ؛ لاستحالتِه بعدَ يومِ البعثِ). ((تفسير أبي السعود)) (5/77). قال الشوكاني: (وكأنَّه طلَبَ ألَّا يموتَ أبدًا؛ لأنَّه إذا أُخِّرَ موتُه إلى ذلك اليومِ، فهو يومٌ لا موتَ فيه. وقيل: إنَّه لم يَطلُب ألَّا يموتَ، بل طلب أن يؤخَّرَ عذابُه إلى يوم القيامة ولا يعذَّبَ في الدنيا). ((تفسير الشوكاني)) (3/158). .
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37).
أي: قال اللهُ لإبليسَ: فإنَّك من المؤخَّرينَ المُمهَلينَ [226] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير القرطبي)) (10/27). .
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38).
أي: إلى الوقتِ الذي يموتُ فيه الخلائقُ، وهو وقتُ النفخةِ الأُولَى [227] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير البغوي)) (3/58)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/534). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2264). قال ابنُ الجوزي: (فأرادَ أن يذيقَه ألمَ الموتِ قبلَ أن يذيقَه العذابَ الدائمِ في جهنمَ). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/534). وقال ابن عطية: (قال أكثرُ النَّاسِ: الوقتُ المعلومُ هو النفخةُ الأولى في الصُّورِ، التي يَصعَقُ لها مَن في السموات ومَن في الأرض من المخلوقين)، ثم قال عن هذا القول: إنَّه (أصَحُّ وأشهَرُ في الشرع). ((تفسير ابن عطية)) (2/379، 380). وقال الشنقيطي: (طلَب الشيطانُ الإنظارَ إلى يومِ البعثِ، وقد أعطاه الله الإنظارَ إلى يومِ الوقتِ المعلومِ. وأكثرُ العلماءِ يقولون: المرادُ به وقتُ النفخةِ الأُولَى، والعلمُ عندَ الله تعالى). ((أضواء البيان)) (2/11). وقال الرازي: (وإنَّما سُمِّيَ هذا الوقتُ (أي: وقتُ النفخةِ الأُولَى) بالوقتِ المعلومِ؛ لأنَّ مِنَ المعلومِ أنْ يموتَ كلُّ الخلائقِ فيه. وقيلَ: إنَّما سمَّاه اللَّهُ تعالَى بهذا الاسمِ، لأنَّ العالِمَ بذلك الوقتِ هو اللَّهُ تعالَى لا غير، كما قال تعالَى: إِنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف: 187]، وقال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: 34]). ((تفسير الرازي)) (19/141). وقيل: إنَّ المرادَ بيومِ الوقتِ المعلومِ: يومُ القيامةِ. وممن ذهَب إلى ذلك: ابنُ كثيرٍ، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/535)، ((تفسير الشوكاني)) (3/158). .
كما قال سُبحانَه: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [الإسراء: 62-63].
- وقال تعالى: قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الأعراف: 14-15].
- وقال سُبحانَه: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: 49-50].
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39).
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ.
أي: قال إبليسُ: ربِّ بسبَبِ إغوائِك لي لأُحَسِّنَنَّ للنَّاسِ مَعصيتَك، ولأُرغِّبنَّهم فيها، ولأَشغَلنَّهم بزينةِ الدُّنيا عن طاعتِك [228] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير القرطبي)) (10/27)، ((تفسير ابن كثير)) (4/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/49). قال ابن تيمية: (لَفظُ «الغَيِّ» إذا أطلِقَ تناولَ كلَّ معصيةٍ لله، كما في قَولِه تعالى عن الشَّيطانِ: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). ((مجموع الفتاوى)) (7/167). .
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
أي: ولأُضِلَّنَّ جميعَ النَّاسِ عن طريقِ الحَقِّ [229] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير القرطبي)) (10/27)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/50). قال ابنُ عاشور: (كلامُ الشيطانِ هذا طفحٌ بما في جبلَّتِه، وليس هو تشفيًا أو إغاظةً؛ لأنَّ العظمةَ الإلهيةَ تصدُّه عن ذلك). ((تفسير ابن عاشور)) (14/50). .
كما قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: 118-120].
وقال سُبحانه: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء: 62-64].
وقال تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17].
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضِيَ الله عنه، قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ إبليسَ قال لرَبِّه: بعِزَّتِك وجَلالِك لا أبرَحُ أُغوي بني آدمَ ما دامتِ الأرواحُ فيهم، فقال له الله: فبعِزَّتي وجلالي لا أبرَحُ أغفِرُ لهم ما استغفَروني)) [230] أخرجه أحمد (11244)، وأبو يعلى (1273)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8788). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/210): أحد إسناديه رجاله رجال الصحيح‏‏. وحسَّنه ابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (137)، والألباني في ((صحيح الجامع)) (1650)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق ((مسند أحمد)) (17/344). .
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40).
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قراءةُ الْمُخْلَصِينَ بفتح اللَّامِ، اسم مفعولٍ من أُخلِصَ، بمعنى: أنَّ الله أخلَصَهم فصاروا مخلَصِينَ، أي: اختارهم اللهُ وهداهم [231] قرأ بها نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/295). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 194)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 359). .
2- قراءةُ الْمُخْلِصِينَ بكسرِ اللامِ، اسم فاعلٍ مِن أخلَصَ، بمعنى: أنَّهم أخلَصوا لله دينَهم وأعمالَهم من الشِّركِ والرِّياءِ [232] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/295). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 194)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 358).  .
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40).
أي: إلَّا عبادَك الذين اختَرتَهم لهدايتِك، وطَهَّرتَهم من الشِّركِ والرِّياءِ فصاروا مُخلَصينَ، فلا أستطيعُ إغواءَهم [233] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((تفسير البغوي)) (3/58)، ((تفسير القرطبي)) (10/28)، ((تفسير البيضاوي)) (3/211)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). قال السعدي: (الْمُخْلَصِينَ أي: الذين أخلصتَهم، واجتبيتَهم؛ لإخلاصِهم وإيمانِهم وتوكُّلِهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 431). .
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41).            
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قراءةُ عَلِيٌّ بكسرِ اللامِ ورَفعِ الياءِ وتنوينِها، أي: هذا طريقٌ رفيعٌ شريفٌ في الدِّينِ [234] قرأ بها يعقوب. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/301). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/69)، ((المحتسب)) لابن جني (2/3). .
2- قِراءةُ عَلَيَّ بفتحِ اللَّامِ والياءِ من غير تنوينٍ، أي: هذا طريقٌ يدُلُّ عليَّ وعلى عبادتي وطاعتي، لا على معصيتي وطاعةِ الشَّيطانِ [235] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/301). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (14/69)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/69)، ((المحتسب)) لابن جني (2/3)، ((تفسير الشوكاني)) (3/158). .
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41).
أي: قال الله: طريقُ الحَقِّ والهُدى والإخلاصِ طريقٌ مُعتَدِلٌ، لا اعوِجاجَ فيه، يدُلُّ عليَّ، ويُوصِلُ إليَّ، وإلى جنَّتي [236] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (12/606، 607)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/198 - 216)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 69، 70)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/119)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/38، 39)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). وممن اختار هذا المعنى المذكورَ في الجملةِ: الواحدي، وابنُ تيمية، وابنُ القيم، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المرادُ: هذا طريقٌ مَرجِعُه إليَّ فأجازيكم بأعمالِكم، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ. وممن اختار هذا المعنى: ابنُ جريرٍ، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/69)، ((تفسير ابن كثير)) (4/535). وممن قال مِن السلفِ: إنَّ معنى عَلَيَّ: إليَّ: مجاهدٌ، وزيادُ ابنُ أبي مريمَ، وعبدُ الله بنُ كثيرٍ، والحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/70). وقيل: المعنى: هذا طريقٌ حقٌّ عَلَيَّ أن أراعيَه، وهو أن لا يكونَ لك سلطانٌ على عبادي، إلَّا مَن اختارَ اتِّباعَك منهم لِغَوايتِه. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/579). .
كما قال تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: 56].
وقال سُبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [النحل: 9].
وقال عزَّ وجلَّ: وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: 61].
وقال جلَّ جلالُه: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: 12].
وعن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((خَطَّ لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خطًّا، ثم قال: هذا سبيلُ اللهِ؛ ثم خَطَّ خُطوطًا عن يمينِه وعن شِمالِه؛ ثم قال: هذه سُبُلٌ- قال يَزيدُ: مُتَفَرِّقةٌ- على كُلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153])) [237] أخرجه أحمد (4142) واللفظ له، والدارمي (202)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11174)، وابن حبان (7). ذكر ابنُ القيِّم في ((طريق الهجرتين)) (152) أنَّه ثابتٌ، وصحَّح إسناده أحمدُ شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (6/89)، وصحَّحه ابنُ باز في ((مجموع فتاواه)) (4/281)، والألباني في تحقيق ((شرح الطحاوية)) (525). .
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42).
أي: قال اللهُ لإبليسَ: إنَّ عبادي المؤمنينَ الموحِّدينَ الذين هديتُهم، ليس لك عليهم حُجَّةٌ وتسَلُّطٌ على قلوبِهم، لكنْ مَن اتَّبَعَك من النَّاسِ فرَضِيَ بولايتِك وطاعتِك، ومالَ إلى ما تدعو إليه من الضَّلالاتِ؛ فلك عليه تسَلُّطٌ [238] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/71)، ((تفسير ابن عطية)) (3/362)، ((تفسير القرطبي)) (10/28، 29)، ((جامع المسائل)) لابن تيمية (1/215)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/98)، ((تفسير ابن كثير)) (4/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/52). وممَّن اختار أنَّ الاستثناءَ هنا منقطِعٌ بمعنى (لكنْ): ابنُ عطية، وابنُ تيمية، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/362)، ((جامع المسائل)) (1/215)، ((تفسير ابن كثير)) (4/535). .
كما قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 99-100].
وقال سُبحانه: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء: 64-65].
وقال عزَّ وجلَّ: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: 83].
وقال تبارك وتعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف: 36 - 38].
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43).
أي: وإنَّ جهنَّم لَموعِدُ إبليسَ وكُلِّ مَن اتَّبَعه من الإنسِ والجِنِّ أجمعينَ، فيَصيرونَ إليها في الآخرةِ [239] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/430)، ((تفسير ابن جرير)) (14/72)، ((تفسير القرطبي)) (10/30)، ((تفسير ابن كثير)) (4/536)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). .
كما قال تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13].
وقال سُبحانه: قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 84-85].
وكما قال تعالى عن القرآن: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: 17].
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44).
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ.
أي: لجهنَّمَ سَبعةُ أبوابٍ، يدخُلُ أهلُ النَّارِ منها [240] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/430)، ((تفسير ابن كثير)) (4/536)، ((تفسير الشوكاني)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 431). قال البيضاوي: (لها سبعةُ أبواب يدخلونَ منها؛ لكثرتهم، أو طبقات ينزِلونها بحسَبِ مراتبهم في المتابعةِ). ((تفسير البيضاوي)) (3/212). .
لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ.
أي: لكلِّ بابٍ من أتباعِ إبليسَ نصيبٌ مَعلومٌ، يَدخُلونَ منه إلى النَّارِ، كلٌّ يدخُلُ مِن بابٍ بحسَبِ عمَلِه، ويستقِرُّ في دَرْكٍ بقَدْرِ فِعْلِه [241] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/72)، ((تفسير القرطبي)) (10/30)، ((تفسير ابن كثير)) (4/536). .
كما قال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: 94-95].

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ هذا الإنظارُ فيه إشارةٌ إلى أنَّ ناموسَ الشرِّ لا ينقضي مِن عالَمِ الحياةِ الدُّنيا، وأنَّ نِظامَها قائِمٌ على التصارُعِ بين الخيرِ والشَّرِّ، والأخيارِ والأشرارِ؛ قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ [الأنبياء: 18]، وقال: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ [الرعد: 17]؛ فلذلك لم يستغنِ نظامُ العالَمِ عن إقامةِ قوانينِ العَدلِ والصلاحِ، وإيداعِها إلى الكُفاةِ لتَنفيذِها، والذَّودِ عنها [242] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/49).
2- اعتلَّ إبليسُ بالقَدَرِ؛ حيث قال: بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وأما آدمُ فقال: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]. فمن أراد اللهُ سعادتَه، ألهمه أن يقولَ كما قال آدمُ- عليه السَّلامُ- أو نحوِه، ومن أراد شقاوتَه اعتَلَّ بعلَّةِ إبليسَ أو نحوِها، فيكونُ كالمستجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنَّارِ، ومَثَلُه مَثَلُ رجُلٍ طار إلى دارِه شرارةُ نارٍ، فقال له العقلاءُ: أطفِئْها لئلَّا تُحرقَ المنزلَ، فأخذ يقولُ: من أين كانت؟ هذه ريحٌ ألقَتْها وأنا لا ذنبَ لي في هذه النَّارِ، فما زال يتعلَّلُ بهذه العِلَلِ حتى استعَرَت وانتشرت وأحرقت الدارَ وما فيها! هذه حالُ مَن شَرَع يُحيل الذنوبَ على المقاديرِ ولا يرُدُّها بالاستغفارِ والمعاذيرِ [243] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/199-200). ، فمن تاب أشبَهَ أباه آدمَ، ومن أصَرَّ واحتَجَّ بالقَدَرِ أشبَهَ إبليسَ [244] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/107-108). .
3- قَولُ الله تعالى حاكيًا عن إبليسَ قولَه: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فيه دَليلٌ على جلالةِ هذا الوَصفِ، وأنَّه أفضَلُ ما اتَّصفَ به الطَّائِعُ [246] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/478). .
4- وضَعَ اللهُ تعالى سُنَّةً في نُفوسِ البشَرِ أنَّ الشَّيطانَ لا يتسَلَّطُ إلَّا على من كان غاويًا، مائِلًا للغَوايةِ، مُكتَسِبًا لها، دونَ من كبَحَ نفسَه عن الشَّرِّ؛ فإنَّ العاقِلَ إذا تعلَّقَ به وِسواسُ الشَّيطانِ عَلِمَ ما فيه من إضلالٍ، وعَلِمَ أنَّ الهُدى في خلافِه، فإذا وُفِّقَ وحمَلَ نفسَه على اختيارِ الهُدى، وصرَفَ إليه عَزمَه، قَوِيَ على الشَّيطانِ فلم يكنْ له عليه سُلطانٌ، وإذا مال إلى الضَّلالِ واستحسَنَه، واختار إرضاءَ شَهوتِه، صار متهيئًا إلى الغَوايةِ، فأغواه الشَّيطانُ فغَوى، قال الله تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [247] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/52). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُه تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 26] ظاهِرُ هذه الآيةِ أنَّ آدمَ خُلِقَ مِن صَلصالٍ، أي: طينٍ يابسٍ. وقد جاء في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ على خِلافِ ذلك، كقَولِه تعالى: مِنْ طِينٍ لَازِبٍ [الصافات: 11]، وكقَولِه تعالى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: 59].
والجوابُ: أنَّه ذكَرَ أطوارَ ذلك التُّرابِ، فذكَرَ طَورَه الأوَّلَ بقَولِه: مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ بُلَّ فصار طينًا لازِبًا، ثم خُمِّرَ فصار حمَأً مسنونًا، ثمَّ يَبِسَ فصار صَلصالًا كالفخَّارِ [248] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 131). .
2- في قَولِه تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ علَّقَ السُّجودَ بأن يَنفُخَ فيه من رُوحِه، فالمُوجِبُ لتَفضيلِ آدمَ على إبليسَ هذا المعنى الشَّريفُ الذي ليس لإبليسَ مِثلُه [249] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/6). .
3- قَولُ الله تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، ظاهرُه يقتضي أنَّ الله تعالى تكلَّم مع إبليسَ بغيرِ واسطةٍ، وأنَّ إبليس تكلَّم مع الله تعالى بغيرِ واسطةٍ فيه، وكيف يعقلُ هذا مع أنَّ مكالمةَ الله تعالى بغيرِ واسطةٍ مِن أعظمِ المناصبِ، وأشرفِ المراتب، فكيف يُعقَلُ حصولُه لرأسِ الكفرةِ ورئيسِهم ؟
لعل الجوابَ عنه: أنَّ مكالمة الله تعالى إنما تكونُ منصبًا عاليًا إذا كان على سبيلِ الإكرامِ والإعظامِ، فأما إذا كان على سبيلِ الإهانةِ والإذلالِ فلا، وهذا الخطابُ له ليس للتشريفِ والتكريمِ، بل للتقريعِ والتوبيخِ [250] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/140)، ((تفسير الشوكاني)) (3/157). .
4- قال تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَولُه: يَا إِبْلِيسُ اختار هذا الاسمَ هنا؛ لأنَّ الإبلاسَ معناه اليأسُ مِن كُلِّ خَيرٍ، والسُّكونُ والانكسارُ، والحُزنُ والتحيُّر، وانقطاعُ الحُجَّةِ، والنَّدمُ [251] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/55). .
5- قَولُه تعالى: يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ جرى فيه الاستخبارُ على ما تعرفُه العَرَبُ مِن كلامِها، وتستعمِلُه في مُحاوراتِها؛ فتسألُ عن الشَّيءِ تَعرِفُه، أو لِتؤكِّدَ الحُجَّةَ على المسؤولِ، ومِثلُ هذا كثيرٌ في القُرآنِ، قال اللهُ تبارك وتعالى لموسى صلَّى الله عليه وسلَّم: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه: 17] وهو يَعلَمُها ويَراها [252] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/44). .
6- قولُ الله تعالى: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فيه دليلٌ على أنَّ إبليسَ سيستمِرُّ على كُفرِه، وبُعدِه من الخيرِ [253] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:431). .
7- قولُ الله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ إنْ قيل: كَلِمةُ (إلى) تفيدُ انتهاءَ الغايةِ، فهذا يُشعِرُ بأنَّ اللَّعنَ لا يحصُلُ إلَّا إلى يومِ القيامة، وعند قيامِ القيامةِ يزولُ اللَّعنُ؟ والجوابُ عنه مِن وجهينِ:
الوجه الأول: أنَّ المرادَ منه التأبيدُ، وذِكرُ القيامةِ أبعَدُ غايةٍ يذكُرُها النَّاسُ في كلامِهم، كقَولِهم: (ما دامت السَّمواتُ والأرضُ) في التأبيدِ، فجعَل يومَ الدينِ- وهو يومُ الجزاء- غايةً للَّعنِ، استعمالًا في معنى الدوامِ، كأنَّه قيل: أبدًا.
الوجه الثاني: أنَّك مذمومٌ مدعُوٌّ عليك باللَّعنةِ في السَّمواتِ والأرضِ إلى يومِ الدِّينِ مِن غيرِ أن يُعَذَّبَ، فإذا جاء ذلك اليومُ عُذِّبَ عذابًا ينسَى اللَّعنَ معه، فيصيرُ اللَّعنُ حينئذٍ كالزَّائلِ؛ بسبَبِ أنَّ شِدَّةَ العذابِ تُذهِلُ عنه، فاللعنةُ عليه في الدنيا إلى أن يلاقيَ جزاءَ عملِه، فذلك يومئذٍ أشدُّ مِن اللعنةِ [254] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/141)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/47). .
8- قَولُ الله تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إنْ قيلَ: كيف أجاب اللهُ تعالى إبليسَ إلى ذلك الإمهالِ؟
 فالجوابُ: أنَّه إنما أجابَه إلى ذلك زيادةً في بلائِه وشَقائِه وعذابِه، لا لإكرامِه ورَفعِ مَرتبتِه [255] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/202). ، فهو امتحانٌ وابتلاءٌ مِن الله له وللعبادِ؛ ليتبيَّنَ الصادقُ الذي يطيعُ مولاه دونَ عدوِّه، ممن ليسَ كذلك، ولذلك حذَّرَنا منه غايةَ التحذيرِ [256]  يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 431). .
9- في قَولِه تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ أجاب اللهُ دُعاءَه فى الحالِ، ولكنْ كان ذلك مَكرًا به؛ لأنَّه مكَّنَه من مُخالفةِ أمْرِه إلى يومِ القيامةِ، فلم يَزِدْه بذلك التَّمكينِ إلَّا شِقوةً؛ لِيَعلمَ الكافَّةُ أنَّه ليس كلُّ إجابةٍ للدُّعاءِ نِعمةً ولُطفًا، بل قد تكونُ بلاءً ومَكرًا [257] يُنظر: (( تفسير القشيري)) (1/522). .
10- في قَولِه تعالى عن إبليسَ: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وقَولِه: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ دَلالةٌ على أنَّ إقرارَ العبدِ بالحقيقةِ الكونيَّةِ- وهي أنَّ اللهَ ربُّه وخالِقُه وخالِقُ غيرِه- دونَ القيامِ بما أُمِرَ به مِن الحقيقةِ الدينيَّةِ، التي هي عبادتُه المتعَلِّقةُ بإلهيَّتِه، وطاعةُ أمرِه وأمرِ رسولِه- أنَّه يكونُ مِن جِنسِ إبليسَ، وأهلِ النَّارِ. وإنْ ظَنَّ مع ذلك أنَّه مِن خواصِّ أولياءِ اللهِ، وأهلِ المعرفةِ والتَّحقيقِ، الذين يسقُطُ عنهم الأمرُ والنَّهيُ الشَّرعيَّانِ؛ كان من أشَرِّ أهلِ الكُفرِ والإلحادِ [258] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/155). !
11- قولُ اللهِ تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فيه أنَّ العِلمَ لا يستلزِمُ الهدايةَ، وكثيرًا ما يكونُ الضَّلالُ عن عَمدٍ وعِلمٍ لا يشُكُّ صاحِبُه فيه، بل يُؤثِرُ الضَّلالَ والكُفرَ وهو عالِمٌ بقُبحِه ومَفسَدتِه؛ فهذا شَيخُ الضُّلَّالِ وداعي الكُفرِ وإمامُ الفَجَرةِ: إبليسُ عَدُوُّ اللهِ، قد عَلِمَ أمرَ اللهِ له بالسُّجودِ لآدمَ، ولم يشُكَّ فيه، فخالَفَه وعاند الأمرَ، وباء بلَعنةِ الله وعذابِه الدَّائمِ، مع عِلمِه بذلك ومَعرفتِه به، وأقسَمَ له بعِزَّتِه أنَّه يُغوي خَلْقَه أجمعينَ إلَّا عبادَه منهم المُخلَصينَ، فكان غيرَ شاكٍّ في الله وفي وحدانيَّتِه، وفي البعثِ الآخِرِ وفي الجنَّةِ والنَّارِ، ومع ذلك اختار الخُلودَ في النَّارِ، واحتمالَ لعنةِ اللهِ وغَضَبِه وطَرْدِه من سمائِه وجَنَّتِه عن عِلمٍ بذلك ومَعرفةٍ لم تحصُل لكثيرٍ مِن النَّاسِ؛ ولهذا قال: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وهذا اعترافٌ منه بالبعثِ وإقرارٌ به، وقد عَلِمَ قسَمَ رَبِّه؛ لَيَملأنَّ جهنَّمَ منه ومِن أتباعِه، فكان كُفرُه كُفرَ عنادٍ مَحضٍ، لا كُفرَ جَهلٍ [259] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/90). .
12- القَدَرُ يُؤمَنُ به، ولا يُحتَجُّ به، فمن لم يؤمِنْ بالقَدَرِ ضارَعَ المجوسَ، ومن احتَجَّ به ضارع المُشرِكينَ، ومن أقَرَّ بالأمرِ والقَدَرِ، وطعَنَ في عَدْلِ الله وحِكمتِه، كان شبيهًا بإبليسَ؛ فإنَّ اللهَ ذكَرَ عنه أنَّه طعَنَ في حِكمتِه وعارَضَه برأيِه وهواه، وأنَّه قال: بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [260] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/114). .
13- في قَولِه تعالى عن إبليسَ: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ بيَّنَ الله تعالى أنَّ عِبادَه هم الذين يَنجُونَ مِن السَّيِّئاتِ [261] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/178). .
14- في قَولِه تعالى عن إبليسَ: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ بيانُ العبوديَّةِ الخاصَّةِ- وهي عبوديةُ الطاعةِ والمحبَّةِ، واتِّباعِ الأوامرِ- ويُقابِلُها العبوديَّةُ العامَّةُ- وهي عبوديَّةُ أهلِ السَّموات والأرض كلِّهم لله؛ برِّهم وفاجرِهم، مؤمنِهم وكافرِهم- فهذه عبوديةُ القهرِ والمُلْكِ؛ قال تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: 93] فهذا يدخُلُ فيه مؤمِنُهم وكافِرُهم [262] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/125). .
15- في قَولِه تعالى عن إبليسَ: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وقَولِه: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ دَلالةٌ على أنَّ كلَّ مَن لم يعبدِ اللهَ وحدَه، فلا بُدَّ أن يكونَ عابدًا لغَيرِه، فيكون مُشرِكًا، وليس في بني آدمَ قِسمٌ ثالثٌ، بل إمَّا مُوَحِّدٌ، وإمَّا مُشرِكٌ، أو مَن خَلطَ هذا بهذا، كالمُبَدِّلينَ مِن أهلِ المِلَلِ: النصارى، ومَن أشبَهَهم مِن الضُّلَّالِ المنتسبينَ إلى الإسلامِ [263] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/282). .
16- قال الله تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ هذا السُّؤالُ من إبليسَ لم يكُنْ مِن ثِقةٍ منه بمنزلتِه عندَ اللهِ تعالى، وأنَّه أهلٌ أن يُجابَ له دعاءٌ، ولكِنْ سأل تأخيرَ عذابِه زيادةً في بلائِه، كفعلِ الآيسِ من السلامةِ، وأراد بسُؤالِه الإنظارَ إلى يومِ يُبعثونَ ألَّا يموتَ؛ لأنَّ يومَ البعثِ لا موتَ فيه ولا بَعدَه [264] يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/159). .
17- اللهُ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ به، سواءٌ كان المُشرِكُ مُقِرًّا بالقَدَرِ، وناظِرًا إليه، أو مُكَذِّبًا به، أو غافلًا عنه؛ فقد قال إبليسُ: بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأصَرَّ واحتَجَّ بالقدَرِ، فكان ذلك زيادةً في كُفرِه، وسببًا لِمَزيدِ عَذابِه [265] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/302). .
18- قَولُ الله تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قيل: إنَّ الإضافةَ للتَّشريفِ، فلا تشمَلُ إلَّا الخُلَّصَ، فحينئذٍ يكونُ الاستثناءُ مُنقَطِعًا، وفائدةُ سَوقِه بصورةِ الاستثناءِ على تقديرِ الانقطاعِ: التَّرغيبُ في رُتبةِ التَّشريفِ بالإضافةِ إليه، والرُّجوعِ عن اتِّباعِ العَدُوِّ إلى الإقبالِ عليه؛ لأنَّ ذَوي الأنفُسِ الأبيَّةِ والهِمَمِ العَلِيَّةِ يُنافِسونَ في ذلك المَقامِ، ويَرَونَه- كما هو الحَقُّ- أعلى مَرامٍ [266] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/203). .
19- قَولُ اللهِ تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ زيادةُ فِي الْأَرْضِ لأنَّها أوَّلُ ما يخطرُ ببالِه عند خطورِ الغَوايةِ؛ لاقترانِ الغَواية بالنزولِ إلى الأرضِ الذي دَلَّ عليه قولُه تعالى: فَاخْرُجْ مِنْهَا [الحجر: 34]، أي: اخرجْ من الجنَّةِ إلى الأرضِ، كما جاء في الآيةِ الأُخرَى، قال: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [البقرة: 2]، ولأنَّ جعْلَ التزيينِ في الأرضِ يفيدُ انتشارَه في جميعِ ما على الأرضِ مِن الذواتِ وأحوالِها [267] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/50). .
20- قولُ الله تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ جعَلَ المُغوَينَ هم الأصلَ، واستثنى منهم عبادَ اللهِ المُخلَصين؛ لأنَّ عزيمةَ إبليسَ مُنصرفةٌ إلى الإغواءِ، فهو الملحوظُ ابتداءً عنده، على أنَّ المُغوَينَ هم الأكثَرُ، وعكسُه قَولُه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [الحجر: 42]، والاستثناءُ لا يُشعِرُ بقِلَّةِ المستثنى بالنِّسبةِ للمستثنى منه، ولا العكسِ [268] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/50). .
21- قَولُ الله تعالى: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ القِراءةُ بفَتحِ اللَّامِ في الْمُخْلَصِينَ تدلُّ على أنَّ الإخلاصَ والإيمانَ ليس إلَّا مِن الله تعالى؛ حيثُ إنَّ معنى الآيةِ على هذه القراءةِ: الذين أخلَصَهم اللهُ بالهدايةِ والإيمانِ، والتَّوفيقِ [269] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/144). .
22- في قَولِه تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ سِرٌّ لطيفٌ في استخدامِ أداة «على»، وهو الإشعارُ بكَونِ السَّالكِ على هذا الصِّراطِ على هُدًى- وهو حَقٌّ- كما قال في حَقِّ المؤمنينَ: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5]، وقال لرَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: 79]، واللهُ عزَّ وجلَّ هو الحقُّ، وصِراطُه حقٌّ، ودينُه حقٌّ، فمَنِ استقامَ على صراطِه فهو على الحقِّ والهُدى، فكان في أداةِ «على» على هذا المعنى ما ليس في أداةِ «إلى»، فتأمَّلْه؛ فإنَّه سِرٌّ بديعٌ [270] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/39). .
23- الشَّيطانُ يَنزِلُ على كلِّ إنسانٍ ويُوحي إليه بحسَبِ مُوافقَتِه له، ويُطرَدُ بحسَبِ إخلاصِه لله وطاعتِه له؛ قال الله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وعبادُه هم الَّذين عبَدوه بما أمَرَتْ به رسلُه مِنْ أداءِ الواجباتِ والمستحبَّاتِ [271] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/450). .
24- مَن لم يحقِّقْ عُبوديَّةَ الرَّحمنِ وطاعتَه، فإنَّه يَعبُدُ الشَّيطانَ بطاعتِه له، ولم يَخلُصْ مِن عبادةِ الشَّيطانِ إلَّا من أخلصَ عُبوديَّةَ الرَّحمنِ، وهم الذين قال فيهم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [272] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (3/58). [الحجر: 42].
25- الشَّيطانُ عَبدٌ لله يَملِكُه، فإذا استزلَّ عبدًا فبإطلاقِه، وبما سبَقَ في قضائِه، لا باقتدارِ نَفسِه؛ ألا تراه يقولُ: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ فليس يتَّبِعُه إلَّا من قُضِيَ عليه، والمعصومُ لا وصولَ له إليه [273] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/232). .
26- في قَولِه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ أنَّ الاستثناءَ إنْ كان مِن صفةٍ فيصِحُّ أن يُخرَجَ الكُلُّ أو الأكثرُ؛ فأتباعُ إبليسَ مِن بني آدمَ أكثَرُ مِن النِّصفِ [274] يُنظر: ((الأصول من علم الأصول)) لابن عثيمين (ص: 40)، ويُنظر أيضًا: ((الفروق)) للقرافي (3/166). ! وذلك على اعتبارِ أنَّه استثناءٌ متصلٌ.
27- قال الله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ لعلَّ قائلًا يقول: قد أخبَرَ الله عن صفةِ آدمَ وحوَّاءَ عليهما السَّلامُ بقَولِه: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ، وعن جملةٍ مِن أصحابِ نبيِّه بقَولِه: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا فكيف الجمعُ؟ والجوابُ هو: أنَّه ليس له سُلطانٌ على قُلوبِهم، ولا موضِعِ إيمانِهم، ولا يُلقيهم في ذَنبٍ يَؤولُ إلى عدمِ القَبولِ، بل تُزيلُه التَّوبةُ وتَمحُوه الأوبةُ، ثمَّ إنَّ قَولَه سُبحانَه: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ يحتمِلُ أن يكون خاصًّا فيمن حَفِظَه الله، ويحتمِلُ أن يكونَ في أكثَرِ الأوقاتِ والأحوالِ [275] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/29). .
28- في قَولِه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وقولِه تعالى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 100] التَّصريحُ بأنَّ الشَّيطانَ له سُلطانٌ على أوليائِه، وقد جاء في بعضِ الآياتِ ما يدُلُّ على نفيِ سُلطانِه عليهم، كقَولِه تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سبأ: 20- 21]. وقولِه تعالى حاكيًا عنه مقرِّرًا له: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم: 22].
والجوابُ: هو أنَّ السُّلطانَ الذي أثبتَه له عليهم غيرُ السُّلطانِ الذي نفاه، وذلك من وجهينِ:
الأول: أنَّ السُّلطانَ المُثبَتَ له هو سُلطانُ إضلالِه لهم بتزيينِه، والسُّلطانَ المنفيَّ هو سُلطانُ الحُجَّةِ، فلم يكنْ لإبليسَ عليهم مِن حُجَّةٍ يتسَلَّطُ بها غيرَ أنَّه دعاهم فأجابوه بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ، وإطلاقُ السُّلطانِ على البُرهانِ كثيرٌ في القرآنِ.
الثاني: أنَّ اللهَ لم يجعَلْ له عليهم سُلطانًا ابتداءً البتَّةَ، ولكنَّهم هم الذين سَلَّطوه على أنفُسِهم بطاعتِه، ودُخولِهم في حِزبِه، فلم يتسَلَّطْ عليهم بقُوَّةٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76]، وإنَّما تسَلَّطَ عليهم بإرادتِهم واختيارِهم [276] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 134-135). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
- قولُه: مَسْنُونٍ إنَّما أُخِّرَ عن حَمَأٍ؛ تنبيهًا على أنَّ ابتداءَ مَسنونيَّتِه ليس في حالِ كونِه صَلصالًا، بل في حالِ كونه حمأً، كأنَّه سبحانه أفْرَغ الحمأَ، فصَوَّر مِن ذلك تِمثالَ إنسانٍ أجوفَ، فيَبِس حتَّى إذا نُقِرَ صَوَّتَ، ثُم غيَّرَه إلى جوهرٍ آخَر؛ فتبارَك اللهُ أحسنُ الخالِقينَ [277] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/73- 74). .
- قولُه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ هذا تَكمِلةٌ لإقامةِ الدَّليلِ على انفرادِه تعالى بخلْقِ أجناسِ العوالِمِ وما فيها، ومنه يتخلَّصُ إلى التَّذكيرِ بعَداوةِ الشَّيطانِ للبشَرِ؛ ليأخُذوا حِذْرَهم منه، وجاء بمُناسبةِ ذِكْرِ الإحياءِ والإماتةِ؛ فإنَّ أهَمَّ الإحياءِ هو إيجادُ النَّوعِ الإنسانيِّ؛ ففي هذا الخبرِ استدلالٌ على عظيمِ القُدرةِ والحِكمةِ وعلى إمكانِ البعثِ، والمقصودُ مِن ذِكْرِ هذه الأشياءِ التَّنبيهُ على عَجِيبِ صُنْعِ اللهِ تعالى. وتوكيدُ الجُملةِ بلامِ القسَمِ وبحرْفِ (قد)؛ لزيادةِ التَّحقيقِ؛ تنبيهًا على أهميَّةِ هذا الخَلْقِ، وأنَّه بهذه الصِّفةِ [278] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/42). .
2- قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
- قولُه: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ في التَّعرُّضِ لوصْفِ الرُّبوبيَّةِ المُنْبِئَةِ عن تبليغِ الشَّيءِ إلى كَمالِه اللَّائقِ به شيئًا فشيئًا، مع الإضافةِ إلى ضَميرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: إشعارٌ بعِلَّةِ الحُكْمِ، وتشريفٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [279] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/74). .
- قولُه: إِنِّي خَالِقٌ أبلَغُ مِن (أخلُقُ)؛ إذ فيه ما ليس في صِيغَةِ المُضارعِ مِن الدَّلالةِ على أنَّه تعالى فاعِلٌ له الْبتَّةَ مِن غيرِ صارفٍ يُثْنيه، ولا عاطفٍ يَلْويه [280] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/74). .
- وفي قولِه: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا، مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيث قال في سُورةِ (ص): إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا [ص:71]، وقال في البقرةِ: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ [البقرة: 30]؛ ففي الأُولَيَينِ: خَالِقٌ، وفي البقرةِ: جَاعِلٌ؛ ووجْهُ ذلك الاختلافِ: أنَّ (جعَلَ) إذا كان بمعنى (خلَقَ) يُسْتَعْمَلُ في الشَّيءِ الَّذي يَتجدَّدُ ويَتكرَّرُ، كقولِه: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1]؛ لأنَّ الظُّلماتِ والنُّورَ يَتجدَّدانِ زَمانًا بعدَ زمانٍ، وكذلك (الخليفةُ) يدُلُّ لَفظُه على أنَّ بعضَهم يَخلُفُ بعضًا إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّت هذه السُّورةُ بقولِه: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا؛ إذ ليس في لَفظِ (البشَرِ) ما يدُلُّ على التَّجدُّدِ والتَّكرارِ؛ فجاء في كلِّ واحدةٍ مِن السُّورتَينِ ما اقتضاهُ ما بعدَه مِن الألفاظِ [281] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 154-155). .
3- قَولُه تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ إسنادُ النفخِ، وإضافةُ الرُّوحِ إلى ضميرِ اسمِ الجلالةِ تنويهٌ بهذا المخلوقِ [282] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/44-45). ، والروحُ المضافةُ إلى الربِّ هي روحٌ مخلوقةٌ أضافَها إلى نفسِه إضافةَ تخصيصٍ وتشريفٍ [283] يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 155-156). .
4- قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
- قولُه: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ... فيه تأكيدٌ بتَأكيدَينِ (كُلُّهُمْ - أَجْمَعُونَ)؛ للمُبالغةِ في التَّعميمِ ومنْعِ التَّخصيصِ؛ فهو تَأكيدٌ على تَأكيدٍ، أي: لم يتخلَّفْ عنِ السُّجودِ أحدٌ منهم؛ وذلك تعظيمًا لأمرِ اللهِ، وإكرامًا لآدم [284] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/210)، ((تفسير أبي السعود)) (5/75)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/45). . وقولُه: إِلَّا إِبْلِيسَ استثناءٌ صِناعيٌّ، وهو المُتعلِّقُ بعلْمِ البيانِ، وهذا الاستثناءُ لو لم يتقدَّمْ لَفْظَه هذا الاحتراسُ مِن قولِه: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ لاحتمَلَ أنْ يكونَ في الملائكةِ مَن لم يسجُدْ، فيَتأسَّى به إبليسُ، ولا يكون مُنفردًا بهذه الكبيرةِ؛ لاحتمالِ أنْ تكونَ آلةُ التَّعريفِ للعَهدِ لا للجِنْسِ؛ فلمَّا كان هذا الإشكالُ يتوجَّهُ على الكلامِ إذا اقتُصِرَ فيه على ما دونِ التَّوكيدِ وجَبَ الإتيانُ بالتَّوكيدِ؛ ليُعْلَمَ أنَّ آلةَ التَّعريفِ للجِنْسِ، فيرتفِعَ هذا الإشكالُ بهذا الاحتراسِ؛ فحينئذٍ تعظُمُ كَبيرةُ إبليسَ؛ لكونِه فارَقَ جميعَ الملَأِ الأعلى، وخرَقَ إجماعَ الملائكةِ، فيستحِقُّ أنْ يُفْرَدَ بهذا اللَّعنِ إلى آخرِ الأبدِ [285] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/242 - 243). .
5- قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
- قولُه: أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ استئنافٌ مُبيِّنٌ لكيفيَّةِ عدَمِ السُّجودِ المفهومِ مِن الاستثناءِ [286] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/75). .
6- قوله تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ استئنافٌ مَبْنيٌّ على سؤالِ مَن قال: فماذا قال اللهُ تعالى عند ذلك؟ فقيل: يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ... [287] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/75). .
- قولُه: مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ استفهامُ توبيخٍ، ومعناه: أيُّ شيءٍ ثبَتَ لك، أي: مُتَمَكِّنًا منك؛ لأنَّ اللَّامَ تفيدُ المُلْكَ، وأَلَّا تَكُونَ معمولٌ لحرْفِ جرٍّ محذوفٍ تقديرُه: (في)، وحَذْفُ حرْفِ الجرِّ مُطَّرِدٌ مع (أنْ)، وحرْفُ (أنْ) يفيدُ المصدريَّةَ؛ فالتَّقديرُ: ما لك في انتفاءِ كونِك مِن السَّاجدينَ [288] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/46). ؟!
7- قوله تعالى: قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
- قولُه: قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ استئنافٌ مَبْنيٌّ على السُّؤالِ الَّذي يَنساقُ إليه الكلامُ [289] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/76). .
- واللَّامُ في لِأَسْجُدَ لتأكيدِ النَّفيِ، أي: لا يصِحُّ مِنِّي، ويُنافي حالي أنْ أسجُدَ، وهي لامُ الجُحودِ، وهذا أشدُّ في النَّفيِ مِن: (لا أسجُدُ) [290] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/577)، ((تفسير البيضاوي)) (3/210-211)، ((تفسير أبي السعود)) (5/76))، ((تفسير ابن عاشور)) (14/46). .
- واقتصَرَ هاهنا على الإشارةِ الإجماليَّةِ إلى ادِّعاءِ الخَيريَّةِ، وشرَفِ المادَّةِ؛ اكتفاءً بما صرَّحَ به حين قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 12]، ولم يكتَفِ اللَّعينُ بمُجرَّدِ ذِكْرِ كونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن التُّرابِ الَّذي هو أخَسُّ العناصِرِ وأسفَلُها، بل تعرَّضَ لكونِه مَخلوقًا منه في أخسِّ أحوالِه مِن كونِه طِينًا مُتغيِّرًا، وقد اكْتَفى في سُورةِ الأعرافِ وسُورةِ (ص) بما حكى عنه هاهنا، فاقتصَرَ على حكايةِ تعرُّضِه لخَلْقِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن طينٍ، وكذا في سُورةِ بني إسرائيل حيث قيل: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء: 61]، وفي جوابِه دليلٌ على أنَّ قولَه تعالى: مَا لَكَ ليس استفسارًا عن الغرَضِ بل هو استفسارٌ عنِ السَّببِ، وفي عُدولِه عن تَطبيقِ جوابِه على السُّؤالِ رَوْمٌ للتَّفصِّي عن المُناقشةِ، وأنَّى له ذلك؟! كأنَّه قال: لم أمتنِعْ عن امتثالِ الأمْرِ ولا عن الانتظامِ في سِلْكِ الملائكةِ، بل عمَّا لا يليقُ بشأْني مِن الخُضوعِ للمفضولِ، ولقد جرى- خذَلَه اللهُ تعالى- على سَنَنِ قياسٍ عقيمٍ، وزلَّ عنه أنَّ ما يدور عليه فَلَكُ الفضْلِ والكمالِ هو التَّحلِّي بالمَعارفِ الرَّبانيَّةِ، والتَّخلِّي عن المَلَكاتِ الرَّديَّةِ الَّتي أقبَحُها الكِبْرُ، والاستِعصاءُ على أمْرِ رَبِّ العالمينَ جلَّ جلالُه [291] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/76). .
8- قوله تعالى: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
- قولُه: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وعيدٌ يتضمَّنُ الجَوابَ عن شُبْهتِه؛ فإنَّ مَن عارَضَ النَّصَّ بالقياسِ فهو رَجيمٌ مَلعونٌ [292] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/211)، ((تفسير أبي السعود)) (5/76). .
- والفاءُ في قولِه: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ دالَّةٌ على سبَبِ إخراجِه، و(إنَّ) مُؤْذِنَةٌ بالتَّعليلِ؛ وذلك إيماءٌ إلى سبَبِ إخراجِه مِن عَوالِمِ القُدُسِ، والرَّجيمُ: المطرودُ، وهو كِنايةٌ عنِ الحَقارةِ [293] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/47). .
9- قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
- (على) مُستعمَلَةٌ في الاستعلاءِ؛ لتَمكُّنِ اللَّعنةِ والشَّتمِ منه حتَّى كأنَّه يقَعُ فوقَه [294] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/47). .
10- قوله تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
- قولُه: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ الإنظارُ: الإمهالُ والتَّأخيرُ، والمُرادُ: تأخيرُ إماتَتِه؛ لأنَّ الإنظارَ لا يكونُ للذَّاتِ؛ فتعيَّنَ أنَّه لبعضِ أحوالِها- وهو الموتُ- بقرينةِ السِّياقِ. وخاطَبَ اللهَ بصِفَةِ الرُّبوبيَّةِ؛ تخضُّعًا وحثًّا على الإجابةِ، والفاءُ في فَأَنْظِرْنِي فاءُ التَّفريعِ، ووسَّطَ النِّداءَ بينَ ذلك [295] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/48). .
11- قوله تعالى: إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
- قولُه: إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ فيه مُناسَبَةٌ حَسَنةٌ، حيث خُولِفَ بين العِباراتِ سُلوكًا بالكلامِ طريقةَ البَلاغةِ؛ فإنَّ يَوْمِ الدِّينِ ويَوْمِ يُبْعَثُونَ ويَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ في معنًى واحدٍ [296] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/578). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ؛ فعُبِّرَ هنا عن يومِ البَعثِ بـ يَوْمِ الْوَقْتِ تَفَنُّنًا؛ تَفاديًا مِن إعادةِ اللَّفظِ؛ قضاءً لحقِّ حُسْنِ النَّظمِ، ولِمَا فيه مِن التَّعليمِ بأنَّ اللهَ يعلَمُ ذلك الأجَلَ؛ فالمُرادُ: المَعلومُ لدينا، ويجوزُ أنْ يُرادَ: المعلومُ للنَّاسِ أيضًا علْمًا إجماليًّا. وفيه تعريضٌ بأنَّ مَن لم يؤمِنوا بذلك اليومِ مِن النَّاسِ لا يُعْبَأُ بهم، فهم كالعَدَمِ [297] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/49). ، وقيل بناءً على هذا القولِ أيضًا: الاختلافُ في العباراتِ لاختلافِ الاعتباراتِ، فالتعبيرُ بيومِ البعثِ؛ لأنَّ غرضَ اللعينِ به يتحقَّقُ، وبيومِ الدِّينِ؛ لما ذُكِر مِن الجزاءِ، وبيومِ الوقتِ المعلومِ؛ لاستئثارِه تعالى بعلمِه [298] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/77). .
12- قوله تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
- قولُه: هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ فالإشارةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِن الجُملةِ الواقعةِ بعدَ اسمِ الإشارةِ المُبيِّنَةِ للإخبارِ عنِ اسمِ الإشارةِ، وهي جُملةُ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ؛ فتكونُ الإشارةُ إلى غيرِ مُشاهَدٍ؛ تنزيلًا له مَنزلةَ المُشاهَدِ، وتنزيلًا للمسموعِ مَنزِلةَ المَرْئيِّ، ثمَّ إنَّ هذا المُنزَّلَ مَنزِلةَ المُشاهَدِ هو مع ذلك غيرُ مَذكورٍ؛ لقصْدِ التَّشويقِ إلى سَماعِه عندَ ذِكْرِه. ويجوزُ أنْ تكونَ الإشارةُ إلى الاستثناءِ الَّذي سبَقَ في حكايةِ كلامِ إبليسَ مِن قولِه: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ؛ لتَضمُّنِه أنَّه لا يستطيعُ غَوايةَ العِبادِ الَّذين أخلَصَهم اللهُ للخيرِ؛ فتكونُ جُملةُ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ مُستأنَفَةً [299] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/51). .
- وقد اشتملتْ هذه الآيةُ على أغراضٍ كثيرةٍ، مع أنَّ كلماتِها قليلةٌ؛ ففيها إيجازٌ، ولعلَّه من أبلغِ الإيجازاتِ؛ إذ يدلُّ لفظُه على مُحتمَلاتٍ عِدَّةٍ ومُشتمَلاتٍ كثيرةٍ، ولا يمكن التعبيرُ عنه بمِثل ألفاظِه وفي عِدَّتِها؛ فقوله: هَذَا إشارةٌ تدلُّ على القُربِ، فكأنَّه يُشيرُ إلى ما هو على مرأًى مِن عُيونِهم، ومَسْمَعٍ مِن آذانِهم، وبينَ مُتناوَلِ أيديهم، وصِرَاطٌ تدلُّ على الطريقِ المسلوكةِ الَّتي تُفضي بسالكِها إلى حيثُ يَختارُ لنَفْسِه مِن مذاهبَ، ولكنَّ الطريقَ قد تكونُ مُعوجَّةً مُلتويةً كثيرةَ المُنعطَفاتِ؛ فيَتِيه السالكُ في متاهاتها، وتلتبِسُ عليه أوجهُ الاستهداءِ في سُلوكِها؛ فجاء بكلمةِ مُسْتَقِيمٌ، والمستقيمُ هو أقصرُ بُعدٍ بَين نُقطتَينِ، وأقلُّ انحرافٍ يُخرِجُه عن سَننِ الاستقامةِ وحُدودِها، وكلمة عَلَيَّ تعني الإلزامَ والإيجابَ، ثمَّ إنَّ الإشارةَ تَضمَّنتْ كلَّ ما يَحتويه الاستثناءُ فيما بعدُ، وهو قوله: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ؛ فكأنَّه أخَذ على نفْسه وأوجبَ على ذاتِه حقًّا لا انفكاكَ له عنه، وهو تخليصُ المخلِصينَ من إغوائِه، وقد تضمَّن تعريفُ المخلصين أيضًا ما يُؤكِّد هذا المعنى، ويَجعلُه مُستقرًّا في الذِّهن؛ لأنَّ التَّعريفَ فيه مع تحقيقِ الصِّفةِ للموصوفِ- وهي الإخلاصُ- تفخيمٌ لشأنِهم، وبيانٌ لمنزلتِهم، ولانقطاعِ مخالبِ الإغواءِ عنهم، وفَلِّ مَعاولِ النَّقدِ أن تتوجَّه إليهم [300] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/240-241). ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي السعود)) (5/79). .
13- قوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
- قولُه: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ فيه تأكيدُ الضَّميرِ (هُمْ) بقولِه: أَجْمَعِينَ [301] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/212). ، والضَّميرُ عائدٌ إلى مَنِ اتَّبَعَكَ، والمَوعِدُ: مكانُ الوعْدِ، وفي ذلك تهكمٌ بهم؛ لأنَّهم يُنكِرونَ البعثَ والجَزاءَ، فجُعِلوا بمَنزِلةِ مَن عيَّنَ ذلك المكانَ للإتيانِ [302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/53). .