موسوعة التفسير

سُورةُ السَّجْدةِ
الآيات (6-11)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ

غَريبُ الكَلِماتِ:


نَسْلَهُ: أي: ولدَه وذرِّيَّتَه، وسُمِّي نسلًا لأنَّه يَنسَلُّ -أي: ينفصلُ- مِن أصلِه، والنَّسْلُ: الانفصالُ عن الشيءِ، وتَناسَلوا: وُلِد بعضُهم مِن بعضٍ، وأصلُ (نسل): يَدُلُّ على سَلِّ شيءٍ وانسلالِه [75] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/600)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/420)، ((البسيط)) للواحدي (18/140)، ((المفردات)) للراغب (ص: 802)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/216). .
سُلَالَةٍ: السُّلالةُ: فُعالةٌ مِن السَّلِّ، وهو استِخراجُ الشَّيءِ مِن الشَّيءِ، ومِن هذا يُقالُ للنُّطفةِ: سُلالةٌ، وللوَلَدِ: سَلِيلٌ وسُلالةٌ، وأصلُ (سل): يدُلُّ على مَدِّ الشَّيءِ في رِفقٍ وخَفاءٍ [76] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 296)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 277)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/59)، ((البسيط)) للواحدي (15/533)، ((المفردات)) للراغب (ص: 418). .
مَهِينٍ: أي: ضَعيفٍ مُمتَهَنٍ لا يُعبأُ به، وأصلُ (مهن): يدُلُّ على احتِقارٍ وحَقارةٍ في الشَّيءِ [77] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 506)، ((تفسير ابن جرير)) (18/601)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 423)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/283)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/216). .
وَالْأَفْئِدَةَ: جمْعُ فؤادٍ، وهو القلبُ؛ سمِّيَ بذلك لحرارَتِه، أو لتَوقُّدِه، وأصلُ (فأد): يدُلُّ على حُمَّى وشِدَّةِ حرارةٍ [78] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/469)، ((المفردات)) للراغب (ص: 646). .

المعنى الإجماليُّ:


 يقولُ تعالى: ذلك الإلهُ هو سُبحانَه العالِمُ بكُلِّ ما غاب عن خَلقِه، وبكُلِّ ما هو مُشاهَدٌ، وهو العزيزُ الرَّحيمُ، الَّذي أتقَن خَلْقَ كلِّ شَيءٍ، وخلَق آدَمَ مِن طينٍ، ثمَّ خَلَق ذُرِّيَّتَه مِن مَنيٍّ ضَعيفٍ رقيقٍ، ثمَّ سَوَّاه اللهُ خَلْقًا مُعتَدِلًا، ونفَخَ فيه الرُّوحَ، وجعَل اللهُ لكم السَّمعَ والأبصارَ والأفئدةَ، ثم أنتم مع كلِّ هذه النِّعَمِ قليلًا ما تَشكُرونَه!
ثمَّ يَذكُرُ الله تعالى شُبُهاتِ المشركينَ، ويرُدُّ عليها، فيقولُ: وقال المُشرِكونَ استِبعادًا للبَعثِ بعدَ الموتِ: أئِذا تفَرَّقَت أجسادُنا في الأرضِ وبَلِيَت أئِنَّا لَنَعودُ أحياءً ثانيةً؟! بل هؤلاء المُشرِكونَ يَجحَدونَ لقاءَ رَبِّهم.
قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ: يَتَوفَّاكم ملَكُ الموتِ الَّذي وكَّلَه اللهُ بقَبضِ أرواحِكم، ثمَّ تُرَدُّونَ بعدَ مَوتِكم إلى ربِّكم فيُجازيكم على أعمالِكم.

تَفسيرُ الآياتِ:


ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تقَرَّر نَفاذُ أمرِ اللهِ تعالى، ودَلَّ ذلك على شُمولِ القُدرةِ، وكان شامِلُ القُدرةِ لا بُدَّ أن يكونَ مُحيطَ العِلمِ؛ كانت نتيجتُه لا مَحالةَ [79] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/242، 243). :
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
أي: ذلك الإلهُ العَظيمُ الشَّأنِ، العالي القَدْرِ، الَّذي فَعَل ما وُصِفَ في الآياتِ السَّابقةِ: هو العالِمُ بكُلِّ ما غاب عن خَلْقِه [80] قال ابن عثيمين: (الغَيبُ: ما غاب عن الخَلقِ، وهو نوعانِ: غَيبٌ مُطلَقٌ لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ، وغَيبٌ نِسْبيٌّ بحيث يكونُ غائِبًا عن شَخصٍ، غيرَ غائبٍ عن آخَرَ، والمرادُ كِلاهما). ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 39، 40). ، وهو العالِمُ بكُلِّ ما هو مُشاهَدٌ أو مُدرَكٌ مِن خَلْقِه [81] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/596)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/214)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 39). قال ابن عاشور: (عَالِمُ الغَيبِ، أي: ما غاب عن حَواسِّ الخَلقِ، وعالِمُ الشَّهادةِ، وهو ما يَدخُلُ تحتَ إدراكِ الحواسِّ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/214). وقال القرطبي: (في الكلامِ معنى التَّهديدِ والوعيدِ، أي: أخلِصوا أفعالَكم وأقوالَكم؛ فإنِّي أُجازِي عليها). ((تفسير القرطبي)) (14/89). .
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
أي: العَظيمُ القَدْرِ، الممتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ، الغالِبُ القاهِرُ، الشَّديدُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه [82] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/596)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 40، 41). .
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى الدَّليلَ الدَّالَّ على الوحدانيَّةِ مِنَ الآفاقِ بقَولِه: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا [السجدة: 4]، وأتَمَّه بتَوابِعِه ومكَمِّلاتِه- ذكَرَ الدَّليلَ الدَّالَّ عليها مِن الأنفُسِ؛ فشرَعَ يَذكُرُ خَلقَ الإنسانِ، فقال [83] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/140)، ((تفسير المراغي)) (21/105). :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
أي: الَّذي أتقَنَ خَلْقَ كلِّ شَيءٍ، وأحكَمَه وَفْقَ ما يَليقُ به، ويُناسِبُ المقصودَ مِن خَلْقِه [84] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/130)، ((تفسير ابن جرير)) (18/599)، ((تفسير القرطبي)) (14/90)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/215). .
كما قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88].
وقال سُبحانَه: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك: 3].
وقال عزَّ وجلَّ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: 2].
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ.
أي: وخلَق آدَمَ أبا البَشَرِ مِن طينٍ [85] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/600)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/167)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 43). وممَّن صَرَّح بأنَّ المرادَ بالإنسانِ هنا: آدَمُ عليه السَّلامُ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، وابنُ جُزَي، وابن رجب، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/449)، ((تفسير ابن جرير)) (18/600)، ((تفسير ابن جزي)) (2/142)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/167)، ((تفسير العليمي)) (5/322). وممَّن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ: قَتادةُ، ومجاهِدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/600)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/540). وقيل: المرادُ بالإنسانِ هنا: جِنسُ البَشَرِ. وابتِداءُ خَلْقِه هو خَلْقُ أصلِه آدَمَ عليه السَّلامُ. وممَّن صرَّح بذلك: ابنُ عاشور. وجعَلَه ابنُ عثيمينَ ممَّا تحتَمِلُه الآيةُ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/216)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 43). .
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8).
أي: ثمَّ جعَلَ اللهُ تعالى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مُستَخلَصةً مِن مَنِيٍّ ضَعيفٍ رَقيقٍ [86] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/600)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((تفسير القاسمي)) (8/39)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/216)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 43، 44). ممَّن اختار أنَّ مَهِينٍ أي: ضعيف: الزَّجَّاجُ، والواحديُّ، والسمعاني، وابن كثير، وابن عثيمين. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/205)، ((الوسيط)) للواحدي (3/450)، ((تفسير السمعاني)) (4/244)، ((تفسير ابن كثير)) (5/466). ووُصِف بالضَّعفِ؛ لأنَّه لا يَسيلُ سيَلانَ الماءِ، فهو يسيلُ ببُطءٍ. قاله ابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 44). وقيل: مَهِينٍ أي: مُمْتَهَنٍ لَا خَطَرَ له عندَ النَّاسِ. وممَّن اختاره: البيضاوي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/220)، ((تفسير الشوكاني)) (4/288)، ((تفسير الألوسي)) (11/121)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/216). قال ابنُ عاشور: (المَهِينُ: الشَّيءُ الممتَهَنُ الَّذي لا يُعبَأُ به، والغَرَضُ مِن إجراءِ هذا الوَصفِ عليه: الاعتِبارُ بنِظامِ التَّكوينِ؛ إذ جعَلَ اللهُ تكوينَ هذا الجِنسِ المكتَمِلِ التَّركيبِ، العَجيبِ الآثارِ: مِن نَوعِ ماءٍ مُهراقٍ لا يُعبأُ به ولا يُصانُ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/216). وقال القاسميُّ جامعًا بيْن القولَينِ السابقَينِ: (مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ أي: ضعيفٍ مُمتهَنٍ). ((تفسير القاسمي)) (8/39). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12 - 14].
وقال سُبحانَه: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: 6، 7].
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9).
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
أي: ثمَّ جعَلَه اللهُ خَلْقًا مُستَوِيًا مُستَقيمًا مُعتَدِلًا، وجعَلَ فيه الرُّوحَ؛ فصار حَيًّا [87] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/601)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 44، 45). قيل: الضميرُ هنا: لآدَمَ عليه السَّلامُ. وهو ظاهِرُ اختيارِ ابنِ جرير، وذهب إليه ابنُ كثير، واستظهره ابن عثيمين. يُنظر: المصادر السابقة. وهو قولُ مُقاتلِ بنِ سُلَيمانَ أيضًا، يُنظر ((تفسيره)) (3/449). .
كما قال تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص: 71، 72].
وقال سُبحانَه: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى [القيامة: 37 - 39].
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ.
أي: وأنعَمَ اللهُ عليكم -أيُّها النَّاسُ- بالسَّمعِ؛ لِتَسمَعوا الأصواتَ، وبالأبصارِ لِتُبصِروا المرئيَّاتِ، وبالأفئِدةِ لِتُدرِكوا بها المعقولاتِ [88] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/601)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654). .
كما قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78].
قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.
أي: ثمَّ أنتم -معَ ما أنعَمَ اللهُ به عليكم- قليلًا ما تَشكُرونَ [89] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/601)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/218). قوله تعالى: قَلِيلًا يجوزُ أن يُرادَ به: كَوْنُ الشَّيءِ حاصلًا ولكنَّه غيرُ كثيرٍ، ويجوزُ أن يكونَ استُعمِل في معنى المعدومِ، وأنَّ المرادَ به العدَمُ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/218). ممَّن اختار الأوَّلَ: ابنُ جرير، والسمعانيُّ، وابنُ جُزَي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/601)، ((تفسير السمعاني)) (4/244)، ((تفسير ابن جزي)) (2/55). قال الشوكاني في قوله: قَلِيلًا: (صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: شكرًا قليلًا، أو صِفةُ زمانٍ محذوفٍ، أي: زمانًا قليلًا. وفي هذا بيانٌ لِكُفْرِهم لِنِعَمِ اللَّهِ، وتَرْكِهم لشُكْرِها إلَّا فيما نَدَر مِن الأحوالِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/289). وممَّن اختار القولَ الثَّانيَ، وهو أنَّهم لا يَشكرونَ الله فيوحِّدونه، بل يَكفرون به: الواحديُّ، والبغوي، والقرطبي. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/450)، ((تفسير البغوي)) (3/595)، ((تفسير القرطبي)) (14/91). !
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا قال الله تعالى: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة: ?]، بيَّنَ عَدَمَ شُكرِهم بإتيانِهم بضِدِّه، وهو: الكُفرُ، وإنكارُ قُدرتِه تعالى على إحياءِ الموتى [90] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/142). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ الرِّسالةَ بقَولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [السجدة: 3]، والوَحدانيَّةَ بقَولِه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... [السجدة: 4] إلخ؛ أردفَ ذلك ذِكرَ البَعثِ، واستِبعادَ المُشرِكينَ له، ثمَّ الرَّدَّ عليهم [91] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (21/106). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (25/142). .
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
أي: وقال المُشرِكونَ استِبعادًا للبَعثِ: أإذا ذَهَبَت في الأرضِ أجسادُنا، وتفَرَّقَت فيها لحومُنا وعِظامُنا، وغابت في التُّرابِ وصارت مِثلَه، دون أن يتميَّزَ بَعضُه مِن بَعضٍ: أنَعودُ أحياءً مِن بعدِ تلك الحالِ [92] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/602)، ((تفسير ابن كثير)) (6/360)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/246)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/218، 219). قال الرسعني: (قال أكثَرُ المفسِّرينَ: المعنى: صِرْنا ترابًا، وذهَبْنا مُختلِطينَ بتُرابِ الأرضِ لا نَتمَيَّزُ منه). ((تفسير الرسعني)) (6/80). ؟!
كما قال الله تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: 49].
بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ.
أي: ليس الأمرُ كما ذَكَروا؛ فهؤلاء المُشرِكونَ لا يَجحَدونَ قُدرةَ اللهِ على كلِّ شيءٍ، ولكِنَّهم يَجحَدونَ لِقاءَ رَبِّهم للحِسابِ والجَزاءِ، بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ [93] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/603)، ((تفسير القرطبي)) (14/92)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/219)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 54، 55). !
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11).
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُشرِكينَ: يَستوفي ملَكُ الموتِ -الَّذي وكَّلَه اللهُ بقَبضِ أرواحِكم- نُفوسَكم، فلا يَترُكُ منها شَيئًا، وعَدَدَكم فلا يُبقي منكم أحدًا [94] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/604)، ((تفسير البيضاوي)) (4/220)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654). قيل: هذا ردُّ لِشُبهتِهم في إنكارِ البَعثِ بقَولِهم: أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، فمُمازَجةُ الرُّوحِ للبَدَنِ أشَدُّ مِن مُمازَجةِ ترابِ البدَنِ لبقيَّةِ التُّرابِ، وإذا كان هذا فِعلَ عَبدٍ مِن عبيدِه صَرَّفَه في ذلك فقامَ به، فكيف يُستبعَدُ شَيءٌ مِن الأشياءِ على رَبِّ العالَمينَ، ومُدبِّرِ الخلائقِ أجمعينَ؟! قاله البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (15/249). .
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.
أي: ثمَّ أنتم بعدَ مَوتِكم تُرَدُّونَ أحياءً يومَ القيامةِ إلى ربِّكم، فيُجازيكم على أعمالِكم [95] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/605)، ((تفسير ابن كثير)) (6/361)، ((تفسير السعدي)) (ص: 654). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قال الله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ينبغي للإنسانِ أنْ يكونَ شُكْرُه على حسَبِ النعمةِ؛ ففي السَّمعِ يَستعمِلُ السَّمعَ فيما يُقَرِّبُ إلى اللهِ، ويمنعُه عمَّا حَرَّمَ اللهُ -وكذلك في البصرِ-، أمَّا القلبُ فيَجِبُ عليه أنْ يُعْرِضَ بقلبِه عن كُلِّ ما حَرَّمَ اللهُ؛ وأنْ يُقْبِلَ بقلبِه على كلِّ ما أمَر اللهُ به [96] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 50). .
2- في قَولِه تعالى: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ذَمُّ مَن لا يَشْكُرُ [97] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 50). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ إثباتُ هذَينِ الاسمَينِ مِن أسمائِه تعالى: «العزيزِ» و«الرَّحيمِ» وما تضَمَّناه مِن الصِّفةِ، وهي العِزَّةُ والرَّحمةُ، وكمالُ عِزَّتِه ورحمتِه باجتِماعِهما: أنَّه مع كَونِه عزيزًا قاهرًا غالبًا، فهو أيضًا رَحيمٌ؛ لأنَّ بعضَ الأعِزَّاءِ إذا عَزَّ لا يَرحَمُ، وبعضَ الرُّحماءِ تَصِلُ به الرَّحمةُ إلى أنْ يكونَ في مَقامِ الذُّلِّ؛ فهو سُبحانه وتعالى جامِعٌ بيْنَ العِزِّ والرَّحمةِ، وهذا مِن كمالِه، يعني: أنَّ الجَمعَ بينَ العِزَّةِ والرَّحمةِ فيه كَمالٌ أكثرُ مِن إثباتِ العِزَّةِ والرَّحمةِ، وهو أنَّ رَحمتَه مَقرونةٌ بعِزٍّ، ليست رَحمةَ ذُلٍّ، وأنَّ عِزَّتَه أيضًا مَقرونةٌ برَحمةٍ، ليست عِزَّةَ جَبَروتٍ لا رَحمةَ فيها [98] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 41). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (6/360). .
2- قَولُ الله تعالى: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ فيه إيماءٌ بأنَّه تعالى يُراعي المصالحَ تفَضُّلًا وإحسانًا [99] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/204). .
3- في قَولِه تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أنَّ كلَّ مخلوقٍ خُلِقَ على ما يُناسبُ حالَه؛ لأنَّه لو لم يكُنِ الأمرُ كذلك لَمَا كان إحسانُ خَلْقٍ [100] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 48). ! فإذا نظَرْتَ إلى الأشياءِ رأيتَها على ما ينبغي: صَلابةُ الأرضِ للنَّباتِ، وسَلاسةُ الهواءِ للاستِنشاقِ، وسَيَلانُ الماءِ لِنَقدِرَ عليه في كُلِّ موضعٍ، وحركةُ النَّارِ إلى فَوقٍ؛ لأنَّها لو كانت مِثلَ الماءِ تتحَرَّكُ يَمنةً ويَسرةً لاحترقَ العالَمُ؛ فخُلِقت طالبةً لجِهةِ فَوقٍ؛ حيثُ لا شَيءَ هناك يَقبَلُ الاحتراقَ [101] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/141). .
4- قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فإحسانُ خَلْقِه يتضَمَّنُ تَسويتَه وتَناسُبَ خَلْقِه وأجزائِه، بحيثُ لم يحصُلْ بيْنَها تفاوُتٌ يُخِلُّ بالتَّناسُبِ والاعتدالِ؛ فالخَلقُ: الإيجادُ، والتَّسويةُ: إتقانُه وإحسانُ خَلقِه؛ فالتَّسويةُ شامِلةٌ لجميعِ مخلوقاتِه: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك: 3]. وما يُوجَدُ مِن التَّفاوُتِ وعَدَمِ التَّسويةِ فهو راجِعٌ إلى عدَمِ إعطاءِ التَّسويةِ للمَخلوقِ؛ فإنَّ التَّسويةَ أمرٌ وُجوديٌّ تتعَلَّقُ بالتَّأثيرِ والإبداعِ، فما عَدِمَ منها فلِعَدمِ إرادةِ الخالِقِ للتَّسويةِ، وذلك أمرٌ عَدَميٌّ يكفي فيه عدَمُ الإبداعِ والتَّأثيرِ. فتأمَّلْ ذلك؛ فإنَّه يُزيلُ عنك الإشكالَ في قَولِه: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك: 3]؛ فالتَّفاوُتُ حاصِلٌ بسَبَبِ عَدَمِ مَشيئةِ التَّسويةِ، كما أنَّ الجَهلَ والصَّمَم والعَمى والخَرَس والبَكَم: يكفي فيها عدَمُ مَشيئةِ خَلْقِها وإيجادِها. والمقصودُ: أنَّ كُلَّ مخلوقٍ فقد سَوَّاه خالقُه سُبحانَه في مَرتبةِ خَلْقِه، وإنْ فاتَتْه التَّسويةُ مِن وَجهٍ آخَرَ لم يُخلَقْ له [102] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 65). .
5- قَولُ الله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ فيه سؤالٌ: كيف قال ذلك، مع أنَّ في مخلوقاتِه -تعالى- قَبيحًا كالشُّرورِ والمعاصي؟
الجوابُ: أنَّ أَحْسَنَ بمعنى: أتقَنَ وأحكَمَ، أو أَحْسَنَ بمعنى: عَلِمَ، كما يقالُ: فُلانٌ لا يُحسِنُ شَيئًا، أي: لا يَعلَمُه [103] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 452). . وللهِ سُبحانَه في كلِّ ما يَخلُقُه حِكمةٌ يُحِبُّها ويَرضاها، وهو سُبحانَه أحسَنَ كلَّ شَيءٍ خَلَقَه، وأتقَنَ كلَّ ما صنَع، فما وقَع مِنَ الشَّرِّ الموجودِ في المخلوقاتِ فقد وُجِد لأجْلِ تلك الحكمةِ المطلوبةِ المحبوبةِ المَرْضيَّةِ، فهو مِن الله حسَنٌ جميلٌ، وهو سُبحانَه محمودٌ عليه، وله الحمدُ على كلِّ حالٍ، وإن كان شرًّا بالنِّسبةِ إلى بعضِ الأشخاصِ [104] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/99). .
6- في قَولِه تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ المرادُ بالإنسانِ: آدمُ عليه السَّلامُ، ومَعلومٌ أنَّ تَسويتَه ونَفْخَ الرُّوحِ فيه كان قبْلَ جَعْلِ نَسْلِه مِن سُلالةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ، لكنْ لَمَّا كان المقصودُ ذِكرَ قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ في مبدأِ خَلْقِ آدَمَ وخَلقِ نَسْلِه، عَطَف ذِكْرَ أحدِهما على الآخَرِ، وأخَّرَ ذِكْرَ تَسويةِ آدَمَ ونَفْخِ الرُّوْحِ فيه، وإنْ كان ذلك مُتوسِّطًا بيْن خَلْقِ آدَمَ مِن طينٍ وبيْن خَلْقِ نَسْلِه. واللهُ أعلمُ [105] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/167). .
7- في قَولِه تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ تَكذيبُ النَّظريَّةِ الكاذِبةِ، وهي نظريةُ «داروين» الَّذي يقولُ: إنَّ الخَلْقَ نَشَأَ بالتَّطَوُّرِ، وإنَّ أصلَ الإنسانِ قِردٌ، ثمَّ صار على طولِ الزَّمَنِ إنسانًا [106] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 48). ! وهذا القولُ لا شكَّ أنَّه كفرٌ وتكذيبٌ صريحٌ للقرآنِ؛ فيَجِبُ علينا أنْ نُنكِرَه إنكارًا بالغًا [107] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (10/828). .
8- قال الله تعالى: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ المضافُ إلى الله سبحانَه نوعانِ: صفاتٌ لا تقومُ بأنفسِها، كالعِلمِ والقُدرةِ والكلامِ والسَّمعِ والبصرِ، فهذه إضافةُ صفةٍ إلى الموصوفِ بها، فعلمُه وكلامُه وإرادتُه وقدرتُه وحياتُه صفاتٌ له غيرُ مخلوقةٍ، وكذلك وجهُه ويدُه سبحانَه.
والثاني إضافةُ أعيانٍ منفصلةٍ عنه، كالبيتِ والنَّاقةِ والعبدِ والرَّسولِ والرُّوحِ، فهذه إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقِه، ومصنوعٍ إلى صانعِه، لكنَّها إضافةٌ تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميَّزُ به المضافُ عن غيرِه، كبيتِ الله، وإن كانت البيوتُ كلُّها مِلكًا له، وكذلك ناقةُ الله، والنُّوقُ كلُّها مِلكُه وخلقُه، لكنْ هذه إضافةٌ إلى إلهيتِه تقتضي محبتَه لها وتكريمَه وتشريفَه، بخلافِ الإضافةِ العامَّةِ إلى ربوبيتِه حيثُ تقتضي خلقَه وإيجادَه [108] يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 154). .
9- وفي قولِه: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ امتِنانٌ بقُوى الحَواسِّ وقُوى العَقلِ، وهو أقْوى مِنَ الامتِنانِ بالخلْقِ وتَسويتِه؛ لأنَّ الانتِفاعَ بالحَواسِّ والإدراكِ مُتكرِّرٌ مُتجدِّدٌ؛ فهو مَحسوسٌ، بخلافِ التَّكوينِ والتَّقويمِ؛ فهو مُحتاجٌ إلى النَّظرِ في آثارِه [109] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/217). .
10- قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فذَكَر طَريقَ الفَهمِ ومكانَ الفَهمِ؛ فطَريقُ الفَهمِ هو السَّمْعُ والبَصَرُ، ومَحَلُّ الفَهمِ والوَعيِ هو القَلبُ؛ ولهذا يكونُ السَّمعُ والبَصَرُ كقَناتَينِ تَصُبَّانِ في القَلبِ، فيتَلَقَّى ما يَسمَعُ أو يُبصِرُ ثمَّ يَصُبَّانِ في القَلبِ، وهو محلُّ الوَعيِ والإدراكِ، ولم يَذكُرِ «الشَّمَّ والذَّوقَ واللَّمسَ»؛ لأنَّ الاتِّعاظَ بالآياتِ يكونُ بالسَّمعِ والبَصَرِ [110] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 47). .
11- في قَولِه تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إبطالُ قَولِ مَن يقولُ: «إنَّ البعثَ إيجادٌ مِن عَدَمٍ»؛ فقولُهم: أَئِذَا ضَلَلْنَا يقولونَ: كيف بعدَما نَغيبُ في الأرضِ ونكونُ ترابًا، كيف نُبعَثُ؟! فدلَّ هذا على أنَّ البَعثَ هو إعادةُ ما سَبَقَ، وليس باستِدعاءِ خَلْقٍ جديدٍ [111] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 55). .
12- قَولُ الله تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ فيه سُؤالٌ: لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى الرِّسالةَ ذكَرَ مِن قَبْلُ دَليلَها، وهو التَّنزيلُ الَّذي لا رَيبَ فيه، ولَمَّا ذكَرَ الوحدانيَّةَ ذكَرَ دليلَها، وهو خَلقُ السَّمَواتِ والأرضِ، وخَلْقُ الإنسانِ مِن طينٍ، ولَمَّا ذكَرَ إنكارَهم الحَشرَ لم يَذكُرِ الدَّليلَ؟
الجوابُ: ذكَرَ دَليلَه أيضًا؛ وذلك لأنَّ خَلْقَ الإنسانِ ابتِداءً دَليلٌ على قُدرتِه على إعادتِه؛ ولهذا استدَلَّ اللهُ تعالى على إمكانِ الحَشرِ بالخَلقِ الأوَّلِ، كما قال تعالى: ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ??]، وقَولِه تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ??]، وكذلك خَلقُ السَّمَواتِ، كما قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى [112] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/143). [يس:?1].
13- قَولُ الله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ يُنبِئُ عن بقاءِ الأرواحِ؛ فإنَّ التَّوفِّيَ: الاستيفاءُ، والقَبضَ هو الأخذُ؛ والإعدامُ المحضُ ليس بأخذٍ [113] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/143). .
14- قَولُ الله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ فيه سؤالٌ: أسنَدَ في هذه الآيةِ الكريمةِ التَّوفِّيَ إلى مَلَكِ الموتِ، وأسنَده إلى المَلائكةِ في قَولِه تعالى: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ [محمد: 27]، وأسنَدَه إلى نَفْسِه جلَّ وعلا، في قَولِه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: 42].
الجوابُ: أنَّ إسنادَ التوفِّي إلى مَلَكِ الموتِ في قَولِه هنا: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11]؛ لأنَّه هو المأمورُ بقَبضِ الأرواحِ؛ وأنَّ إسنادَه للمَلائكةِ في قَولِه تعالى: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ [محمد: 27]، ونحوِها مِنَ الآياتِ؛ لأنَّ لِمَلَكِ الموتِ أعوانًا يَعمَلونَ بأمْرِه، ويَنزِعونَ الرُّوحَ إلى الحُلقومِ، فيَأخُذُها مَلَكُ الموتِ؛ وقد جاء في حديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ الطَّويلِ المشهورِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ العبْدَ المؤمِنَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِن الآخِرَةِ، نزَل إليه ملائكةٌ مِن السَّماءِ ...)) وفيه: ((ثمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ عليه السَّلامُ، حتَّى يجلِسَ عندَ رأسِه، فيقول: أَيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ، اخْرُجي إِلى مغفرةٍ مِن اللهِ ورِضوانٍ. فتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطْرةُ مِن فِي السِّقاءِ، فيأخُذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعوها في يَدِه طَرْفةَ عَيْنٍ حتَّى يَأخُذوها. ..)) الحديثَ [114] أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (12059)، وأحمد (18534)، والحاكم في ((المستدرك)) (107) بألفاظٍ مُتقاربةٍ. صحَّحَ إسنادَه الطَّبريُّ في ((مسند ابن عمر)) (494/2)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (300/1)، وحسَّنه المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (280/4)، وصحَّحَه الألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (3558). . وأنَّ إسنادَه إلى اللهِ تعالى في قَولِه تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: 42]؛ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ كائنًا ما كان لا يكونُ إلَّا بقَضاءِ الله وقَدَرِه، ومَلَكُ الموتِ لا يَقدِرُ أن يَقبِضَ رُوحَ أحدٍ إلَّا بإذنِ اللهِ ومَشيئتِه تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [115] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 184)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/184، 185). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (21/220، 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 58). [آل عمران: 145].
15- قال الله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ هذا التَّوكيلُ ليس توكيلًا لحاجةٍ، ولكِنَّه توكيلُ سُلطانٍ وعَظَمةٍ، فالله عَزَّ جَلَّ لا يحتاجُ، وإذا أراد شيئًا قال له: كُنْ، فيَكونُ، لكِنَّه يُوكِّلُ ذلك توكيلَ سُلطانٍ وعَظَمةٍ؛ لِبَيانِ سُلطانِه وعظَمتِه، وأنَّ كُلَّ شَيءٍ في خِدمتِه سُبحانَه وتعالى، وفي عبادتِه [116] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 58). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
- قولُه: ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ جِيءَ بالإشارةِ إلى اسمِ الجَلالةِ بعدَما أُجرِيَ عليه مِن أوصافِ التَّصرُّفِ بخَلْقِ الكائناتِ، وتَدبيرِ أُمورِها؛ للتَّنبيهِ على أنَّ المُشارَ إليه باسمِ الإشارةِ حَقيقٌ بما يَرِدُ بعدَ اسمِ الإشارةِ مِن أجْلِ تلك الصِّفاتِ المُتقدِّمةِ [117] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/214). .
- قولُه: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ المَقصودُ هو عِلمُ الغَيبِ؛ لأنَّهم لَمَّا أنْكَروا البَعثَ وإحياءَ المَوتَى، كانت شُبهتُهم في إحالتِه أنَّ أجزاءَ الأجسامِ تَفرَّقَتْ وتَخلَّلت الأرضَ؛ ولذلك عقَّبَ بقولِه بعْدَه: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10]، وأمَّا عَطفُ (الشَّهادةِ) على (الغَيبِ) فتَكميلٌ واحتِراسٌ [118] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/214). .
- وقدَّمَ العِلمَ بالغَيبِ؛ لأنَّه أقوى وأشَدُّ إنباءً عن كمالِ العِلمِ [119] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/140). .
- قولُه: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ مُناسَبةُ وَصفِه تعالى بالعَزيزِ الرَّحيمِ عقِبَ ما تَقدَّمَ: أنَّه خلَقَ الخلْقَ بمَحضِ قُدرتِه بدُونِ مُعِينٍ؛ فالعِزَّةُ -وهي الاستِغناءُ عن الغَيرِ- ظاهرةٌ، وأنَّه خلَقَهم على أحوالٍ فيها لُطفٌ بهم؛ فهو رَحيمٌ بهم فيما خَلَقهم؛ إذ جعَلَ أُمورَ حَياتِهم مُلائمةً لهم، فيها نَعيمٌ لهم، وجنَّبَهم الآلامَ فيها؛ فهذا سَببُ الجمْعِ بيْن صِفَتيِ العزيزِ والرَّحيمِ هنا على خِلافِ الغالِبِ مِن ذِكرِ الحكيمِ مع العزيزِ [120] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/215). . وفيه إيماءٌ إلى أنَّه تعالى مُتفضِّلٌ في جَميعِ ما ذُكِرَ، فاعلٌ بالإحسانِ [121] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/220)، ((تفسير أبي السعود)) (7/81). .
2- قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ
- قولُه: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قُرِئَ خَلَقَهُ بفَتْحِ اللَّامِ، فِعلًا ماضيًا، صِفةً لـ كُلَّ أو لـ شَيْءٍ. وقُرِئَ بسُكونِ اللَّامِ [122] قرأه بفتح اللَّامِ: نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ والكِسائيُّ وخلَفٌ، والباقون بسكونها. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/347)، ((إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر)) للبناء (ص: 449). : خَلْقَهُ قيل: هو بدلُ اشتمالٍ، والمبدَلُ منه كُلَّ، أي: أحْسَن خَلْقَ كلِّ شيءٍ، فالضميرُ في خَلْقَهُ عائدٌ على كُلَّ. وقيل: الضميرُ في خَلْقَهُ عائدٌ على الله، فيكونُ انتصابُه نصبَ المصدرِ المؤكِّدِ لمضمونِ الجملة؛ أي: خلَقه خَلْقًا، وهو أبلَغُ في الامتِنانِ؛ لأنَّه إذا قال: (أحسَنَ كلَّ شَيءٍ)، كان أبلَغَ مِن: (أحسَنَ خلْقَ كلِّ شَيءٍ)؛ لأنَّه قد يُحسِنُ الخلْقَ، ولا يكونُ الشَّيءُ في نَفْسِه حَسنًا، فإذا قال: أحسَنَ كلَّ شَيءٍ، اقتَضى أنَّ كلَّ شَيءٍ خلَقَه حَسنٌ، بمعنى: أنَّه وضَعَ كلَّ شَيءٍ في مَوضعِه [123] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/432). .
- وقولُه: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ارْتقاءٌ في الاستِدلالِ، مَشوبٌ بامتنانٍ على النَّاسِ أنْ أحسَنَ خَلْقَهم في جُملةِ إحسانِ خَلْقِ كلِّ شَيءٍ، وبتَخصيصِ خَلْقِ الإنسانِ بالذِّكرِ، والمَقصودُ: أنَّه الَّذي خَلَقَ كلَّ شَيءٍ، وخاصَّةً الإنسانَ خلْقًا بعدَ أنْ لم يكُنْ شيئًا مَذكورًا، وأخرَجَ أصْلَه مِن تُرابٍ، ثمَّ كوَّنَ فيه نِظامَ النَّسلِ مِن ماءٍ؛ فكيف تُعجِزُه إعادةُ أجزائِه؟! وتَخلَّصَ مِن هذا الوَصفِ العامِّ إلى خَلْقِ الإنسانِ؛ لأنَّ في خِلقةِ الإنسانِ دَقائقَ في ظاهرِه وباطنِه [124] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/215، 216). . وقيل: لَمَّا كان الحيوانُ أشرَفَ الأجناسِ، وكان الإنسانُ أشرَفَه- خصَّه بالذِّكرِ؛ لِيَقومَ دَليلُ الوَحدانيَّةِ بالأنفُسِ كما قام قَبلُ بالآفاقِ [125] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/244). .
3- قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ قال هنا: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، وقال في سُورةِ (المؤمنون): مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ؛ لأنَّ المَذكورَ هنا صِفةُ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، والمَذكورَ ثَمَّ صِفةُ آدَمَ عليه السَّلامُ [126] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 452). .
4- قوله تعالى: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
- قولُه: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ذِكرُ التَّسويةِ ونَفخِ الرُّوحِ في جانبِ النَّسلِ؛ يُؤذِنُ بأنَّ أصْلَه كذلك؛ فالكلامُ إيجازٌ [127] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/217). .
- قولُه: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ النَّفخُ: تَمثيلٌ لِسَريانِ اللَّطيفةِ الرُّوحانيَّةِ في الكَثيفةِ الجَسديَّةِ، مع سُرعةِ الإيداعِ [128] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/217). .
- وفي إضافةِ الرُّوحِ إلى ذاتِه سُبحانه تَشريفٌ للإنسانِ، وإيذانٌ بأنَّه خلْقٌ عَجيبٌ، وصُنعٌ بَديعٌ لا يَعلَمُ كُنْهَه إلَّا هو، وأنَّ له شأنًا، وله مُناسبةٌ إلى حَضرةِ الرُّبوبيةِ، وأنَّ أقْصَى ما تَنْتهي إليه العُقولُ البشَريَّةُ مِن مَعرفتِه هذا القَدرُ الَّذي يُعبَّرُ عنه تارةً بالإضافةِ إليه تعالى، وأُخرى بالنِّسبةِ إلى أمْرِه تعالى، كما في قولِه تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [129] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/81). [الإسراء: 85].
- قولُه: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، في قولِه: وَجَعَلَ لَكُمُ الْتفاتٌ، فانتقَل مِن الغَيبةِ إلى الخِطابِ؛ لأنَّ المُخاطَبينَ مِن أفرادِ النَّاسِ، وجَعْلُ السَّمعِ والأبصارِ والأفئدةِ للنَّاسِ كلِّهم، غير خاصٍّ بالمُخاطَبينَ، فلمَّا انتهَضَ الاستِدلالُ على عَظيمِ القُدرةِ، وإتقانِ المُرادِ مِن المَصنوعاتِ المُتحدَّثِ عنهم بطَريقِ الغَيبةِ الشَّاملِ للمُخاطَبينَ وغيرِهم؛ ناسَبَ أنْ يُلتفَتَ إلى الحاضِرينَ بنَقلِ الكلامِ إلى الخِطابِ؛ لأنَّه آثَرُ بالامتِنانِ، وأسعَدُ بما يَرِدُ بعدَه مِن التَّعريضِ بالتَّوبيخِ في قولِه: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [130] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/433)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/217). . وأيضًا في حِكايةِ أحوالِ الإنسانِ مِن مَبدأِ فِطرتِه، إلى نَفخِ الرُّوحِ فيه بطَريقِ الغَيبةِ، وحِكايةِ أحوالِه بعدَ ذلك بطَريقِ الخِطابِ المُنبئِ عن استعدادِه للفَهمِ وصَلاحيَّتِه له: مِن الجَزالةِ ما لا غايةَ وَراءَه [131] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/82). .
- والجَعلُ هنا إبداعيٌّ، واللَّامُ في لَكُمُ مُتعلِّقةٌ به، وتَقديمُ الجارِّ والمَجرورِ لَكُمُ على المَفعولِ الصَّريحِ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ؛ للاهتِمامِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ، مع ما فيه مِن نَوعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقديمُه بجَزالةِ النَّظمِ الكريمِ [132] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/81). .
- والعُدولُ عن أنْ يُقالَ: (وجعَلَكم سامعينَ مُبصِرين عالِمينَ) إلى قولِه: (جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)؛ لأنَّ ذلك أعرَقُ في الفَصاحةِ، ولِمَا تُؤذِنُ به اللَّامُ مِن زِيادةِ المِنَّةِ في هذا الجَعلِ؛ إذ كان جَعْلًا لِفائدتِهم ولِأجْلِهم، ولِمَا في تَعليقِ الأجناسِ مِن السَّمعِ والأبصارِ والأفئدةِ بفِعلِ الجَعلِ مِن الرَّوعةِ والجَلالِ في تَمكُّنِ التَّصرُّفِ، ولأنَّ كَلمةَ (الأفئدة) أجمَعُ مِن كَلمةِ (عاقِلِين)؛ لأنَّ الفؤادَ يَشمَلُ الحواسَّ الباطنةَ كلَّها، والعقلُ بعضٌ منها [133] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/217). .
- وكذلك في قولِه: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ أفرَدَ السَّمعَ؛ لأنَّه مَصدرٌ لا يُجمَعُ، وجمَعَ الأبصارَ والأفئدةَ باعتبارِ تَعدُّدِ النَّاسِ [134] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/217). . وقيل: الحِكمةُ في ذِكرِه المصدَرَ في السَّمعِ، وفي البَصَرِ والفُؤادِ الاسمَ، ولذا جمَعَهما دونَ السَّمعِ؛ لأنَّه مَصدَرٌ وهو لا يُجمَعُ: أنَّ السَّمعَ قُوَّةٌ واحدةٌ، ولها محلٌّ واحِدٌ، وهو الأذُنُ، ولا اختيارَ لها فيه، وأنَّ الصَّوتَ مِن أي جانبٍ -كان- واصِلٌ إليه، ولا قُدرةَ للأذُنِ على تخصيصِ السَّمعِ بإدراكِ البَعضِ دونَ البعضِ؛ وأمَّا البصَرُ فمحَلُّه العينُ، ولها فيه اختيارٌ؛ فإنَّها تتحَرَّكُ إلى جانبِ المرئيِّ دونَ غيرِه؛ وكذلك الفؤادُ: محلُّه الإدراكُ، وله نوعُ اختيارٍ؛ يَلتَفِتُ إلى ما يُريدُ دُونَ غَيرِه. فالسَّمعُ أصلٌ دونَ محلِّه؛ لعدمِ الاختيارِ له. والعَينُ كالأصلِ، وقُوَّةُ الإبصارِ آلتُها. والفؤادُ كذلك، وقوَّةُ الفَهمِ آلتُه؛ فذَكَر في السَّمعِ المصدَرَ الَّذي هو القُوَّةُ، وفي الإبصارِ والأفئدةِ الاسمَ الَّذي هو محلُّ القوَّةِ، ولأنَّ السَّمعَ قُوَّةٌ واحِدةٌ لها محلٌّ واحدٌ؛ ولهذا لا يَسمَعُ الإنسانُ في زمانٍ واحدٍ كلامَينِ على وَجهٍ يَضبِطُهما، ويَرى في زمانٍ واحدٍ صُورتينِ فأكثَرَ ويُثبِتُهما [135] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/205، 206). . وقيل: وحَّد السَّمعَ؛ لقلَّةِ التَّفاوُتِ فيه إذا كان سالِمًا [136] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/142). .
- وفي تَقديمِ السَّمعِ على البَصرِ في مَواقعِه مِن القُرآنِ دليلٌ على أنَّه أفضَلُ فائدةً لِصاحبِه مِن البَصرِ؛ فإنَّ التَّقديمَ مُؤذِنٌ بأهمِّيَّةِ المُقدَّمِ؛ وذلك لأنَّ السَّمعَ آلةٌ لِتَلقِّي المعارِفِ الَّتي بها كَمالُ العقلِ، وهو وَسيلةُ بُلوغِ دَعوةِ الأنبياءِ إلى أفهامِ الأُمَمِ على وَجهٍ أكمَلَ مِن بُلوغِها بِواسطةِ البصَرِ لو فُقِدَ السَّمعُ، ولأنَّ السَّمعَ تَرِدُ إليه الأصواتُ المَسموعةُ مِن الجِهاتِ السِّتِّ بدُونِ تَوجُّهٍ، بخِلافِ البَصرِ؛ فإنَّه يَحتاجُ إلى التَّوجُّهِ بالالْتفاتِ إلى الجِهاتِ غيرِ المُقابِلةِ. وتَقديمُ السَّمعِ والأبصارِ على الأفئدةِ هنا، عَكْسَ آيةِ (البقرةِ)؛ لأنَّه رُوعِيَ هنا تَرتيبُ حُصولِها في الوُجودِ؛ فإنَّه يَكتسِبُ المَسموعاتِ والمُبصَراتِ قبْلَ اكتسابِ التَّعقُّلِ [137] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/258) و(21/217، 218). ، فالإنسانُ يَسمَعُ أوَّلًا كَلامًا، فيَنظُرُ إلى قائِلِه لِيَعرِفَه، ثمَّ يتفكَّرُ بقَلبِه في ذلك الكلامِ لِيَفهَمَ مَعناه [138] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/205). . وقيل: لعلَّه قَدَّمهما؛ لأنَّه يُنتفَعُ بهما حالَ الولادةِ، وقدَّمَ السَّمعَ؛ لأنَّه يكونُ إذ ذاك أمتَنَ مِنَ البَصَرِ، وأمَّا العَقلُ فإنَّما يَحصُلُ بالتَّدريجِ؛ فلذا أخَّرَ مَحلَّه [139] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/245). .
وقيل: قدَّم السَّمعَ هاهنا، والقَلبَ في آيةِ سورةِ (البقرةِ)؛ لأنَّه عندَ الإعطاءِ ذَكَر الأدنى وارتقى إلى الأعلى، فقال: أعطاكم السَّمعَ، ثمَّ أعطاكم ما هو أشرَفُ منه وهو القَلبُ؛ وعندَ السَّلبِ قال: ليس لهم قَلبٌ يُدرِكون به، ولا ما هو دونَه، وهو السَّمعُ الَّذي يَسمَعونَ به، ممَّن له قَلبٌ يَفهَمُ الحقائِقَ ويَستَخرِجُها [140] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/142). .
- قولُه: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ بَيانٌ لِكُفرِهم بتلك النِّعمِ بطَريقِ الاعتِراضِ التَّذييليِّ، ويَجوزُ أنْ يكونَ قَلِيلًا مُستعمَلًا في حَقيقتِه؛ وهي كَوْنُ الشَّيءِ حاصلًا ولكنَّه غيرُ كَثيرٍ. ويَجوزُ أنْ يَكونَ كِنايةً عن العدَمِ، كقَولِه تعالى: فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 46]، وعلى الوَجهينِ يَحصُلُ التَّوبيخُ؛ لأنَّ النِّعمَ المُستحِقَّةَ للشُّكرِ وافِرةٌ دائمةٌ؛ فالتَّقصيرُ في شُكرِها وعَدمُ الشُّكرِ سَواءٌ [141] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/81، 82)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/218). .
5- قوله تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ كَلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لِبَيانِ أباطيلِهم بطَريقِ الالْتفاتِ؛ إيذانًا بأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدمِ شُكرِهم بتلك النِّعمِ مُوجِبٌ للإعراضِ عنهم، وتَعديدِ جِناياتِهم لِغَيرِهم بطَريقِ المُباثَّةِ [142] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/82). والمُباثَّة: مِن قَولِهم: بثَّ الرَّجُلُ الحديثَ: إذا أذاعه ونَشَره. يُنظر: ((المصباح المنير)) للفيومي (1/36). .
- قَولُ الله تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ قال تعالى في تكذيبِ الكافِرينَ الرَّسولَ في الرِّسالةِ: أَمْ يَقُولُونَ [السجدة: 3] بلَفظِ المُستَقبَلِ، وقال هنا في تَكذيبِهم إيَّاه في الحَشرِ: وَقَالُوا بلَفظِ الماضي؛ وذلك لأنَّ تَكذيبَهم إيَّاه في رِسالتِه لم يكُنْ قبْلَ وُجودِه، وإنَّما كان ذلك حالةَ وُجودِه، فقال: يَقُولُونَ يعني: هم فيه، وأمَّا إنكارُهم للحَشرِ فكان سابِقًا صادِرًا منهم ومِن آبائِهم، فقال وَقَالُوا [143] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/142، 143). .
- والاستِفهامُ في قولِهم: أَئِذَا ضَلَلْنَا للتَّعجُّبِ والإحالةِ، أي: أظْهَروا في كلامِهم استبعادَ البَعثِ بعدَ فَناءِ الأجسادِ واختِلاطِها بالتُّرابِ؛ مُغالَطةً للمؤمنينَ، وتَرويجًا لِكُفرِهم [144] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/218). .
- قولُه: أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بهَمزتينِ؛ أُولاهما للاستِفهامِ، والثَّانيةُ تأكيدٌ لِهَمزةِ الاستِفهامِ الدَّاخلةِ على أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ، والمعنى على تَأْكيدِ الإنكارِ [145] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/82)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/219). .
- فإنْ قِيل: إذا كانتِ الجُملةُ الاستفهاميَّةُ هنا للإنكارِ؛ فكيف تَأْتي اللَّامُ الدَّالَّةُ على التَّوكيدِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟
 فالجوابُ: أنَّ المرادَ أنَّهم يُنكِرون أنْ يَتأكَّدَ ذلك، يعني: أيَتَأكَّدُ أنَّنا في خلْقٍ جديدٍ بعدَ أنْ تَأكُلَنا الأرضُ؟! وهو كقَولِ إخوةِ يُوسفَ: أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ [يوسف: 90]؛ فهذا التَّأكيدُ كأنَّهم يُنكِرون ما أُكِّدَ مِن كَونِهم يُرجَعون [146] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 53). .
- وتَأكيدُ جُملةِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بحَرفِ (إنَّ)؛ لأنَّهم حَكَوُا القولَ الَّذي تَعجَّبوا منه، وهو ما في القُرآنِ مِن تَأكيدِ تَجديدِ الخلْقِ، فحَكَوه بالمَعنى [147] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/219). .
- قولُه: بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ لَمَّا ذكَرَ كُفرَهم بالإنشاءِ؛ أضرَبَ عنه إلى ما هو أبلَغُ في الكُفرِ؛ وهو أنَّهم كافِرون بجَميعِ ما يكونُ في العاقبةِ، لا بالإنشاءِ وَحْدَه؛ فقد خُوطِبوا بتَوفِّي ملَكِ الموتِ، وبالرُّجوعِ إلى ربِّهم بعدَ ذلك مَبعوثينَ للحِسابِ والجَزاءِ [148] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/509)، ((تفسير أبي السعود)) (7/82). .
- قولُه: بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ الإتيانُ بالجُملةِ الاسميَّةِ؛ لإفادةِ الدَّوامِ على كُفرِهم والثَّباتِ عليه. وتَقديمُ المَجرورِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ على كَافِرُونَ؛ للاهتِمامِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ، وللرِّعايةِ على الفاصلةِ [149] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/219). .
6- قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
- قولُه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ... استِئنافٌ ابتدائيٌّ جارٍ على طَريقةِ حِكايةِ المُقاولاتِ؛ لأنَّ جُملةَ (قُل) في معنى جَوابٍ لِقَولِهم: أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10]؛ أمَرَ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُعِيدَ إعلامَهم بأنَّهم مَبعوثونَ بعدَ المَوتِ؛ فالمَقصودُ مِن الجُملةِ هو قولُه: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ؛ إذ هو مَناطُ إنْكارِهم، وأمَّا أنَّهم يَتوفَّاهم ملَكُ المَوتِ، فذَكَره لِتَذكيرِهم بالمَوتِ، وهم لا يُنكِرون ذلك، ولكنَّهم ألْهَتْهم الحياةُ الدُّنيا عن النَّظرِ في إمكانِ البعثِ والاستِعدادِ له، فذُكِّروا به، ثمَّ أُدمِجَ فيه ذِكرُ ملَكِ الموتِ؛ لِزِيادةِ التَّخويفِ مِن الموتِ، والتَّعريضِ بالوَعيدِ مِن قولِه: الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ؛ فإنَّه مُوكَّلٌ بكلِّ مَيِّتٍ بما يُناسِبُ مُعامَلتَه عندَ قَبضِ رُوحِه، وفيه إبطالٌ لِجَهلِهم بأنَّ الموتَ بيَدِ اللهِ تعالى، وأنَّه كما خلَقَهم يُمِيتُهم، وكما يُمِيتُهم يُحيِيهُم، وأنَّ الإماتةَ والإحياءَ بإذْنِه وتَسخيرِ ملائكتِه في الحالينِ؛ وذلك إبطالٌ لِقَولِهم: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا [الجاثية: 24]، فأعْلَمَهم اللهُ أنَّهم لا يَخرُجون عن قَبضةِ تَصرُّفِه طَرْفةَ عَينٍ؛ لا في حالِ الحياةِ، ولا في حالِ المَماتِ [150] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/220). .