موسوعة التفسير

سورةُ الرُّومِ
الآيات (24-27)

ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ

غَريبُ الكَلِماتِ:


قَانِتُونَ: أي: مُطيعونَ خاضِعونَ، وأصلُ (قنَت): يدُلُّ على طاعةٍ وخَيرٍ في دِينٍ [268] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 340)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 372)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5 /31)، ((المفردات)) للراغب (ص: 685)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 702). .
الْمَثَلُ الْأَعْلَى: أي: الصِّفةُ العُليا، وهي أنَّه لا إلهَ غيرُه، والمثَلُ يَرِدُ بمعنَى الصِّفةِ، وأصلُ (مثل): يدُلُّ على مُناظَرةِ الشَّيءِ للشَّيءِ [269] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 244)، ((تفسير ابن جرير)) (13/552)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/112) و(5/296)، ((المفردات)) للراغب (ص: 759)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 291)، ((الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة)) لابن القيم (3/1033). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى: ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على عَظمةِ اللهِ تعالى وغَيرِها مِن صفاتِهِ الحسنى: أن يُريَكم البَرْقَ؛ فتَخافوا وتَطمَعوا، ويُنزِّلُ اللهُ مِن السَّماءِ مَطَرًا فيُحيي به الأرضَ بعدَ جُدوبِها، إنَّ في ذلك لَعَلاماتٍ لِقَومٍ يَعقِلونَ.
 ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على وَحدانيَّتِه وقُدرتِه تعالى: قيامُ السَّماءِ والأرضِ بقُدرتِه وتَدبيرِه تعالى، ثمَّ إذا دعاكم اللهُ دَعوةً واحِدةً وأنتم موتَى في بَطنِ الأرضِ، إذا أنتم تَخرُجونَ أحياءً مِن قُبورِكم يومَ البَعثِ.
ولله وَحْدَه مَنْ في السَّمواتِ والأرضِ، كلٌّ له سُبحانَه خاضِعونَ مُنقادونَ.
واللهُ هو الذي يَبدأُ إنشاءَ الخَلقِ مِن العَدَمِ، ثمَّ يُعيدُهم بعدَ مَوتِهم فيُحييهم ثانيةً، وإعادةُ الخَلقِ بعدَ مَوتِهم أيسَرُ عليه مِن ابتداءِ خَلْقِهم.
وله وَحْدَه سُبحانَه الوَصفُ الأكمَلُ في السَّمَوات والأرضِ، وهو العزيزُ القاهِرُ لخَلقِه، الحَكيمُ في أفعالِه وأقوالِه.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أن ذكَر ما يَعرِضُ للأنفُسِ مِنَ الأوصافِ؛ ذكَر ما يَعرِضُ للأكوانِ والآفاقِ ونُشاهِدُه رأيَ العَينِ الفَيْنةَ بعدَ الفَينةِ، ممَّا فيه العِبرةُ [270] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (21/39). .
وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا.
أي: ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على عظَمةِ اللهِ تعالى وغَيرِها: أنْ يُبدِيَ لكم البَرْقَ، فتَخافوا وتَطمَعوا [271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/480)، ((تفسير القرطبي)) (14/18، 19)، ((تفسير ابن كثير)) (6/310)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640). قال ابن عاشور: (المراد: خوفًا تخافونَه، وطَمعًا تَطمعونَه؛ فالمصدران مؤَوَّلان بمعنى الإرادةِ، أي: إرادةَ أن تخافوا خَوفًا وتطمَعوا). ((تفسير ابن عاشور)) (21/79). واختلفت أقوالُ المفسِّرينَ في المرادِ بالخوفِ والطَّمَعِ هنا على أقوالٍ: فقيل: المرادُ: خَوفًا للمسافِرِ، وطمعًا للمقيم. ومِمَّن قال بهذا المعنى في الجملةِ: ابنُ جرير، والزجَّاج، والواحدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/480)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/182)، ((الوسيط)) للواحدي (3/432). ومِمَّن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ: قَتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/475). وردَّ ابنُ عطيَّةَ هذا المعنى، فقال: (لا وجْهَ لهذا التَّخصيصِ ونحوِه، بل فيه الخَوفُ والطَّمَعُ لكُلِّ بشَرٍ). ((تفسير ابن عطية)) (4/334). وبنحوِه قال ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 132). وقيل: المعنى: تارةً تخافونَ ممَّا يحدُثُ بعدَه مِن أمطارٍ مُزعِجةٍ، أو صواعِقَ مُتلِفةٍ، وتارةً تَرجونَ وَميضَه وما يأتي بعدَه مِن المطرِ المُحتاجِ إليه. ومِمَّن قال بهذا: ابنُ كثير. وبنحوِه قال البِقاعي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/310)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/73). قال ابن عاشور: (خَوفًا مِن أن يكونَ اللهُ سَلَّطه عقابًا، وطَمعًا في أن يكونَ أراد به خيرًا للنَّاسِ، فيَطمعونَ في نزولِ المطرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/78). وقيل: المرادُ: خَوفًا أن يكونَ البرقُ بَرقًا خُلَّبًا لا يُمطِرُ، وطمعًا أن يكونَ مُمطِرًا. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/19). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: 12].
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
أي: ويُنزِّلُ اللهُ مِن السَّماءِ مَطَرًا، فيُحيي به الأرضَ اليابِسةَ، فتُخرِجُ نباتَها بعدَ جُدوبِها [272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/480)، ((تفسير ابن كثير)) (6/310)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/73). .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
أي: إنَّ في إظهارِ الله لكم البَرْقَ، وإنزالِه المطَرَ، وإحياءِ الأرضِ به: لَعَلاماتٍ يَستَدِلُّ بها القَومُ الَّذين يَعقِلونَ حُجَجَ اللهِ، ومِن ذلك الاستِدلالُ بها على قُدرةِ الله على البَعثِ [273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/482)، ((تفسير ابن كثير)) (6/310)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640). .
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان جميعُ ما مضَى مِنَ الآياتِ المرئيَّاتِ ناشِئًا عن هذَينِ الخَلْقَينِ العَظيمَينِ -السَّماءِ والأرضِ- المحيطَينِ بمَن أُنزِلَت عليهم هذه الآياتُ المسموعاتُ؛ بيانًا لِمَن أَشْكَلَ عليه أمرُ الآياتِ المرئيَّاتِ- ذكَرَ أمرًا جامِعًا للكُلِّ، وهو مِن الوضوحِ بحيث لا يحتاجُ إلى أكثَرَ مِن العَقلِ المختومِ به ما قَبْلُ، فقال [274] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/74). :
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ .
أي: ومِن العلاماتِ الدَّالَّةِ على قُدرةِ اللهِ وغيرِها: قيامُ السَّماءِ والأرضِ بقُدرتِه وتدبيرِه؛ خُضوعًا وطاعةً لأمرِه لها [275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/482)، ((تفسير القرطبي)) (14/19)، ((تفسير ابن كثير)) (6/310)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640). قيل: المرادُ بقيامِ السَّمَواتِ والأرضِ: استِمساكُها بلا عَمَدٍ، فلا تَسقُطُ السَّماءُ أو الأرضُ. ومِمَّن قال بهذا المعنى في الجملةِ: ابنُ جرير، والقرطبي، والبقاعي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/482)، ((تفسير القرطبي)) (14/19)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640). ومِمَّن قال بهذا القَولِ مِن السَّلَفِ: عبدُ الله بنُ مسعودٍ، وقَتادةُ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/411)، ((تفسير ابن جرير)) (18/482). وقيل: المرادُ أعَمُّ مِن ذلك، فيَشمَلُ القيامَ الحِسِّيَّ والمعنويَّ؛ القيامُ الحِسِّيُّ: بما فيها مِنَ الانتظامِ، وإيداعِها مصالحَ الخَلقِ. والقيامُ المعنويُّ: لأنَّها تَصلُحُ وتقومُ بالعَمَلِ فيها بطاعةِ الله، كما أنَّ المعاصيَ إفسادٌ للأرضِ. قاله ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 137، 138). قال ابن عثيمين: (... وعلى هذا يكونُ المرادُ بالأمرِ الأمرَ الكونيَّ، والأمرَ الشَّرعيَّ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الروم)) (ص: 138). .
كما قال تعالى: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج: 65].
وقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [فاطر: 41].
ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ.
أي: ثمَّ إذا دعاكم اللهُ دَعوةً واحِدةً وأنتم مَوتى في بَطنِ الأرضِ، إذا أنتم سَريعًا تَخرُجونَ أحياءً مِن قُبورِكم يومَ القيامةِ [276] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/482)، ((تفسير الماوردي)) (4/308)، ((تفسير الزمخشري)) (3/475)، ((تفسير ابن كثير)) (6/311)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/75)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 138-140). .
كما قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 52].
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أن أقام الأدِلَّةَ على الوحدانيَّةِ وهي الأصلُ الأوَّلُ، وعلى القُدرةِ على الحشرِ وهي الأصلُ الثَّاني- أعقَبَ ذلك بهاتَينِ الآيتَينِ، وجعَلَهما كالنَّتيجةِ لِما سلَف [277] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (21/41). .
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
أي: ولله وَحْدَه ملْكُ مَنْ في السَّمَواتِ والأرضِ مِن الملائِكةِ والإنسِ والجِنِّ وجَميعِ المخلوقاتِ؛ فكُلُّهم عَبيدُه ومماليكُه [278] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/483)، ((تفسير ابن كثير)) (6/311)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 141، 142). .
كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ.
أي: كُلُّ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ مِن خَلْقِ اللهِ خاضِعونَ للهِ وَحْدَه؛ فَهُم له أذِلَّاءُ مَقهورونَ لإرادتِه الكَونيَّةِ، فيَتصَرَّفُ فيهم بما يَشاءُ [279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/484، 485)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/215)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/127)، ((تفسير ابن كثير)) (6/311)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 142، 143). قال ابنُ جرير: (وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ القَولُ الَّذي ذكَرْناه عن ابنِ عبَّاسٍ: وهو أنَّ كُلَّ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ مِن خَلقٍ لله: مُطيعٌ في تصَرُّفِه فيما أراد تعالى ذِكرُه من حياةٍ وموتٍ، وما أشبَهَ ذلك، وإنْ عصاه فيما يَكتسِبُه بقُواهُ، وفيما له السَّبيلُ إلى اختيارِه، وإيثارِه على خِلافِه). ((تفسير ابن جرير)) (18/484، 485). وقال ابنُ القيِّم: (القنوتُ هنا هو العبوديَّةُ العامَّةُ الَّتي يشتَرِكُ فيها أهلُ السَّمَواتِ والأرضِ، لا يختَصُّ بها بعضُهم عن بعضٍ، ولا يختَصُّ بزَمانٍ دونَ زمانٍ، وهي عبوديَّةُ القَهرِ؛ فالقُنوتُ هنا قُنوتُ قَهرٍ وذُلٍّ، لا قُنوتُ طاعةٍ ومحبَّةٍ). ((بدائع الفوائد)) (1/215). وقال ابن كثير: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ أي: خاضِعونَ خاشِعونَ، طَوعًا وكَرهًا). ((تفسير ابن كثير)) (6/311). وقال ابنُ عاشور: (ظاهِرُ معنى القُنوتِ: امتِثالُ الأمرِ، فيجوزُ أن يكونَ المعنى: أنَّهم مُنقادون لأمرِه، وإذ قد كان في العُقَلاءِ عُصاةٌ كثيرونَ، تعَيَّنَ تأويلُ القُنوتِ باستعمالِه في الامتِثالِ لأمرِ التَّكوينِ، أو في الشَّهادةِ لله بالوحدانيَّةِ بدَلالةِ الحالِ، وهذا هو المقصودُ هنا... ويجوزُ أن تكونَ جملةُ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ تكمِلةً لجُملةِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم: 25] على معنى: وله يومَئذٍ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ كُلٌّ له قانِتونَ، فالقُنوتُ بمعنى الامتثالِ الواقِعِ في ذلك اليومِ، وهو امتِثالُ الخُضوعِ؛ لأنَّ امتثالَ التَّكليفِ قد انقضى بانقِضاءِ الدُّنيا، أي: لا يَسَعُهم إلَّا الخضوعُ فيما يأمُرُ الله به مِن شأنِهم يومَ تَشهَدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجُلُهم بما كانوا يَعمَلونَ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/82، 83). .
كما قال تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: 83].
وقال سُبحانَه: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ [الرعد: 15].
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27).
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
أي: واللهُ هو الَّذي يَبدأُ إنشاءَ الخَلقِ مِن العَدَمِ، ثمَّ يُعيدُهم بعدَ مَوتِهم فيُحييهم ثانيةً [280] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/653)، ((تفسير ابن جرير)) (18/485)، ((الوسيط)) للواحدي (3/432)، ((تفسير أبي السعود)) (7/58)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 145). .
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.
أي: وإعادةُ الخَلقِ بعدَ مَوتِهم أيسَرُ [281] اختلَف المفسِّرونَ هنا في المرادِ بقَولِه تعالى: أَهْوَنُ؛ فقيل: أَهْوَنُ بمعنى: هَيِّن، أي: الإعادةُ هَيِّنةٌ عليه؛ لأنَّه ليس شَيءٌ أهوَنَ على اللهِ مِن شَيءٍ، فالكُلُّ هَيِّنٌ عليه، وهو عندَه سَواءٌ. ومِمَّن قال بذلك: القرطبي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/21)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/447). وهذا بِناءً على أنَّ صيغةَ التَّفضيلِ قد تُطلقُ في القرآنِ واللُّغةِ مرادًا بها الاتِّصافُ، لا تفضيلُ شَيءٍ على شَيءٍ. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (ص: 258 - 261). وقيل: هو اسمُ تَفضيلٍ، والمرادُ: أهوَنُ عليه باعتبارِ المفهومِ لدى المخاطَبينَ، فمِنَ المتقَرِّر لدى النَّاسِ أنَّ إعادةَ الشَّيءِ أسهَلُ مِنِ ابتِدائِه. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: البِقاعي، والسعدي، واستحسنه ابن عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 146، 147). على اللهِ مِنِ ابتِداءِ خَلْقِهم [282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/485 - 487)، ((تفسير القرطبي)) (14/21، 22)، ((تفسير ابن كثير)) (6/311، 312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/83). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((قال الله: كَذَّبَني ابنُ آدَمَ ولم يكُنْ له ذلك، وشَتَمَني ولم يكُنْ له ذلك؛ فأمَّا تكذيبُه إيَّايَ فقَولُه: لن يُعيدَني كما بدَأَني! وليس أوَّلُ الخَلْقِ بأهْوَنَ علَيَّ مِن إعادتِه. وأمَّا شَتْمُه إيَّايَ فقَولُه: اتَّخَذ اللهُ ولَدًا! وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ، لم ألِدْ ولم أُولَدْ، ولم يكُنْ لي كُفْئًا أحَدٌ )) [283] رواه البخاري (4974). .
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
مُناسبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَر مِن الآياتِ العظيمةِ ما به يَعتبِرُ المُعتَبرونَ، ويَتذكَّرُ المؤمِنونَ، ويَتبصَّرُ المُهتدونَ؛ ذكَر الأمرَ العظيمَ، والمطلبَ الكبيرَ، فقال [284] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 640). :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: واللهُ وَحْدَه هو المُستَحِقُّ للوَصفِ الأكمَلِ في السَّمَواتِ والأرضِ؛ فلا إلهَ إلَّا هو، وليس كمِثْلِه شَيءٌ، وكُلُّ صِفةِ كَمالٍ في المخلوقاتِ فالخالِقُ أحَقُّ بالاتِّصافِ بها على وَجهٍ لا يُشارِكُه فيها أحَدٌ، وكلُّ صِفةِ نَقصٍ في المخلوقِ فتَنزيهُ الخالِقِ عنها أَولى وأحرى، لا يدخُلُ السُّوءُ في أسمائِه، ولا النَّقصُ والعَيبُ في صفاتِه، ولا العَبَثُ والجَورُ في أفعالِه [285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/488)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5/376)، ((هداية الحيارى)) لابن القيم (2/511)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/84)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الروم)) (ص: 148). قال الرسعني: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى أي: الوصفُ الأعلى الَّذي لا يُشارَكُ فيه، قد وُصِف به في السَّمواتِ والأرضِ على ألْسِنةِ الخلائقِ وألسِنةِ الدَّلائلِ، وهو أنَّه القادرُ الَّذي لا يُعجِزُه ما شاء مِنَ الإعادةِ والإنشاءِ وغيرِهما). ((تفسير الرسعني)) (6/22). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/477)، ((تفسير ابن جزي)) (2/132)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/205)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/84). وقال السعدي: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هو كلُّ صِفةِ كمالٍ، والكمالُ مِن تلك الصِّفةِ والمحبَّةُ والإنابةُ التَّامَّةُ الكاملةُ في قلوبِ عِبادِه المُخلصينَ والذِّكرُ الجليلُ والعبادةُ منهم؛ فالمثَلُ الأعلى هو وصْفُه الأعلى وما ترتَّبَ عليه). ((تفسير السعدي)) (ص: 640). وقال ابن القيِّم: (المثَلُ الأعلى يَتضمَّنُ الصِّفةَ العُليا، وعِلْمَ العالَمينَ بها ووُجودَها العِلميَّ، والخبرَ عنها وذِكْرَها، وعِبادةَ الرَّبِّ سُبحانَه بواسِطةِ العِلمِ والمعرفةِ القائمةِ بقُلوبِ عابِديه وذاكِريه؛ فهاهنا أربعةُ أمورٍ: ثُبوتُ الصِّفاتِ العُلْيا لله سبحانه في نفْسِ الأمرِ، عَلِمَها العِبادُ أو جَهِلوها. وهذا معنَى قولِ مَن فسَّره بالصِّفةِ. الثَّاني: وُجودُها في العِلمِ والتَّصوُّرِ. وهذا معنَى قولِ مَن قال مِنَ السَّلفِ والخلَفِ: إنَّه ما في قُلوبِ عابِديه وذاكِريه مِن معرفتِه وذِكرِه ومحبَّتِه وإجلالِه وتعظيمِه، وهذا الَّذي في قلوبِهم مِنَ المثَلِ الأعلى لا يَشترِكُ فيه غيرُه معه، بل يختصُّ به في قلوبِهم، كما اختصَّ في ذاتِه. وهذا معنى قولِ مَن قال مِنَ المفسِّرينَ: أهلُ السَّماءِ يُعَظِّمونه ويُحِبُّونه ويَعبُدونه، وأهلُ الأرضِ يُعَظِّمونه ويُجِلُّونه وإن أشرَك به مَن أشرَكَ، وعصاه مَن عصاه، وجحَدَ صِفاتِه مَن جحَدَها، فكلُّ أهلِ الأرض مُعَظِّمون له، مُجِلُّون له، خاضِعون لِعَظَمتِه، مُستَكِينون لِعِزَّتِه وجَبَروتِه؛ قال تعالى: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة: 116]، فلستَ تَجِدُ أحدًا مِن أوليائِه وأعدائِه إلَّا واللهُ أكبَرُ في صدرِه وأكمَلُ وأعظَمُ مِن كلِّ سِواه. الثَّالثُ: ذِكرُ صِفاتِه، والخبَرُ عنها، وتنزيهُها عن النَّقائصِ والعيوبِ والتَّمثيلِ. الرَّابعُ: محبَّةُ المَوصوفِ بها، وتوحيدُه، والإخلاصُ له، والتَّوكُّلُ عليه، والإنابةُ إليه، وكُلَّما كان الإيمانُ بالصِّفاتِ أكمَلَ كان هذا الحُبُّ والإخلاصُ أقوى. فعِباراتُ السَّلفِ تَدورُ حوْلَ هذه المعاني الأربعةِ لا تَتجاوَزُها). ((الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة)) (3/1034). وقال ابن عاشور: (وقوله: فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ صِفةٌ للمَثَلِ، أو حالٌ منه، أي: كان استِحقاقُه المثَلَ الأعلى مُستقرًّا في السَّمواتِ والأرضِ، أي: في كائناتِ السَّمواتِ والأرضِ، فالمرادُ: أهلُها، على حدِّ: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82]، أي: هو موصوفٌ بأشرَفِ الصِّفاتِ وأعظَمِ الشُّؤونِ على ألْسِنةِ العُقلاءِ، وهي الملائكةُ والبشَرُ المُعتَدُّ بعُقولِهم، ولا اعتِدادَ بالمُعطِّلينَ منهم لِسَخافةِ عُقولِهم، وفي دَلائلِ الأدِلَّةِ الكائنةِ في السَّمواتِ وفي الأرضِ؛ فكلُّ تلك الأدِلَّةِ شاهِدةٌ بأنَّ لله المثَلَ الأعلى). ((تفسير ابن عاشور)) (21/84). وقال ابن عثيمين: (فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يعني: عندَ أهلِ السَّمواتِ مِنَ الملائكةِ، وعندَ أهلِ الأرضِ؛ فكُلُّ الفِطَرِ السَّليمةِ تَعترِفُ بأنَّ المثَلَ الأعلى والصِّفةَ العُلْيا لله وحْدَه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الرُّوم)) (ص: 148). .
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
أي: واللهُ ذو العِزَّةِ الكامِلةِ؛ فهو القاهِرُ لخَلقِه فلا يُغالَبُ، المنتَقِمُ مِن أعدائِه فلا يُمانَعُ، وهو الحَكيمُ في أفعالِه وأقوالِه؛ شَرعًا وقَدَرًا، ومِن ذلك حِكمتُه في تدبيرِ خَلْقِه، وتَصريفِهم فيما أرادَه بهم مِن إحياءٍ وإماتةٍ، وبَعثٍ ونُشورٍ [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/489)، ((تفسير ابن كثير)) (6/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 640). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


يتفَرَّعُ على إثباتِ الحِكمةِ في قَولِه تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَطعُ الاعتِراضِ على الخَلْقِ والشَّرعِ، بمعنى أنَّك لا تَعترضُ على خَلْقِ اللهِ أو على شَرعِه، وإنما تُسَلِّمُ؛ لأنَّك إذا آمَنْتَ بالحِكمةِ وأنَّ اللهَ تعالى حَكيمٌ، فحينَئذٍ يَنقَطِعُ الاعتراضُ نهائيًّا، فلا تَقُلْ: «لِمَ؟» ولا «مِن أينَ؟» إلَّا على سَبيلِ الاستِرشادِ [287] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الرُّوم)) (ص: 156). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ حُجَّةٌ على المُعتَزِلةِ والقَدَريَّةِ في إضافةِ الفِعلِ إلى فاعِلِ ذلك الفِعلِ وأنَّ ذلك لا يدفعُ فِعلَ الله به، وإرادتَه فيه، ألا ترى أنَّه قال قبْلَ هذا: وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: 19]، ثمَّ قال هاهنا: إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ، فكيف يُنكِرونَ -وَيْحَهم- أنْ تكونَ أفعالُ المعاصي يَفعلُها العاصون وتُنسَبُ إليهم، ويكونَ محكومًا عليهم بها، جارونَ على محتومِ القَضاءِ عليهم فيها؟! فلا يبقى عليهم عندَ ذلك إلَّا الإقرارُ بعُزوبِ عِلْمِهِم عن عَدْلِ عادلٍ لا يضُرُّهم جَهْلُه [288] يُنظر: ((النُّكَت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/610). .
2- في قَولِه تعالى: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ دَلالةٌ على أنَّ مَقَرَّ بني آدمَ الأرضُ، ويؤيِّدُ ذلك قولُه تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه: 55]، فالمعمولُ في هذه الآيةِ «فيها» و «منها» مُقَدَّمٌ، وتقديمُ المعمولِ يدُلُّ على الحصر مِن هذا الشَّيءِ لا مِن غيرِه، إذَنْ فالحياةُ على الكواكبِ متعَذِّرةٌ بالنِّسبةِ لبني آدَمَ، فظاهرُ الآياتِ أنَّ بني آدَمَ خُلِقوا مِن الأرض، ويُرجَعون إلى الأرض، ويُدْعَون يومَ القيامة مِن الأرض [289] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الرُّوم)) (ص: 140). .
3- في قَولِه تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ دَلالةٌ على أنَّ الخَلقَ حادِثٌ بعدَ أنْ لم يكُنْ، فيَكونُ في الآية رَدٌّ لِقَولِ الفَلاسِفةِ القائِلينَ بقِدَمِ العالَمِ، والصَّوابُ أنَّ العالَمَ حادِثٌ بعدَ أنْ لم يكُنْ؛ لِقَولِه تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ [290] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الرُّوم)) (ص: 153). .
4- قَولُ الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَقَّبَ بِقَولِه: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ للإشارةِ إلى أنَّ قَولَه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مجرَّدُ تَقريبٍ لأفهامِهم، أي: ثَبَت له واستَحَقَّ الشَّأنَ الأتَمَّ الَّذي لا يُقاسُ بشُؤونِ النَّاسِ المُتعارَفةِ، وإنَّما لِقَصدِ التَّقريبِ لأفهامِكم [291] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/84). .
5- قولُه: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ هذا ابتِداءٌ بتوجيهِ الكلامِ إلى المشركِينَ لرُجوعِه إلى نَظيرِه المَسوقِ إليهم، وهذا أشبَهُ بالتَّسليمِ الجَدَليِّ في المُناظَرةِ؛ ذلك لأنَّهم لَمَّا اعتَرفوا بأنَّ اللهَ هو بادِئُ خلْقِ الإنسانِ، وأنْكَروا إعادتَه بعدَ الموتِ، واسْتُدِلَّ عليهم هنالك بقِياسِ المُساواةِ، ولَمَّا كان إنكارُهم الإعادةَ بعْدَ الموتِ مُتضَمِّنًا تَحديدَ مَفعولِ القُدرةِ الإلهيَّةِ؛ جاء التَّنازُلُ في الاستِدلالِ إلى أنَّ تَحديدَ مَفعولِ القُدرةِ لو سُلِّمَ لهم، لَكان يَقْتضي إمكانَ البعْثِ بقياسِ الأَحْرى؛ فإنَّ إعادةَ المَصْنوعِ مرَّةً ثانيةً أهْوَنُ على الصَّانعِ مِن صَنعتِه الأُولى، وأدخَلُ تحتَ تأثيرِ قُدرتِه فيما تَعارَفَه النَّاسُ في مَقدُوراتِهم [292] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/83). .
6- الأقْيِسةُ في بابِ صفاتِ اللهِ هي أقيِسةُ الأَولى؛ فإنَّ العَبدَ إذا كان هذا الكَمالُ ثابتًا له، فاللهُ الَّذي له المَثَلُ الأعلى أحَقُّ بذلك؛ قال الله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [293] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (5/109). ، فكُلُّ صِفةِ كَمالٍ في المخلوقاتِ فخالِقُها أحَقُّ بالاتِّصافِ بها على وَجهٍ لا يُشاِركُه فيها أحدٌ، وكُلُّ نَقصٍ في المخلوقِ يُنزَّهُ عنه، فتَنزيهُ الخالِقِ عنه مِن بابِ أَولى وأحرَى [294] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 640). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ قدَّمَ عرَضيَّاتِ الآفاقِ المُفارِقةِ؛ مِن إراءةِ البرْقِ وإنزالِ المطَرِ على ما هو مِن الأرضِ، وهو الإتيانُ والإحياءُ، كما قدَّمَ السَّمواتِ على الأرضِ، وقدَّمَ البرْقَ على الإنزالِ؛ لأنَّه كالمُبشِّرِ يَجِيءُ بيْن يَدَيِ القادمِ [295] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/385). .
- ومِن بَديعِ الاستِعمالِ تفنُّنُ هذه الآياتِ في التَّعبيرِ عن مَعاني المصدرِ بأنواعِ صِيَغِه الواردةِ في الاستِعمالِ؛ مِن تَعبيرٍ بصِيغةِ صَريحِ المصدرِ تارةً، كقولِه: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: 22]، وقولِه: وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ [الروم: 23]، وبالمَصدرِ الَّذي يَنسَبِكُ مِنِ اقترانِ (أنْ) المَصدريَّةِ بالفِعلِ الماضي أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم: 21]، واقْتِرانِها بالفِعلِ المُضارعِ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: 25]، وباسمِ المَصدرِ تارةً وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الروم: 23]، ومرَّةً بالفِعلِ المُجرَّدِ المُؤوَّلِ بالمصدرِ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [296] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/78، 79). [الروم: 24].
- وفي قولِه: وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا يجوزُ أنْ يكونَ المَجرورُ وَمِنْ آَيَاتِهِ مُتعلِّقًا بـ يُرِيكُمُ، وتكونَ (مِن) ابتِدائيَّةً في مَوضعِ الحالِ مِن الْبَرْقَ، وتكونَ جُملةُ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ مَعطوفةً على جُملةِ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الروم: 23] إلخ، فيَكونَ تَغْييرُ الأُسلوبِ لأنَّ مَناطَ هذه الآيةِ هو تَقْريرُ النَّاسِ بها؛ إذ هي غيرُ مُتَّصِلةٍ بذَواتِهم، فليس حظُّهم منها سِوى مُشاهَدتِها والإقرارِ بأنَّها آيةٌ بيِّنةٌ؛ فهذا التَّقريرُ كالَّذي في قولِه تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [الرعد: 2]، ولِيَتأتَّى عطْفُ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً عليه؛ لأنَّه تَكمِلةٌ لهذه الآيةِ [297] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/79). .
- وأعقَبَ رُؤيةَ البرْقِ بقولِه: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً؛ لأنَّ نُزولَ المطَرِ ممَّا يَخطُرُ بالبالِ عندَ ذِكْرِ البرْقِ [298] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/78). .
- وأفرَد السَّماءَ والأرضَ؛ لأنَّ السَّماءَ الأُولى والأرضَ الأُولى لا تَقْبَلُ النِّزاعَ؛ لأنَّها مُشاهَدةٌ، مع صلاحيةِ اللَّفظِ بالكلِّ؛ لأنَّه جنسٌ [299] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/165). .
- قولُه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ جُعِلَت هذه الآيةُ آياتٍ؛ لانطوائِها على دَقائقَ عَظيمةٍ في خلْقِ القُوى الَّتي هي أسبابُ البرْقِ، ونُزولُ المطَرِ، وخروجُ النَّباتِ مِن الأرضِ بعْدَ جَفافِها ومَوتِها [300] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/79). .
- وإنَّما قال هنا: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ؛ لأنَّ البَرقَ والإنزالَ ليس أمْرًا عاديًّا فيُتَوهَّمَ أنَّه طبيعةٌ؛ إذ يقَعُ ذلك ببَلدةٍ دونَ أُخرى، ووقْتًا دونَ وقْتٍ، وقوِيًّا وضَعيفًا؛ فهو أظْهَرُ في العقْلِ دَلالةً على الفاعلِ المُختارِ، فقال: هو آيةٌ لِمَن عقَلَ بأنْ لم يَتفكَّرْ تفكُّرًا تامًّا [301] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/385). . وقيل: قال: يَعْقِلُونَ؛ لأنَّها مِن الظُّهورِ بحيث يَكْفي في إدراكِها مُجرَّدُ العقْلِ عندَ استعمالِه في استنباطِ أسْبابِها، وكيفيَّةِ تكَوُّنِها [302] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/57). . وقيل: نِيطَ الانتفاعُ بهذه الآياتِ بأصحابِ صِفَةِ العقْلِ؛ لأنَّ العقْلَ المُستقيمَ غيرَ المَشُوبِ بعاهةِ العِنادِ والمُكابَرةِ، كافٍ في فَهْمِ ما في تلك المَذْكوراتِ مِن الدَّلائلِ والحِكَمِ [303] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/79). . وقيل: لأنَّ العقْلَ مَلاكُ الأمْرِ، وهو المُؤدِّي إلى العِلْمِ -فيما ذُكِرَ- وغيرِه [304] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 443). .
- وإجْراءُ يَعْقِلُونَ على لفْظِ (قومٍ)؛ للإيماءِ إلى أنَّ العقْلَ مِن مُقوِّماتِ قَوميَّتِهم [305] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/79). .
2- قَولُه تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
- قولُه: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي: بإرادتِه تعالى لِقِيامِهما، والتَّعبيرُ عنها بالأمْرِ؛ للدَّلالةِ على كَمالِ القُدرةِ، والغِنى عن المَبادئِ والأسبابِ، وعن الآلةِ [306] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/205)، ((تفسير أبي السعود)) (7/57). .
- قولُه: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ خُتِمَت الآياتُ بقِيامِ السَّمواتِ والأرضِ، وذلك مِن العوارِضِ اللَّازمةِ؛ فإنَّ كلًّا مِن السَّماءِ والأرضِ لا يَخرُجُ عن مكانِه، فيُتعجَّبُ مِن وُقوفِ الأرضِ وعدَمِ نُزولِها، ومِن عُلوِّ السَّماءِ وثَباتِها مِن غَيرِ عمَدٍ. ثمَّ أتبَعَ ذلك بالنَّشأةِ الأُخرى، وهي الخروجُ مِن الأرضِ، وذكَرَ تعالى مِن كلِّ بابٍ أمْرَينِ: مِن الأنفُسِ خَلَقَكُمْ خَلَقَ لَكُمْ، ومِن الآفاقِ السَّماءَ والأرضَ، ومِن لَوازمِ الإنسانِ اختلافَ الألْسنةِ واختلافَ الألْوانِ، ومِن خواصِّه المَنامَ والابتغاءَ، ومِن عوارضِ الآفاقِ البرْقَ والمطَرَ، ومِن لوازمِه قِيامَ السَّماءِ وقِيامَ الأرضِ [307] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/385). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال تعالى هنا: أَنْ تَقُومَ، وقال قبْلَه: وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [الروم: 24]، ولم يقُلْ: (وأنْ يُرِيَكم)؛ وذلك لأنَّ القِيامَ لَمَّا كان غيرَ مُتغيِّرٍ، أُخرِجَ الفِعلُ بـ (أنْ)، وجُعِلَ في تأْويلِ المَصْدرِ؛ لِيَدُلَّ على الثُّبوتِ، وإراءةُ البَرقِ لَمَّا كانت مِن الأُمورِ المُتجدِّدةِ، لم يُذكَرْ معها ما يدُلُّ على المَصْدرِ [308] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/95)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/229). .
- قولُه: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ حيثُ كانتْ هذه الآيةُ مُتأخِّرةً عن سائرِ الآياتِ المَعدودةِ، مُتَّصِلةً بالبعثِ في الوُجودِ؛ أُخِّرَت عنهنَّ وجُعِلَت مُتَّصِلةً به في الذِّكرِ أيضًا، فقيلَ: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ؛ فإنَّه كَلامٌ مَسوقٌ للإخبارِ بوُقوعِ البَعثِ ووُجودِه بعْدَ انقضاءِ أجَلِ قِيامِهما، مُترتِّبٌ على تَعدادِ آياتِه الدَّالَّةِ عليه، غيرُ مُنتظمٍ في سِلْكِها [309] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/58). .
- قولُه: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ عطَفَ هذا على قِيامِ السَّمواتِ والأرضِ بـ (ثمَّ)؛ بَيانًا لِعِظَمِ ما يكونُ مِن ذلك الأمْرِ واقتِدارِه على مِثْلِه؛ وهو أنْ يقولَ: يا أهلَ القُبورِ قُوموا، فلا تَبْقى نَسَمةٌ مِن الأوَّلينَ والآخِرينَ إلَّا قامت تَنظُرُ [310] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/475)، ((تفسير أبي حيان)) (8/384). .
- قولُه: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ المقصودُ مِن هذه الجُملةِ الاحتِراسُ عمَّا قد يُتوهَّمُ مِن قولِه: أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ مِن أبَديَّةِ وُجودِ السَّمواتِ والأرضِ؛ فأفادَتِ الجُملةُ أنَّ هذا النِّظامَ الأرضيَّ يَعْتوِرُه الاختلالُ إذا أراد اللهُ انقضاءَ العالَمِ الأرضيِّ وإحضارَ الخلْقِ إلى الحشْرِ؛ تَسْجيلًا على المشركينَ بإثباتِ البعثِ؛ فمَضمونُ جُملةِ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ليس مِن تَمامِ هذه الآيةِ السَّادسةِ، ولكنَّه تَكملةٌ وإدماجٌ مُوَجَّهٌ إلى مُنكِري البعثِ [311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/80). .
- قولُه: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ المُرادُ تَشبيهُ سُرعةِ ترتُّبِ حُصولِ ذلك على تعلُّقِ إرادتِه بلا توقُّفٍ واحتياجٍ إلى تجشُّمِ عمَلٍ، بسُرعةِ ترتُّبِ إجابةِ الدَّاعي المُطاعِ على دُعائِه، و(ثمَّ) إمَّا لِتَراخي زَمانِه، أو لِعِظَمِ ما فيه [312] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/205). .
- يجوزُ أنْ يكونَ مِنَ الْأَرْضِ مُتعلِّقًا بـ تَخْرُجُونَ، قُدِّمَ عليه للاهتِمامِ؛ تَعريضًا بخَطئِهم؛ إذْ أحالوا أنْ يكونَ لهم خُروجٌ مِن الأرضِ مِن بَعدِ صَيرورتِهم فيها في قولِهم المَحْكيِّ عنهم بقولِه تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10]، وقولِهم: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/81). [النمل: 67].
- وجِيءَ بحرْفِ المُفاجأةِ (إذا) في قولِه: إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ؛ لإفادةِ سُرعةِ خُروجِهم إلى الحشْرِ، كقوله: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: 13، 14]، و(إذا) الفُجائيَّةُ تَقْتضي أنْ يكونَ ما بعْدَها مُبتدأً. وجِيءَ بخَبرِ المُبتدأِ جُملةً فِعليَّةً تَخْرُجُونَ؛ لإفادةِ التَّقَوِّي الحاصلِ مِن تَحمُّلِ الفِعلِ ضَميرَ المُبتدأِ، فكأنَّه أُعِيدَ ذِكْرُه. وجِيءَ بالمُضارعِ تَخْرُجُونَ؛ لاستِحضارِ الصُّورةِ العَجيبةِ في ذلك الخُروجِ، كقولِه: فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [314] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/81). [يس: 51].
3- قولُه تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ
أتْبَعَ ذِكْرَ إقامةِ اللهِ تعالى السَّمواتِ والأرضَ بالتَّذكيرِ بأنَّ كلَّ العُقلاءِ في السَّمواتِ والأرضِ عَبيدٌ للهِ تعالى؛ فيَكونُ مِن مُكمِّلاتِ ما تَضمَّنَتْه جُملةُ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: 25]؛ فعُطِفَت عليها هذه الجُملةُ زِيادةً لِبَيانِ معنى إقامتِه السَّماءَ والأرضَ، وهذه الآيةُ أُورِدَت بعْدَ ذِكرِ الآياتِ السِّتِّ إيرادَ الفَذْلَكةِ [315] الفَذْلكةُ: مِن فَذْلَكَ حِسابَه فَذْلَكَةً، أي: أَنْهاهُ وفَرَغَ مِنْه، وذكَر مُجمَلَ ما فُصِّل أولًا وخُلاصتَه. و(الفَذْلكةُ) كلِمةٌ منحوتةٌ كـ (البَسملة) و(الحوقلة)، مِن قولِهم: (فذَلِكَ كذَا وكذَا عددًا). ويُرادُ بالفَذلكةِ: النَّتيجةُ لِمَا سبَق مِن الكلامِ، والتَّفريعُ عليه، ومنها فَذْلَكةُ الحسابِ، أي: مُجمَلُ تفاصيلِه، وإنهاؤُه، والفراغُ منه، كقولِه تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ بعْدَ قولِه: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: 196]. يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (27/293)، ((كناشة النوادر)) لعبد السلام هارون (ص: 17)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 638، 639). بإثباتِ الوَحدانيَّةِ [316] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/81، 82). .
4- قَولُه تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
- قولُه: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي: يُعيدُه بعْدَ مَوتِهم، وتقَدَّمَ نَظيرُ صدْرِ هذه الآيةِ في هذه السُّورةِ، وأُعِيدَ هنا لزِيادةِ التَّقريرِ، والتَّمهيدِ لِمَا بعْدَه؛ لِيُبْنَى عليه قولُه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ تَكملةً للدَّليلِ؛ إذ لم تُذكَرْ هذه التَّكملةُ هناك؛ فهذا ابتداءٌ بتَوجيهِ الكلامِ إلى المشركينَ؛ لِرُجوعِه إلى نَظيرِه المَسوقِ إليهم [317] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/58)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/83). . وذكَّرَ الضَّميرَ في قولِه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ والمرادُ به الإعادةُ -وهي مُؤنَّثةٌ-؛ لأنَّ معناهُ: وأنْ يُعِيدَه أهْونُ عليه [318] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/476)، ((تفسير البيضاوي)) (4/206)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 443)، ((تفسير أبي السعود)) (7/58). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ أُخِّرَت الصِّلةُ في قولِه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، وقُدِّمت في قولِه: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [مريم: 9]؛ ووجْهُه: أنَّ مَقامَ خرْقِ العادةِ في سُورةِ (مَريمَ) اقْتَضى التَّقديمَ، فقيل: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: كأنَّ العادةَ تأبَى أنْ يَحصُلَ الولدُ بينَ الشَّيخِ الكبيرِ والمرأْةِ العاقرِ؛ لِمَا جُرِّبَ وعُلِمَ بالاستقراءِ؛ فقِيل: أنا القادرُ وَحْدي أنْ أخْرِقَ العادةَ دونَ غيرِي، وأمَّا هاهنا فلا معنَى للاختِصاصِ؛ لأنَّ العادةَ حاكمةٌ قاطعةٌ بأنَّ مَن أعاد صَنعةَ شَيءٍ كانت أسهَلَ عليه وأهوَنَ مِن إنْشائِها، لكنَّ الدَّهْريَّ المَخذولَ يُنكِرُ فِعلَه؛ فجِيءَ بالجُملةِ المُفيدةِ لِتَقوِّي الحُكْمِ على مَجْرى العُرْفِ والعادةِ، فلو قُدِّمت الصِّلةُ لَتَغيَّرَ المعنى [319] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/476)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/235)، ((تفسير أبي حيان)) (8/386). .
- قولُه: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مِن جُملةِ المثَلِ الأعلى عِزَّتُه وحِكمتُه تعالى، وخُصَّا بالذِّكْرِ هنا؛ لأنَّهما الصِّفتانِ اللَّتانِ تَظهَرُ آثارُهما في الغرَضِ المُتحدَّثِ عنه، وهو بَدْءُ الخلْقِ وإعادتُه؛ فالعِزَّةُ تَقْتضي الغِنَى المُطلَقَ، فهي تَقْتضي تَمامَ القُدْرةِ، والحِكمةُ تَقْتضي عُمومَ العِلْمِ، ومِن آثارِ القُدْرةِ والحِكمةِ أنَّه يُعِيدُ الخلْقَ بقُدْرتِه، وأنَّ الغايةَ مِن ذلك الجزاءُ، وهو مِن حِكمتِه [320] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/84). .