موسوعة التفسير

سُورَةُ آل عِمْرانَ
الآيات (83- 85)

ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

المَعنَى الإجماليُّ


في هذه الآياتِ يُنكِر اللهُ تعالى على مَن ابتغى دِينًا غير دِينه الَّذي أرسل به رسوله محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: أَيطلُبون دِينًا غيرَ دِين الله، وشريعةً غير شريعته، وله استسلمَ جميعُ مَن في السَّموات والأرض، وانقادوا له طائِعين وكارِهين، وهُم بعدَ مماتِهم راجعون إليه، فيُوفيهم أعمالَهم، ويَجزيهم على أفعالِهم؟!
ثمَّ يُوجِّه الله خِطابَه إلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آمِرًا له أنْ يقولَ لهم إذا أرادوا دِينًا غير دِين الله: آمنَّا باللهِ، وما أَنزله علينا من كِتابٍ وسُنَّة، وبما أنزله على أنبيائِه إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وعلى أنبياء بُطُون بني إسرائيل المتشعِّبة من الأولاد الاثني عشرَ ليعقوب، وآمنَّا أيضًا بالتَّوراة والإنجيل والآيات الَّتي أيَّد الله بها موسى وعيسى عليهما السَّلام، وآمنَّا بما أُعْطِيَ جميعُ الأنبياءِ من ربِّهم؛ نؤمِن بهم جميعًا ولا نُفَرِّقُ بينهم في الإيمان، ونحنُ مُسلِمونَ لله، خاضِعون منقادون له في الظَّاهر والباطن.
ثم يُخبِر الله تبارَك وتعالَى أنَّ مَن يَبتغي غيرَ الإسلام دينًا؛ ليَدِينَ به، فلنْ يَقبلَه اللهُ منه، بل سيكونُ مَردودًا عليه، وستكونُ عاقبتُه في الآخِرة هي الخسرانَ.

تفسير الآيات:


أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى في الآيةِ الأولى أنَّ الإيمانَ بمحمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام، شرعٌ شرَعه الله وأَوجبَه على جميع مَن مضى من الأنبياء والأُمم، لَزِمَ أنَّ كلَّ مَن كَرِهَ ذلك، فإنَّه يكون طالبًا دِينًا غير دِين الله يُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/279). ؛ فلهذا قال بعده:
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
 أي: أَيطلُبون دِينًا غيرَ دِين الله، وشريعةً غير شريعته ينظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/459)، ((تفسير القرطبي)) (4/127)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/465). ؟
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
 أي: وله استسلمَ وانقادَ وخضَع وذلَّ مَن في السَّموات والأرض طائعين: كالملائكةِ والأنبياء والمؤمنين، ومُكَرَهين: كالكفَّار؛ فهم تحتَ قَهْرِ الله وسُلطانِه العظيم، مستسلِمون لقضائِه وقدَره ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/549)، ((تفسير ابن كثير)) (2/69)، ((تفسير السعدي)) (ص: 137)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/467). قال ابن تيمية: (وعامَّة السَّلف على أنَّ المراد بالاستسلام استسلامُهم له بالخضوع والذلِّ، لا مُجرَّد تصريف الربِّ لهم)، ((مجموع الفتاوى)) (14/29). .
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الرعد: 15]، وقال أيضًا: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل: 48-49].
ثم يقولُ تعالى محذِّرًا لهم أن يَلقَى الإنسانُ ربَّه على غير ملَّة الإسلام ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/553) :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
أي: وإليه يَصيرون بعدَ مماتِهم، فيجازي كلًّا بعمله: المحسِنَ بإحسانِه، والمسِيءَ بإساءته ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/553)، ((تفسير ابن كثير)) (2/69)، ((تفسير السعدي)) (ص: 137). .
 قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى في الآية المتقدِّمة أنَّه إنَّما أخَذَ الميثاقَ على الأنبياء في الإيمان بالرَّسول الَّذي يأتي مصدِّقًا لِمَا معهم، بَيَّن في هذه الآية أنَّ مِن صِفة محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كونَه مصدِّقًا لِمَا معهم يُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/281). ، فقال:
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ
أي: فإنِ ابتغَوْا غير دِين الله، فقل لهم- يا محمَّدُ-: آمنَّا بالله ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/554)، وقال: (فإنِ ابتغَوا غَيرَ دِين الله يا محمَّد، فقل لهم: آمنَّا بالله، فترَك ذِكر قوله: (فإنْ قالوا: نعم)، وذكر قوله: (فإنِ ابْتغَوْا غيرَ دِين الله)؛ لدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه). ، والخِطاب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأمَّته، كما قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا إلى قوله: وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/45)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/482). [البقرة: 136].
وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا
 أي: وآمنَّا بما أُنزِل علينا مِن وحْي اللهِ من القرآنِ ومن سُنَّة نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/554)، ((تفسير ابن عطية)) (1/467)، ((تفسير ابن كثير)) (2/70)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/483). .
فالسُّنَّة منزَّلة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/483). ، كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النِّساء: 113].
وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ
 أي: وقلْ: وآمنَّا أيضًا بما أُنزل الله على إبراهيمَ، وعلى ابنيْه إسماعيلَ وإسحاقَ، وعلى ابن إسحاقَ يعقوبَ، وعلى أنبياءِ بُطون بني إسرائيل المتشعِّبة من الأولاد الاثني عَشرَ ليعقوب، وهو إسرائيلُ ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/70)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/483). .
وقد بيَّن اللهُ تعالى في سورة الأعلى أنَّ المنزَّل على إبراهيم عليه السَّلام إنَّما هو صُحف، وأنَّ مِن جملة ما في تلك الصُّحف: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وذلك في قوله: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحِفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: 16-19] هذا على القول بأنَّ الضميرَ في هذا يعود على قوله سبحانه: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/45). .
وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ
أي: وقل: آمنَّا أيضًا بالتَّوراة الَّتي أعطاها اللهُ موسى عليه السَّلام، والإنجيل الَّذي أعطاه الله عيسى عليه السَّلام، وما أيَّدهما الله به من الآيات، وبما أُعطِي جميع الأنبياء من ربِّهم ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/554)، ((تفسير ابن كثير)) (2/70)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/487). .
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
أي: لا نُفرِّق بين أحدٍ منهم وآخَرَ في الإيمان، فنؤمِن ببعضٍ ونكفُر ببعض، لكن نؤمِن بهم جميعًا، وهذا تعريضٌ باليهود والنَّصارى ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/554)، ((تفسير ابن كثير)) (2/70)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/302)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/490). .
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي: ونحن للهِ مستسلِمون ظاهرًا وباطنًا، منقادُون بالطاعة، مُتذلِّلون بالعبوديَّة، لا نَدين بغير دِين الإسلام ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/555)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/493). .
وقد جاءَ التصريحُ في القرآن بأنَّهم امتَثلوا الأمْر في قوله سبحانه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: 285]، وجاء ذِكرُ جَزائِهم على ذلك في قولِه: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 152] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/45). .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
 أي: ومَن يَطلُبْ دينًا غير الإسلام ليَدِينَ به، فلن يُقبَلَ منه ذلك الدِّينُ، وهو مردودٌ عليه قيل بأنَّ الإسلام هاهنا الاستسلامُ لله تعالى، وتفويضُ الأمر إليه، وذلك أمرٌ مرادٌ من النَّاس في كلِّ زمان، ومِن كلِّ أمَّة، وفي كلِّ شريعة، وهذا اختيارُ ابن عطية في ((تفسيره)) (1/467)، وابن تيمية في ((الجواب الصحيح)) (2/131)، وفي ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/370)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 137). وقيل المراد بالإِسلام 80 عليه الصلاة والسلام. وهذا اختيار الشنقيطي في ((أضواء البيان)) (1/44-45)، وابن عثيمين في ((تفسير سورة آل عمران)) (1/497). قال الراغب: (وهذا الوجهُ داخلٌ في الأول، فمعلومٌ أنَّ مِن الاستسلام الانقيادَ لأوامر مَن صحَّتْ نبوَّتُه وظهَرَ صِدْقُه) ((تفسير الراغب)) (2/692). .
 وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
أي: خسِرَ ثوابَ الله ونعيمَه، وصار إلى عذابِه، وبخَس نفْسَه حظَّها من رحمة الله؛ لأنَّه يَعملُ عملًا لن يُقبَل منه ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/555)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/459)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/499). .

الفوائد التربوية:


1- في قوله: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ: بيانُ أنَّه ليس في الدِّينِ الإسلاميِّ عصبيَّة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/495). .
2- فائدةُ الاختصاص في قوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أنَّه لا يَنبغي أن نستسلم لأحدٍ استسلامًا يُخالفُ الاستسلامَ لله عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/496). .

الفَوائدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:


1- مَن ابتغى غيرَ دِين الله، كمَنْ آَثَرَ النُّظُمَ والقوانينَ المخالفةَ لشرعِ الله تعالى، فإنَّه مستحقٌّ لهذا التوبيخِ العظيم،كما في قوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/476). .
2- عبَّر بالطَّلبِ في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ- لأنَّ معنى تَبْغُونَ: تَطلُبونَ، وهو هنا بمعنى: تَدينون؛ لأنهم مُتلبِّسون بدِينٍ غيرِ دِين الله لا طالِبُوه-؛ إشعارًا بأنَّهم في كلِّ الوقتِ باحثون عن الدِّين ومُستخرِجوه ومُبتغوه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/245). .
3- تشريفُ هذا الدِّين الَّذي شرَعه الله؛ لأنَّ اللهَ أضافَه إلى نفْسه، فقال: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/476)، ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/301). .
4- في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إقامةُ الحُجَّة على أنَّه لا يَليق بالإنسان أن يَبغيَ دِينًا غير دِين الله، وهو مربوبٌ مملوكٌ لله تعالى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/476). .
6- قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا.. الآية جملة اعتراض واستئناف لتلقين النَّبيِّ عليه السَّلام والمسلمين كلامًا جامعًا لمعنى الإسلام؛ ليدوموا عليه، ويُعلن به للأمم، نشأ عن قوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/302). .
7- وجوب الإقرار بالإيمان باللِّسان، كما هو واجب بالقلب؛ لأنَّ قوله: قُلْ يعني: باللِّسان المعبِّر عمَّا في القلب يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/494). .
8- في تقديم قوله: آمَنَّا بِاللَّهِ، وجعْل ما بعده معطوفًا عليه، دليلٌ على أنَّ الإيمان بالله هو أصل كلِّ شيء، ومقدَّم على كلِّ شيء يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/494)، ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/281)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (3/293). .
9- لَمَّا جاء الجمْع في قوله: وَالنَّبِيُّونَ دون التخصيص، جاء بالإيتاء دون الإنزال، من أجْل أن يشمل الآيات الَّتي قد يكون أُعطيها بعض النبيِّين يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/490). .
10- في قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ .. الآية [آل عمران: 84]، ترتيبٌ بديعٌ حسنٌ؛ حيث قدَّم الإيمانَ بالله على الإيمانِ بالأنبياء؛ لأنَّه أصلُ الإيمان بالنبوةِ، وفي المرتبةِ الثانية ذكر الإيمانَ بما أنزل عليه؛ لأنَّ كتبَ سائرِ الأنبياء حرَّفوها وبدَّلوها، فلا سبيلَ إلى معرفةِ أحوالها إلا بما أنزل اللهُ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فكان ما أنزل على محمدٍ كالأصلِ لما أنزل على سائرِ الأنبياء؛ فلهذا قدَّمه عليه، وفي المرتبةِ الثالثةِ ذكر بعضَ الأنبياءِ، وهم الأنبياءُ الذين يعترف أهلُ الكتابِ بوجودهم، ويختلفون في نبوَّتهم ينظر: ((تفسير الرازي)) (7/281)، ((تفسير القاسمي)) (2/345). .
11- لَمَّا قال الله في آخر الآية المتقدمة وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أتْبعه بأن بيَّن في هذه الآية أنَّ الدين ليس إلَّا الإسلام، وأنَّ كلَّ دين سوى الإسلام فإنَّه غير مقبول عند الله يُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/282). .
12- قال تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ولم يقل: (فلن يَقبل الله منه)؛ ليعُمَّ الرَّفض والرَّد من الله عزَّ وجلَّ، ومن الرَّسول، ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أنَّ يُقِرُّوا أحدًا على دِين خِلاف شريعة الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/498). .

بلاغة الآيات:


1- في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ: الاستفهام للتوبيخ والتَّحذير، واستنكارًا أن يفعلوا ذلك يُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/279)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/300)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 484). .
- وفيه تقريرٌ أنَّهم يفعلونه، وموضِع الهمزة هو لفظةُ (يَبْغُونَ)؛ تقديره: (أَيبغون غير دين الله)، وقدَّم المفعولَ الذي هو (غَيرَ) على فِعله يَبْغُونَ؛ لأنَّه أهمُّ من حيثُ إنَّ الإنكارَ الذي هو معنى الهمزة متوجِّهٌ إلى المعبود الباطل، وأمَّا الفاء فلعطفِ جُملةٍ على جملة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/279). .
- قوله تعالى: يَبْغُونَ: فيه التفاتٌ من الخِطاب إلى الغَيبة الالتفاتُ على قِراءة يَبْغُونَ بالياء- وهي قراءةُ أبي عمرو، وحفص، ويعقوب. وأمَّا على قراءة الجمهور تَبغونَ بتاء الخِطاب؛ فهو خطابٌ لأهل الكتاب جارٍ على طريقةِ الخِطاب في قوله آنفًا: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ، فليس فيه التفات. ؛ إعراضًا عن مخاطبتِهم إلى مخاطبةِ المسلمين بالتعجُّبِ من أهلِ الكتاب يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/300). .
- وكله تفريعٌ؛ ذَكَر أحوالَ خلَف أولئك الأُمم كيف اتَّبعوا غيرَ ما أُخذ عليهم العهد به؛ والاستفهام حينئذٍ للتعجُّب يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/300). .
2- قوله تعالى: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ: هذا خبرٌ فيه تعريضٌ باليهود والنَّصارى؛ لتفريقِهم بين الأنبياءِ، وحُذِف المعطوفُ وتقديره: لا نُفرِّق بين أحدٍ وآخَر يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/302). .
3- قوله تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ: خبرٌ متضمِّن لمعنى التهديدِ العظيم، والوعيدِ الشديد- على اعتبار الجملة مستأنفة- ويجوز أنْ تكون الجملةُ معطوفةً على الجملةِ مِن قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ فتكون حالًا أيضًا، ويكون المعنى أنَّه نعَى عليهم ابتغاءَ غير دِين مَن أسلم له جميعُ مَن في السَّموات والأرض طائعين ومُكرَهين، ومَن مرجعُهم إليه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/248)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/297). .
4- قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ: فيه خطابُ المفردِ بلفظِ الجمْع؛ تعظيمًا له يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/297). .
5- قوله تعالى: وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ: فيه إيجازٌ لمناسبةٍ بديعة، حيث جاءَ التعبيرُ هنا بغير إعادة (وما) كما في قوله في سورة البقرة: وَمَا أُوتِيَ النَّبيُّونَ [الآية: 136]؛ لأنَّ التي في البقرة لفظُ الخطابِ فيها عامٌّ، ومِن حُكمِ خطابِ العامِّ البَسطُ دون الإيجاز، بخِلافِ الخِطاب هنا؛ فإنَّه خاصٌّ؛ فلذلك اكتفَى فيه بالإيجازِ دون الإطناب يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/249)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/299). .
6- قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ: فيه مناسبةٌ حسنةٌ؛ حيث عدَّى أُنْزِلَ في هذه الآية بحرفِ الاستعلاء (على)، وفي سورةِ البقرة عدَّى الفِعل بحرف الانتهاء (إلى)؛ وذلك لوجودِ المعنيين جميعًا؛ لأنَّ الوحيَ يَنزل من فوقُ، ويَنتهي إلى الرُّسُلِ، فجاءَ تارةً بأحدِ المعنيين، وأخرى بالآخَر؛ تفنُّنًا في الفصاحة يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/381)، ((تفسير الرازي)) (7/281). .
وقيل: لأنَّ الأولى (في البقرة) خِطابٌ للمسلمين، والثانية (التي هنا في آل عمران) خِطابٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، و"إلى" يُنتهَى بها من كلِّ جهة، و"على" لا يُنتهى بها إلَّا من جهةٍ واحدة، وهي العلوُّ، والقرآن يأتي المسلمين من كلِّ جِهة يأتي مبلِّغُه إيَّاهم منها، وإنما أُتي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من جِهة العلوِّ خاصَّةً، فناسَب قوله: عَلَيْنَا؛ ولهذا أكْثَر ما جاء في جِهة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بـ "على"، وأكثر ما جاء في جِهة الأمَّة بـ"إلى" يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/394). .
- قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ: وحَّد الضَّميرَ في قُلْ وجمَع في آمَنَّا؛ لوجوه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/281)، ((تفسير القاسمي)) (2/345). :
منها: أنَّه تعالى حين خاطبَه، إنَّما خاطبه بلفظِ الوحدان، وعلَّمه أنَّه حين يُخاطبُ القومَ يخاطبُهم بلفظِ الجمْع على وجهِ التعظيم والتفخيم.
ومنها: أنَّه خاطبه أولًا بخِطاب الوحدان؛ ليدلَّ هذا الكلامُ على أنَّه لا مُبلِّغَ لهذا التكليفِ من الله إلى الخَلق إلَّا هو، ثم قال: آمنَّا؛ تنبيهًا على أنَّه حين يقولُ هذا القولَ فإنَّ أصحابه يُوافقونه عليه.
ومنها: أنَّ الجمعَ في قوله: آمَنَّا بعدَ الإفراد في قُلْ؛ لكونِ الأمرِ عامًّا، والإفراد لتشريفِه عليه الصَّلاة والسلام، والإيذانِ بأنَّه أصلٌ في ذلك، أو الأمْر خاصٌّ بالإخبارِ عن نفْسه الزكيَّة خاصَّة.
والجمْع لإظهارِ جلالةِ قدْره ورِفعة محلِّه بأمره بأنْ يَتكلَّم عن نفْسه على دَيدنِ الملوك.
7- قوله تعالى: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى: فيه إيثارُ الإيتاءِ على الإنزالِ الخاصِّ بالكتابِ، وتخصيصُهما بالذِّكر مع دُخولِهما فيما سبَق؛ لأنَّ الكلامَ مع اليهود والنصارى يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/55). .
8- قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: فيه تقديمُ المُتعلِّق على المتعلَّق؛ لإفادة الحَصْر، أي: ونحن له لا لغيرِه مُسلِمون يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/493). .
9- في قوله تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ: أتَى بالفاء الرابطة؛ إعلامًا بأنَّ ما بعدها مسبَّبٌ عمَّا قبلها، ومربوطٌ به فقال: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ. وأشْعرَ ترتيبُ هذا على السَّبب بأنَّه يُرجى زوالُ السَّبب؛ لأنَّه ممَّا عرَض للعبد كما جرَى في الرِّدَّة في خِلافة الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه؛ فإنَّه رجَع إلى الإسلامِ أكثرُ المرتدِّين، وحسُنَ إسلامُهم   يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/382-383)، ((تفسير الزمخشري)) (1/384)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/475). .
- ومناسبةُ الإتيانِ بالفاء هنا، مع ورودِها بغير فاء في آية أخرى لَنْ تُقْبَلَ [آل عمران: 90]: أنَّ الفاء مُؤذنةٌ بأنَّ الكلام بُني على الشَّرط والجزاء. وأنَّ سببَ امتناع قَبول الفِدية هو الموتُ على الكُفر. وترْك الفاء مُؤذِنٌ بأنَّ الكلام مبتدأ وخبر، ولا دليلَ فيه على التسبيبِ   يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/382-383)، ((تفسير الزمخشري)) (1/384)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/475). .
10- قوله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: الجملة حاليةٌ مفيدةٌ لتأكيدِ الإنكار   يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/54). .
11- في قوله تعالى: الإسْلَامِ: كرَّر الإسلامَ في هذا السِّياق كثيرًا؛ لكونه في حيِّز الميثاقِ المأخوذِ بمتابعةِ الرَّسول المصدَّق؛ حَثًّا على تمامِ الانقيادِ له   يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/475). .