موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (135-141)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ

غريب الكلمات:


حَنِيفًا: أي: مائلًا عن الدِّين الباطل إلى الدِّين الحقِّ، أي: مسلمًا مستقيمًا، وأصل الحنف: الميل [1190] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 64)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 184)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 291)،  ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 359).   .
الْأَسْبَاطِ: هم ولد يعقوب عليه السلام، سُمُّوا بالأسباط؛ لأنَّه كان من كلِّ واحد منهم سِبط، والسِّبط بمنزلة القبيلة. والسِّبط في اللُّغة: الجماعة يَرجِعون إلى أبٍ واحد، وأصل السِّبط يدلُّ على امتدادِ شيءٍ [1191] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/128)، ((المفردات)) للراغب (ص: 394)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 23)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 495).   .
شِقَاقٍ: عَداوة ومباينة، ومخالفة، وأصل الشِّقاق: الانصِداع في الشيء [1192] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 64)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292)،  ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 460)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96).   .
صِبْغَةَ الله: دِينه، وفِطرته لخلقه، وأصل الصِّبغة: تلوين الشيء بلونٍ ما [1193] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 64)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 310)،  ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/331)، ((المفردات)) للراغب (ص: 475)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 23)، ((التبيان)) لابن  الهائم (ص: 96).   .

مشكل الإعراب:


1- قوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا:
مِلَّةَ: منصوبة بفعل مُقدَّر، تقديره: نتبع أو اتَّبعوا، أو الزموا مِلةَ، أو على نزْع الخافض، والتقدير: نقْتدي -أو اقتدوا- بملَّةِ إِبْراهيمَ، فلمَّا حُذِف حرْف الجرِّ انتصب.
حنيفًا: منصوب بفِعل محذوف أيضًا، تقديره: أعني. أو منصوب على الحال مِن مِلَّة، وذُكِّر حنيفًا مع أنَّ مِلَّة مؤنَّث؛ لأنَّ صيغة (فَعيل) يستوي فيها المذكَّر والمؤنَّث، أو أنَّ الملَّة بمعنى الدِّين. وقيل: حنيفًا حالٌ من إبراهيم [1194] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/112)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/120)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/135-136).   .
2- قوله: صِبغةَ اللهِ: منصوبة على أنَّه مفعولٌ مطلَق نائِبٌ عن عاملِه، أي: صبغنا صِبغةَ الله- كما انتصب (وعْدَ الله) بعد قوله: يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللهِ... [الروم: 5 - 6] بتقدير: وعَدَهم النَّصرَ- أو على أنَّ (صبغة) بدلٌ من قوله: مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، أي: الملة التي جعَلها الله شعارَنا كالصِّبغةِ عند اليهود والنصارى، أو منصوبًا وصفًا لمصدر محذوف دلَّ عليه فِعل آمنَّا بِاللهِ، والتقدير: آمنَّا إيمانًا صِبغةَ الله. وقيل: منصوبة على الإغراء، أي: اتَّبِعوا صِبغةَ الله. وقيل: صبغة منصوبة على التمييز، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ [1195] يُنظر: ((الكتاب)) لسيبويه (1/380 وما بعدها) (باب ما يكون المصدرُ فيه توكيدًا لنفسه نصبًا)؛ فقد فصَّل فيه القول، وهو المعوَّل عليه فيه. وينظر كذلك: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/112-113)، ((تفسير الزمخشري)) (1/196)، ((تفسير أبي حيان)) (1/656)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/143) ((تفسير ابن عاشور)) (1/742).   .

المعنى الإجمالي:


يُخبِر الله تعالى عن قولِ اليهودِ لأهل الإيمان: اتَّبعوا اليهوديَّةَ، تهتدوا. وعن قول النَّصارى لهم: اتَّبعوا النصرانيَّة، تهتدوا. فأمَر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يقول لأصحاب المِلَّتينِ: إنَّ الهداية الحقيقيَّة ليستْ في دِياناتكم المحرَّفة، بل هي في اتِّباع دِين إبراهيمَ عليه السَّلام، الذي هو استقامةٌ على التوحيد، وميلانٌ عن الشِّرك.
ثمَّ أمَر الله سبحانه عبادَه المؤمنين أن يَصْدَعوا بإيمانهم به، وبما أنزله إليهم، وبالذي أُنزل على الرُّسُل الذين كانوا من قبلُ: إبراهيم، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، وعلى الأنبياء من ذريَّة يعقوب، وأنْ يُؤمنوا بما آتاه اللهُ عزَّ وجلَّ موسى وعيسى من الكتُب المُنزلة إليهما، والمعجزاتِ المؤيِّدة لهما، وأن يؤمنوا بما أعطاه الله لبقيَّة الأنبياء والرُّسُل عليهم السَّلام، من دون أن يُفرِّقوا بين أحد منهم، ولْيُعلنوا خضوعَهم التامَّ له جلَّ وعلا، وإذعانَهم وانقيادهم له سبحانه.
فإنْ آمَن اليهودُ والنَّصارى إيمانًا مِثل إيمانكم من جميع الوجوه، فقدْ سلَكوا سبيلَ الرُّشد، والتوفيق، وحقَّقوا الهداية، وإنْ أعْرَضوا فلْتعلموا أنَّهم إنما يقصدون مُنازعتَكم وعداوتَكم، لكن الله متكفِّلٌ بدفْع أذاهم عنكم، وسيَكفيكم أمرهم، فهو سبحانه يَسمعُ ما يقولون، ويَعلم ما يُخفون وما يُعلنون.
فاتَّبِعوا دِين الله والْزموه؛ فلا أحدَ أحسنُ من الله تعالى دِينًا، وكونوا له خاضِعين متذلِّلين.
ثم أمَر الله سبحانه نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يقولَ لأولئك اليهودِ والنَّصارى- الذين يُجادلونه والمؤمنين بغير حقٍّ- مُنكِرًا عليهم: أتُجادلوننا في الله بزَعْمِكم أنَّكم أَوْلى به منَّا؟! فكيف يكون ذلك وربُّ الجميع واحد، ولكلٍّ منَّا أعمالُه التي سيُجازَى عليها؟! فأنتم لستُم بأفضلَ منَّا، بل نحن أَوْلى بالله منكم؛ لأنَّنا لا نُشرِك به شيئًا، وأنتم تُشرِكون.
ثمَّ أنكر الله تعالى على اليهود والنصارى، ووبَّخَهم في زعمِهم أنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا على اليهوديَّة، أو النصرانيَّة، مع أنَّ هاتيْن الدِّيانتيْنِ قد حدَثَتا بعد هؤلاء الرُّسُل المذكورين، فأمَر الله نبيَّه أن يسألَهم: أهُمْ أعلمُ بما كان عليه هؤلاء الرُّسُلُ، أمِ اللهُ؟!
ولا أحدَ أشدُّ ظلمًا في كِتمان الشَّهادة؛ ممَّن يَكتُم ما أنزل الله في كُتبه، والله سبحانه وتعالى ليس بسَاهٍ عن هؤلاء اليهودِ والنَّصارى، بل هو على عِلمٍ بجميع أعمالِهم، ولا يَخفَى عليه منها شيء.
ثم أخْبَر اللهُ عزَّ وجلَّ اليهودَ والنَّصارى المكذِّبين بنُبوَّة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّ هؤلاء الآباءَ والأجدادَ الصالحين، الذين تنتسبون إليهم، قد مضَوْا لسبيلهم، ولن ينفعَكم الانتسابُ إليهم، ولن يعودَ إليكم من صلاحِهم وعملِهم الصالح شيءٌ؛ فإنَّما لكم ما عملتُم، ولن تُحاسَبوا على ما عمِلوه.

تفسير الآيات:


وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا.
أي: قالت اليهود للمؤمنين: كونوا هودًا، تَهتدوا، وقالت النَّصارى لهم: كونوا نصارى، تَهتدوا؛ فكلٌّ منهم حصَر الهدى في دِينه، بزعم أنَّ مُعتنقَه يصيب طريقَ الحقِّ [1196] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/589)، ((تفسير السعدي)) (ص: 67)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/736)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/83).   .
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
أي: يا محمَّد، قلْ لهؤلاء اليهود والنصارى: إنَّ الهداية ليستْ في دِينكم من اليهوديَّة، أو النصرانيَّة، وإنَّما الهداية الحقيقيَّة في اعتناق دِين إبراهيم عليه السَّلام، الذي حقيقتُه الاستقامةُ على طريق التوحيد، والميلُ عن طريق الشِّرك، أي: عِبادة الله وحده لا شريكَ له. وإبراهيمُ عليه السَّلام لم يكُن من عبَّاد الأصنام، ولم يكُن يهوديًّا ولا نصرانيًّا [1197] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/590-591، 594-595)، ((تفسير آيات أشكلت)) لابن تَيميَّة (1/281-282، 394- 395)، ((تفسير ابن كثير)) (1/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 67). وممَّن ذهَب من السَّلف إلى نحو ما ذُكِر في معنى قوله تعالى: حَنِيفًا: محمَّد بن كعب القُرَظي، وعيسى بن جارية، ومجاهد، وخُصَيف الجَزريُّ، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/594)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/242) .         
كما قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 67].
وقال سبحانه: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161].
وقال عزَّ وجلَّ: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123].
قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136).
قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا.
أي: أعْلِنوا- أيُّها المؤمنون- أنَّكم مُقرُّون بقلوبكم وجوارحكم بالله تعالى، وبكلامه، الذي أنزله إليكم [1198] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/595)، ((تفسير ابن كثير)) (1/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 67-68).   .
عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((كان أهلُ الكتابِ يَقرؤُون التوراةَ بالعَبرانيةِ، ويُفسِّرونها بالعَربيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: لا تُصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا : آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا)) [1199] رواه البخاري (4458).   .
وعن عبدِ الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقرأ في ركعَتيِ الفجرِ: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، والتي في آل عمرانَ : تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم)) [1200] رواه مسلم (727).   .
وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ.
أي: صَدَّقْنا وأقرَرْنا بألسنتنا وقلوبِنا بما أنزله الله تعالى على رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام- من قبلِ أن يُبدَّل ويُحرَّف-: إبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوب، وعلى الأنبياء من ذريَّة يعقوب، وبما أعطاه اللهُ تعالى لموسى من التوراة والمعجِزات، وما أعطاه لعيسى من الإنجيل والمعجِزات كذلك، وما أُعطيَه بقيَّةُ الأنبياء عليهم السَّلام [1201] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/596)، ((تفسير ابن عطية)) (1/215)، ((جامع المسائل)) لابن تَيميَّة (3/297-299)، ((تفسير ابن كثير)) (1/449)، ((تفسير السعدي)) (ص: 68)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/732، 739)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/87-88). وممَّن فسَّر الأسباط بمِثل ما ذُكر: أبو العالية، وقَتادة، والرَّبيع بن أنس، والسُّدِّي، ومحمَّد بن إسحاق. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/597)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/243). .
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
أي: لا نُؤمِن ببعضٍ ونكفُر ببعض، بل نحن بالجميعِ مؤمنون [1202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/596)، ((تفسير ابن كثير)) (1/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 68)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/45).   .
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
أي: ونحن للهِ تعالى وحْدَه دون مَن سواه، مستسلِمون ظاهرًا وباطنًا، فله خاضِعون بالطَّاعة، ومذعِنون بالعبوديَّة [1203] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/596)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/734)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/88-89).   .
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137).
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا.
أي: فإنْ آمَن اليهودُ والنَّصارى إيمانًا مماثلًا من كلِّ الوجوه لإيمانكم- أيُّها المسلمون- ومِن ذلك الإيمانُ بجميعِ كتُب الله تعالى، وبجميع رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام- فقد رَشَدوا ووُفِّقوا للحقِّ والخير [1204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/599-600)، ((تفسير القرطبي)) (2/142)، ((تفسير السعدي)) (ص: 68)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/741)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/91-92).   .
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ.
أي: فإنْ أعرَض أولئك اليهودُ والنَّصارى عن الحقِّ بعد إقامة الحُجَّة عليهم، فلم يُؤمِنوا بمِثل إيمانكم، فاعلموا- أيُّها المؤمنون- أنَّهم يَقصِدون المخالفةَ والمنازعةَ والعداوةَ لكم [1205] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/601-602)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/221)، ((تفسير ابن عطية)) (1/216)، ((الجواب الصحيح)) لابن تَيميَّة (5/407)، ((تفسير السعدي)) (ص: 68)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/741).   .
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
أي: فإنَّ الله تعالى سيَكفيك يا محمد أمْرَ أولئك اليهود والنصارى، الذين يقصدون عداوتَك؛ فإنَّ الله تعالى يَدفع أذاهم عنك وينصُرك عليهم؛ فهو سبحانه السميعُ لِمَا يقولون، والعالِمِ بما يُبطنون وما يُظهرون، من المكائدِ وأنواع الشُّرور [1206] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/602)، ((تفسير ابن كثير)) (1/450)، ((تفسير السعدي)) (ص: 68)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/741-742)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/93-94).   .
صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138).
صِبْغَةَ الله.
أي: اتَّبعوا الحَنيفيَّةَ مِلَّة إبراهيم عليه السَّلام، والْزَموا دِينَ الله تعالى الإسلام، وقوموا به خيرَ قِيام [1207] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/603)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/222)، ((تفسير السعدي)) (ص: 68-69)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/96-97). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ صِبْغَة الله معناها دِين الله: ابن عبَّاس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم النَّخَعي، وعبدُ الله بن كثير، والضحَّاك، وقَتادة، وعِكرمة، وعطيَّة، والرَّبيع بن أنس، والسُّدِّي، وابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/604)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/245). .
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً.
أي: لا أحَدَ أحسنُ من الله تعالى دِينًا [1208] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 69)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/745)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/97).   .
وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ.
أي: ونحن له سبحانه دون مَن سواه، مخلِصون، خاضِعون، ومتذلِّلون، مع المحبَّةِ الواجِبة له سبحانه [1209] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/606)، ((تفسير السعدي)) (ص: 69)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/97).   .
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي الله وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139).
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ.
أي: قل يا محمَّد، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى -الذين يُجادِلونكم بغير حقٍّ- مُنكرًا عليهم صنيعَهم هذا: هل تُجادِلوننا وتُخاصموننا في توحيدِ الله تعالى لإبطالِ دِين الإسلام، بزعْم أنَّكم أَوْلَى بالله منَّا؟! وكيف تدَّعون ذلك وربُّ الجميعِ واحد [1210] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/607)، ((تفسير ابن عطية)) (1/216)، ((تفسير السعدي)) (ص: 69)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/746).   ؟!
وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ.
أي: وبالإضافةِ إلى أنَّ ربَّنا واحدٌ، ليس ربًّا لكم دُوننا، فلكلٍّ منا أعمالُه التي اكتسبها وسيُجازيه الله تعالى بها؛ فأنتم لستم بأفضلَ منَّا، بل نحن أَوْلى بالله منكم؛ لأنَّنا لا نُشرِك به شيئًا في عبادته، وأنتم تُشرِكون؛ فكيف تدَّعون زُورًا ما نحن أَوْلى به منكم [1211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/607-608)، ((تفسير ابن عطية)) (1/216)، ((تفسير السعدي)) (ص: 69)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/746).   ؟!
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140).
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى.
أي: يُوبِّخ الله تعالى ويُنكِر على اليهود والنَّصارى الذين يحاجُّون في رُسل الله عزَّ وجلَّ بعد محاجَّتهم في دِين الله تعالى، فيَزعُمون أنَّ الرسل المذكورين كانوا على مِلَّتهم، إمَّا اليهوديَّة وإمَّا النصرانيَّة، زاعمين بذلك أنَّهم أَوْلى بأولئك الرُّسُل الكِرام من المسلمين، وهذا مِن سفَههم؛ فكيف يكون هؤلاء هودًا أو نصارى، واليهوديَّة والنصرانيَّة إنَّما حدَثتْ بعدَهم [1212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/608-610)، ((تفسير ابن عطية)) (1/216-217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 69)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/747)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/100-101).   ؟!
قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ.
أي: قل لهم: يا محمَّد -إنِ ادَّعوا أنَّ إبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارى-: هل أنتم أعلمُ بالدِّين الذي كانوا عليه، أم اللهُ [1213] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/610)، ((تفسير ابن كثير)) (1/451)، ((تفسير السعدي)) (ص: 69).   ؟!
كما قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 65-68].
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله.
أي: لا أحدَ أشدُّ ظلمًا في كتمان الشهادة، ممَّن كتَموا ما أنزله الله تعالى في كتُبه، من أنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مُسلِمين، فكتموا ذلك ونَحَلوهم اليهوديَّةَ والنصرانيَّة [1214] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/610، 613)، ((تفسير ابن عطية)) (1/217)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/747-748).   ، وقيل: ما كتموه ممَّا جاء في كتُبهم من العِلم بصِفات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وإثبات نبوَّته [1215] وممَّن قال بهذا القول: الواحديُّ في ((الوجيز)) (ص: 134)، وابن عثيمين في ((تفسيرالفاتحة والبقرة)) (2/101-102).   .
وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
أي: هذا تهديدٌ، ووعيدٌ شديدٌ لأولئك اليهود والنَّصارى، الذي يَكتُمون ما أُنزل إليهم من العِلم، بمجازاتِهم على ذلك؛ فاللهُ تعالى ليس بساهٍ عنهم، بل هو مُطَّلعٌ على أعمالِهم، وقد أحصاها صغيرَها وكبيرَها، لا تخفَى عليه منهم خافيةٌ [1216] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/613-614)، ((تفسير ابن عطية)) (1/217)، ((تفسير ابن كثير)) (1/452)، ((تفسير السعدي)) (ص: 69).   .
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141).
أي: يا معشرَ اليهود والنَّصارى، دَعُوا ذِكر الآباء والأجداد، كإبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ، والمسلمين من أولادِهم؛ إذ لا يَنفعُكم الانتسابُ إليهم وإلى أعمالهم الصالِحة، فخيرُهم لا ينفعُكم إنْ كسبتم شرًّا؛ فإنَّهم جماعة قد مضَتْ لسبيلها، وكلٌّ منكم له عملُه الذي يخصُّه، وتَبِعَتُهُ، من خيرٍ أو شر، ولا يَلحق الآخَر من ذلك شيءٌ، ولا السُّؤال عنه، فلا تُحاسَبون بأعمال سَلفِكم، وإنَّما تُحاسَبون بأعمالكم [1217] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/589) (2/614-615)، ((تفسير ابن عطية)) (1/214)، ((تفسير ابن كثير)) (1/447-448) (1/452)، ((تفسير السعدي)) (ص: 67)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/735-736). قال السعدي: (تقدَّم تفسيرها، وكرَّرها؛ لقطع التعلُّق بالمخلوقين، وأنَّ المعوَّلَ عليه ما اتَّصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المجرَّد للرجال) ((تفسير السعدي)) (ص: 70). ويُنظر ((تفسير ابن عطية)) (1/217)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/748). .

الفوائد التربويَّة:


1- أنَّ أهلَ الباطل يَدْعون إلى ضلالِهم، ويدَّعون فيه الخير؛ لقوله تعالى حِكايةً عن بعضهم أنَّهم يقولون: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى وهذه دعوةٌ إلى ضلال، وقولهم:  تَهْتَدُوا فيه ادِّعاء أنَّ ذلك خير.
فمَثلًا دعاة التبرُّج والسُّفور يقولون: اتركوا المرأةَ تتحرَّر، أعطوها الحُرية، اتركوها تبتهج في الحياة، لا تُقيِّدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرُّج، ونحو ذلك، وكذا كلُّ داعٍ إلى ضلالةٍ يزيِّن هذه الضَّلالة بما يَغرُّ البليد [1218] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/84 - 85). .
2- أنَّه ينبغي للمؤمن أن يَشعُرَ أنه وإخوانه كنفْسٍ واحدة؛ لقوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فأتى بضمير الجمْع: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ... وَنَحْنُ... [1219] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/90). .
3- في قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ [البقرة: 137]، إشارةٌ إلى التوكُّل على الله عزَّ وجلَّ في الدَّعوة إليه، وفي سائرِ الأمور؛ لأنَّه إذا كان وحده سبحانه وتعالى هو الكافي، فيجب أن يكونَ التوكُّلُ والاعتمادُ عليه وحده؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3]، أي: كافيه [1220] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/95). .
4- عِظَم ذَنب كتْمِ العِلم؛ لقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ؛ فإنَّ العالِم بشريعة الله عنده شهادةٌ من الله بهذه الشَّريعة، كما قال الله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: 18]؛ فكلُّ إنسان يكتُم علمًا، فقد كتَم شهادةً عنده من الله [1221] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/103). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ اليهوديَّة والنصرانيَّة المحرَّفتَينِ نوعٌ من الشِّرك؛ لأنَّ مجيءَ قولِه تعالى: وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ في مقابل دَعوتهم إلى اليهوديَّة والنصرانيَّة، يدلُّ على أنَّهما نوعٌ من الشرك [1222] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/86). .
2- الإشارة إلى البَداءة بالأهمِّ وإن كان متأخِّرًا؛ لقوله تعالى: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ مع أنَّ ما أُنزل إلينا متأخِّرٌ عمَّا سبق [1223] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/89). .
3- أنَّه لا حُجَّةَ لِمَن تولَّى عن شريعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلَّا الشِّقاق، والمجادلة بالباطل؛ لقوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [1224] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/94). .
4- وقوع الشِّقاق بين أهل الكِتاب والمسلمين؛ وعليه فلا يمكن أن يتَّفق المسلمون وأهلُ الكتاب؛ فتبطُل دعوة أهلِ الضَّلال الذين يَدْعون إلى توحيدِ الأديان؛ لقوله تعالى: فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [1225] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/94). .
5- وجوبُ البَراءة من أعمال الكفَّار؛ لقوله تعالى: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [1226] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/99). .
6- ثبوت الصِّفات المنفيَّة؛ وهي ما نفاه اللهُ سبحانه وتعالى عن نفْسِه؛ لقولِه تعالى: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ؛ فإنَّ هذه صفةٌ منفيَّة، وليست ثبوتيَّة، والصِّفات المنفيَّة متضمِّنة لإثبات كمال ضدِّها؛ فلكمالِ مُراقبتِه، وعِلمه سبحانه وتعالى، فليس بغافلٍ عمَّا نعمل [1227] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/103). .
7- الردُّ على الجَبريَّة الذين يزعُمون بأنَّ الإنسان مُجبَرٌ على عَمَله؛ حيث أضاف سبحانه العملَ إلى العامِل في قوله تعالى: عَمَّا تَعْمَلُونَ [1228] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/104). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا
فيه التِفاتٌ من الخطاب في قوله: وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ إلى الغَيبة في هذه الآية: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا...؛ فائدته إبعادهم من مقام المخاطبةِ إعراضًا عنهم، وتعديدُ جناياتهم عند غيرهم [1229] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/165). .
و(أو) ليستْ للتخيير؛ فكل فريق يدعو إلى دِينه، ويزعم أنه الهدى؛ فهي تقسيم بعد الجمع؛ لأنَّ السامع يردُّ كلًّا إلى مَن قاله، وموزَّعة عليهما على وجه خاصٍّ يَقتضيه حالُهما اقتضاءً مُغنيًا عن التصريح؛ ففيه لَفٌّ ونَشْر، مثل ما في قوله: وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجنةَ إلَّا من كان هُودًا أَوْ نصارى؛ اعتمادًا على ظهور المرام [1230] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (4/70-71)، ((تفسير أبي السعود)) (1/165). .
2- قوله: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فيه تعريضٌ بأهل الكتاب، وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه عليه السلام، مع إشراكهم بقولهم: عُزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وهو احتراس؛ لئلَّا يغترَّ المشركون الذين يزعُمون أنَّهم على ملَّة إبراهيم عليه السلام [1231] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/166)، ((تفسير القاسمي)) (1/407). .
3- في قوله: قُلْ آمَنَّا وقوله: قُولُوا آمَنَّا مناسبة حسنة، حيث أفرد الضَّمير في الكلام الذي للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لمزيدِ الاختصاص بمباشرة الردِّ على اليهود والنصارى؛ لأنَّه مبعوث لإرشادِهم وزجرهم، وجمَع الضمير في الكلام الذي للأمَّة؛ لمزيدِ الاختصاص بمضمون المأمور به في سِياق التعليم [1232] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/738). .
4- قوله: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ فيه تنزيل المفرد فيها منزلةَ الجمْع في تناوله الآحاد مطابقةً؛ لأنَّ لفظ أَحَدٍ في معنى الجَماعة؛ ولذلك صحَّ دخول بَيْنَ عليه، ولأنَّ النكرة الواقعة في سِياق النفي تُفيد العموم لفظًا. ولأنَّ أَحَدٍ اسم موضوع لمن يصلُح أن يُخاطب ويستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث- إذا كانت همزته أصليَّة، وعلى أنَّها مُبدَلة من الواو فهو بمعنى (واحد)، وعمومُه لوقوعه في حيِّز النفي [1233] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) مع الحاشية (1/195). .
5- قوله: فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ
فيه تأكيد الجملة الواقعة شرطًا بـ(إنَّ)، وتأكُّد معنى الخبَر بحيث صار ظرفًا لهم، وهم مظروفون له؛ كأنَّ الشقاق مستولٍ عليهم من جميع جوانبهم، ومحيطٌ بهم إحاطةَ البيت بمَن فيه [1234] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/653-654)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/142). .
وقوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ عطف الجملة بالفاء مشعِرٌ بتعقُّب الكفاية عقيبَ شقاقهم، والمجيء بالسِّين يدلُّ على قُرب وقوع الكفاية؛ لأنَّها أقرب في التنفيس من (سوف) [1235] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/654)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/196). .
6- في قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً
الاستفهام هنا معناه النَّفي والإنكار، أي: ولا أحدَ أحسن من الله صبغةً [1236] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/656)، ((تفسير أبي السعود)) (1/168). .
وأَحْسَنُ هنا لا يُراد بها حقيقة التفضيل؛ إذ صِبغة غير الله منتفٍ عنها الحسن، أو يُراد بها التفضيل، باعتبار مَن يظن أنَّ في صِبغةِ غير الله حسنًا، وأنَّ التفضيل إنَّما يَجري بين الصِّبغتين، لا بين الصَّابغين [1237] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/656)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/144)، ((تفسير أبي السعود)) (1/168). .
7- قوله: وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ
فيه تقديم الجار والمجرور لَهُ على عامله عابِدون؛ للاهتمام، ورعايةِ الفواصل [1238] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/168). .
وفيه: إفادة قصر إضافي، وتعريض بالنَّصارى الذين اصطبغوا بالمعمودية، وعبدوا المسيح [1239] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/745). .
على تقدير الجملة اسميَّة؛ ففيه: إشْعارٌ بدَوام العبادةِ. وإذا قدِّرت الجملة فعليَّةً بتقدير فِعل الإغراء (الزموا) بتقدير القول، أي: (الزمَوا صِبغة الله، وقولوا: نحن له عابدون)؛ فقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً  حينئذٍ يَجري مَجرَى التَّعليل للإغراء [1240] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/168). .
8- قوله: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
فيه: تقديم الجار المجرور (لنا) و(لكم)؛ للاختصاص، أي: لنا أعمالنا لا أعمالكم [1241] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/746). .
وعطف وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ فيه: احتراس؛ لدفع توهُّم أن يكون المسلمون مشاركين للمخاطبين في أعمالهم، مثل عطْف قوله تعالى: وَلِيَ دِينِ على قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6] [1242] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/746). .
والتعبير بالجملة الاسميَّة ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ فيه: دَلالة على الدَّوام على الإخلاص، مع ما في تقديم الظرف (له) من الاختصاص وتقوية المعنى وتأكيده، ومراعاة فواصل الآيات [1243] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 192). .
9- في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ جاء الاستفهام للنفي والإنكار، والمعنى: لا أحدَ أظلمُ ممَّن كتَم... [1244] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (4/77)، ((تفسير أبي حيان)) (1/571). .
وفيه كنايةٌ عن عدَم اغترار المسلمين بقول اليهود والنصارى: إنَّ إبراهيم وأبناءه كانوا هودًا أو نصارى، وليس هذا احتجاجًا عليهم [1245] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/748). .
10- قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ خبرٌ تضمَّن معنى التخويف والتهديد؛ لأنَّ القادر إذا لم يكن غافلًا، لم يكُن له مانع من العَمل بمقتضى عِلمه [1246] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/748). .
11- قوله: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
فيه: حُسن الختام، مع حُسن التَّقْسيم والاتِّساق [1247] قال أبو حيان: (ثم ختم ذلك بأنَّ تلك أمَّة قد خلَت منفردةً بعملها، كما أنتم كذلك، وأنكم غير مسؤولين عمَّا عملوه، وجاءتْ هذه الجمل-من ابتداء ذِكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه، على اختلاف معانيه، وتعدد مبانيه-كأنَّها جملةٌ واحدة، في حُسن مساقها، ونظْم اتِّساقها، مرتقيةً في الفصاحةِ إلى ذروة الإحسان، مُفصِحَةً أنَّ بلاغتها خارجةٌ عن طبْع الإنسان، مذكِّرة قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ [الإسراء: 88]). ((تفسير أبي حيان)) (1/664-665). .
وفيه: تَكرار هذه الجُملة، والتكرار إمَّا لاختِلاف السِّياق؛ لأنَّ ذلك ورد إثْرَ شيءٍ مخالِف لِمَا وردتِ الجُمل الأولى بإِثْرِه، فالتَّكرار حَسَنٌ؛ لاختلاف الأقوال والسِّياق، وإمَّا أن يكون التَّكرار للمبالغة في الزَّجر عمَّا هُم عليه من الافتخار بالآباء والاتِّكال على أعمالهم [1248] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/663)، ((تفسير البيضاوي)) (1/110). ، أو يكون تكريرًا لنظيره الذي تقدَّم آنفًا؛ لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السَّامعين؛ اهتمامًا بما تضمَّنه؛ لكونه معنًى لم يَسبقْ سماعُه للمخاطبين؛ فلم يُقتنَع فيه بمرَّةٍ واحدة [1249] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/748). .