موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (65-70)

ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ

غَريبُ الكَلِماتِ:


ادَّارَكَ: أي: تكامَلَ وتدارَكَ واستحكَمَ، وأصلُ (درك): يدُلُّ على لُحوقِ الشَّيءِ بالشَّيءِ، ووُصولِه إليه [945] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 326)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/269)، ((البسيط)) للواحدي (17/284)، ((المفردات)) للراغب (ص: 312)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 277)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 68). وادَّارك: أصلُه تدارَك، فأُدغمَتِ التَّاءُ في الدَّالِ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/379)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/635). .
عَمُونَ: أي: جاهِلونَ، جمعُ عَمٍ، وهو صفةٌ على وزنِ فَعِلٍ مِن العمَى، والعَمى يُقالُ في افتقادِ البصَرِ والبصيرةِ، وأصلُ (عمي): يدُلُّ على سَترٍ وتغطيةٍ [946] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/133)، ((البسيط)) للواحدي (17/287)، ((المفردات)) للراغب (ص: 588)، ((تفسير ابن جزي)) (1/39)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208). .
أَسَاطِيرُ: الأساطيرُ: الأباطيلُ والتُّرَّهاتُ، جمعُ أُسْطورَةٍ، وهي: ما سُطِر مِن أخبارِ الأوَّلينَ وكذبِهم، وقيل: ما سطَره الأوَّلونَ مِن الكتبِ، وأصلُ (سطر): يدُلُّ على اصطفافِ الشَّيءِ [947] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 37)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 57)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/72)، ((المفردات)) للراغب (ص: 409)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 94)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 116). .

مُشكِلُ الإعرابِ :


قوله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
مَنْ: فاعِلُ يَعْلَمُ، و الْغَيْبَ: مَفعولُه، و اللَّهُ: بدَلٌ مِن مَنْ، ومعناه: لا يعلم أحدٌ. وهو استثناءٌ متَّصِلٌ على رأي المحقِّقينَ، واقِعٌ من كلامٍ منفيٍّ؛ فلذلك جاء اسمُ الجلالةِ مرفوعًا على اللُّغةِ الفصحى، ولو كان الاستثناءُ مُنقطِعًا لكانت اللُّغةُ الفصحى بنصبِ المستثنَى. وقيل: الاستثناءَ في إِلَّا اللَّهُ استِثناء منقطعٌ جاء على لغةِ تميمٍ فرُفِعَ [948] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/127)، ((التبيان)) للعكبري (2/1012)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/109)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/63)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/632)،  ((تفسير الألوسي)) (10/220، 221)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/293). قال ابن القيم: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هاهنا أبلَغُ صيغِ العمومِ، وليس المرادُ بها مُعَيَّنًا، فهي في قوَّةِ «أحد» المنفيِّ بقولِك: «لا يعلَمُ أحدٌ الغيبَ إلَّا اللهُ»، وأتى في هذا بذِكرِ السَّمواتِ والأرضِ؛ تحقيقًا لإرادة العمومِ والإحاطةِ، فالكلامُ مؤدٍّ معنَى: «لا يَعلَمُ أحدٌ الغَيبَ إلَّا الله». وإنَّما نشأ الوهمُ مِن ظنِّهم أنَّ الظَّرفَ هاهنا للتَّخصيصِ والتَّقييدِ، وليس كذلك، بل هو لتحقيقِ الاستغراقِ والإحاطةِ ... فهكذا قولُه: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لتحقيقِ الاستِغراقِ المقصودِ بالنَّفيِ). ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/63). وقال ابن تيمية: (ولا يجوزُ أن يقالَ: هذا استثناءٌ منقطِعٌ؛ لأنَّ المستثنى مرفوعٌ، ولو كان منقطِعًا لكان منصوبًا. والمرفوعُ على البدَلِ، والعاملُ فيه هو العاملُ في المبدَلِ منه، وهو بمنزلةِ المفرَّغِ، كأنَّه قال: «لا يَعْلَمُ الغَيبَ إلَّا اللهُ»، فيلزمُ أنَّه داخلٌ في مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... ولفظ «السَّمَاءِ» يَتناوَلُ كلَّ ما سما، ويدخُلُ فيه السَّمواتُ والكرسِيُّ والعرشُ وما فوقَ ذلك؛ لأنَّ هذا في جانبِ النَّفْيِ، وهو لم يقُلْ هنا: «السَّمَوَات السَّبْع»، بل عمَّ بلفظِ « السَّمواتِ». وإذا كان لفظُ «السَّماءِ» قد يُرادُ به السَّحابُ، ويُرادُ به الفُلكُ، ويرادُ به ما فوقَ العالَمِ، ويُرادُ به العلُوُّ مطلقًا؛ فـ «السَّمواتُ» جمعُ «سماءٍ»، وكلُّ مَن فيما يُسمَّى «سَماءً»، وكلُّ مَن فيما يُسمَّى «أرضًا»). ((مجموع الفتاوى)) (16/109). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى -آمِرًا رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنْ يقولَ معلِّمًا لجميعِ الخلقِ-: قُلْ -يا محمَّدُ: لا يَعلَمُ أحدٌ في السَّمواتِ وفي الأرضِ الغيبَ إلَّا اللهُ وحْدَه، وما يَدرُونَ متى يَبعثُ اللهُ الخلْقَ، بل تكامَلَ عِلمُهم يومَ القيامةِ وعَلِموا حقَّ ما وُعِدوا به في الدُّنيا، بل المُشرِكون في الدُّنيا في شكٍّ مِن وقوعِ القيامةِ ومَجيئِها، بل هم في الدُّنيا بأمرِ الآخرةِ وحُدوثِها جاهِلون.
ثمَّ يَذكرُ الله تعالى ما كان عليه المشركونَ مِن إنكارٍ للبعثِ، فيقولُ تعالى: وقال الكُفَّارُ: أئِذا صِرْنا وآباؤُنا ترابًا في القبورِ أئِنَّا لمُخرَجون يومَ القيامةِ أحياءً؟!
 لقد وُعِدْنا وأسلافُنا بالبَعثِ بعْدَ الموتِ ولم يقَعْ شَيءٌ مِن ذلك، ما هذا الوعدُ إلَّا أحاديثُ باطِلةٌ سطَّرها الأقدَمون في كتُبِهم!
ثمَّ يوجِّهُ اللهُ تعالى نبيَّه أنْ يرُدَّ عليهم، فيقولُ: قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكين: سِيروا في الأرضِ فانظُروا عاقِبةَ الكُفَّارِ الَّذين كذَّبوا فأهلَكَهم اللهُ؛ لعلَّكم تَعتَبِرون. ولا تَحزَنْ -يا محمَّدُ- على هؤلاء المُشرِكين، ولا يَضِقْ صدرُك بسبَبِ مَكرِهم.

تَفسيرُ الآياتِ:


قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أبطلَتِ الآياتُ السَّابقةُ إلهيَّةَ أصنامِ المشركين بالأدلَّةِ المتظاهِرةِ، فانقطعَ دابرُ عقيدةِ الإشراكِ؛ ثُنِيَ عِنَانُ الإبطالِ إلى أثَرٍ مِن آثارِ الشِّركِ، وهو ادِّعاءُ عِلمِ الغَيبِ بالكَهانةِ وإخبارِ الجِنِّ، كما كان يَزعمُه الكُهَّانُ والعَرَّافون وسَدَنةُ الأصنامِ، ويؤمِنُ بذلك المشركون [949] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/19). .
وأيضًا بعْدَما حقَّقَ تَفرُّدَه تعالى بالأُلوهيَّةِ ببَيانِ اختِصاصِه بالقُدرةِ الكاملةِ التَّامَّةِ، والرَّحمةِ الشَّاملةِ العامَّةِ؛ عقَّبَه بذِكْرِ ما هو مِن لَوازِمِه، وهو اختِصاصُه بعِلمِ الغَيبِ؛ تَكميلًا لِمَا قبْلَه، وتَمهيدًا لِمَا بعْدَه [950] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/296). .
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ: لا يَعلَمُ أحدٌ في السَّمواتِ وفي الأرضِ الغيبَ الذي استأثرَ اللهُ بعِلمِه، إلَّا اللهُ وحْدَه [951] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/105)، ((الوسيط)) للواحدي (3/383)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/63)، ((تفسير ابن كثير)) (6/207)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). .
كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59].
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: (مَنْ زعَمَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُخبِرُ بما يكونُ في غدٍ فقد أعظَمَ على اللهِ الفِرْيةَ، واللهُ يقولُ: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [952] رواه مسلم (177). .
وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
أي: وما يدري أحدٌ متى يَبعثُ اللهُ الخلْقَ مِن قبورِهم يومَ القيامةِ [953] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/105)، ((الوسيط)) للواحدي (3/383)، ((تفسير ابن كثير)) (6/207)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 394). .
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66).
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ.
القراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسيرِ:
1- قراءةُ أَدْرَكَ قيل: معنى الآيةِ على هذه القراءةِ: بل أدرَك عِلمُهم البعثَ في الآخرةِ حينَ يُبعَثُون، فلا يَنفعُهم عِلمُهم حينَئذٍ، فأمَّا في الدُّنيا فإنَّهم في شكٍّ مِن الآخرةِ. وقيل: المعنى: هل أدرَك عِلمُهم عِلمَ الآخرةِ؟ أي: لم يَعْلَموا حدوثَها وكَوْنَها. وقيل: المعنى: انتهَى وفنيَ. وقيل غيرُ ذلك [954] قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبو جعفر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/339). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (18/110)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 535)، ((تفسير الزمخشري)) (3/379)، ((تفسير ابن كثير)) (6/207). .
2- قراءةُ ادَّارَكَ: ومعنَى الآيةِ على هذه القراءةِ: بل تكامَل عِلمُهم يومَ القيامةِ بأنَّ كلَّ ما وُعِدوا به حقٌّ. وقيل: المعنى: بل تدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكمِ على الآخرةِ؛ فتارةً يقولونَ: إنَّها كائنةٌ، وتارةً يقولونَ: لا تكونُ. وقيل: القراءتانِ بمعنًى واحدٍ. وقيل غيرُ ذلك [955] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/339). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (18/110)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 535)، ((تفسير ابن كثير)) (6/207). .
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ.
أي: بل تكامَلَ عِلمُهم يومَ القيامةِ بأنَّ كُلَّ ما وُعِدوا به في الدُّنيا حَقٌّ واقِعٌ [956] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/315)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/127)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (10/66)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/122). وممَّن ذهب إلى أنَّ المعنى: بل تكامَلَ عِلمُ المشركين يومَ القيامةِ حينَ عايَنوها بأنَّ كلَّ ما وُعِدوا به في الدُّنيا حقٌّ وواقعٌ في الآخرة: مقاتلُ بن سليمان، والزَّجَّاج، والأزهري، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. ذكر الماوَرْديُّ الخِلافَ في قولِه: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ، وأنَّ فيه قولَينِ: الأول: أنَّها صِفةُ ذمٍّ، فيكون المعنى: اضمحلَّ عِلمُهم، أو ضَلَّ وغابَ، أو لم يُدركْ عِلمُهم. والثاني: أنَّها صفةُ حمدٍ لعِلمِهم، وإنْ كانوا مذمومينَ، فيكون المعنى على ذلك: أدرَكَ عِلمُهم، أو اجتَمع عِلمُهم، أو تلاحَقَ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (4/224). فعلى القولِ الأوَّلِ يكونُ المعنى: بل تَتابَعَ عِلمُ هؤلاء المشركين بشؤونِ البعثِ حتَّى اضمحَلَّ وفنيَ، ولم يَبْقَ لهم عِلمٌ بشَيءٍ ممَّا سيكونُ فيها قطعًا مع توافُرِ أسبابِه ومَباديه مِنَ الدَّلائلِ، وتكونُ (في) بمعنى الباءِ. وعلى القولِ الثَّاني يكونُ المعنى: بل تكامَلَ عِلمُهم بشؤونِ الآخرةِ، حينَ يُعايِنون ما أُعِدَّ لهم فيها مِن عذابٍ، بعدَ أن كانوا يُنكِرون البعثَ والحسابَ في الدُّنيا. يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (10/224)، ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (10/350). .
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا .
أي: بل المُشرِكون في الدُّنيا في شكٍّ مِن وجودِ الآخرةِ ووُقوعِ القيامةِ، فهُم لا يُوقنِونَ بالبَعثِ بعدَ الموتِ [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/111)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). .
بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ.
أي: بل هم في الدُّنيا جاهِلون جَهلًا تامًّا بأمرِ الآخرةِ ووقوعِها، وما يكونُ فيها مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ [958] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/559)، ((تفسير ابن جرير)) (18/111)، ((البسيط)) للواحدي (17/287)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). قال أبو علي الفارسي: (العَمِي عن عِلمِ الشَّيءِ أبعَدُ منه مِن الشَّاكِّ فيه؛ لأنَّ الشَّكَّ قد يَعرِضُ عن ضربٍ مِن النَّظَرِ، والعَمِي عن الشَّيءِ: الَّذي لم يُدرِكْ منه شيئًا). ((الحجة للقراء السبعة)) (5/401). .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تقدَّمَ أنَّ الله تعالى مُنفَرِدٌ بعِلمِ الغَيبِ -ومِن جملتِها وقتُ السَّاعةِ، وأنَّهم لا شعورَ لهم بوقتِها، وأنَّ الكفَّارَ في شكٍّ منها عَمُونَ- ناسبَ ذِكرُ مقالاتِهم في استبعادِها [959] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/264). !
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67).
أي: وقال الكُفَّارُ: أئِذا صِرْنا وآباؤنا ترابًا في القُبورِ أئِنَّا لَمُخرَجونَ يومَ القيامةِ أحياءً بعدَ مَوتِنا؟! هذا شَيءٌ لا يكونُ أبدًا [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/112)، ((تفسير القرطبي)) (13/228)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((البحر المديد)) لابن عجيبة (4/213)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). .
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68).
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ.
أي: قال المُشرِكون: لقد جاءَنا مِنْ قبْلِ محمَّدٍ مَن وَعَدنا وأسلافَنا بالبَعثِ كما وعَدَنا محمَّدٌ، ولم نَرَ لذلك حقيقةً [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/112)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). قال القرطبي: (كان الأنبياءُ يقَرِّبون أمرَ البَعثِ مُبالَغةً في التَّحذيرِ، وكُلُّ ما هو آتٍ فقريبٌ). ((تفسير القرطبي)) (13/229). !
إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
أي: ما هذا الوَعدُ بالبَعثِ بعدَ الموتِ إلَّا أحاديثُ باطِلةٌ، وحِكاياتٌ مُختلَقةٌ سطَّرها الأقدَمون في كتُبِهم، وتلقَّفها مَن بعْدَهم، ولا صحَّة لذلك [962] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/112)، ((تفسير ابن عطية)) (4/269)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/26). .
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69).
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكين: سافِروا في الأرضِ فانظُروا آثارَ الكُفَّارِ الَّذين كذَّبوا رُسلَ اللهِ، فأهلَكَهم اللهُ في آخِرِ أمرِهم؛ لِتَعتَبِروا وتَحذَروا أن يصيبَكم ما أصابَهم [963] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/112)، ((تفسير القرطبي)) (13/229)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((مراح لبيد)) للجاوي (2/182). .
كما قال تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: 10، 11].
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا دَهَم النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مِنَ الأسفِ على جلافتِهم في عَماهم عن السَّبيلِ الَّذي هدَى إليه الدَّليلُ، ما لا يعْلَمُه إلَّا اللهُ؛ قال [964] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/208). :
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ.
أي: ولا تحزَنْ -يا محمَّدُ- على هؤلاء المُشرِكين، وإعراضِهم عنك، وتكذيبِهم بما جِئتَهم به مِن الحَقِّ [965] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/112)، ((تفسير القرطبي)) (13/229)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 176].
وقال سبحانه: وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس: 65].
وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كانوا لا يَقتَصِرون على التَّكذيبِ، بل يَبْغون للمؤمنينَ الغوائِلَ، ويَنصِبون الحبائِلَ؛ قال [966] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/208). :
وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.
أي: ولا يَضِقْ صدرُك -يا محمَّدُ- بسبَبِ مَكرِ الكافرين بك؛ فإنَّ مكرَهم يعودُ وَبالًا عليهم، واللهُ حافِظُك، وناصِرُك عليهم، ومُظهِرٌ دينَك [967] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/112)، ((تفسير الزمخشري)) (3/381)، ((تفسير ابن كثير)) (6/208، 209)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/27). .
كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67].

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قولُه تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ فيه أنَّ السَّائِرَ في الأرضِ يجبُ عليه أنْ يكونَ سيْرُه على سبيلِ التفَكُّرِ والاتِّعاظِ، لا سيَّما إذا كان هذا المخاطَبُ مُعانِدًا؛ لأنَّ الآيةَ هنا قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ يُخاطِبُ المعانِدِين الجاحدِين؛ فإنه يجِبُ عليه أنْ يسيرَ وينظُرَ؛ لأنَّ هذا طريقٌ إلى هدايتِه [968] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 409). .
2- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ هذا الأمرُ يكونُ للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِغَيرِه؛ فكُلُّ مَن يدعو إلى شَريعةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنَّنا نوجِّهُ إليه هذا الخِطابَ، ونقولُ: إذا رأيتَ النَّاسَ لم يقبلوا فلا تحزَنْ، ولا تكُنْ في ضَيقٍ مِمَّا يَمكُرونَ، وإلَّا فإنَّ أعداءَ الرُّسلِ سوف يَمكُرونَ بالدُّعاةِ إلى دينِ الرُّسلِ، يَبُثُّونَ ضِدَّهم الدِّعاياتِ، وسوف يُؤْذونَهم بالقَولِ، ويُسمِعونَهم ما يَكرَهون، ورُبَّما يُؤذونَهم بالفِعلِ، والإنسانُ عليه أن يَصبِرَ.
 فالدَّاعي إلى اللهِ إذا بَذَل ما يجبُ عليه، فلا ينبغي أنْ يَحزَنَ لمخالفةِ الناسِ؛ لأنَّه إذا حَزِنَ فإنَّه يَيأسُ ويَستحسِرُ، ولا يَنشرِحُ صدرُه، ولا تَنبسِطُ نفْسُه، ويَعوقُه ذلك عن الدَّعوةِ إلى اللهِ، لكنْ على الدَّاعي أن يدعوَ إلى الله، ويسيرَ في طريقِه على حسَبِ ما أُمِر، فإنِ اهتدى النَّاسُ فلَه ولهم، وإنْ لم يَهتدوا فلَه وعليهم [969] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 412). .
3- الحُزنُ لم يَأمرِ اللهُ به ولا رَسولُه، بل قد نُهِيَ عنه في مواضِعَ -وإن تَعلَّق أمرُ الدِّينِ به- كما في قَولِه تعالى: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ، وكقَولِه تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139]؛ وذلك أنَّه لا يَجلِبُ منفعةً، ولا يَدفَعُ مَضرَّةً، ولا فائدةَ فيه، وما لا فائدةَ فيه لا يأمرُ اللهُ به [970] يُنظر: ((التحفة العراقية)) لابن تيمية (ص: 42). . ولم يأتِ الحزنُ في القرآنِ إلَّا منهيًّا عنه، أو مَنفيًّا؛ فالمنهيُّ عنه كما في الآيتَينِ السَّابقتَينِ، والمنفيُّ كقولِه تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38]. وسِرُّ ذلك أنَّ الحزنَ مُوقِفٌ غيرُ مسَيِّرٍ، ولا مصلحةَ فيه للقلبِ، وأحَبُّ شَيءٍ إلى الشَّيطانِ أن يَحزُنَ العبدَ لِيَقطعَه عن سَيرِه، ويوقِفَه عن سلوكِه [971] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/500، 501). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ دَلالةٌ على أنَّه تعالى هو المنفرِدُ بعِلمِ الغَيبِ [972] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/260). ، فكلُّ إنسانٍ يدَّعي عِلْمَ الغيبِ فإنَّه كافرٌ، وكلُّ إنسانٍ يُصدِّقُه في ذلك فإنَّه كافرٌ؛ لأنَّ الله تعالى يقولُ: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [973] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (1/699). .
2- قال تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ هذا هو الغيبُ المُطْلَقُ عن جميعِ المخلوقينَ الَّذي اللهُ قال فيه: فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. والغيبُ المُقَيَّدُ: ما عَلِمه بعضُ المخلوقاتِ مِن الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنسِ وشَهِدوه، فإنَّما هو غيبٌ عمَّن غاب عنه، ليس هو غيبًا عمَّن شهِده. والناسُ كلُّهم قد يَغيبُ عن هذا ما يَشهَدُه هذا، فيكونُ غيبًا مقَيَّدًا، أي: غيبًا عمَّن غاب عنه مِن المخلوقينَ، لا عمَّن شَهِده، ليس غيبًا مُطْلَقًا غاب عن المخلوقينَ قاطبةً [974] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/110). .
3- في قَولِه تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ أنَّ الإنسانَ الذي لا يريدُ الحقَّ يكونُ له -باعتبارِ قَبولِه- مراتِبُ بعضُها أشدُّ مِن بعضٍ، أي: أنَّه ينتَقِلُ مِن الأدنَى إلى الأعلَى؛ ولهذا قال أهلُ العِلمِ: إنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفرِ، أي: أنَّه ينتَقِلُ بها الإنسانُ مِن مرحلةٍ إلى مرحلةٍ كما ينتَقِلُ البريدُ، فالإنسانُ إذا فعَلَ مَعصيةً -سواءٌ كانت اعتقاديَّةً أو عمليَّةً- فإنَّ الشيطانَ يتدرَّجُ به مِن الأدنَى إلى الأعلَى حتَّى يَصِلَ -والعياذُ بالله- إلى الكُفرِ [975] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 400). .
4- في قَولِه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ تلبيسُ أهلِ الضَّلالِ للحقِّ بالباطلِ؛ لأنَّهم أنكَروا البعثَ، واحتجُّوا بشُبهةٍ لا تُغْنيهم مِن الحقِّ شيئًا، حيثُ يقولون: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا نُخرَجُ؟! فهذه الشُّبهةُ إنَّما تَنطَلي على الجُهَّالِ، أمَّا على أهلِ العلمِ والبصيرةِ فلا تنطَلي [976] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 402). .
5- في قَولِه تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أنَّ العِبرةَ بالعاقبةِ لا بالمبتدأِ؛ لقَولِه: ?  ?   ?، فإذا رأيتَ هذا المجرمَ قد نُعِّمَ فلا تَظُنَّ أنَّه على حقٍّ، بلِ المعتبَرُ العاقِبةُ، وستكونُ عاقبتُه وَخيمةً [977] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 410). .
6- في قَولِه تعالى: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ سؤالٌ: لِمَ لَمْ يقُلْ: «كيف كانت عاقبةُ المجرمين»؟
الجوابُ: لأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ المعنى: كيف كان آخِرُ أمْرِهم [978] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/569). .
7- في قَولِه تعالى: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ سؤالٌ: لِمَ لَمْ يقلْ: «عاقبةُ الكافرين»؟ الجوابُ: الغرضُ أنْ يَحصلَ التَّخويفُ لكلِّ العُصاةِ [979] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/569). .
8- قولُه تعالى: وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ فيه عنايةُ اللهِ تعالى بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالتَّسليةِ والتَّفريجِ عنه؛ وجْهُ ذلك: أنَّ نهيَه عن أنْ يكونَ في ضَيْقٍ معناه: أنَّ مَكرَهم لا يَضُرُّه، وإنْ ضاقت به نفْسُه؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ أي: لا يهمَّك أمْرُهم، ولا تَضِقْ منه؛ فإنَّ لَدَيْنا ما هو أعظمُ؛ قال تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [980] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 412). [الأنفال: 30].
بلاغةُ الآياتِ:
1- قولُه تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
- أبطلَتْ هذه الآيةُ مَزاعمَ مُشركي قُريشٍ إبطالًا عامًّا، مِعيارُه الاستثناءُ بقولِه: إِلَّا اللَّهُ، وهو عامٌّ مُرادٌ به الخُصوصُ، أي: خصوصُ الكُهَّانِ وسَدنةِ بُيوتِ الأصنامِ؛ وإنَّما سُلِكَ مَسلكُ العمومِ لإبطالِ ما عسَى أنْ يُزعَمَ مِن ذلك، ولأنَّ العمومَ أكثرُ فائدةً وأوجَزُ؛ فإنَّ ذلك حالُ أهلِ الشِّركِ مِن بيْنِ مَن في السَّمواتِ والأرضِ؛ فالقصدُ هنا تَزييفُ آثارِ الشِّركِ، وهو الكِهانةُ ونَحوُها. وإذ قد كانت المخلوقاتُ لا يَعْدُون أنْ يَكونوا مِن أهلِ السَّمواتِ أو مِن أهلِ الأرضِ -لانحصارِ عوالِمِ الموجوداتِ في ذلك-؛ كان قولُه: لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ في قوَّةِ: لا يَعلَمُ أحدٌ الغيبَ، ولكنْ أُطنِبَ الكلامُ؛ لقَصدِ التَّنصيصِ على تَعميمِ المخلوقاتِ كلِّها؛ فإنَّ مَقامَ عِلمِ العقيدةِ مَقامُ بَيانٍ يُناسِبُه الإطنابُ [981] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/19). .
- وهو سُبحانَه قال: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ، ولم يقُلْ: «ما»؛ فإنَّه لَمَّا اجتمَع ما يَعقِلُ وما لا يَعقِلُ، غُلِّب ما يَعقِلُ، وعُبِّر عنه بـ «مَن»؛ لِتَكونَ أبلَغَ؛ فإنَّهم مع كَونِهم مِن أهلِ العِلمِ والمعرفةِ لا يَعلَمُ أحدٌ منهم الغَيبَ إلَّا اللهُ [982] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/110).
- قولُه: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ لَمَّا نَفى عِلمَ الغَيبِ عنهم على العمومِ، نَفى عنهم هذا الغيبَ المخصوصَ، وهو وقتُ السَّاعةِ والبعثِ، فصار مُنتفِيًا مرَّتينِ؛ إذ هو مُندرِجٌ في عمومِ الغَيبِ، ومَنصوصٌ عليه بخُصوصِه [983] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/261). .
- وأيضًا أردَفَ هذا الخبرَ بإدماجِ انتفاءِ عِلْمِ هؤلاء الزَّاعمينَ عِلْمَ الغَيبِ أنَّهم لا يَشعُرون بوَقتِ بَعثِهم، بلْ جَحَدوا وُقوعَه؛ إثارةً للتَّذكيرِ بالبعثِ؛ لشِدَّةِ عِنايةِ القرآنِ بإثباتِه وتَسفيهِ الذين أنْكَروه؛ فذلك مَوقعُ قولِه: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، أي: إنَّ الذين يَزعُمون عِلْمَ الغيبِ ما يَشعُرون بوَقتِ بَعثِهم، وهذا تَعييرٌ للمُشرِكين؛ فإنَّهم لا يُؤمِنون بالبعثِ، بَلْهَ شُعورِهم بوَقتِه [984] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/20). .
2- قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ
- (بَلْ) للإضرابِ الانتقاليِّ مِن الإخبارِ عنهم بـ (مَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، وهو ارتقاءٌ إلى ما هو أغرَبُ وأشدُّ؛ لَمَّا نفَى عنهم عِلْمَ الغيبِ، وأكَّدَ ذلكَ بنَفْيِ شُعورِهم بوَقْتِ مآلِهِم لا مَحالةَ؛ بُولِغَ في تأْكيدِه وتَقريرِه بأنْ أضرَبَ عنْه، فقال: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ ...، وبيَّن أنَّهم في جَهلٍ أفحَشَ مِن جَهلهِم بوقْتِ بَعْثِهم، حيثُ لا يَعلَمونَ أحوالَ الآخِرةِ مُطلقًا، مع تعاضُدِ أسبابِ مَعرفِتها، وهذا على أنَّ معنى ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ: تَدارَكَ وتتابَعَ عِلْمُهم في شأْنِ الآخرةِ التي ما ذُكِرَ مِن البعثِ حالٌ مِن أحوالِها حتَّى انقطَعَ، ولم يَبْقَ لهم عِلمٌ بشَيءٍ ممَّا سيَكونُ فيها قطْعًا [985] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/165)، ((تفسير أبي السعود)) (6/296)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/20). .
- وقيل: الإضرابُ في قولِه: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ ... إضرابٌ عن نفْيِ الشُّعورِ بوقْتِ القيامةِ عنهم إلى وَصْفِهم باستحكامِ عِلمِهم في أمْرِ الآخرةِ؛ تَهكُّمًا بهم، فيكونُ وصْفًا لهُم بالجهْلِ مُبالَغةً [986] يُنظَر: ((تفسير البيضاوي)) (4/166)، ((تفسير أبي السعود)) (6/297). .
- وهذه الإضراباتُ الثَّلاثُ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ما هي إلَّا تَنزيلٌ لأحوالِهِم؛ وَصَفَهم أوَّلًا بأنَّهم لا يَشعُرون وقْتَ البعثِ، ثمَّ بأنَّهم اضْطَرَبَ عِلمُهم في الآخرةِ، أو تَقلَّدَ خَلَفُهم ما لَقَّنَه سَلَفُهم، أو أنَّهم انْتَفى عِلْمُهم في الآخرةِ -على بعضِ الأقوالِ في التَّفسيرِ-، ثمَّ بأنَّهم يَخبِطون في شَكٍّ ومِرْيةٍ، فلا يُزِيلونه، والإزالةُ مُستطاعةٌ! ثمَّ بما هو أسْوَأُ حالًا، وهو العَمَى، وأنْ يكونوا مِثلَ البَهيمةِ قد عَكَفوا هَمَّهمْ على بَطْنِهم وفُروجِهم، لا يَخطُرُ بِبالِهم حقًّا ولا باطلًا، ولا يُفكِّرون في عاقبةٍ؛ فجاءتْ هذه الانتقالاتُ مُتدرِّجةً مُتصاعِدةً، حتَّى لو قِيل: (بلِ ادَّاركَ عِلْمُهم في الآخرةِ، فهمْ في شَكٍّ منها، فهمْ منها عَمُون) لَحصَلَ المرادُ، ولكنْ جاءت طريقةُ التَّدرُّجِ بالإضرابِ الانتقاليِّ أجزَلَ وأبهَجَ وأروَعَ، وأدلَّ على أنَّ كلًّا مِن هذه الأحوالِ المُترتِّبةِ جَديرٌ بأنْ يَعتبِرَ فيه المُعتبِرُ باستقلالِه، لا بكونِه مُتفرِّعًا على ما قبْلَه [987] يُنظَر: ((تفسير الزمخشري)) (3/379)، ((تفسير البيضاوي)) (4/166)، ((تفسير أبي السعود)) (6/297)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/22، 23). .
- قولُه: بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ جِيءَ بالجُملةِ الاسميَّةِ؛ للدَّلالةِ على ثَباتِ الخبرِ ودَوامِه، وجِيءَ بالظَّرفيةِ (مِن)؛ للدَّلالةِ على إحاطةِ الشَّكِّ بهم. وعَمُونَ مِن العَمى، صاغوا -أي: العَربُ- له مِثالَ المُبالَغةِ؛ للدَّلالةِ على شِدَّةِ العمَى، وهو تَشبيهُ عَدَمِ العلْمِ بالعَمى، وعادِمِ العلْمِ بالأعْمى [988] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/22، 23). .
- قولُه: بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ في الكلامِ مُضافٌ مَحذوفٌ، تَقديرُه: مِن إنكارِ وُجودِها عَمُونَ؛ فالمَجرورُ مُتعلِّقٌ بـ عَمُونَ. وقُدِّمَ على مُتعلَّقِه؛ للاهتمامِ بهذا المُتعلِّقِ، وللرِّعايةِ على الفاصلةِ [989] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/23). .
- قولُه: بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ جعَلَ الآخرةَ مَبدَأَ عَماهُم ومَنشَأَه -على أنَّ معنى «من» في مِنْهَا في الموضعَينِ الابتِداءُ-؛ فلذلك عدَّاهُ بـ (مِن) دونَ (عنْ)؛ لأنَّ الكفْرَ بالعاقبةِ والجزاءِ هو الذي جَعَلَهم كالبَهائمِ لا يَتدبَّرون ولا يَتبصَّرون، ومَن لم يَصرِفْهُ خَوفُ العاقبةِ فعَل ما يقتضيه هَواهُ وشَهوتُه، ودخَل في زُمرةِ البهائمِ. وفي هذا شائبةٌ مِن معنى السَّببيَّةِ، وأنَّ الكفرَ بالآخرةِ سببٌ للعمى [990] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/380)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/572، 573). .
3- قولُه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ بَيانٌ لِجَهلِهم بالآخرةِ وعَمَهِهم منها بحِكايةِ إنكارِهم للبَعثِ [991] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/166)، ((تفسير أبي السعود)) (6/297). . وأعقَبَ وَصْفَ عَمايةِ الزَّاعمينَ عِلْمَ الغَيبِ بذِكْرِ شُبهتِهم التي أرَتْهم البعثَ مُستحيلَ الوُقوعِ؛ ولذلك أُسنِدَ القَولُ هنا إلى جميعِ الَّذين كَفَروا دونَ خُصوصِ الَّذين يَزعُمون عِلْمَ الغيبِ؛ ولذلك عُطِفَت الجُملةُ بالواوِ؛ لأنَّها غايرَتِ الَّتي قبْلَها بأنَّها أعَمُّ [992] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/24). .
- قولُه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... فيه التَّعبيرُ عنهم باسمِ الموصولِ؛ لِمَا في الموصولِ مِن الإيماءِ إلى علَّةِ قَولِهم هذه المقالةَ، وهي ما أفادَتْه الصِّلةُ مِن كَونِهم كافرينَ؛ فكأنَّه قِيل: وقالوا بكُفرِهم: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا إلى آخِرِه [993] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/297)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/24). .
- قولُه: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ الاستفهامُ بمَعنى الإنكارِ؛ أتَوا بالإنكارِ في صُورةِ الاستِفهامِ لتَجهيلِ مُعتقِدِ ذلك، وتَعجيزِه عن الجوابِ بزَعمِهم. والتَّأكيدُ بـ (إنَّ)؛ لِمُجاراةِ كلامِ المردودِ عليه بالإنكارِ، والتَّأكيدُ تَهكُّمٌ [994] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/24). .
- وتَكريرُ حرفِ الاستِفهامِ بإدخالِه على (إذا) و(إنَّ) جميعًا إنكارٌ على إنكارٍ، وجحودٌ عَقِيبَ جُحودٍ، ومُبالَغةٌ في كَونِ ذلك لا يكونُ، ودليلٌ على كُفرٍ مُؤكَّدٍ مُبالَغٍ فيه [995] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/380)، ((تفسير البيضاوي)) (4/166)، ((تفسير أبي حيان)) (8/265). ؛ فتَكريرُ الهمزةِ في أَئِنَّا لِلمُبالَغةِ والتَّشديدِ في الإنكارِ. وأيضًا تَحليةُ الجُملةِ بـ (إنَّ) واللَّامِ لتَأكيدِ الإنكارِ، لا لإنكارِ التَّأكيدِ كما يُوهِمُه ظاهرُ النَّظمِ؛ فإنَّ تَقديمَ الهمزةِ لاقتضائِها الصَّدارةَ [996] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/297). .
- وتَقْييدُ الإخراجِ بوَقتِ كونِهم تُرابًا في قولِه: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ليس لتَخصيصِ الإنكارِ بالإخراجِ حينَئذٍ فقط؛ فإنَّهم مُنكِرون للإحياءِ بعدَ الموتِ مُطلقًا وإنْ كان البَدَنُ على حالِه، بلْ لتَقويةِ الإنكارِ بتَوجيهِه إلى الإخراجِ في حالةٍ مُنافيةٍ له [997] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/297). .
4- قولُه تعالى: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ استئنافٌ مَسوقٌ لتَقريرِ الإنكارِ، وتَصديرُه بالقسَمِ لَقَدْ؛ لمَزيدِ التَّأكيدِ [998] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/298). .
- وقد تقدَّمَ في سُورةِ (المؤمنون) حِكايةُ مِثلِ هذه المقالةِ عن الذين كَفَروا، إلَّا أنَّ اسمَ الإشارةِ الأوَّلَ هَذَا وقَعَ مُؤخَّرًا عن نَحْنُ في سُورةِ (المؤمنون) إذ فيها: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ [المؤمنون: 83]، ووقَعَ مُقدَّمًا عليه هنا: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وتَقديمُه وتأخيرُه سواءٌ في أصلِ المعنى؛ لأنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ وُعِدْنَا وقَعَ بعْدَ نائبِ الفاعلِ في الآيتينِ. ووَجْهُ تَقديمِه على تَوكيدِ الضَّميرِ الواقعِ نائبًا عن الفاعلِ: أنَّ التَّقديمَ دليلٌ على أنَّ المُقدَّمَ هو الغرضُ المُعتمَدُ بالذِّكرِ وبسَوقِ الكلامِ لأجْلِه؛ فإنَّ ما وقَعَ في سُورةِ (المؤمنون) كان بوَضعِ المنصوبِ بعدَ المرفوعِ، وذلك مَوضِعُه. وأمَّا ما في سُورةِ (النَّملِ)؛ فقُدِّمَ المنصوبُ على المرفوعِ لكونِه فيها أهَمَّ؛ يَدُلُّك على ذلك أنَّ الذي قبْلَه: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا، والذي قبْلَ آيةِ سُورةِ (المؤمنون): أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا  [المؤمنون: 82]؛ فالجِهةُ المنظورُ فيها في سُورةِ (المؤمنون) هي كونُ أنفُسِهم تُرابًا وعظامًا، والجِهةُ المنظورُ فيها هنا في سُورةِ (النَّملِ) هي كونُ أنفُسِهم وكونُ آبائهم تُرابًا، لا جزءَ هناك مِن بِناهم (جمعُ بِنْيَةٍ) باقيًا على صُورتِه الَّتي كان عليها وهو حيٌّ. ولا شُبهةَ أنَّها أدخَلُ عندَهم في تَبعيدِ البعثِ؛ فاسْتلزَمَ زِيادةَ الاعتِناءِ بالقصْدِ إلى ذِكْرِه، فصيَّرَه هذا العارِضُ أهَمَّ؛ فقد حكَتْ كلُّ آيةٍ أُسلوبًا مِن مقالِهم، وحصَلَ في الاختلافِ بيْنَ أُسلوبِ الآيتينِ تفنُّنٌ [999] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/380)، ((تفسير الرازي)) (24/569)، ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 238، 239)، ((تفسير البيضاوي)) (4/166)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/369)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (2/170)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/573، 574)، ((تفسير أبي حيان)) (8/265)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/284)، ((تفسير أبي السعود)) (6/298)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/25، 26). .
- قولُه: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ تَقريرٌ إثرَ تَقريرٍ [1000] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/298). .
5- قولُه تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ تَهديدٌ لهم على التَّكذيبِ، وتَخويفٌ بأنْ يَنزِلَ بهم مِثلُ ما نزَلَ بالمُكذِّبين قبْلَهم، وأراد بالمُجرِمينَ: الكافرين، وإنَّما عُبِّرَ عن الكُفرِ بلَفظِ الإجرامِ؛ ليَكونَ لُطفًا للمُسلِمينَ في تَركِ الجرائمِ وتخوُّفِ عاقبتِها؛ ألَا تَرى إلى قولِه: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا [الشمس: 14]، وقولِه: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا [1001] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/381)، ((تفسير البيضاوي)) (4/166)، ((تفسير أبي السعود)) (6/298)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/245). [نوح: 25].
- وفُصِلَت هذه الجُملةُ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... -أي: لم تُعطَفْ على ما قبْلَها-؛ لأنَّها أمْرٌ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنْ يقولَ لهم هذه الكلمةَ [1002] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/26). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ، وقال في سُورةِ (الأنعامِ): قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: 11]، والمُناسَبةُ في الموضعينِ هي الموعظةُ بحالِ المُكذِّبين؛ لأنَّ إنكارَهم البعثَ تَكذيبٌ للرَّسولِ وإجرامٌ، والوعيدُ بأنْ يُصِيبَهم مِثلُ ما أصابَهم، إلَّا أنَّها هنالك عُطِفَت بـ ثُمَّ انْظُرُوا [الأنعام: 11]، وهنا بالفاءِ فَانْظُرُوا، وذُكِرَ هنالك عاقبةُ المُكذِّبين، وذُكِرَ هنا عاقبةُ المُجرِمين، والمُكذِّبون مُجرِمون؛ والاختلافُ بيْنَ الحكايتينِ للتَّفنُّنِ [1003] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/26). .