موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (59-64)

ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ

غَريبُ الكَلِماتِ:


اصْطَفَى: أي: اختارَ، واجتبَى، وأصلُ (صفو): خلوصُ الشَّيءِ مِن كلِّ شَوبٍ [820] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/584)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 99)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/292)، ((المفردات)) للراغب (ص: 488)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 44). .
حَدَائِقَ: أي: بساتينَ، وقيل: بساتين نخلٍ، واحدُها: حديقةٌ، والحديقةُ كلُّ بستانٍ عليه حائطٌ، وقيل: هي قطعةٌ مِن الأرضِ ذاتُ ماءٍ، سُمِّيت تشبيهًا بحدقةِ العينِ في الهيئةِ، وحصولِ الماءِ فيها، وأصلُ (حدق): الشَّيءُ يحيطُ بشَيءٍ [821] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 510)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 195)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/33)، ((المفردات)) للراغب (ص: 223)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 325). .
ذَاتَ بَهْجَةٍ: أي: ذاتَ حسنٍ، والبهجةُ: حُسنُ اللونِ، وظُهورُ السُّرورِ، وأصلُ (بهج): سرورٌ ونضرةٌ [822] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 326)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 195)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/308)، ((المفردات)) للراغب (ص: 148)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 325). .
يَعْدِلُونَ: أي: يَعدِلونَ عن الحقِّ ويَجورونَ عليه ويتكبَّرونَ -مِن قولِهم: عَدَل عن الحقِّ: إذا جارَ-، أو: يَعدِلونَ بالله غيرَه، أي: يجعلونَ له عديلًا، ومثيلًا، وشريكًا، والعدالةُ: لفظٌ يَقتضي معنى المساواةِ، وأصلُ (عدل): يدُلُّ على استواءٍ [823] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/246)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (4/1237)، ((المفردات)) للراغب (ص: 551، 553)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 93)، ((تفسير الرسعني)) (5/486)، ((تفسير ابن جزي)) (2/105)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .
قَرَارًا: أي: مستقَرًّا، وسكنًا، وأصلُ (قرر) هنا: يدُلُّ على التَّمكُّنِ [824] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/7)، ((المفردات)) للراغب (ص: 662)، ((تفسير القرطبي)) (13/222). .
خِلَالَهَا : أي: فيما بيْنَها، ووسطَها، وخِلالُ الشَّيءِ: مُنْفَرَجُ ما بيْنَ أجزائِه، والخَلَلُ: فُرجةٌ بينَ الشَّيئينِ، وأصلُ (خلل): يرجِعُ إمَّا إلى دِقَّةٍ أو فُرْجةٍ [825] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/102)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/155)، ((المفردات)) للراغب (ص: 290)، ((تفسير القرطبي)) (13/222)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). .
رَوَاسِيَ: أي: جبالًا ثوابتَ، وأصلُ (رسي): يدُلُّ على ثباتٍ [826] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 239)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/394)، ((المفردات)) للراغب (ص: 354)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 193)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 250). .

المعنى الإجماليُّ:


يأمُرُ الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنْ يقولَ: الحمدُ لله وَحْدَه، وسَلامٌ مِن اللهِ على عِبادِه الَّذينَ اختارهم، ونجَّاهم مِن العَذابِ، وسلَّمَهُم مِن العُيوبِ والذُّنوبِ، آللهُ الَّذي له صِفاتُ الكَمالِ والجلالِ خيرٌ أمْ تلك المعبوداتُ الَّتي لا تَنفعُ ولا تَضُرُّ؟!
ثمَّ يبيِّنُ اللهُ تعالى ما يدُلُّ على وحدانيَّتِه، وكمالِ قدرتِه، وسَعةِ فضلِه على عبادِه، فيقولُ: آلهتُكم -الَّتي لا خيرَ فيها أصلًا- خيرٌ أمِ اللهُ الَّذي خلقَ السَّمواتِ والأرضَ، وأنزَل مِن السَّحابِ مطَرًا فأنبَتْنا بسبَبِه حدائِقَ ذاتَ منظَرٍ حسَنٍ مُبهِجٍ، ما كان لكم أن تُنبِتوا شجَرَ تلك الحدائِقِ؟! أمع اللهِ معبودٌ آخَرُ يَفعَلُ مِثلَ ذلك حتى تُشرِكوا به في عبادتِه؟! بل هم مُقِرُّون بذلك، وأنَّه لا إلهَ مع اللهِ، ولكِنَّهم يَعدِلون به سبحانَه غيرَه فيُشرِكونَ، مع عِلمِهم بأنَّ اللهَ هو المتفرِّدُ بالخَلقِ!
ثمَّ يلفِتُ اللهُ تعالى أنظارَهم إلى حقائقَ كونيَّةٍ أُخرَى يُشاهِدونها ويُحِسُّونَها، فيقولُ: آلهتُكم خيرٌ أمِ اللهُ الَّذي جعَلَ الأرضَ ساكِنةً لا تَضطرِبُ، وأجرى في خِلالِها أنهارًا، وجعلَ لها جِبالًا تُثبِّتُها، وجعَل بيْنَ البِحارِ المِلْحةِ والأنهارِ العَذبةِ مانِعًا بقُدرتِه؛ لئلَّا يختَلِطَ ماءاهما؟! أمع اللهِ معبودٌ آخَرُ يَفعلُ تلك الأشياءَ حتَّى تُشرِكوا به في عبادتِه؟! بل أكثَرُهم لا يَعلمونَ حقَّ الله عليهم!
ثمَّ يلفِتُ اللهُ تعالى أنظارَهم إلى ما يَشعُرونَ به في خاصَّةِ أنفُسِهم، فيقولُ: آلهتُكم خيرٌ أمِ اللهُ الذي يُجيبُ المكروبَ المجهودَ إذا دعاه، ويُزيلُ الضُّرَّ والكربَ إنْ شاء، ويَستخلِفُكم في الأرضِ؟! أمع اللهِ معبودٌ آخَرُ يفعلُ تلك الأشياءَ حتَّى تُشرِكوا به في عبادتِه؟! قليلًا ما تَتذكَّرون عَظَمةَ اللهِ ونِعَمَه عليكم!
ثمَّ يلفِتُ الله تعالى أنظارَهم إلى بعضِ نعمِه سبحانَه عليهم، فيقولُ: آلهتُكم خيرٌ أم اللهُ الذي يُرشِدُكم إلى الطَّريقِ في ظُلماتِ البَرِّ والبَحرِ بما خَلَق لكم مِن العَلاماتِ، والذي يُرسِلُ الرِّياحَ مُبشِّرةً بالمطرِ؟! أمع الله معبودٌ آخَرُ فعَل ذلك حتى تُشرِكوا به في عبادتِه؟! تنزَّه الله وتقدَّسَ عن شِركِهم!
ثمَّ يقولُ: آلهتُكم خيرٌ أمِ اللهُ الذي أوجدَ الخَلقَ مِنَ العدَمِ ثمَّ بعد فَنائِهم يُعيدُهم، والَّذي يَرزقُكم مِن السَّماءِ والأرضِ؟! أمع الله معبودٌ آخَرُ يقدِرُ على ذلك حتَّى تُشرِكوا به في عبادتِه؟!
قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكين: هاتوا دَليلَكم وحُجَّتَكم على صِحَّةِ عِبادتِكم غيرَ اللهِ، إنْ كنتُم صادِقينَ.

تَفسيرُ الآياتِ:


قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تَمَّ بهذه القَصَصِ استنتاجُ ما أراد سبحانَه مِن الدَّليلِ على حِكمتِه وعِلمِه، ومُباينتِه للأصنامِ في قُدرتِه وحِلْمِه؛ أمَرَ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأن يَحمدَه شُكرًا على ما عَلِمَ، ويُقَرِّرَهم بعجزِ أصنامِهم ردًّا لهم عنِ الجهلِ بأوضحِ طريقٍ وأقربِ متناوَلٍ، فقال [827] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/184). :
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ [828] قال القرطبي: (قال الفرَّاءُ: قال أهل المعاني: قِيلَ لِلُوطٍ: «قُل الحمدُ لله» على هلاكِهم. وخالَف جماعةٌ مِنَ العُلماءِ الفَرَّاءَ في هذا، وقالوا: هو مُخاطَبةٌ لنبيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أي: قل: الحمدُ لله على هلاكِ كُفَّارِ الأُمَمِ الخاليةِ. قال النحَّاسُ: وهذا أَوْلى؛ لأنَّ القرآنَ مُنزَّلٌ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وكلُّ ما فيه فهو مخاطَبٌ به عليه السَّلامُ إلَّا ما لم يصِحَّ معناه إلَّا لغيرِه). ((تفسير القرطبي)) (13/220). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/297)، ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/148). : جميعُ المحامِدِ يَستحِقُّها اللهُ تعالى وَحْدَه؛ لكَمالِ أفعالِه وصِفاتِه، وعظيمِ نِعَمِه وهِباتِه؛ ومِن جُملةِ ذلك إهلاكُ أعدائِه المكذِّبين للرُّسُلِ.
وسَلامٌ [829] قيل: هي مِن ضِمنِ ما أُمِر به عليه الصَّلاة والسَّلام؛ فأُمِرَ بأن يحمدَ الله، وأن يُسلِّمَ على عِبادِه المُصْطفَينَ. وممَّن قال بذلك: الزمخشريُّ، والرسعني، وابن كثير، والعليمي، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/375)، ((تفسير الرسعني)) (5/483)، ((تفسير ابن كثير)) (6/201)، ((تفسير العليمي)) (5/151)، ((تفسير السعدي)) (ص: 607)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/6). وقيل: يحتملُ أنَّ قولَه: وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى جملةٌ مستقِلَّةٌ، وتكونُ خبرًا مِنَ الله تعالى، فيكونُ المأمورُ به الحمدَ، والوقْفُ التامُّ عليه. يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/170، 171)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 332). قال ابنُ القيِّمِ: (وفصْلُ الخطابِ في ذلك أن يُقالَ: الآيةُ تتضَمَّنُ الأمْرَينِ جميعًا، وتَنتظِمُهما انتظامًا واحِدًا؛ فإنَّ الرَّسولَ هو المبلِّغُ عن اللهِ كلامَه، وليس فيه إلَّا البلاغُ، والكلامُ كلامُ الرَّبِّ تبارك وتعالى؛ فهو الذي حَمِد نفْسَه وسلَّم على عبادِه، وأمرَ رسولَه بتبليغِ ذلك؛ فإذا قال الرَّسولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى كان قد حمِدَ اللهَ وسَلَّم على عبادِه بما حَمِدَ به نفْسَه وسلَّم به هو على عِبادِه؛ فهو سلامٌ مِن الله ابتِداءً، ومِنَ المُبلِّغِ بلاغًا، ومِنَ العبادِ اقتداءً وطاعةً؛ فنحن نقولُ كما أمرنا ربُّنا تبارك وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. ونظيرُ هذا قولُه تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فهو توحيدٌ منه لنفْسِه، وأمرٌ للمُخاطَبِ بتوحيدِه؛ فإذا قال العبدُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كان قد وحَّد اللهَ بما وحَّد به نفْسَه، وأتى بلفظةِ قُلْ تحقيقًا لهذا المعنى، وأنَّه مُبلِّغٌ مَحْضٌ، قائِلٌ لِما أُمِرَ بقولِه. والله أعلم). ((بدائع الفوائد)) (2/172). مِن اللهِ على عِبادِه الَّذينَ اصْطَفاهم [830] قيل: المرادُ بهم هنا: الأنبياءُ والرُّسلُ. وممَّن ذهب إلى ذلك: مقاتلُ بن سليمان، والقرطبي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/313)، ((تفسير القرطبي)) (13/220)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/6). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/367). وقيل: المرادُ بهم: أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/98). وممَّن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، والسُّدِّيُّ، وسُفْيانُ الثَّوْريُّ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2906)، ((تفسير ابن جرير)) (18/98)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/367). قال ابن كثير بعدَ أن ذكَر القولَينِ السَّابقَينِ: (ولا مُنافاةَ؛ فإنَّهم إذا كانوا مِن عِبادِ الله الَّذين اصطفى، فالأنبياءُ بطريقِ الأَوْلى والأحْرى). ((تفسير ابن كثير)) (6/201). وممَّن اختار أنَّهم الأنبياءُ والمؤمنون: يحيى بن سلام، والكرماني، وابن عطية، والشوكاني، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/554)، ((تفسير الكرماني)) (2/856)، ((تفسير ابن عطية)) (4/266)، ((تفسير الشوكاني)) (4/168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 332). قال الشوكاني: (والأولَى حملُه على العمومِ، فيدخُلُ في ذلك الأنبياءُ وأتْباعُهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/168). وقال ابن جُزَي: (واللَّفظُ يَعُمُّ الملائكةَ والأنبياءَ والصَّحابةَ والصَّالحينَ). ((تفسير ابن جزي)) (2/105). ونجَّاهم مِن العَذابِ، وسلَّمَهم مِن العُيوبِ، والإصرارِ على الذُّنوبِ [831] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/98)، ((تفسير ابن عطية)) (4/266)، ((تفسير القرطبي)) (13/220)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (2/34، 35)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/502)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/171، 172)، ((تفسير ابن كثير)) (6/201)، ((تفسير السعدي)) (ص: 607). .
كما قال تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 180 - 182].
وقال سُبحانَه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر: 32 - 35].
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كنَّا إذا صلَّينا خَلْفَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قُلْنا: السَّلامُ على جِبريلَ وميكائيلَ، السَّلامُ على فلانٍ وفلانٍ، فالتَفَت إلينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فقال: إنَّ اللهَ هو السَّلامُ، فإذا صلَّى أحَدُكم فلْيَقُل: التَّحيَّاتُ لله، والصَّلَواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليك -أيُّها النَّبيُّ- ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصَّالحينَ؛ فإنَّكم إذا قُلْتُموها أصابَتْ كلَّ عبدٍ للهِ صالحٍ في السَّماءِ والأرضِ- أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمَّدً ا عبدُه ورَسولُه)) [832] رواه البخاري (831) واللفظ له، ومسلم (402). .
آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ: هلِ اللهُ المتَّصِفُ بصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ والإكرامِ خيرٌ، أمْ تلك الأصنامُ وغيرُها مِن المعبوداتِ الَّتي لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، ومع ذلك يعبُدُها المُشرِكون مع اللهِ [833] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/99)، ((تفسير ابن كثير)) (6/201)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/185)، ((تفسير الألوسي)) (10/215)، ((تفسير السعدي)) (ص: 607). قال ابن جزي: (ودُخولُ «خيرٍ» الَّتي يُرادُ بها التَّفضيلُ إنَّما هو لِتَبكيتِهم وتعنيفِهم؛ لأنَّه معلومٌ أنَّه لا خيرَ فيما أشركوا أصلًا). ((تفسير ابن جزي)) (ص: 1336). قال ابن عثيمين: (آَللَّهُ خَيْرٌ في كلِّ شيءٍ؛ في صِفاتِه، وفي ثَوابِه وجزائِه لِمَن يَعبدُه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 333). ؟!
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60).
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
أي: آللهُ الَّذي تفرَّد بخَلقِ السَّمواتِ والأرضِ خيرٌ، أمِ الَّذي لا يَقدِرُ على فِعلِ ذلك مِن المعبوداتِ الباطلةِ [834] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/100، 104)، ((الوسيط)) للواحدي (3/382)، ((تفسير ابن كثير)) (6/201، 202)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/186). قال ابنُ جرير: (يقولُ تعالى ذِكرُه للمُشرِكين به مِن قُريشٍ: أعِبادةُ ما تَعبدون مِن أوثانِكم الَّتي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ خيرٌ، أم عبادةُ مَن خلق السَّمواتِ والأرضِ؟... «مَنْ» الَّتي في أَمَّنْ و«ما» مبتدَأٌ في قَولِه: أَمَّا يُشْرِكُونَ، والآياتُ بعدَها إلى قَولِه: وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [النمل: 64] بمعنى «الَّذي» لا بمعنى الاستفهامِ؛ وذلك أنَّ الاستفهامَ لا يدخُلُ على الاستفهامِ). ((تفسير ابن جرير)) (18/100-104). وقال ابن كثير: (قولُه هاهنا: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ : أَمَّنْ في هذه الآياتِ كُلِّها تقديرُه: أمَنْ يفعَلُ هذه الأشياءَ كَمَن لا يَقدِرُ على شَيءٍ منها؟ هذا معنى السياقِ وإن لم يُذكَرِ الآخَرُ؛ لأنَّ في قوَّةِ الكلامِ ما يُرشِدُ إلى ذلك، وقد قال: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ). ((تفسير ابن كثير)) (6/202). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 342). ؟!
  وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ .
أي: وأنزَل اللهُ لأجْلِكم مِن السَّحابِ مطَرًا فأنبَتْ بسَبَبِه بساتينَ ذاتَ مَنظرٍ حَسَنٍ يَبتَهِجُ ويُسَرُّ بها مَنْ يراها [835] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/100)، ((تفسير القرطبي)) (13/221)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/109)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/187)، ((تفسير السعدي)) (ص: 607). قال ابن عثيمين: (نزولُه مِن السَّماءِ أعَمُّ وأقَلُّ ضررًا؛ إذْ لو كان يَخرجُ مِن الأرضِ ما وَصَلَ إلى قممِ الجبالِ إلَّا وقد أغرقَ ما تحتَه، فلهذا صار ينزِلُ مِن فوقٍ؛ لِيَكونَ أكمَلَ وأعَمَّ وأقَلَّ ضررًا). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النمل)) (ص: 348). .
كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان: 10].
وقال سُبحانَه: وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا [النبأ: 14 - 16].
مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا.
أي: ممتَنِعٌ عليكم غايةَ الامتناعِ إنباتُ شَجَرِ تلك الحدائِقِ، فلا تَقدِرونَ على ذلك، وإنَّما يَقدِرُ عليه اللهُ وَحْدَه [836] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((تفسير القرطبي)) (13/221)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/11)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 345). .
كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: 63 - 70].
أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا ثَبَتَ أنَّه المتفرِّدُ بالألوهيَّةِ؛ حَسُنَ موقعُ الإنكارِ والتَّقريرِ، فقال [837] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/188). :
أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
أي: أمَع اللهِ معبودٌ آخَرُ يُنزِلُ لكم المطَرَ، ويُنبِتُ لكم الشَّجَرَ حتَّى يُشرَكَ به في عبادتِه [838] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((تفسير القرطبي)) (13/222)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/76)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 607). قال ابن تيمية في: (وهذا استفهامُ إنكارٍ، وهم مقِرُّونَ بأنَّه لم يفعَلْ هذا إلهٌ آخرُ معَ الله. ومَن قال مِن المفسِّرينَ: إنَّ المرادَ: هل معَ الله إلهٌ آخرُ؟ فقد غلِط؛ فإنَّهم كانوا يجعَلون معَ الله آلهةٌ أخرَى، كما قال تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى ... [الأنعام: 19] ...). ((مجموع الفتاوى)) (7/76). ويُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/414). ؟! والجوابُ لا؛ لأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه [839] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/405). .
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
أي: بل المُشرِكون قومٌ يَعدِلُون عن الحقِّ مع عِلمِهم بأنَّ اللهَ هو المتفرِّدُ بالخَلقِ، فيَجعَلونَ للهِ عِدْلًا ونَظيرًا مع عِلمِهم بالفَرقِ [840] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((تفسير القرطبي)) (13/222)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/188)، ((تفسير السعدي)) (ص: 607)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/12). .
كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1].
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61).
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا .
أي: آللهُ الَّذي جعَلَ الأرضَ مُستَقِرَّةً ساكِنةً لا تَضطرِبُ خيرٌ، أمْ تلك المعبوداتُ العاجِزةُ عن فِعلِ ذلك [841] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101، 104)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202، 203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). قال ابن عاشور: (جعَل الأرضَ ثابتةً قارَّة غيرَ مضطربةٍ، وهذا تدبيرٌ عجيبٌ، ولا يُدرَكُ تمامُ هذا الصُّنعِ العجيبِ إلَّا عندَ العلمِ بأنَّ هذه الأرضَ سابحةٌ في الهواءِ متحرِّكةٌ في كلِّ لحظةٍ، وهي مع ذلك قارَّةٌ فيما يبدو لِسُكَّانِها، فهذا تدبيرٌ أعجَبُ، وفيه مع ذلك رحمةٌ ونعمةٌ، ولولا قرارُها لكان النَّاسُ عليها متزلزلينَ مُضطربينَ، ولكانت أشغالُهم مُعنتةً لهم). ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). ؟!
كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا [غافر: 64].
وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا .
أي: وأجرى في خِلالِ الأرضِ أنهارًا جاريةً بالماءِ [842] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((تفسير ابن كثير)) (6/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). .
كما قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ [إبراهيم: 32].
وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ.
أي: وجعلَ للأرضِ جِبالًا تُثبِّتُها [843] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((تفسير القرطبي)) (13/222)، ((تفسير ابن كثير)) (6/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). قال ابن عثيمين: (هل المرادُ أرسى الأرضَ بها أو أرسى الجبالَ، أي: أثبَتَها؟ كِلا المعنيَينِ، فإذَن هي رَواسٍ بنفْسِها، وهي أيضًا مُرْسيَةٌ؛ ولهذا سمَّاها الله أوتادًا: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ: 7]، بمنزلةِ أوتادِ الخيمةِ تُمسِكُها وتَضبِطُها، وهذه الجبالُ راسيةٌ بنَفْسِها؛ ولذلك على كثرةِ العواصِفِ والقواصِفِ تجِدُها ثابتةً لا تتغيَّرُ؛ فهي راسيةٌ، وكذلك أيضًا مُرْسِيَةٌ للأرضِ، كما قال الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15]). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 355). .
كما قال تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15].
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا.
أي: وجعَلَ بيْنَ البِحارِ المِلْحةِ والأنهارِ العَذْبةِ مانِعًا بقُدرتِه؛ لئَلَّا يختَلِطَ الماءُ العذبُ بالماءِ المِلْحِ، فيُفسِدَ أحدُهما الآخَرَ، فتَفُوتَ المنفعةُ المقصودةُ منهما [844] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((تفسير القرطبي)) (13/222)، ((تفسير ابن كثير)) (6/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). قال ابنُ عثيمين: (بعضُهم قال: إنَّ الحاجِزَ هو اليابِسُ مِن الأرضِ الَّذي يَحولُ بيْنَ البحرِ وبيْنَ النَّهرِ؛ لأنَّ النَّهرَ له مجرًى خاصٌّ، والبحرَ له مجرًى خاصٌّ، ولو شاء اللهُ تعالى لمزَجَهما، ولكِنْ جعَلَ لهذا مجاريَه، وجعَل لهذا مجاريَه. وبعضُهم يقول: إنَّه حاجِزٌ غيرُ مَرئيٍّ، وليس هو اليابسَ، وإنَّه يوجَدُ في نفْسِ البحارِ أنهارٌ عذبةٌ حلوةٌ، ومع ذلك لا تختَلِطُ فتَفسُدَ بالمِلحِ ويَفسُدَ المِلحُ بها). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 355، 356). وقال ابن كثير: (الحكمةُ الإلهيَّةُ تقتضي بقاءَ كلٍّ منهما على صفتِه المقصودةِ منه؛ فإنَّ البحرَ الحلوَ هو هذه الأنهارُ السارحةُ الجاريةُ بينَ الناسِ، والمقصودُ منها: أن تكونَ عذبةً زُلالًا تَسقي الحيوانَ والنَّباتَ والثِّمارَ منها. والبحارَ المالحةَ هي المحيطةُ بالأرجاءِ والأقطارِ مِن كلِّ جانبٍ، والمقصودُ منها: أن يكونَ ماؤُها مِلْحًا أُجاجًا، لئلَّا يفسَدَ الهواءُ بريحِها). ((تفسير ابن كثير)) (6/203). وقال أيضًا: (إذ لو كان [أي: البحر] حُلوًا لأنتَنَ الجوُّ وفسَدَ الهواءُ؛ بسبب ما يموت فيه من الحيوانات العِظامِ، فكان يؤدِّي إلى تفاني بني آدمَ وفسادِ معايشِهم، فاقتضت الحكمةُ البالغةُ أن يكون على هذه الصِّفةِ لهذه المصلحة ...). ((البداية والنهاية)) (1/48، 49) وقد كشفتْ وسائلُ العِلمِ الحديثةُ بعْدَ إقامةِ مئاتِ المحطَّاتِ البحريَّةِ، والتقاطِ صوَرٍ بالأقمارِ الصِّناعيَّةِ عن هذا القانونِ الَّذى يَحكُمُ العَلاقةَ المائيَّةَ بيْنَ كلِّ مائَيْنِ مُتجاورَينِ؛ فالبحارُ والأنهارُ تلتقي مع وُجودِ حاجزٍ يمنعُ الاختلاطَ الكاملَ والامتِزاجَ بيْنَهما، وأنَّه لا تَبغي مياهُ بحرٍ على مياهِ بحرٍ آخَرَ فتُغَيِّرَها. يُنظر: ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/207، 208). .
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان: 53].
وقال سُبحانَه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 19 - 21].
أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
أي: أمَعَ اللهِ معبودٌ آخَرُ فعَلَ تلك الأشياءَ، فاستحقَّ أن يُعبَدَ [845] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/101)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/76)، ((تفسير ابن كثير)) (6/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). ؟!
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
أي: بل أكثَرُهم [846] قيل: المرادُ: أكثَرُ المشركين. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/102)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/14). وقيل: المرادُ: أكثرُ الخَلقِ لا يَعلمون. وممَّن قال بهذا المعنى: البقاعي، وابن عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/190)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 359). لا يَعلَمونَ ما يجِبُ لله، ولا يَعلَمونَ ضَرَرَ الإشراكِ به، ولا نَفْعَ توحيدِه، وأشركوا باللهِ؛ تقليدًا لآبائِهم، واتِّباعًا لكُبَرائِهم [847] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/102)، ((تفسير القرطبي)) (13/222)، ((تفسير ابن كثير)) (6/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). قال البقاعي: (لَا يَعْلَمُونَ أي: ليس لهم نوعٌ مِن العِلمِ، بل هم كالبهائمِ؛ لإعراضِهم عن هذا الدَّليلِ الواضحِ). ((نظم الدرر)) (14/190). وقال ابن عثيمين: (الصَّوابُ أنَّه نقصٌ في العِلمِ مطلقًا، بما تدُلُّ عليه هذه الآياتُ العظيمةُ مِن الرَّحمةِ والحكمةِ والقدرةِ والسُّلطانِ، فتخصيصُ ذلك بالتَّوحيدِ فيه نظرٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 357). .
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62).
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ.
أي: آللهُ الَّذي يُعطي المحتاجَ ما يَسألُه مِن الأشياءِ العَسِرةِ الحُصُولِ، ويُزيلُ الضرَّ والكَربَ إنْ شاء، ويَستخلِفُكم في الأرضِ [848] قيل: المعنى: ويَستخلِفُ بعْدَ أمرائِكم في الأرضِ منكم خُلفاءَ أحياءً يَخلُفونَهم. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/102). وقيل: المعنى: يجعلُكم سكانَ الأرضِ بأن يُهلِكَ قومًا أو قَرنًا ويُنشئَ آخرينَ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: القرطبيُّ، وابن القيم، وابن كثير، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/224)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/152)، ((تفسير ابن كثير)) (6/205)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/15). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: قتادةُ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2910). قال ابنُ عاشور: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أي: يجعَلُكم تَعمُرونَ الأرضَ وتجتَنونَ منافِعَها، فضُمِّنَ الخُلفاءُ معنى المالكينَ، فأُضيفَ إلى الأرضِ على تقديرِ: مالِكينَ لها، والمُلْكُ يَستلزِمُ الانتِفاعَ بما يُنتفَعُ به منها. وأفاد خلفاءُ بطريقِ الالتزامِ معنى الوراثةِ لِمن سبَقَ؛ فكُلُّ حَيٍّ هو خَلَفٌ عن سَلَفِه، والأُمَّةُ خَلَفٌ عن أمَّةٍ كانت قَبْلَها جيلًا بعدَ جيلٍ. وهذا كقَولِه تعالى حكايةً لِقَولِ نوحٍ: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61]). ((تفسير ابن عاشور)) (20/15). ؛ خيرٌ أمْ تلك المعبوداتُ العاجزةُ عن تحقيقِ ذلك [849] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/102، 104)، ((تفسير ابن عطية)) (4/267)، ((تفسير ابن كثير)) (6/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/14، 15). ؟!
كما قال تعالى: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ [الأنعام: 41].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [يونس: 107].
وعن أبي تَميمةَ الهُجَيميِّ، عن رجُلٍ مِن بَلْهُجَيم قال: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إلامَ تدعو؟ قال: ((أدعو إلى اللهِ وحْدَه، الَّذي إنْ مسَّك ضُرٌّ فدَعَوْتَه كشَفَ عنك، والَّذي إنْ ضلَلْتَ بأرضٍ قَفرٍ [850] قَفرٍ، أي: فلاةٍ خاليةٍ مِن الماءِ والشَّجرِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (4/1345). دَعَوْتَه رَدَّ عليك، والَّذي إنْ أصابَتْك سَنَةٌ [851] سَنَةٌ: أي: عامٌ مُقحِطٌ لم تُنبِتُ فيه الأرضُ شَيئًا. يُنظر: ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (6/354). فدعَوْتَه أنبَتَ عليك)) [852] أخرجه أحمد (20636) واللفظ له، وأبو داود (4084). الحديث صححه ابن حجر -كما في ((الفتوحات الربانية)) لابن علان (5/322)-، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4084)، وحسن إسناده الذهبي في ((المهذب)) (8/4253)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيق ((مسند أحمد)) (34/239) . .
أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
أي: أمَعَ اللهِ معبودٌ آخَرُ يُجيبُ المُضطَرَّ، ويَكشِفُ السُّوءَ، ويَستخلِفُكم في الأرضِ [853] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/102)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/76)، ((تفسير ابن كثير)) (6/206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). ؟!
قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.
أي: قليلًا ما تَتذكَّرون عَظَمةَ اللهِ ونِعَمَه وحُجَجَه؛ لإعراضِكم وغَفلتِكم؛ فلِذا أشرَكْتُم باللهِ [854] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/103)، ((تفسير ابن كثير)) (6/206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/16). وقال ابن عثيمين: (والتَّذكُّرُ بمعنى الاتِّعاظِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَذكُرُ فينتَفِعُ بذِكرِه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 369). !
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63).
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
أي: آللهُ الَّذي يُرشِدُكم الطَّريقَ إذا ضَلَلْتُم في ظُلُماتِ الأرضِ والبَحرِ في أسفارِكم -بتيسيرِه وبما خَلَق لكم من العَلاماتِ- خيرٌ أمِ المعبوداتُ الباطلةُ العاجزةُ عن فِعلِ ذلك [855] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/103، 104)، ((تفسير القرطبي)) (13/225)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202، 206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 374). ؟!
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام: 97].
وقال سُبحانَه: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 16].
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ.
أي: والَّذي يُرسِلُ الرِّياحَ مُبشِّرةً بالمطرِ قبْلَ نزولِه خيرٌ أم مَن لا يَقدِرُ على ذلك [856] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/103)، ((تفسير البغوي)) (3/511)، ((تفسير ابن كثير)) (6/206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). قال القرطبي: (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي: قُدَّامَ المطَرِ، باتِّفاقِ أهلِ التَّأويلِ). ((تفسير القرطبي)) (13/225). ؟!
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: 57].
أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
أي: أمَع اللهِ معبودٌ آخَرُ يهديكم في أسفارِكم، ويُرسِلُ الرِّياحَ مُبشِّرةً بنُزولِ المطَرِ؛ فاستحَقَّ العبادةَ مع اللهِ، أمْ هو اللهُ وحْدَه الَّذي فعَل ذلك، ثمَّ عبَدْتُم غيرَه [857] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/104)، ((تفسير القرطبي)) (13/225)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). ؟!
تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أي: تعاظَمَ اللهُ وتنزَّه عن الشِّركِ، وعن مُساواتِه بالمعبوداتِ الباطِلةِ العاجِزةِ النَّاقِصةِ [858] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/104)، ((تفسير البيضاوي)) (4/165)، ((تفسير الألوسي)) (10/218)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). .
أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64).
أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
أي: آللهُ الَّذي ابتَدأ كلَّ مخلوقٍ فأوجَدَه مِنَ العدَمِ، ثمَّ بعْدَ فنائِه يُعيدُه كهَيْئَتِه قبْلَ أن يُفنِيَه، وذلك يومَ البعثِ والنُّشورِ [859] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/104)، ((تفسير ابن كثير)) (6/202، 206)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/199)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). .
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: 27].
وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان إيجادُ بني آدمَ إنعامًا إليهم وإحسانًا، ولا تتِمُّ النِّعمةُ إلَّا بالرِّزقِ؛ قال: وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ ... [860] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/259). .
وأيضًا لَمَّا كان الإمطارُ والإنباتُ مِن أدَلِّ ما يكونُ على الإعادةِ، قال مشيرًا إليهما على وجهٍ عَمَّ جميعَ ما مضى [861] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/199، 200). :
وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
أي: ومَن يُعطيكم مِنَ السَّماءِ المطَرَ، ومِنَ الأرضِ النَّباتِ [862] اقتصَر أكثرُ المفسِّرينَ على المطرِ والنباتِ. قال ابنُ عطية: (والرزقُ مِنَ السَّماءِ بالمطرِ، ومِن الأرضِ بالنَّباتِ، هذا مشهورُ ما يُحِسُّه البشَرُ، وكمْ لله مِن لُطفٍ خفيٍّ). ((تفسير ابن عطية)) (4/267). ومِنَ المفسِّرينَ مَن ذكَر ما هو أعَمُّ مِن ذلك؛ قال البقاعي: (وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ أي: بالمطَرِ والحَرِّ والبردِ وغيرِها ممَّا له سببٌ في التَّكوينِ أو التَّلوينِ. وَالْأَرْضِ أي: بالنَّباتِ والمعادِنِ والحيوانِ وغيرِها ممَّا لا يعلَمُه إلَّا اللهُ). ((نظم الدرر)) (14/200). ويُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/77). - خيرٌ أم مَن لا يقدِرُ على فِعلِ ذلك [863] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/104)، ((تفسير البيضاوي)) (4/165)، ((تفسير ابن كثير)) (6/206)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/200)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). ؟!
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: 3].
أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
أي: أمَع اللهِ مَعبودٌ آخَرُ يَقدِرُ على ابتِداءِ الخَلقِ وإعادتِه، ورزْقِكم مِنَ السَّماءِ والأرضِ [864] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/104)، ((تفسير القرطبي)) (13/225)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/76)، ((تفسير ابن كثير)) (6/206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). ؟!
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكين: هاتوا دليلَكم وحُجَّتَكم على صِحَّةِ عبادتِكم غيرَ اللهِ، إن كنتُم صادقينَ في دعواكم أنَّ مع اللهِ إلهًا آخَرَ يَستحِقُّ العبادةَ [865] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/315)، ((تفسير ابن جرير)) (18/104)، ((تفسير القرطبي)) (13/225)، ((تفسير ابن كثير)) (6/206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 608). قال ابنُ عثيمين: ( «البرهانُ» هو الدَّليلُ، وخَصَّه بعضُهم بالدَّليلِ القاطِعِ، وقالوا: إنَّ الدليلَ إنْ كان قطعيًّا في دَلالتِه فهو بُرهانٌ، وإنْ كان ظنيًّا فهو دليلٌ وليس ببُرهانٍ، ولكِنَّ الظاهِرَ مِن الآياتِ الكريمةِ أنَّ البرهانَ في القرآنِ دَليلٌ؛ سواءٌ كان قطعيًّا كما قال أهلُ المنطِقِ، أمْ غيرَ قَطعيٍّ؛ فعلى هذا يكونُ قَولُه سُبحانَه وتعالى: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ شامِلًا للقَطْعيِّ والظَّنِّيِّ؛ لأنَّهم ليس عندَهم لا دليلٌ قطعيٌّ ولا ظنِّيٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 380). ويُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (13/51)، ((التعريفات)) للجرجاني (ص: 44)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 440). !
كما قال تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: 117].

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قال الله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى فأمَر رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يستفتحَ بتحميدِه والسَّلامِ على أنبيائِه والمُصطفَينَ مِن عبادِه. وفيه تعليمٌ حَسَنٌ، وتوقيفٌ على أدَبٍ جميلٍ، وبَعْثٌ على التيمُّنِ بالذِّكْرَين، والتبَرُّكِ بهما، والاستِظهارِ بمكانِهما على قَبولِ ما يُلقى إلى السَّامعينَ وإصغائِهم إليه، وإنزالِه مِن قلوبِهم المنزلةَ الَّتي يَبغيها المُسمِعُ. ولقد توارَثَ العُلماءُ والخُطَباءُ والوُعَّاظُ كابِرًا عن كابرٍ هذا الأدبَ؛ فحَمِدوا اللهَ عزَّ وجلَّ، وصَلَّوا على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أمامَ كُلِّ عِلمٍ مُفادٍ، وقبْلَ كلِّ عِظةٍ وتَذكِرةٍ، وفي مُفتَتَحٍ كُلِّ خُطبةٍ، وتَبِعَهم المتَرَسِّلون فأجْرَوا عليه أوائِلَ كُتُبِهم في الفُتوحِ والتَّهاني وغيرِ ذلك مِنَ الحوادِثِ الَّتي لها شأنٌ [866] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/375). .
2- في قَولِه تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ أنَّه يجِبُ على المرءِ ألَّا يَلتفتَ في كشْفِ السوءِ إلَّا إلى اللهِ؛ وألَّا يَتعلَّقَ بأحدٍ سِواه؛ لأنَّه لا يَكشفُ السُّوءَ إلَّا اللهُ سبحانه وتعالى، وتَعَلُّقُ المرءِ بغيرِه خِذلانٌ له، فمَن تَعَلَّقَ شيئًا وُكِلَ إليه، والتَّعلُّقُ بالله والتَّوكُّلُ عليه لا يُنافيه فِعلُ الأسبابِ إنْ كان المرءُ يعتقِدُ أنَّ الأسَّبابَ بتَقديرِ اللهِ، وأنَّها ليست فاعلةً بذاتِها [867] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 370).        ، فالتَّوكُّلُ هو اعتِمادُ القلبِ على الرَّبِّ فيما يُنِيلُه مِن خيرٍ أو يُزيلُه مِن ضرٍّ، وتعاطي الأسبابِ مع تحقيقِ ذلك لا يَقدَحُ فيه [868] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 276).       .
3- في قَولِه تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أنَّه يجبُ على الإنسانِ أنْ يَعتمِدَ على اللهِ في الهدايةِ إلى الطَّريقِ الحِسِّيِّ، كما يَعتمِدُ عليه في الهدايةِ إلى الطَّريقِ المعنويِّ، فكما أنَّك تقولُ: «ربِّ اغفرْ لي وارحَمْني واهدِني» تُريدُ الهدايةَ المعنويَّةَ، كذلك أيضًا اعتَمِدْ على ربِّك في الهدايةِ الحِسِّيَّةِ، ولا تعتَمِد أيضًا على الأسبابِ [869] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 375). !

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لم يَقُلْ سبحانه: «قُلِ الحمدُ للهِ على هذا»، بل قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِيَكونَ اللهُ تبارك وتعالى محمودًا على كلِّ حالٍ، ومِن جملةِ ما يُحمَدُ عليه إهلاكُ المكذِّبينَ للرُّسلِ [870] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 331). .
2- في قَولِه تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى له أنْ يَتمدَّحَ بنَفْسِه ويدعوَ النَّاسَ إلى ذلك، أمَّا غيرُه فليس مِن اللَّائقِ أن يقولَ للنَّاسِ: احمَدوني وأثنُوا علَيَّ! ومعلومٌ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أهلٌ لذلك، ولأنَّ المصلحةَ لنا، واللهُ تعالى لا يَنتفعُ بطاعةِ الطَّائعِينَ، ولا يتضرَّرُ بمعصيةِ العاصينَ [871] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 338). .
3- في قَولِه تعالى: وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أنَّ الذين اصطفاهمُ اللهُ قد بَرِئوا ممَّا يُلصَقُ بهم؛ فإنَّ هذا السَّلامَ يَتضَمَّنُ سلامتَهم ممَّا وُصِفوا به وقُدِحَ فيهم به، ويتضَمَّنُ أيضًا سلامتَهم مِن عقوبةِ اللهِ؛ فالسَّلامةُ هنا شامِلةٌ للسَّلامةِ ممَّا يتعلَّقُ بفِعلِ اللهِ كالعُقوبةِ، أو بفعلِ الخلْقِ كالقَدْحِ [872] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 338). .
4- في قَولِه تعالى: وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى حكمةُ اللهِ تعالى في تعليقِ الأحكامِ بأسبابِها؛ فإنَّ السَّلامةَ هنا مُعَلَّقةٌ على الاصطفاءِ، وهكذا أحكامُ اللهِ الكونيَّةُ والقَدَريَّةُ كلُّها مربوطةٌ بأسبابِها؛ وذلك لِثُبوتِ الحكمةِ في أحكامِ اللهِ؛ إذْ إنَّ اللهَ لا يَفعلُ شيئًا إلَّا لحكمةٍ [873] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 338). .
5- قولُه تعالى: الَّذِينَ اصْطَفَى فيه قيامُ الأفعالِ الاختياريَّةِ بالله سُبحانَه وتعالى؛ فإنَّ الاصطفاءَ مِن الأفعالِ، واللهُ تبارك وتعالى قائمٌ به الأفعالُ الاختياريَّةُ، فهو سبحانَه يَصطفي مِن عبادِه ما شاء، ومَن يختارُهم هم الذين قاموا بطاعتِه، فمَن قام بطاعةِ اللهِ اصطفاه اللهُ، ومَن عصى اللهَ فهو بعيدٌ مِن الاصطفاءِ [874] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 338). .
6- التَّنَزُّلُ مع الخَصمِ يَرِدُ كثيرًا في الأمورِ المُتيَقَّنةِ، كقَولِه تعالى: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، ومعلومٌ أنَّه لا نِسبةَ، وأنَّ اللهَ خيرٌ ممَّا يُشرِكون، ولكنَّ هذا مِن باب مُحَاجَّةِ الخَصمِ لإدحاضِ حُجَّتِه [875] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (2/291). .
7- في قَولِه تعالى: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أنَّ مِن أساليبِ المناظرةِ إلزامَ الخَصمِ بما يُقِرُّ به؛ لأنَّ هؤلاء لا يمكِنُ أنْ يقولوا: إنَّ آلهتَهم خيرٌ أبدًا؛ ولهذا أعقبَها بقَولِه: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ إلى آخرِه ممَّا هو مِن أفعالِ الرُّبوبيَّةِ الَّتي لا يمكِنُ لهم أن يَدَّعوا أنَّ آلهتَهم تَفعَلُها [876] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 340). .
8- في قَولِه تعالى: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أنَّ للهِ سبحانه وتعالى الخيريَّةَ المطْلَقةَ في كلِّ شَيءٍ؛ في صِفاتِه، وفي أفعالِه المتعَلِّقةِ بعابديه [877] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 340). .
9- كثيرًا ما يكرِّرُ الله تعالى في القرآنِ نوعينِ مِن الاستدلالِ: الأولُ يسمَّى دليلَ الاختراعِ والإنشاءِ، ويتضمَّنُ أصلَ الخلقِ والإيجادِ. والثاني يسمَّى دليلَ العنايةِ والحكمةِ، ويتضمَّن الحِكمَ المشهودةَ في خلقِه، كقولِه تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم: 32، 33]، فذكَر خلقَ السمواتِ والأرضِ، ثمَّ ذكَر منافعَ المخلوقاتِ وحِكمَها، ونظيرُه قولُه تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ ... إلى آخر الآيات [878] ينظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/133). .
10- في قَولِه تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... إلى آخِرِ الآياتِ الَّتي تُختَمُ كلُّ آيةٍ منها بقولِه تعالى: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ: دَلالةٌ على وجوبِ إفرادِ اللهِ سبحانه وتعالى بالأُلوهيَّةِ؛ لأنَّ الإقرارَ بالرُّبوبيَّةِ يَستلزِمُ الإقرارَ بالألوهيَّةِ ولا بُدَّ؛ فإنَّه إذا كان هو المنفرِدَ بما ذُكِر، فإنَّه المنفَرِدُ بالأُلوهيَّةِ [879] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (3/435). . والقرآنُ مملوءٌ مِن تقريرِ توحيدِ الألوهيَّةِ وبيانِه وضربِ الأمثالِ له، ومِن ذلك أنَّه يُقرِّرُ توحيدَ الرُّبوبيَّةِ، ويُبيِّنُ أنَّه لا خالقَ إلَّا اللهُ، وأنَّ ذلك مُستلزِمٌ ألَّا يُعبَدَ إلَّا اللهُ، فيجعلُ الأوَّلَ دليلًا على الثَّاني؛ إذ كانوا يُسلِّمون في الأوَّلِ ويُنازِعون في الثَّاني، فيُبيِّنُ لهم سبحانه أنَّكم إذا كنتم تَعلمون أنَّه لا خالقَ إلَّا اللهُ وحْدَه، وأنَّه هو الَّذي يأتي العِبادَ بما يَنفعُهم، ويَدفعُ عنهم ما يَضُرُّهم، لا شريكَ له في ذلك؛ فلِمَ تَعبدون غيرَه، وتجعلون معه آلهةً أخرى؟!
فقولُ الله تعالى في آخِرِ كلِّ آيةٍ: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ أي: أإله مع اللهِ فعَل هذا؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ يَتضمَّنُ نفْيَ ذلك، وهم كانوا مُقِرِّينَ بأنَّه لم يَفعلَ ذلك غيرُ الله، فاحتجَّ عليهم بأنَّ مَن فعَل لهم هذا وحْدَه فهو الإلهُ لهم وحْدَه، فإنْ كان معه رَبٌّ فعَل هذا فينبغي أن تعبدوه، وإن لم يكُنْ معه رَبٌّ فعَل هذا فكيف تجعلون معه إلهًا آخَرَ [880] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/75، 76)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/413، 414)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص: 85). ؟!
11- في قَولِه تعالى: فَأَنْبَتْنَا بِهِ إثباتُ الأسبابِ؛ لأنَّ الباءَ للسَّبَبيَّةِ، وإثباتُ الحكمةِ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى رَبَطَ الأسبابَ بمُسبَّباتِها شرعًا وقدَرًا، وجعَل بعضَ المخلوقاتِ سببًا لبعضٍ، وهذا مِن الحكمةِ: ألَّا تأتيَ الأمورُ على وجْهِ المُصادَفاتِ أو بدُونِ أسبابٍ تقتضيها، فإثباتُ الأسبابِ يَتضمَّنُ إثباتَ الحكمةِ [881] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (3/234)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 348). .
12- قولُه تعالى: حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ فيه التَّنَزُّهُ في الحدائقِ؛ والابتهاجُ بها، وأنَّ الإنسانَ لا يُلامُ على ذلك، ولا يُقالُ: هذا مِن فضولِ الأفعالِ! فإنَّ النَّفْسَ إذا لم تُمَرَّنْ على هذا وهذا فإنها تَمَلُّ وتَكِلُّ، ولا تأتي بالأمورِ على وجْهِها [882] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 349). .
13- في قَولِه تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أنَّ أكثرَ الخلْقِ -على قولٍ في التَّفسيرِ- لا يَعلمون ما في هذه الآياتِ مِن العِبَرِ، ثم إنَّ نفْيَ العلمِ قد يكونُ نفيًا لأصْلِه وقد يكونُ نفيًا لثمرتِه وفائدتِه، والأمرُ كلُّه واقعٌ؛ فمِنَ الناسِ مَن ليس عندَه علمٌ أصلًا ولا يُفَكِّرُ في هذه الآياتِ، ويرَى أنَّها ظواهرُ طبيعيَّةٌ؛ ليس للهِ تعالى فيها أيُّ شأنٍ! ومنهم مَن يعلمُ ولكنْ لا ينتفِعُ [883] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 359). .
14- كثيرًا ما يجمعُ اللهُ سُبحانَه في القرآنِ بيْنَ الخَلقِ والهِدايةِ؛ كقولِه تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ الآياتِ، ثمَّ قال: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وقولِه تعالى في أوَّلِ سورةٍ أنزلَها على رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1 - 5]، وقولِه: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن: 1 - 4]، وقولِه: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 8 - 10]، وقولِه: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 2، 3]، فالخَلْقُ إعطاءُ الوُجودِ العينيِّ الخارجيِّ، والهُدى إعطاءُ الوُجودِ العِلميِّ الذِّهنيِّ؛ فهذا خَلْقُه، وهذا هُداهُ وتعليمُه [884] يُنظر: ((شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)) لابن القيم (ص: 79). .
15- في قَولِه تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ أنَّ اللهَ تبارك وتعالى يُجيبُ دَعوةَ المُضْطَرِّ، وهذا دليلٌ على أنَّ رحمةَ اللهِ سَبَقَتْ غضَبَه [885] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 366). ، فكلَّما اشتدتِ الأمورُ فانتظرِ الفرَجَ مِن اللهِ سبحانه وتعالى [886] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (1/493). ، ولا فرقَ بينَ أنْ يكونَ المُضْطَرُّ مؤمِنًا أو كافرًا؛ يؤخَذُ ذلك مِن العمومِ وعدمِ التَّقييدِ؛ لأنَّه ما قُيِّدَ بأنَّه مُسلِمٌ، بل أُطلِقَ وعُمِّمَ [887] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 367). قال القرطبي: (ضَمِن اللهُ تعالى إجابةَ المضطرِّ إذا دعاه، وأخبَر بذلك عن نفْسِه، والسَّببُ في ذلك أنَّ الضرورةَ إليه باللجأِ يَنشأُ عن الإخلاصِ، وقطْعِ القلبِ عمَّا سِواه، وللإخلاصِ عندَه سبحانه موقعٌ وذِمَّةٌ، وُجِد مِن مؤمنٍ أو كافرٍ، طائعٍ أو فاجرٍ، كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22]، وقوله: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65]، فأجابهم عندَ ضرورتِهم ووُقوعِ إخلاصِهم، مع عِلمِه أنَّهم يَعودونَ إلى شِركِهم وكفرِهم). ((تفسير القرطبي)) (13/223). ، لكنَّ إجابةَ المضطرِّ المتحتمةَ مشروطةٌ بما إذا دعاه؛ لقوله: إِذَا دَعَاهُ، وأمَّا إذا لم يَدْعُه فقد يُزيلُ ضرورتَه وقد لا يُزيلُها [888] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 369). وأورد بعضُهم سؤالًا وهو أنَّ الآيةَ تعُمُّ كلَّ مُضْطَرٍّ؛ ومع ذلك فكم مِن مُضْطَرٍّ يدعو فلا يُجابُ. وأُجيبَ عن ذلك: بأنَّ اللَّامَ في قولِه: الْمُضْطَرَّ للجنسِ لا للاستغراقِ؛ ولا يَلزَمُ منه إجابةُ كلِّ مُضطرٍّ. يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/69). وأيضًا قد لا يُجابُ المضطرُّ لوجودِ مانعٍ، أو لحكمةٍ اقتَضَتْ ذلك. .
16- في قَولِه تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ أنَّه ينبغي إقامةُ الحُجَّةِ على الخصمِ بما يَعترِفُ به؛ لأنَّ إجابةَ المضطرِّ يُقِرُّ بها هؤلاء المكذِّبونَ، فهُم إذا ركِبوا في الفُلكِ وأصابَتْهمُ الضَّرَّاءُ والأمواجُ دعَوُا اللهَ مُخلِصينَ له الدِّينَ؛ فأجاب دعاءَهم، مع أنَّه يعلمُ أنَّهم سيُشرِكونَ إذا خرجوا، وأنَّ إيمانَهم هذا إيمانُ ضرورةٍ فقط! فهُم عندَ الضرورةِ ما يَدْعُون إلَّا اللهَ، فإذا كنتم تَعرِفون أنَّكم لا تَدْعون إلَّا اللهَ عندَ الضَّرورةِ؛ فكيف تعبدون غيرَه عندَ السَّعَةِ [889] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 367). ؟!
17- ذَمَّ الله سبحانه الكفَّارَ وعاتَبَهم بأنَّهم في وقتِ الشَّدائدِ والأهوالِ خاصَّةً يُخْلِصونَ العبادَةَ له وحدَه، ولا يصْرِفونَ شيئًا مِن حَقِّه لمخلوقٍ، وفي وقتِ الأمنِ والعافيةِ يُشرِكونَ به غيرَه في حقوقِه الواجبةِ له وحدَه، الَّتي هي عبادَتُه وحدَه في جميعِ أنواعِ العبادَةِ، ويُعْلَمُ مِن ذلك أنَّ بعضَ جهلةِ المُتسَمِّينَ باسمِ الإسلامِ أسوأُ حالًا مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، فإنَّهم إذا دَهَمَتْهم الشَّدائدُ، وغَشِيَتْهم الأهوالُ والكروبُ الْتَجَؤوا إلى غيرِ اللَّهِ مِمَّن يعتقدونَ فيه الصَّلاحَ، في الوقتِ الَّذي يُخْلِصُ فيه الكفَّارُ العبادَةَ لِلَّهِ، معَ أنَّ اللَّهَ جلَّ وعَلا أوضحَ في غيرِ موضعٍ أنَّ إجابةَ المضطَرِّ وإنجاءَه مِن الكربِ مِن حُقوقِه الَّتي لا يُشارِكُه فيها غيرُه.
ومِن أوضحِ الأدلَّةِ في ذلك قولُه تعالَى: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ... الآياتِ ، فتَراه جلَّ وعَلا في هذه الآياتِ الكريماتِ جَعَل إجابةَ المضطَرِّ إذا دعا، وكَشْفَ السُّوءِ عنه مِن حَقِّه الخالصِ الَّذي لا يشارِكُه فيه أحدٌ؛ كخلْقِه السَّمواتِ والأرضَ، وإنزالِه الماءَ مِن السَّماءِ، وإنباتِه به الشَّجَرَ، وجَعلِه الأرضَ قرارًا، وجعلِه خِلالَها أنهارًا، وجعلِه لها رواسِيَ، وجَعْلِه بينَ البحريْنِ حاجِزًا، إلى آخَرِ ما ذَكَر في هذه الآياتِ مِنْ غرائِبِ صُنْعِه وعجائِبِه الَّتي لا يشارِكُه فيها أحدٌ؛ سبحانَه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا [890] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/174). .
18- قال الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ في قَولِه: إِذَا دَعَاهُ أنَّ الدُّعاءَ مِن أسبابِ رفْعِ البلاءِ، وهذا أمرٌ مُجَرَّبٌ ومُشاهَدٌ، ولا سيَّما الأدعيةُ الَّتي جاءتْ بها السُّنَّةُ؛ فإنَّها خيرٌ وبَرَكةٌ، ولها ثمرةٌ ظاهِرةٌ [891] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 369). .
19- الهدايةُ في قَولِه تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تشمَلُ الهدايةَ بالأسبابِ الَّتي تَوَصَّلَ النَّاسُ إليها اليومَ؛ لأنَّ اللهَ أطلقَ الهدايةَ، فبأيِّ سببٍ كانت فهي مِن اللهِ [892] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 377). .
20- قَولُه تعالى: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ فيه إطلاقُ الصِّفةِ على آثارِها؛ فالمطرُ ليس رَحمةَ اللهِ، ولكِنَّه أثرٌ مِن آثارِ الرَّحمةِ، واللهُ سبحانه وتعالى يُطلِقُ الرَّحمةَ على ما كان مِن آثارِها؛ قال اللهُ تعالى للجنَّةِ: ((أنتِ رحمَتي، أرحَمُ بكِ مَن أشاءُ)) [893] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 377). والحديث أخرجه البخاري (4850)، ومسلم (2846) مطولًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن القيم: (الرحمةُ المضافةُ إلى الله تعالى نوعانِ: أحدهما: مضافٌ إليه إضافةَ مفعولٍ إلى فاعله، والثاني: مضافٌ إليه إضافةَ صفةٍ إلى الموصوفِ). ((بدائع الفوائد)) (2/183). .
21- في قَولِه تعالى: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ سؤالٌ؛ كيف قيلَ لهم: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنكِرون للإعادةِ؟!
الجوابُ: كانوا معترِفِينَ بالابتِداءِ، ودَلالةُ الابتداءِ على الإعادةِ دَلالةٌ ظاهرةٌ قويَّةٌ؛ فلمَّا كان الكلامُ مقرونًا بالدَّلالةِ الظَّاهرةِ صاروا كأنَّهم لم يَبْقَ لهم عذرٌ في الإنكارِ [894] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/567). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (3/377)، ((تفسير البيضاوي)) (4/165)، ((تفسير أبي حيان)) (8/259)، ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (7/55). .
22- في قَولِه تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ دليلٌ على أنَّ كلَّ مُدَّعٍ دعوى محتاجٌ إلى تثبيتِها، وإقامةِ البرهانِ عليها [895] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/136). .
23- في قَولِه تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أنَّه لا بأسَ للإنسانِ أنْ يَتدَرَّجَ مع خصْمِه؛ وأن يَتحدَّاه بما يُقِرُّ به، وهذا غايةُ الإنصافِ [896] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 383). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أمَرَ اللهُ رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنْ يَتلُوَ هذه الآياتِ النَّاطقةَ بالبراهينِ على وَحدانيَّتِه وقُدرتِه على كلِّ شَيءٍ وحِكمتِه، وأن يَستفتِحَ بتَحميدِه والسَّلامِ على أنبيائِه والمُصطفَينَ مِن عِبادِه. وقِيل: هو مُتَّصِلٌ بما قبْلَه؛ أُمِرَ الرَّسولُ بالحمْدِ على ما احتوَتْ عليه القِصصُ السَّابقةُ مِن نجاةِ الرُّسلِ مِن العذابِ الحالِّ بقَومِهم، وعلى ما أعْقَبَهم اللهُ على صَبرِهم مِن النَّصرِ ورِفعةِ الدَّرجاتِ، وعلى أنْ أهلَكَ الأعداءَ الظَّالمينَ؛ فأُمِرَ الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بحمْدِ اللهِ على ذلك باعتبارِ ما أفادَهُ سَوقُ تلك القِصصِ مِن الإيماءِ إلى وَعدِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالنَّصرِ على أعدائِه؛ فعلى الأوَّلِ قولهُ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اقتضابٌ، وهو أنْ يَقتضِبَ خُطبةً، ويَجعَلَها تحْميدةً لتلاوتِه الآياتِ النَّاطقةَ بالبراهينِ، وهي قولُه: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ الآياتِ. وعلى الثَّاني: تخلُّصٌ، أي: جعَلَ التَّحميدَ على الهالكينَ مِن كُفَّارِ الأممِ، والصَّلاةَ على الأنبياءِ وأشياعِهم ذَريعةً إلى الشُّروعِ في قصَّتِه مع مُشْركي قَومِه، وأنَّ له ولهم أُسوةً بالأنبياءِ الماضيةِ والأُمَمِ الخاليةِ [897] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/375)، ((تفسير البيضاوي)) (4/164)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/549)، ((تفسير أبي حيان)) (8/255، 256)، ((تفسير أبي السعود)) (6/293)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/6). .
- وأصلُ (سَلَامٌ): سلَّمْتُ سلامًا، مقصودٌ منه الإنشاءُ؛ فحُذِفَ الفِعلُ وأُقِيمَ مَفعولُه المطلَقُ بدلًا عنه، وعُدِلَ عن نصْبِ المفعولِ المُطلَقِ إلى تَصييرِه مبتدأً مَرفوعًا؛ للدَّلالةِ على الثَّباتِ والدَّوامِ [898] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/6، 7). .
- قولُه: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ استفهامٌ فيه تبْكيتٌ وتوبيخٌ وتَهكُّمٌ بحالِهم، وتَنبيهٌ على مَوضعِ التَّبايُنِ بيْنَ اللهِ تعالى وبيْن الأوثانِ؛ إذ معلومٌ عندَ مَن له عقْلٌ أنَّه لا شِركةَ في الخيريَّةِ بيْن اللهِ تعالى وبيْنَهم، وكثيرًا ما يَجِيءُ هذا النَّوعُ مِن أفعلِ التَّفضيلِ حيث يُعلَمُ ويُتحَقَّقُ أنَّه لا شِركةَ فيها، وإنَّما يُذكَرُ على سبيلِ إلْزامِ الخَصمِ وتَنبيهِه على خطَأِ مُرتكَبِه. والاستفهامُ في نَحوِ هذا يَجِيءُ لبَيانِ فسادِ ما عليه الخَصمُ؛ فيُستعمَلُ في الإلجاءِ وإلْزامِ المُخاطَبِ بالإقرارِ بالحقِّ، وتَنبيهِه على خَطئِه، وإلْزامِه الإقرارَ بحَصرِ التَّفضيلِ في جانبٍ واحدٍ، وانتفائِه عن الآخَرِ [899] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/375)، ((تفسير البيضاوي)) (4/164)، ((تفسير أبي حيان)) (8/256)، ((تفسير أبي السعود)) (6/293). .
- وأيضًا قولُه: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ دليلٌ إجماليٌّ يُقصَدُ به ابتداءُ النَّظرِ في التَّحقيقِ بالإلهيَّةِ والعِبادةِ. وقد ناسَبَ إجمالَه أنَّه دليلٌ جامعٌ لِمَا يأْتي مِن التَّفاصيلِ؛ فلذلك جِيءَ فيه بالاسمِ الجامعِ لمعاني الصِّفاتِ كلِّها، وهو اسمُ الجَلالةِ، فقِيلَ: آَللَّهُ خَيْرٌ. وجِيءَ فيما بعدُ بالاسمِ الموصولِ؛ لِمَا في صِلاتِه مِن الصِّفاتِ. وجاء خَيْرٌ بصِيغةِ التَّفضيلِ؛ لقَصدِ مُجاراةِ مُعتقَدِهم أنَّ أصنامَهم شُركاءُ اللهِ في الإلهيَّةِ بحيثُ كان لهم حَظٌّ وافرٌ مِن الخيرِ في زَعمِهم، فعُبِّرَ بـ خَيْرٌ؛ لإيهامِ أنَّ المقامَ لإظهارِ رُجحانِ إلهيَّةِ اللهِ تعالى على أصنامِهم؛ استدراجًا لهم في التَّنبيهِ على الخطأِ، مع التَّهكُّمِ بهم؛ إذ آثَرُوا عِبادةَ الأصنامِ على عِبادةِ اللهِ. والعاقلُ لا يُؤثِرُ شيئًا على شَيءٍ إلَّا لداعٍ يدْعو إلى إيثارِه، ففي هذا الاستفهامِ عن الأفضلِ في الخيرِ: تَنبيهٌ لهم على الخطأِ المُفرِطِ والجهْلِ المُورِّطِ؛ لِتَنفتِحَ بصائرُهم إلى الحقِّ إنْ أرادوا اهتداءً. والاستفهامُ على حَقيقتِه؛ بقَرينةِ وُجودِ (أَم) المُعادِلةِ للهمزةِ؛ فإنَّ التَّهكُّمَ يُبْنى على الاستعمالِ الحقيقيِّ. وهذا الكلامُ كالمُقدِّمةِ للأدلَّةِ الآتيةِ جميعِها على هذا الدَّليلِ الإجماليِّ [900] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/9). .
2- قوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
- قولُه: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... (أمْ) مُنقطِعةٌ بمعنى (بلْ)؛ للإضرابِ الانتقاليِّ مِن غرَضٍ إلى غرضٍ مع مُراعاةِ وُجودِ معنى الاستفهامِ أو لَفظِه بعدَها؛ لأنَّ (أَمْ) لا تُفارِقُ معنى الاستفهامِ. انتقَلَ بهذا الإضرابِ مِن الاستفهامِ الحقيقيِّ التَّهكُّميِّ إلى الاستفهامِ التَّقريريِّ، ومِن المُقدِّمةِ الإجماليَّةِ -وهي قولُه: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: 59]- إلى الغرضِ المقصودِ، وهو الاستدلالُ؛ عدَّدَ اللهُ الخيراتِ والمنافعَ مِن آثارِ رَحمتِه ومِن آثارِ قُدرتِه؛ فهو استدلالٌ مَشوبٌ بامتنانٍ؛ لأنَّه ذكَّرَهم بخلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، فشملَ ذلك كلَّ الخلائقِ التي تحْتوي عليها الأرضُ مِن النَّاسِ والعَجْماواتِ؛ فهو امتنانٌ بنِعمةِ إيجادِهم، وإيجادِ ما به قِوامُ شُؤونِهم في الحياةِ، وبسابقِ رَحمتِه، كما عدَّدَها في مَوضعٍ آخَرَ عليهم بقولِه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم: 40]، فالاستفهامُ تقريرٌ، كما دلَّ عليه قولُه في نِهايتِه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، فهو تقريرٌ لإثباتِ أنَّ الخالقَ والمُنبِتَ والرَّازقَ هو اللهُ، وهو مَشوبٌ بتَوبيخٍ؛ فلذلك ذُيِّلَ بقولِه: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [901] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/10، 11). .
- و(أَمْ) مُنقطعةٌ وما فيها مِن كلمةِ (بَلْ) للإضرابِ والانتقالِ مِن التَّبكيتِ؛ تَعريضًا إلى التَّصريحِ به خِطابًا على وجْهٍ أظهرَ منه؛ لمَزيدِ التَّأكيدِ والتَّشديدِ، هذا على قراءةِ يُشْرِكُونَ. وأمَّا على قراءةِ تُشْرِكُونَ -بتاء الخطابِ [902] قرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب يُشْرِكُونَ بالياء، وقرأ الباقون بالتاء تُشْرِكُونَ. يُنظر: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 533)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/338)، ((إتحاف فضلاء البشر)) للبناء (ص: 430). - فلِتَثنيةِ التَّبكيتِ وتَكريرِ الإلزامِ، كنظائرِها الآتيةِ، والهمزةُ لتَقريرِهم، أي: حمْلِهم على الإقرارِ بالحقِّ على وجْهِ الاضطرارِ؛ فإنَّه لا يَتمالَكُ أحدٌ ممَّن له أدْنى تَمييزٍ، ولا يَقدِرُ على ألَّا يَعترِفَ بخيريَّةِ مَن خلَقَ جميعَ المخلوقاتِ، وأفاضَ على كلٍّ منها ما يَلِيقُ به مِن منافعِه مِن أخسِّ تلك المخلوقاتِ وأدْناها، بلْ بأنْ لا خيرَ يُرى فيه بوَجهٍ مِن الوُجوهِ قطْعًا [903] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/293). .
- قولُه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذكَرَ إنزالَ الماءِ؛ لأنَّه مِن جُملةِ ما خلَقَه اللهُ، ولقَطعِ شُبهةِ أنْ يقولوا: إنَّ المُنبِتَ للشَّجرِ الذي فيه رِزقُنا هو الماءُ، اغترارًا بالسَّببِ؛ فبُودِروا بالتَّذكيرِ بأنَّ اللهَ خلَقَ الأسبابَ وهو خالِقُ المُسبَّباتِ بتقْديرٍ وحِكمةٍ؛ فقد يَنزِلُ الماءُ بإفراطٍ، فيَجرُفُ الزَّرعَ والشَّجرَ أو يَقتُلُهما؛ ولذلك جُمِعَ بيْن قولِه: وَأَنْزَلَ وقولِه: فَأَنْبَتْنَا؛ تَنبيهًا على إزالةِ الشُّبهةِ [904] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/11). .
- قولُه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فيه تقديمُ صِلتَيِ الإنزالِ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ على مَفعولِه مَاءً؛ للتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ [905] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/293). .
- قولُه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ فيه الْتفاتٌ إلى خِطابِ الكَفرةِ؛ لتَشديدِ التَّبكيتِ والإلزامِ [906] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/293). ، وللتَّعريضِ بأنَّهم ما شَكَروا نِعمةَ اللهِ [907] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/11). .
- وقال: لَكُمْ، أي: لأجْلِكم، على سبيلِ الامتنانِ، وأنَّ ذلك مِن أجْلِكم [908] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/257). .
- وقولُه: فَأَنْبَتْنَا فيه الْتِفاتٌ مِن الغَيبةِ إلى التَّكلُّمِ بنُونِ العظمةِ؛ لتَأكيدِ اختصاصِ الفِعلِ بحُكمِ المُقابَلةِ بذاتِه تعالى، والإيذانِ بأنَّ إنباتَ تلك الحدائقِ المُختلفةِ الأصنافِ والأوصافِ، والألوانِ والطُّعومِ، والرَّوائحِ والأشكالِ -مع ما لَها مِن الحُسنِ البارعِ، والبهاءِ الرَّائعِ- بماءٍ واحدٍ: أمرٌ عظيمٌ، لا يَكادُ يَقدِرُ عليه إلَّا هو وحْدَه عزَّ وجَلَّ؛ ورشَّحَ هذا الاختصاصَ بقولِه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [909] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/376)، ((تفسير البيضاوي)) (4/164)، ((تفسير أبي حيان)) (8/257)، ((تفسير أبي السعود)) (6/293، 294)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (20/197)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/240). ؛ فمِن لطائفِ الالتفاتِ هنا: التَّنصيصُ على أنَّ المقصودَ إسنادُ الإنباتِ إليه؛ لئلَّا يَنصرِفَ ضميرُ الغائبِ إلى الماءِ؛ لأنَّ التَّذكيرَ بالمُنبِتِ الحقيقيِّ الذي خلَقَ الأسبابَ ألْيقُ بمَقامِ التَّوبيخِ على عَدمِ رِعايتِهم نِعَمَه [910] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/11). .
- ولَمَّا كان خلْقُ السَّمواتِ والأرضِ وإنزالُ الماءِ مِن السَّماءِ، لا شُبهةَ للعاقلِ في أنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا للهِ، وكان الإنباتُ ممَّا قد يَتسبَّبُ فيه الإنسانُ بالبَذرِ والسَّقيِ والتَّهيئةِ، ويَسوغُ لفاعلِ السَّببِ نِسبةُ فِعلِ المُسبَّبِ إليه؛ بيَّن تعالى اختصاصَه بذلك بطريقِ الالتفاتِ وتأكيدِ ذلك بقولِه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا؛ فالمُتسبِّبُ لذلك قد لا يأْتي على وَفْقِ مُرادِه، ولو أتَى فهو جاهلٌ بطبْعِه ومِقدارِه وكيفيَّتِه؛ فكيف يكونُ فاعلًا لها [911] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/563)، ((تفسير أبي حيان)) (8/257). ؟!
- وفي قولِه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا قُدِّمَ خبرُ كان لَكُمْ على الاسمِ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا؛ للاهتمامِ بنفْيِ مِلْكِ ذلك [912] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/11). .
- قولُه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ استئنافٌ هو كالنَّتيجةِ للجُملةِ قبْلَها؛ لأنَّ إثباتَ الخلْقِ والرَّزقِ والإنعامِ للهِ تعالى بدَليلٍ لا يَسَعُهم إلَّا الإقرارُ به يَنتِجُ أنَّه لا إلهَ فعَل ذلك معه. والاستفهامُ إنكاريٌّ [913] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/11، 12). ، وهو تَبكيتٌ لهم بنفْيِ الأُلوهيَّةِ عمَّا يُشْرِكونه به تعالى في ضِمْنِ النَّفيِ الكُلِّيِّ على الطَّريقةِ البُرهانيَّةِ بعدَ تَبكيتِهم بنَفْيِ الخيريَّةِ عنه بما ذُكِرَ مِن التَّرديدِ؛ فإنَّ أحدًا ممَّن له تَمييزٌ في الجُملةِ كما لا يَقدِرُ على إنكارِ انتفاءِ الخيريَّةِ عنه بالمرَّةِ، لا يَكادُ يَقدِرُ على إنكارِ انتفاءِ الأُلوهيَّةِ عنه رأسًا، لا سيَّما بعدَ مُلاحظةِ انتفاءِ أحكامِها عمَّا سِواهُ تعالى، وهكذا الحالُ في المواقعِ الأربعةِ الآتيةِ [914] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/294). .
- قولُه: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (بلْ) للإضرابِ عن الاستفهامِ الإنكاريِّ تُفِيدُ معنى (لكنَّ) باعتبارِ ما تَضمَّنَه الإنكارُ مِن انتفاءِ أنْ يكونَ مع اللهِ إلهٌ فعَل ما ذُكِر، فكان حقُّ النَّاسِ ألَّا يُشرِكوا معه في الإلهيَّةِ غيرَه؛ فجِيءَ بالاستدراكِ؛ لأنَ المُخاطَبينَ بقولِه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ وقولِه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا لم يَنتفِعوا بالدَّليلِ مع أنَّه دليلٌ ظاهرٌ مَكشوفٌ؛ فهم مُكابِرون في إعراضِهم عن الاهتداءِ بهذا الدَّليلِ، فهم يَعدِلون باللهِ غيرَه، أو يَعدِلون عن الحقِّ، مِن (عدَلَ) الذي يُعدَّى بـ (عن)، وأيًّا ما كان فالمقصودُ تَوبيخُهم على الإشراكِ مع وُضوحِ دَلالةِ خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ وما يَنزِلُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ مِن الماءِ. ولَمَّا كانت تلك الدَّلالةُ أوضَحَ الدَّلالاتِ المحسوسةِ الدَّالَّةِ على انفرادِ اللهِ بالخلْقِ، وصَفَ الذين أشْرَكوا مع اللهِ غيرَه بأنَّهم في إشراكِهم مُعرِضون إعراضَ مُكابَرةٍ عُدولًا عن الحقِّ الواضحِ؛ قال تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [915] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/376)، ((تفسير أبي حيان)) (8/258)، ((تفسير أبي السعود)) (6/294)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/12). [لقمان: 25].
- والإخبارُ عنهم بالمُضارِعِ في قولِه: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ؛ لإفادةِ أنَّهم مُستمِرُّون على شِركِهم، لم يَستنِيروا بدليلِ العقلِ، ولا أقْلَعوا بعدَ التَّذكيرِ بالدَّلائلِ. وفي الإخبارِ عنهم بأنَّهم قَوْمٌ إيماءٌ إلى تمكُّنِ صِفةِ العُدولِ عن الحقِّ منهم، حتَّى كأنَّها مِن مُقوِّماتِ قَوميَّتِهم [916] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/12). .
3- قوله تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
- قولُه: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ (أَمْ) للإضرابِ الانتقاليِّ، وهذا انتقالٌ مِن الاستدلالِ المَشوبِ بالامتنانِ إلى الاستدلالِ المُجرَّدِ بدلائلِ قُدرتِه وعِلْمِه؛ بأنْ خلَقَ المخلوقاتِ العظيمةَ، وبتَدبيرِه نِظامَها حتَّى لا يَطْغَى بعضُها على بعضٍ، فيَختلَّ نِظامُ الجميعِ. ولأجْلِ كونِ الغرضِ مِن هذا الاستِدلالِ إثباتَ عِظَمِ القُدرةِ وحِكمةِ الصُّنعِ، لم يَجِئْ خلالَه بخِطابٍ للمُشرِكين كما جاء في قولِه في الآيةِ قبْلَها: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النمل: 60] الآيةَ، وإنْ كان هذا الصُّنعُ العجيبُ لا يَخْلو مِن لُطفٍ بالمخلوقاتِ أرادَه خالِقُها، ولكنَّ ذلك غيرُ مقصودٍ بالقَصدِ الأوَّلِ مِن سَوقِ الدَّليلِ هنا [917] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/12، 13). .
- قولُه: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا القرارُ: مَصدرُ قَرَّ: إذا ثبَتَ وسكَنَ. ووصَفَ الأرضَ به للمُبالَغةِ، أي: ذاتَ قرارٍ [918] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). .
- قولُه: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وما بعْدَه مِن الجُملِ الثَّلاثِ: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وأَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ: الأظهرُ أنَّ كلَّ واحدةٍ منها إضرابٌ وانتقالٌ مِن التَّبكيتِ بما قبْلَها إلى التَّبكيتِ بوَجْهٍ آخَرَ أدخَلُ في الإلزامِ بجِهَةٍ مِن الجِهاتِ [919] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/294). .
- قولُه: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا هذا الجَعلُ كِنايةٌ عن خلْقِ البحرينِ أيضًا؛ لأنَّ الحَجزَ بيْنَهما يَقْتضي خلْقَهما، وخلْقَ المُلوحةِ والعُذوبةِ فيهما [920] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/13). .
- والجَعلُ في المواقعِ الثَّلاثةِ وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا: إبْداعيٌّ. وتأخيرُ مَفعولِه عن الظَّرفِ؛ للتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ [921] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/295). . ولَمَّا كانت كلُّ واحدةٍ منه عظيمةً مُستقِلَّةً، تَكرَّرَ فيها العاملُ في قولِه: وَجَعَلَ؛ فكانت مِن عطْفِ الجُمَلِ المُستقِلِّ كلُّ واحدةٍ منها بالامتنانِ، ولم يُشْرَكْ في عاملٍ واحدٍ فيكونَ مِن عطْفِ المُفرداتِ [922] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/258). .
- قولُه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ استفهامٌ إنكاريٌّ، وذُيِّلَ به وبالاستِدراكِ بجُملةٍ مُماثِلةٍ لِمَا ذُيِّلَ به الاستِدلالُ الذي قبْلَها على طريقةِ التَّكريرِ؛ تَعديدًا للإنكارِ، وتَمهيدًا للتَّوبيخِ بقولِه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [923] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/13، 14). .
- وأُوثِرَ هنا في قولِه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ نفْيُ صِفةِ العلْمِ عن أكثرِ المُشرِكين -على قولٍ في التَّفسيرِ-؛ لقِلَّةِ مَن يَنظُرُ في دقائقِ هذه المصنوعاتِ وخصائصِها منهم؛ فإنَّ اعتيادَ مُشاهَدتِها مِن أوَّلِ نشأةِ النَّاظرِ يُذهِلُه عمَّا فيها مِن دَلائلِ بَديعِ الصُّنعِ، فأكثَرُ المُشرِكين يَجهَلُ ذلك، ولا يَهْتدي بما فيه، أمَّا المؤمنون فقد نبَّهَهم القرآنُ إلى ذلك، فهمْ يَقرَؤون آياتِه المُتكرِّر فيها الاستدلالُ والنَّظرُ [924] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/14). .
4- قولُه تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ فيه ارتقاءُ الاستدلالِ مِن التَّذكيرِ بالتَّصرُّفِ الرَّبَّانيِّ في ذواتِ المخلوقاتِ إلى التَّذكيرِ بتَصرُّفِه في أحوالِ النَّاسِ التي لا يَخْلو عنها أحدٌ في بعضِ شُؤونِ الحياةِ؛ وذلك حالُ الاضطرارِ إلى تَحصيلِ الخيرِ، وحالُ انتيابِ السُّوءِ، وحالُ التَّصرُّفِ في الأرضِ ومَنافعِها؛ فهذه ثلاثةُ الأنواعِ لأحوالِ البشرِ؛ وهي: حالةُ الاحتياجِ، وحالةُ البُؤسِ، وحالةُ الانتفاعِ [925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/14). .
- قولُه: وَيَكْشِفُ السُّوءَ هو كلُّ ما يَسوءُ، وهو عامٌّ في كلِّ ضُرٍّ، انتقَلَ مِن حالةِ المُضطَرِّ -وهو خاصٌّ- إلى أعمَّ، وهو ما يَسوءُ، سواءٌ كان المكشوفُ عنه في حالةِ الاضطرارِ أو فِيما دُونَها [926] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/259). .
- قولُه: وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي: يَكشِفُ السُّوءَ عن المُستاءِ إذا دعاهُ، فحُذِفَ مِن الجُملةِ المعطوفةِ؛ لدَلالةِ ما ذُكِرَ مع الجُملةِ المعطوفِ عليها [927] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/15). .
- قولُه: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ لِمَا اقْتضَتْه الخِلافةُ مِن تَجدُّدِ الأبناءِ عقِبَ الآباءِ، والأجيالِ بعدَ الأجيالِ، وما اقْتضَتْه الاستِجابةُ وكشْفُ السُّوءِ مِن كثرةِ الدَّاعينَ والمُستائين: عُبِّر في أفعالِ الجَعلِ التي تعلَّقَت بها بصِيغةِ المُضارِعِ الدَّالِّ على التَّجدُّدِ، بخلافِ أفعالِ الجَعلِ الأربعةِ الَّتي في الآيةِ قبْلَها [928] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/15، 16). .
- والاستفهامُ في قولِه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ استفهامٌ إنكاريٌّ، تَكريرًا لِمَا تقدَّمَ عقِبَ الأدلَّةِ السَّابقةِ؛ زِيادةً في تَعدادِ خَطئِهم [929] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/16). .
- قولُه: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ انتصَبَ قَلِيلًا على الحالِ مِن ضَميرِ الخِطابِ في قولِه: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، أي: فعَلَ ذلك لكم وأنتم في حالِ قِلَّةِ تَذكُّرِكم؛ فتُفِيدُ الحالُ معنى التَّعجُّبِ مِن حالِهم [930] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/16). . والقليلُ هنا مُكنًّى به عن المَعدومِ؛ لأنَّ التَّذكُّرَ المقصودَ مَعدومٌ منهم، والكِنايةُ بالقليلِ عن المعدومِ مُستعمَلةٌ في كلامِهم. وهذه الكِنايةُ تلْميحٌ وتَعريضٌ، أي: إنْ كُنتم تَذكَّرون؛ فإنَّ تَذكُّرَكم قليلٌ [931] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/16). .
- وفي تَذييلِ الكلامِ بنفْيِ التَّذكُّرِ عنهم: إيذانٌ بأنَّ مَضمونَه مَركوزٌ في ذِهنِ كلِّ ذَكِيٍّ وغبيٍّ، وأنَّه مِن الوضوحِ بحيثُ لا يَتوقَّفُ إلَّا على التَّوجُّهِ إليه وتَذَكُّرِه [932] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/295). .
- و(ما) مَزيدةٌ لتأكيدِ معنى القِلَّةِ التي أُرِيدَ بها العدَمُ، أو ما يَجْري مَجراهُ في الحقارةِ وعَدمِ الجدْوى [933] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/377)، ((تفسير البيضاوي)) (4/165)، ((تفسير أبي السعود)) (6/295). .
- وقرَأَ الجمهورُ تَذَكَّرُونَ بتاءِ الخِطابِ -معَ اختلافٍ في تخفيفِ الذالِ وتشديدِها-، وقُرِئَ يَذَّكَّرُونَ بياءِ الغَيبةِ [934] قرأ أبو عمرو وهشام وروح يَذَّكَّرُونَ بياءِ الغَيبةِ، وقرأ الباقون تَذَكَّرُونَ بتاءِ الخِطابِ. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/338، 339)، ((إتحاف فضلاء البشر)) للبناء (ص: 430). على الالتفاتِ مِن الخِطابِ إلى الغَيبةِ؛ ففي قِراءةِ الجمهورِ نُكتةُ تَوجيهِ الخِطابِ إلى المشركين مُكافَحةً لهم، وفي القِراءةِ الأُخرى نُكتةُ الإعراضِ عنهم؛ لأنَّهم اسْتأْهَلوا الإعراضَ بعدَ تَذكُّرِهم [935] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/16). .
5- قوله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
- قولُه: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  ... (أمْ) بمعنى (بلْ) لإضرابِ الانتقالِ مِن نَوعِ دلائلِ التَّصرُّفِ في أحوالِ عامَّةِ النَّاسِ إلى دَلائلِ التَّصرُّفِ في أحوالِ المُسافِرينَ منهم في البَرِّ والبحرِ؛ فإنَّهم أدْرى بهذه الأحوالِ وأقدَرُ؛ لِمَا في خلالِها مِن النِّعمةِ والامتنانِ [936] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/16، 17). .
- قولُه: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ذِكْرُ الهدايةِ في ظُلماتِ اللَّيلِ في البَرِّ والبحرِ، وإضافةُ الظُّلماتِ إلى البَرِّ والبحرِ على معنى (في). والهُدى في هذه الظُّلماتِ بسَيرِ النُّجومِ، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام: 97]؛ فاللهُ الهادي للسَّيرِ في تلك الظُّلماتِ بأنْ خلَقَ النُّجومَ على نِظامٍ صالحٍ للهدايةِ في ذلك، وبأنْ ركَّبَ في النَّاسِ مَدارِكَ للمعرفةِ بإرصادِ سَيرِها وصُعودِها وهُبوطِها، وهَداهُم أيضًا بمَهابِّ الرِّياحِ، وخوَّلَهم مَعرفةَ اختلافِها بإحساسِ جَفافِها ورُطوبتِها، وحرارتِها وبَرْدِها؛ وبهذه المُناسَبةِ أُدمِجَ الامتنانُ بفوائدِ الرِّياحِ في إثارةِ السَّحابِ الذي به المطَرُ، وهو المَعنيُّ برَحمةِ اللهِ [937] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/17). .
- قولُه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قولُه: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تَقريرٌ وتَحقيقٌ لقولِه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّهِ في مَوقعِ الإضمارِ؛ للإشعارِ بعِلَّةِ الحُكمِ [938] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/295). .
- وذُيِّلَ هذا الدَّليلُ بتَنزيهِ اللهِ تعالى عن إشراكِهم معه آلهةً، فقال: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ؛ لأنَّ هذا خاتمةُ الاستِدلالِ عليهم بما لا يُنازِعون في أنَّه مَن تَصرُّفِ اللهِ؛ فجِيءَ بعْدَه بالتَّنزيهِ عن الشِّركِ كلِّه، وذلك تَصريحٌ بما أشارت إليه التَّذييلاتُ السَّابقةُ [939] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/17). .
6- قولُه تعالى: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ انتِقالٌ إلى الاستِدلالِ بتَصرُّفِ اللهِ تعالى بالحياةِ الأُولى والثَّانيةِ، وبإعطاءِ المَددِ لدَوامِ الحياةِ الأُولى مدَّةً مُقدَّرةً، وفيه تَذكيرٌ بنِعمةِ الإيجادِ ونِعمةِ الإمدادِ [940] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/17، 18). .
- قولُه: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الاستفهامُ تَقريريٌّ؛ لأنَّهم لا يُنكِرون أنَّه يَبدَأُ الخلْقَ وأنَّه يَرزُقُهم. وأُدمِجَ في خلالِ الاستفهامِ قولُه: ثُمَّ يُعِيدُهُ؛ لأنَّ تَسليمَ بَدئِه الخلْقَ يُلجِئُهم إلى فَهمِ إمكانِ إعادةِ الخلْقِ التي أحالُوها. ولَمَّا كان إعادةُ الخلْقِ مَحلَّ جَدلٍ، وكان إدْماجُها إيقاظًا وتَذكيرًا؛ أُعِيدَ الاستفهامُ في الجُملةِ التي عُطِفَت عليه بقولِه: وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ولأنَّ الرِّزقَ مُقارِنٌ لبَدءِ الخلْقِ، فلو عُطِفَ على إعادةِ الخلْقِ لَتُوهِّمَ أنَّه يَرزُقُ الخلْقَ بعدَ الإعادةِ، فيَحسَبوا أنَّ رِزقَهم في الدُّنيا مِن نِعَمِ آلهتِهم! وإذ قد كانوا مُنكرِين للبعثِ؛ ذُيِّلَت الآيةُ بأمْرِ التَّعجيزِ بالإتيانِ ببُرهانٍ على عَدمِ البعْثِ [941] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور))  (20/18). .
- قولُه: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أمْرٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتَبْكيتِهم إثرَ تَبكيتٍ، وفي إضافةِ البُرهانِ إلى ضَميرِهم تَهكُّمٌ بهم؛ لِمَا فيه مِن إيهامِ أنَّ لهم بُرهانًا، وأنَّى لهُم ذلكَ [942] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/296). ؟!
- وفي قولِه تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ إلى قولِه هنا: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مُناسبةٌ حَسنةٌ فيما خُتِمَت به هذه الآياتُ بعْدَ قولِه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؛ حيث ناسَبَ ختْمُ كلِّ استفهامٍ بما تَقدَّمَه؛ فلمَّا ذكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ، وما امتَنَّ به مِن إنزالِ المطرِ وإنباتِ الحدائقِ، اقْتَضى ذلك ألَّا يُعبَدَ إلَّا مُوجِدُ العالَمِ، والمُمتَنُّ بما به قِوامُ الحياةِ؛ فختَمَ بقولِه: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أي: عن عِبادتِه، أو يَعدِلون به غيرَه ممَّا هو مَخلوقٌ مُخترَعٌ. ولَمَّا ذكَرَ جَعْلَ الأرضِ مُستقَرًّا، وتَفجيرَ الأنهارِ، وإرساءَ الجِبالِ، وكان ذلك تنْبيهًا على تَعقُّلِ ذلك والفِكرِ فيه؛ ختَمَ بقولِه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ؛ إذ كان فيهم مَن يَعلَمُ ويفُكِّرُ في ذلك. ولَمَّا ذكَرَ إجابةَ دُعاءِ المُضطرِّ، وكشْفَ السُّوءِ، واستخلافَهم في الأرضِ؛ ناسَبَ أنْ يَستحضِرَ الإنسانُ دائمًا هذه المِنَّةَ، فختَمَ بقولِه: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ؛ إشارةً إلى تَوالي النِّسيانِ إذا صار في خيرٍ، وزالَ اضطرارُه، وكُشِفَ السُّوءُ عنه. ولَمَّا ذكَرَ الهِدايةَ في الظُّلماتِ، وإرسالَ الرِّياحِ بُشرًا، ومَعبوداتُهم لا تَهدِي ولا تُرسِلُ، وهم يُشرِكون بها اللهَ، قال: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، واعتقَبَ كلَّ واحدةٍ مِن هذه الجُمَلِ قولُه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، على سبيلِ التَّوكيدِ والتَّقريرِ أنَّه لا إلهَ إلَّا هو تعالى [943] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) (1/979- 986)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 193)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/550- 552)، ((تفسير أبي حيان)) (8/260). .
- وجِماعُ ما تقدَّمَ في هذه الآياتِ مِن قولِه: آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ إلى قولِه: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل: 59 - 64]: أنَّها أجْمَلَتِ الاستِدلالَ على أحقِّيَّةِ اللهِ تعالى بالإلهيَّةِ وحْدَه، ثمَّ فصَّلَت ذلك بآياتِ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ فابتَدأَتْ بدليلٍ قريبٍ مِن بُرهانِ المُشاهَدةِ، وهو خلْقُ السَّمواتِ والأرضِ وما يأْتي منهما مِن خيرٍ للنَّاسِ. ودليلِ كيفيَّةِ خلْقِ الكُرةِ الأرضيَّةِ وما على وَجْهِها منها، وهذا مُلحَقٌ بالمُشاهَداتِ. وانتقَلَتْ إلى استدلالٍ مِن قَبِيلِ الأصولِ الموضوعةِ؛ وهو ما تَمالَأَ عليه النَّاسُ مِن اللَّجَأِ إلى اللهِ تعالى عندَ الاضطرارِ. وانتقَلَتْ إلى الاستدلالِ عليهم بما مكَّنَهم مِن التَّصرُّفِ في الأرضِ؛ إذ جعَلَ البشرَ خُلفاءَ في الأرضِ، وسخَّرَ لهم التَّصرُّفَ بوُجوهِ التَّصاريفِ المُعِينةِ على هذه الخلافةِ، وهي تكوينُ هِدايتِهم في البَرِّ والبحرِ؛ وذلك جامعٌ لأصولِ تَصرُّفاتِ الخلافةِ المذكورةِ في الارتحالِ والتِّجارةِ والغزْوِ. وختَمَ ذلك بكلمةٍ جامعةٍ لِنِعمتَيِ الإيجادِ والإمدادِ، وفي مَطاوِيها جوامعُ التَّمكُّنِ في الأرضِ [944] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/18، 19). .