موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (115-118)

ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ

غريب الكلمات:


عَبَثًا: العَبَثُ: اللَّعِبُ، وما لا فائدةَ فيه، وكلُّ ما ليس له غَرَضٌ صحيحٌ، يُقالُ: عَبَثَ يَعْبَثُ عَبَثًا: إذا خَلَط عَمَلَه بلَعِبٍ، وأصلُ (عبث): يَدُلُّ على الخَلْطِ [995] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/205)، ((المفردات)) للراغب (ص: 543)، ((الدر المصون)) للسمين (8/374). .
بُرْهَانَ: البرهانُ: الحُجَّةُ والدَّليلُ، وأصْلُه: وُضوحُ الشَّيءِ [996] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 300)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/254)، ((المفردات)) للراغب (ص: 121)، ((تفسير القرطبي)) (12/157)، ((الكليات)) لأبي البقاء الكفوي (ص: 248). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى: أفظَنَنتُم أنَّما خلَقْناكم لَعِبًا وباطلًا، لا لحِكمةٍ ولا فائدةٍ، وأنَّكم لا تُرجَعونَ إلينا يومَ القِيامةِ للحِسابِ والجَزاءِ؟! فتعاظَمَ وتقَدَّسَ اللهُ الملِكُ الحَقُّ عن أنْ يَخلُقَ شيئًا من المخلوقات عَبثًا، وعن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بعظمته وجَلالِه وكَمالِه، لا إلهَ غَيرُه، وهو ربُّ العَرشِ الكريمِ.
ثمَّ بيَّن اللهُ تعالى أنَّ مَن يَعبُدُ مع اللهِ الواحِدِ إلهًا آخَرَ لا دَليلَ له على استِحقاقِه العِبادةَ، فسَيَلْقَى الحِسابَ الشَّديدَ في الآخرةِ مِن ربِّه جلَّ وعلا؛ إنَّه لا نَجاةَ ولا فلاحَ للكافرينَ يومَ القيامةِ.
ثمَّ أمَر اللهُ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَدْعوَه فيقولَ: ربِّ اغفِرْ وارحَمْ، وأنت سبحانَك خيرُ مَن يَرحَمُ.

تفسير الآيات:


أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا شرَحَ اللهُ سُبحانَه صِفاتِ القِيامةِ؛ ختَمَ الكلامَ فيها بإقامةِ الدَّلالةِ على وُجودِها؛ وهي أنَّه لولا القِيامةُ لَمَا تميَّزَ المُطِيعُ مِن العاصي، والصِّدِّيقُ مِن الزِّنديقِ، وحينَئذٍ يكونُ خَلْقُ هذا العالَمِ عبَثًا [997] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/299). ، فقال:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا.
أي: أفظَنَنْتُم [998] قِيلَ: الضَّميرُ يعودُ على الأشقياءِ المنكرينَ للبعثِ. وممَّن قال بهذا المعنى: يحيى بنُ سلام، وابنُ جريرٍ، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/420)، ((تفسير ابن جرير)) (17/132)، ((تفسير أبي السعود)) (6/153)، ((تفسير الألوسي)) (9/269)، ((تفسير القاسمي)) (7/305)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/133). قال البِقاعيُّ: (ولمَّا كان حالُهم في ظنِّهم أنْ لا بَعثَ، حتَّى اشْتَغلوا بالفرَحِ والبطَرِ والمرَحِ، والاستِهزاءِ بأهْلِ اللهِ، حالَ مَن يظُنُّ العَبَثَ على اللهِ الملِكِ الحقِّ المُبينِ؛ سبَّبَ عن ذلك عطْفًا على قولِه: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون: 110] إنكارَهُ عليهم في قولِه: أَفَحَسِبْتُمْ. ويجوزُ أنْ يكونَ معطوفًا على مُقدَّرٍ، نَحْوُ: أحسِبْتُم أنَّا نُهْمِلُكم، فلا نُنصِفُ مَظلومَكم مِن ظالِمِكم، فحَسِبْتم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا؟!). ((نظم الدرر)) (13/195). وقِيلَ: الخِطابُ لعُموم الخلْقِ. وممَّن ذهَبَ إلى هذا: السعديُّ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 560). أنَّني خلَقْتُكم لَعِبًا وباطلًا، بلا قصْدٍ ولا فائدةٍ ولا حِكْمةٍ، مُهمَلينَ؛ لا تُؤْمَرونَ ولا تُنهَون، ولا تُثابُون ولا تُعاقَبون [999] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/132)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/174)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/252)، ((تفسير ابن كثير)) (5/500)، ((تفسير السعدي)) (ص: 560). قال ابنُ القيِّمِ: (اتَّفقَ المُفسِّرونَ على أنَّ الحقَّ الَّذي خُلِقَت به السَّمواتُ والأرضُ هو الأمْرُ والنَّهيُ، وما يترتَّبُ عليهما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فمَن جحَدَ ذلك، وجحَدَ رِسالةَ الرُّسلِ، وكفَرَ بالمَعادِ، وأحالَ حَوادِثَ العالَمِ على حركاتِ الكواكِبِ: فقد زعَمَ أنَّ خلْقَ السَّمواتِ والأرضِ أبطَلُ الباطِلِ، وأنَّ العالَمَ خُلِق عبَثًا، وتُرِك سُدًى، وخُلِّي همَلًا، وغايةُ ما خُلِق له أنْ يكونَ مُتمتِّعًا باللَّذَّاتِ الحِسيَّةِ كالبهائمِ في هذه المُدَّةِ القصيرةِ جِدًّا، ثمَّ يُفارِقُ الوُجودَ، وتُحْدِثُ حَركاتُ الكواكبِ أشخاصًا مِثْلَه، هكذا أبدًا! فأيُّ باطِلٍ أبطَلُ مِن هذا؟! وأيُّ عبَثٍ فوقَ هذا؟!). ((مفتاح دار السعادة)) (2/201). ؟!
كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الأنبياء: 16].
وقال سُبحانَه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: 27].
وقال تَباركَ وتَعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: 36].
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ.
أي: وتَحْسَبون أنَّكم بَعدَ مَوتِكم لا تُبعَثون يومَ القِيامةِ أحياءً للحِسابِ والجَزاءِ على أعْمالِكم خَيرِها وشَرِّها [1000] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/132، 133)، ((تفسير القرطبي)) (12/156)، ((تفسير ابن كثير)) (5/500)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/363). ؟!
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116).
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.
أي: فتَعاظَمَ وتقدَّسَ اللهُ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ به سُبحانَه، ومِن ذلك إيجادُه المخلوقاتِ عَبثًا؛ فإنَّه التَّامُّ المُلْكِ الَّذي قهَرَ كُلَّ شَيءٍ، الَّذي لا يَتطرَّقُ الباطِلُ إليه في شَيءٍ مِن ذاتِه ولا صِفاتِه؛ فلا زوالَ له ولا لِمُلْكِه، فأنَّى يأْتيهِ العَبثُ [1001] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/133)، ((تفسير الزمخشري)) (3/206)، ((تفسير القرطبي)) (12/157)، ((تفسير الخازن)) (3/278)، ((تفسير ابن كثير)) (5/500)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/196، 197)، ((تفسير أبي السعود)) (6/153). قال السعديُّ: (فكونُه مَلِكًا للخَلقِ كلِّهم حقًّا؛ في صِدْقِه، ووَعْدِه ووَعيدِه، مأْلوهًا مَعبودًا؛ لِمَا له مِنَ الكَمالِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، فما دُونَه مِن بابِ أَولى: يَمنَعُ أنْ يَخلُقَكم عبثًا). ((تفسير السعدي)) (ص: 560). وقال ابنُ عاشورٍ: (الحقُّ: ما قابَلَ الباطِلَ، ومَفهومُ الصِّفةِ يَقْتَضي أنَّ مُلْكَ غَيرِه باطِلٌ، أي: فيه شائبةُ الباطِلِ، لا مِن جِهةِ الجَورِ والظُّلمِ؛ لأنَّه قد يُوجَدُ مُلْكٌ لا جَورَ فيه ولا ظُلْمَ؛ كمُلْكِ الأنبياءِ والخُلفاءِ الرَّاشدينَ، وأصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الخُلفاءِ والأُمراءِ، بلْ مِن جِهةِ أنَّه مُلْكٌ غيرُ مُسْتكمِلٍ حَقيقةَ المالكيَّةِ؛ فإنَّ كلَّ مَن يُنْسَبُ إليه المُلْكُ -عدَا اللهَ تعالى- هو مالِكٌ مِن جِهةٍ، وممْلوكٌ مِن جِهةٍ؛ لِمَا فيه مِن نقْصٍ واحتياجٍ، فهو ممْلوكٌ؛ لِمَا يتَطلَّبُه مِن تَسديدِ نقْصِه بقَدْرِ الحاجةِ، ومِن استعانةٍ بالغَيرِ لجَبْرِ احتياجِه، فذلك مُلْكٌ باطِلٌ؛ لأنَّه ادِّعاءُ مُلْكٍ غيرِ تامٍّ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/135). ؟!
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ.
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان الحَقُّ مِن حيثُ هو قدْ يكونُ له ثانٍ؛ نفَى ذلك في حَقِّه تعالى بقولِه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ فلا يُوجَدُ له نظيرٌ أصلًا في ذاتٍ ولا صِفَةٍ، ومَن يكونُ كذلك يكونُ حائزًا لجَميعِ أوصافِ الكَمالِ، وخِلالِ الجَلالِ والجَمالِ، مُتعاليًا عن سِماتِ النَّقصِ، والعبَثُ مِن أدْنى صِفاتِ النَّقصِ؛ لِخُلُوِّهِ عن الحِكمةِ الَّتي هي أساسُ الكَمالِ. ثمَّ زاد في التَّعيينِ والتَّأكيدِ للتَّفرُّدِ بوَصْفِه بصِفَةٍ لا يَدَّعِيها غيرُه، فقال: رَبُّ الْعَرْشِ [1002] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/197). .
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، وكلُّ ما سِواهُ عَبيدُه؛ فهو المُستحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له [1003] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/133)، ((تفسير أبي السعود)) (6/153)، ((تفسير الألوسي)) (9/269). .
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ.
أي: رَبُّ العَرْشِ الشَّريفِ الحسَنِ البَهِيِّ المَنْظَرِ، الَّذي هو سَقْفُ المَخلوقاتِ وأعظَمُها [1004] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/133)، ((البسيط)) للواحدي (16/87)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/274)، ((تفسير ابن كثير)) (5/500)، ((تفسير الألوسي)) (9/269)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/363). قال الشنقيطيُّ: (وصَفَ عرْشَه بالكرَمِ؛ لِعَظَمتِه، وكِبَرِ شأْنِه). ((أضواء البيان)) (5/363). .
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ سُبحانَه أنَّه هو المَلِكُ الحقُّ لا إلَهَ إلَّا هو؛ أتبَعَه بأنَّ مَنِ ادَّعَى إلهًا آخَرَ فقدِ ادَّعَى باطِلًا مِن حيثُ لا بُرهانَ لهم فيه، ثمَّ ذكَرَ أنَّ مَن قال بذلك فجزاؤُه العِقابُ العظيمُ؛ بقولِه: فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [1005] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/300). .
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
أي: ومَن يَعبُدْ مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ لا حُجَّةَ له على عِبادتِه؛ فرَبُّه وَحْدَه سيُحاسِبُه يومَ القيامةِ، ويُعذِّبُه على شِرْكِه به [1006] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/134)، ((تفسير القرطبي)) (12/157)، ((تفسير ابن كثير)) (5/502)، ((تفسير السعدي)) (ص: 560)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/136)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/364). قال الشنقيطيُّ: (لا خِلافَ بيْن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قولَه هنا: لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ لا مَفهومَ مُخالَفةٍ له؛ لِاستحالةِ وُجودِ بُرهانٍ على عِبادةِ إلهٍ آخَرَ معه، بلِ البراهينُ القَطعيَّةُ المُتواتِرةُ دالَّةٌ على أنَّه هو المعبودُ وَحْدَه، ولا يُمكِنُ أنْ يُوجَدَ دَليلٌ على عِبادةِ غَيرِه). ((أضواء البيان)) (5/364). .
إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ.
أي: إنَّه لا يَنجَحُ الكافِرونَ، ولا يَسْعدون، ولا يَفوزونَ، ولا يَنالونَ الخُلودَ في نَعيمِ الجنَّةِ، بلْ هم أهْلُ النَّارِ الهالِكونَ [1007] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/134)، ((تفسير السمعاني)) (3/495)، ((تفسير ابن كثير)) (5/502)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/364). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس: 69، 70].
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا شرَحَ اللهُ تعالى أحوالَ الكُفَّارِ في جَهْلِهم في الدُّنيا، وعذابِهم في الآخرةِ؛ أمَرَ نَبِيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالانقطاعِ إليه، والالتِجاءِ إلى دَلائلِ غُفْرانِه ورَحْمَتِه؛ فإنَّهما هما العاصِمانِ عن كلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ [1008] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/300). .
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ.
أي: وقُلْ -يا محمَّدُ-: يا رَبِّ، استُرْ ذُنوبَنا، وتجاوَزْ عن مُؤاخَذَتِنا بها، وارْحَمْنا في دُنيانا وآخِرَتِنا [1009] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/135)، ((تفسير ابن كثير)) (5/502)، ((تفسير الشوكاني)) (3/593)، ((تفسير السعدي)) (ص: 560)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/365). قال ابنُ كثيرٍ: (قولُه: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ هذا إرشادٌ مِنَ اللهِ إلى هذا الدُّعاءِ، فالغَفرُ -إذا أُطْلِقَ- معناهُ: مَحْوُ الذَّنْبِ وسَتْرُه عنِ النَّاسِ، والرَّحمةُ معناها: أنْ يُسدِّدَه ويُوفِّقَه في الأقوالِ والأفعالِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/502). وقال السعديُّ: (وَقُلْ داعيًا لرَبِّك مُخلِصًا له الدِّينَ: رَبِّ اغْفِرْ لنَا؛ حتَّى تُنجِّيَنا مِنَ المكروهِ، وارْحَمْنا؛ لِتُوصِّلَنا برَحْمَتِك إلى كلِّ خيرٍ). ((تفسير السعدي)) (ص: 560). .
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.
أي: وأنتَ أفضَلُ مَن رحِمَ [1010] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/135)، ((الوسيط)) للواحدي (3/301)، ((تفسير السعدي)) (ص: 560)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/365). قال السعدي: (فكلُّ راحمٍ للعبدِ، فاللهُ خيرٌ له منه؛ أرحَمُ بعبدِه مِن الوالدةِ بولدِها، وأرحمُ به مِن نفْسِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 561) وقال النَّسفيُّ: (رَحْمَتُه إذا أدرَكَتْ أحدًا أغنَتْه عن رَحمةِ غَيرِه، ورَحمةُ غَيرِه لا تُغْنِيه عن رَحْمتِه). ((تفسير النسفي)) (2/485). .

الفوائد التربوية:


1- إنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى خَلَق الجِنَّ والإنسَ؛ لحِكمةٍ عَظيمةٍ، وغايةٍ حميدةٍ، وهي عبادتُه تبارك وتعالى، كما قال سُبحانَه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115]، وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: 36]، إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ الدَّالَّةِ على أنَّ لله تعالى حِكمةً بالِغةً مِن خَلقِ الجِنِّ والإنسِ، وهي عبادتُه. وعلى هذا فمَن تمَرَّد على رَبِّه واستكبَرَ عن عبادتِه فإنَّه يكونُ نابذًا لهذه الحِكمةِ التي خَلَق اللهُ العِبادَ مِن أجْلِها، وفِعلُه يَشهَدُ أنَّ اللهَ خَلَق الخَلقَ عَبثًا وسُدًى! وهو وإنْ لم يُصَرِّحْ بذلك لكِنْ هذا هو مُقتَضى تمرُّدِه واستِكبارِه عن طاعةِ رَبِّه [1011] يُنظر: ((فتاوى أركان الإسلام)) لابن عثيمين (ص: 51). .
2- قَوْله تَعَالَى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا يدلُّ على أنَّ الآدَمِيَّ لم يُخلَقْ لطلبِ الدُّنيا والاشتِغالِ بها، وإنَّما خُلِق ليَعبدَ الله، ويقومَ بأوامرِه [1012] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/494). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- مَن تأمَّلَ بَعضَ هِدايةِ اللهِ المَبْثوثةِ في العالَمِ، شهِدَ له بأنَّه اللهُ الَّذي لا إلهَ إلَّا هوَ، عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ، العزيزُ الحكيمُ، وانتقَلَ مِن مَعرفةِ هذه الهِدايةِ إلى إثباتِ النُّبوَّةِ بأيسَرِ نظَرٍ، وأوَّلِ وَهلةٍ، وأحسَنِ طَريقٍ وأخصَرِها، وأبْعَدِها مِن كُلِّ شُبهةٍ؛ فإنَّه لم يُهمِلِ هذه الحيواناتِ سُدًى، ولم يَتْرُكْها مُعطَّلةً، بلْ هَداها إلى هذه الهِدايةِ الَّتي تَعجِزُ عُقولُ العُقلاءِ عنها. كيف يَلِيقُ به أنْ يَترُكَ النَّوعَ الإنسانيَّ -الَّذي هو خُلاصةُ الوُجودِ، الَّذي كرَّمَه وفضَّلَه على كَثيرٍ مِن خَلْقِه- مُهْمَلًا، وسُدًى مُعطَّلًا، لا يَهْديهِ إلى أقْصَى كَمالاتِه، وأفضَلِ غاياتِه، بلْ يَترُكُه مُعطَّلًا لا يأمُرُه ولا يَنهاهُ، ولا يُثِيبُه ولا يُعاقِبُه؟! وهل هذا إلَّا مُنافٍ لِحِكمَتِه، ونِسْبةٌ له مَا لا يَلِيقُ بجَلالِه؟! ولهذا أنكَرَ ذلك على مَن زعَمَه، ونزَّهَ نفْسَه عنه، وبيَّنَ أنَّه يَستحِيلُ نِسْبةُ ذلك إليه، وأنَّه يَتعالى عنه؛ فقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ؛ فنزَّهَ نفْسَه عن هذا الحُسبانِ؛ فدَلَّ على أنَّه مُستقِرٌّ بُطلانُه في الفِطَرِ السَّليمةِ، والعُقولِ المُستقيمةِ، وهذا أحَدُ ما يدُلُّ على إثباتِ المَعادِ بالعقْلِ، وأنَّه ممَّا تظاهَرَ عليه العقْلُ والشَّرعُ [1013] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/36). .
2- قال اللهُ تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ في هذينِ الاسمينِ: الْمَلِكُ الْحَقُّ إبطالٌ لهذا الحُسبانِ الَّذي ظَنَّه أعداؤُه؛ إذْ هو مُنافٍ لكَمالِ مُلْكِه ولكونِه الحَقَّ؛ إذِ الْمَلِكُ الْحَقُّ هو الَّذي يكونُ له الأمرُ والنَّهيُ، فيَتصرَّفُ في خَلْقِه بقولِه وأمْرِه، وهذا هو الفَرقُ بين (المَلِكِ) و(المالكِ)؛ إذِ المالِكُ هو المُتصرِّفُ بفِعْلِه، والمَلِكُ هو المُتصرِّفُ بفِعْلِهِ وأَمْرِهِ، والرَّبُّ تعالى مالِكُ المُلْكِ، فهو المُتصرِّفُ بفِعْلِه وأَمْرِهِ، فمَن ظَنَّ أنَّه خَلَقَ خلْقَه عَبثًا، لم يأمُرْهم ولم يَنْهَهُم، فقد طعَنَ في مُلْكِه، ولم يَقْدُرْه حَقَّ قَدْرِه، كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 91]، فمَن جحَدَ شرْعَ اللهِ وأمْرَه ونَهْيَه، وجعَلَ الخلْقَ بمَنزلةِ الأنعامِ المُهْمَلةِ؛ فقد طعَنَ في مُلْكِ اللهِ، ولم يَقْدُرْه حَقَّ قَدْرِه [1014] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/165). .
3- قال اللهُ تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ لَمَّا كان بعضُ مُلوكِ الدُّنيا قد يَفعَلُ ما يُنافي شِيَمَ المُلوكِ مِن العبَثِ بما فيه مِنَ الباطلِ، أتْبَعَ ذلك بصِفَةٍ تُنزِّهُه عنه، فقال: الْحَقُّ [1015] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/196، 197). .
4- دُعاءُ غيرِ اللهِ كُفْرٌ؛ لقولِه تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، فأثبَتَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ أمْرينِ مُهمَّينِ:
الأمْرَ الأوَّلَ: أنَّ مَن دعا غيرَ اللهِ فهو كافِرٌ؛ لقولِه: لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ.
الأمرَ الثَّانيَ: أنَّ مَن دعا غيرَ اللهِ فإنَّه لا يُفلِحُ، لا يَحصُلُ له مَطلوبُه، ولا يَنْجو مِن مَرْهوبِه، فيكونُ داعِي غيرِ اللهِ خاسرًا في دِينِه ودُنياه، وإذا كان غيرَ مُفلِحٍ فهو أيضًا غيرُ عاقلٍ، بلْ هذا غايةُ السَّفهِ؛ لقولِه تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: 5]، أي: لا أحَدَ أضَلُّ ممَّن يَدْعو مِن دُونِ اللهِ، ولكنَّه جاء هذا النَّفيُ بصِيغةِ الاستِفهامِ؛ لأنَّه أبلَغُ مِنَ النَّفيِ المحضِ، حيث يكونُ مُشرَبًا معنَى التَّحدِّي [1016] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (1/422). .
5- صيغةُ التَّفضيلِ في قولِه: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ؛ لأنَّ المخلوقينَ قد يرحمُ بعضُهم بعضًا، ولا شكَّ أنَّ رحمةَ اللهِ تُخالِفُ رَحمةَ خَلقِه، كمخالفةِ ذاتِه وسائِرِ صِفاتِه لِذَواتِهم وصِفاتِهم [1017] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/365). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
- قولُه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا فرَّعَ الاستِفهامَ عن حُسبانِهم أنَّ الخلْقَ لأجْلِ العبَثِ على إظهارِ بُطلانِ ما زعَمُوه مِن إنكارِ البَعثِ. والاستِفهامُ تَقريرٌ وتَوبيخٌ؛ لأنَّ لازِمَ إنكارِهم البَعثَ أنْ يكونَ خلْقُ النَّاسِ مُشتمِلًا على عبَثٍ، فنُزِّلُوا مَنزِلةَ مَن حَسِبَ ذلك، فقُرِّرُوا ووُبِّخُوا؛ أخْذًا لهم بلازِمِ اعتقادِهم [1018] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/97)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/133). .
2- قوله تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
- وجُملةُ: فَتَعَالَى اللَّهُ يجوزُ أنْ تكونَ خبَرًا، قُصِدَ منه التَّذكيرُ والاستِنتاجُ ممَّا تقدَّمَ مِن الدَّلائلِ المُبيِّنةِ لمعنَى تعالِيه، وأنْ تكونَ إنشاءَ ثَناءٍ عليه بالعُلوِّ [1019] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/135). .
- قولُه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ دَليلانِ على ما قَبلَه فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ؛ وهما: انفرادُه بالإلهيَّةِ، وذلك وَصفٌ ذاتِيٌّ، وبأنَّه مالِكُ أعظَمِ المخلوقاتِ -أعني: العرشَ-، وذلك دَليلُ عَظمةِ القُدرةِ [1020] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/135). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث جاء هنا قولُه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وفي (التَّوبةِ): فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 129]، وفي (النَّملِ): لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل: 26]؛ ووَجْهُه: أنَّ الآيةَ الأُولى وُصِفَ العرشُ بالكريمِ؛ لأنَّه في سِياقِ الحُكْمِ بالعَدلِ، والتَّنزُّهِ عن العَبثِ، بخِلافِ سِياقِ سُورةِ (التَّوبةِ) و(النَّملِ)، فإنَّه للقَهرِ والجَبروتِ [1021] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/197). .
3- قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
- قولُه: لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ صِفَةٌ لازِمةٌ، نحوَ قولِه: يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: 38]؛ جِيءَ بها للتَّوكيدِ، وبِناءِ الحُكْمِ عليه، لا أنْ يكونَ في الآلهةِ ما يَجوزُ أنْ يقومَ عليه بُرهانٌ. وتَنبيهًا على أنَّ التَّديُّنَ بما لا دَليلَ عليه باطِلٌ، فكيفَ بما شَهِدَتْ بَديهةُ العُقولِ بخِلافِه؟! ويجوزُ أنْ يكونَ اعتراضًا بيْنَ الشَّرطِ والجَزاءِ؛ لتَوكيدِ مَضمونِهما [1022] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/206، 207)، ((تفسير البيضاوي)) (4/97)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/637)، ((تفسير أبي حيان)) (7/589)، ((تفسير أبي السعود)) (6/153)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/136). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ قال: لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، ولم يقُل: (لَا بُرْهَانَ لَهُ عليه)؛ ووجه ذلك: أنَّه لَمَّا كان المُرادُ ما يُسمَّى بُرهانًا -ولو على أدْنى الوُجوهِ الكافيةِ-، عبَّرَ بالباءِ؛ سُلوكًا لِغايةِ الإنصافِ، دُونَ (على) المُفْهِمةِ للاستِعلاءِ بغايةِ البَيانِ، فقال: بِهِ، أي: بسبَبِ دُعائِه؛ فإنَّه إذا اجتهَدَ في إقامةِ بُرهانٍ على ذلك لم يَجِدْ، بلْ وجَدَ البراهينَ كلَّها قائمةً على نفْيِ ذلك [1023] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/198). .
- والقَصرُ في قولِه: فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ قَصرٌ حَقيقيٌّ. وفيه إثباتُ الحسابِ، وأنَّه للهِ وَحْدَه؛ مُبالَغةً في تَخطِئَتِهم وتَهديدِهم، ويجوزُ أنْ يكونَ القَصرُ إضافِيًّا؛ تَطمينًا للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُه باستِمرارِهم على الكُفْرِ، ويدُلُّ على ذلك تَذييلُه بجُملةِ: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [1024] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/136). .
- قولُه: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وُضِعَ الْكَافِرُونَ مَوضِعَ الضَّميرِ؛ لأنَّ (مَنْ يَدْعُ) في معنَى الجَمعِ، والأصلُ: حِسابُه أنَّه لا يُفلِحُ هو، وإنَّما وجَبَ الجَمْعُ؛ لأنَّ الآيةَ تَذييلٌ للآياتِ الواردةِ في حَقِّ المُعانِدينَ المُصرِّينَ [1025] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/207)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/637)، ((تفسير أبي حيان)) (7/590)، ((تفسير أبي السعود)) (6/154). . ووُضِعَ الْكَافِرُونَ مَوضِعَ الضَّميرِ المُفرَدِ بَعدَ الإفرادِ في حِسَابُهُ؛ للإشعارِ بأنَّ عدَمَ الفَلاحِ مُعلَّلٌ بالكُفْرِ، فوُضِعَ الْكَافِرُونَ مَوضِعَ ضَميرِه؛ تَنبيهًا على كُفْرِه، وتَعميمًا للحُكْمِ، فصار أوَّلُ السُّورةِ وآخِرُها مُفْهِمًا لِأنَّ الفَلاحَ مُختَصٌّ به المُؤمِنونَ، ولِيَتطابَقَ أوَّلُ السُّورةِ وآخِرُها [1026] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/637، 638)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/198، 199). ، أو لِرِعايةِ التَّوافُقِ في الفواصِلِ [1027] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/637، 638). .
- وفيه: تَسليةٌ للرَّسولِ صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه [1028] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/207)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/637). .
- وفيه: ضَرْبٌ مِن رَدِّ العَجُزِ على الصَّدرِ؛ إذِ افتُتِحَتِ السُّورةُ بـ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1]، وخُتِمَت بـ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، وهو نَفْيُ الفلاحِ عن الكافرينِ ضِدَّ المُؤمِنينَ [1029] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/136). .
4- قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
- في حَذْفِ مُتعلَّقِ اغْفِرْ وَارْحَمْ تَفويضُ الأمرِ إلى اللهِ في تَعيينِ المَغفورِ لهم والمَرحومِينَ، والمُرادُ مَن كانوا مِن المُؤمِنينَ. ويَجوزُ أنْ يكونَ المعنى: اغْفِرْ لي وارْحَمْني؛ بقَرينَةِ المَقامِ [1030] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/137). .
- وفيه: إيذانٌ بأنَّ الاستِغفارَ والاستِرحامَ مِن أهمِّ الأُمورِ الدِّينيَّةِ؛ حيثُ أُمِرَ بهما مَن قد غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تأخَّرَ، فكيف بمَن عدَاهُ [1031] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/154). ؟!
- وأمْرُه بأنْ يَدعُوَ بذلك يَتضمَّنُ وَعْدًا بالإجابةِ، وهذا الكلامُ مُؤْذِنٌ بانتِهاءِ السُّورةِ؛ فهو مِن بَراعةِ المَقطَعِ [1032] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/137). .