موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (1-11)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ

غريب الكلمات:


أَفْلَحَ: أي: فازَ وسعِد، والفَلاحُ: الظَّفَرُ وإدراكُ البُغيةِ، والبقاءُ، وأصلُ (فلح): يدلُّ على فوزٍ وبقاءٍ [9] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 39)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 432)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/450)، ((المفردات)) للراغب (ص: 644)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 48)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 155). .
خَاشِعُونَ: أي: ساكِنونَ مُتواضِعونَ، وأكثَرُ ما يُستعمَلُ الخشوعُ فيما يُوجَدُ على الجوارحِ، وأصلُ (خشع): يدُلُّ على التطامُنِ [10] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/9)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 204)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/182)، ((المفردات)) للراغب (ص: 283)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 249)، ((تفسير ابن كثير)) (5/461). .
اللَّغْوِ: أي: الباطِلِ، وما يجبُ أن يُلغَى مِن اللعبِ والهزلِ والمعاصي، واللَّغْوُ مِن الكلامِ: ما لا يُعتدُّ به، وأصلُه يدُلُّ على الشَّيءِ لا يُعتَدُّ به [11] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 296)، ((تفسير ابن جرير)) (18/280)، ((معاني القرآن)) للنحاس (4/442)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 401)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/255)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 742)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 249)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 249). .
مُعْرِضُونَ: أي: مُنصَرِفونَ، والإعراضُ: هو أن تولِّيَ الشَّيءَ عُرضَك، أي: جانِبَك، ولا تُقبِلَ عليه [12] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/141)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 111)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/269)، ((المفردات)) للراغب (ص: 559)، ((تفسير ابن كثير)) (7/274). .
الْعَادُونَ: أي: المجاوِزونَ الحَدَّ، والمُعتَدونَ، وأصلُه: يدُلُّ على تَجاوُزِ الحَدِّ [13] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/12)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/249)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 26)، ((تفسير القرطبي)) (12/107)، ((تفسير ابن كثير)) (5/462)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 659). .
رَاعُونَ: أي: قائِمونَ بالحِفظِ والإصلاحِ، وأصلُ (رعي): يدلُّ على مُراقَبةٍ وحِفْظٍ [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/13)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/408)، ((المفردات)) للراغب (ص: 357)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 484). .
الْفِرْدَوْسَ: أي: أعلَى الجنَّةِ، وأوسطَها، وقيل: هو البستانُ المخصوصُ بالحسنِ وذلك بلسانِ الرُّومِ، وأصلُ الفردوسِ: البستانُ الواسعُ الجامعُ لأصنافِ الثَّمَرِ [15] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/431)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 296)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 220)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/21)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/321). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
قَولُه تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ مُتعَلِّقٌ بـ حَافِظُونَ لتَضمينِه معنى (مُمسِكونَ)، والإمساكُ يتعَدَّى بـ (على) كما في قَولِه تعالى: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: 37] ، والاستِثناءُ مُفَرَّغٌ على اعتبارِ معنى النَّفي المفهومِ مِن الإمساكِ؛ ليصِحَّ التَّفريغُ، لأنَّه لا يكونُ إلَّا بعدَ نَفيٍ أو ما في مَعناه، فكأنَّه قيلَ: حافِظونَ فُروجَهم لا يَكشِفونَها إلَّا على أزواجِهم. وقيل: (على) بمعنى (مِنْ)، وهي مُتعَلِّقةٌ بـ (حَافِظوُنَ)، أي: يَحفَظونَها إلَّا مِنْ أزواجِهم.
وقيل: (عَلَى) مُتعَلِّقةٌ بمَحذوفٍ يدُلُّ عليه غَيْرُ مَلُومِينَ، كأنَّه قيل: يُلامُونَ إلَّا على أزواجِهم، أي: يُلامونَ على كُلِّ مُباشَرٍ إلَّا على ما أُطلِقَ لهم؛ فإنَّهم غَيرُ ملومينَ عليه. وقيل غيرُ ذلك [16] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (3/186)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1647)، ((التبيان)) للعكبري (2/950)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/553)، ((تفسير أبي حيان)) (7/548)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/317)، ((تفسير الآلوسي)) (9/209). .

المعنى الإجمالي:


 يخبِرُ الله تعالى أنَّ المؤمنينَ قد فازوا وأفلحوا، وذلك لجمعهم صفاتِ الفوزِ والفلاحِ، فمِن صِفاتِهم أنَّهم خاشعونَ لله في صلاتِهم، وأنَّهم معرِضونَ عن الباطل، وأنَّهم لزَكاةِ أموالِهم مُؤَدُّونَ، وأنهم لفُروجِهم حافِظونَ مِن الوقوع فيما حرَّمَ اللهُ إلَّا مِن زَوجاتِهم أو ما ملَكَت أيمانُهم مِنَ الإماءِ؛ فلا لَومَ عليهم ولا حَرَجَ في الاستِمتاعِ بهِنَّ، وجِماعِهنَّ على الوجهِ المَشروعِ، فمَن طلَبَ خِلافَ ما أحلَّه الله فهو مِن المجاوِزينَ الحَلالَ إلى الحَرامِ. ومِن صفاتِ المفلحينَ أيضًا أنهم يحفظونَ كُلَّ ما اؤتُمِنوا عليه، ويُوفون بكُلِّ عُهودِهم، وأنَّهم يواظِبون على أداءِ صَلَواتِهم في أوقاتِها بأركانِها وشُروطِها وواجِباتِها. هؤلاء المُؤمِنونَ الذين اتَّصفوا بتلك الصفاتِ هم الوارِثونَ في الآخرةِ مَنازِلَ أهلِ النَّارِ مِن الجَنَّةِ، الذين يَرِثونَ يومَ القيامةِ جناتِ الفردوسِ، هم فيها خالِدونَ.

تفسير الآيات:


قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1).
أي: قد فاز وظفِر بخَيرِ الدُّنيا والآخرةِ المُؤمِنونَ الذين آمَنوا بكُلِّ ما وجبَ عليهم الإيمانُ به [17] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/5)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/5، 6)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 547)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/305). .
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2).
أي: الذينَ مِن صِفاتِهم أنَّهم في صَلاتِهم خاضِعونَ، مُتَذلِّلونَ لله ساكِنونَ، مُتدَبِّرونَ لِما يقولونَ فيها [18] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/6، 10)، ((تفسير السمعاني)) (3/462)، ((الإيمان)) لابن تيمية (ص: 26)، ((تفسير السعدي)) (ص: 547). .
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3).
مُناسَبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا وصَف اللهُ سُبحانَه وتعالى المؤمِنينَ بالخُشوعِ في الصَّلاةِ؛ أتبَعَه الوَصفَ بالإعراضِ عن اللَّغوِ؛ ليجمَعَ لهم الفِعلَ والتَّركَ الشَّاقَّينِ على الأنفُسِ، اللذينِ هما قاعِدتا بناءِ التَّكليفِ [19] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/175). .
وأيضًا عقَّبَ ذِكْرَ الخُشوعِ بذِكْرِ الإعراضِ عنِ اللَّغوِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ في الأصْلِ الدُّعاءُ، وهو مِن الأقوالِ الصَّالحةِ؛ فكان اللَّغوُ ممَّا يَخطُرُ بالبالِ عندَ ذِكْرِ الصَّلاةِ بجامِعِ الضِّدِّيَّةِ، فكان الإعراضُ عن اللَّغوِ بمَعنَييِ الإعراضِ (إعراضِ السَّمْعِ عن اللَّغْوِ، وإعراضِ الألْسِنَةِ عنه) ممَّا تَقْتَضيه الصَّلاةُ والخُشوعُ؛ لأنَّ مَن اعتادَ القولَ الصَّالِحَ تجنَّبَ القولَ الباطِلَ، ومَن اعتادَ الخُشوعَ للهِ تجنَّبَ قولَ الزُّورِ [20] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/11). .
وأيضًا لَمَّا كان كلٌّ مِن الصَّلاةِ والخُشوعِ صادًّا عن اللَّغوِ؛ أتبَعَه قَولَه [21] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/107). :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3).
أي: ومِن صِفاتِهم أنَّهم معرِضونَ عن الباطلِ وجميعِ ما يَكرَهُه الله؛ كالمعاصي وما لا فائِدةَ ولا خَيرَ فيه؛ تَنزيهًا لأنفُسِهم عنه، وانشِغالًا منهم بما يَنفَعُ مِن الحَقِّ والخَيرِ [22] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/10)، ((تفسير ابن عطية)) (4/136)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548). قال ابن الجوزي: (وفي المرادِ باللَّغوِ هاهنا خمسةُ أقوالٍ: أحدُها: الشِّركُ. رواه أبو صالحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ. والثاني: الباطِلُ. رواه ابنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ. والثالثُ: المعاصي. قاله الحَسَنُ. والرابعُ: الكَذِبُ. قاله السُّدِّيُّ. والخامسُ: الشَّتمُ والأذى الذي كانوا يَسمَعونَه مِن الكُفَّارِ. قاله مقاتِلٌ. قال الزَّجَّاج: واللَّغوُ: كُلُّ لَعِبٍ ولَهوٍ، وكلُّ مَعصيةٍ فهي مُطَّرَحةٌ مُلغاةٌ، فالمعنى: شَغَلَهم الجِدُّ فيما أمَرَهم اللهُ به عن اللَّغوِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/256). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/152)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/6). وممَّن قَصَر اللَّغوَ على ساقِطِ الكلامِ: السمرقندي، وابن عطية، والنَّسَفي. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/473)، ((تفسير ابن عطية)) (4/136)، ((تفسير النسفي)) (2/459)، ((تفسير ابن جزي))  (2/48). قال ابنُ جُزَي: (اللَّغوُ هنا: السَّاقِطُ مِن الكلامِ؛ كالسَّبِّ واللَّهوِ، والكلامِ بما لا يَعني، وعددُ أنواعِ المنهيِّ عنه من الكلامِ عِشرون نَوعًا، ومعنى الإعراضِ عنه: عدمُ الاستماعِ إليه والدُّخولِ فيه، ويحتَمِلُ أن يريدَ أنَّهم لا يتكلَّمونَ به، ولكِنَّ إعراضَهم عن سَماعِه يقتضي ذلك من بابِ أَولى وأَحرى). ((تفسير ابن جزي)) (2/48). وقيل: اللَّغوُ هو ما لا يَعنيك مِن قَولٍ أو فِعلٍ؛ كاللَّعِبِ والهَزلِ. وممَّن اختاره: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/175)، ((تفسير البيضاوي)) (4/82)، ((تفسير أبي السعود)) (6/123)، ((تفسير القاسمي)) (7/281). وممَّن اختار أنَّ المرادَ به: الباطِلُ وما يَكرَهُه اللهُ: ابنُ جرير، ومكِّي، وابن كثير. يُنظر:  ((تفسير ابن جرير)) (17/10)، ((الهداية)) لمكي (7/4943)، ((تفسير ابن كثير)) (5/462). قال ابن كثير: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ أي: عن الباطِلِ، وهو يَشمَلُ: الشِّركَ -كما قاله بعضُهم-، والمعاصيَ -كما قاله آخَرون-، وما لا فائِدةَ فيه من الأقوالِ والأفعالِ، كما قال تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: 72] ). ((تفسير ابن كثير)) (5/462). وقال النيسابوري: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ اللَّغوُ... يَشمَلُ كُلَّ ما كان حرامًا، أو مكروهًا، أو مباحًا لا ضرورةَ إليه ولا حاجةَ قَولًا أو فِعلًا). ((تفسير النيسابوري)) (5/109). وقال الواحدي: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ عن كلِّ ما لا يَجمُلُ في الشَّرعِ مِن قَولٍ وفِعلٍ). ((الوجيز)) (ص: 743). .
كما قال سُبحانَه: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55] .
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4).
مُناسَبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لمَّا ذكَر الصَّلاةَ عَقَّبَ بذكرِ الزَّكاةِ؛ لكثرةِ التَّآخِي بيْنَهما في آياتِ القرآنِ [23] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/13). .
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4).
أي: ومِن صِفاتِهم أنَّهم لزَكاةِ أموالِهم مُؤَدُّونَ [24] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/11)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/107)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/12). وممَّن قال بأنَّ المرادَ بالزَّكاةِ هنا: زكاةُ الأموال: ابنُ جريرٍ، والبقاعي، وابنُ عاشور، ونسبه ابنُ كثير إلى الأكثرينَ. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: سعيدُ بنُ جُبيرٍ. يُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/87). واللَّامُ على هذا القَولِ للتعَدِّي؛ لأنَّ اسمَ الفاعِلِ لا تبلُغُ قُوَّتُه قوَّةَ الِفعلِ، فقَوِيَ باللَّامِ، كقَولِه: لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. يُنظر: ((تفسير الكرماني)) (2/770). قال الشوكاني: (ومعنى فِعلِهم للزَّكاةِ تأديتُهم لها، فعبَّرَ عن التَّأديةِ بالفِعلِ؛ لأنَّها ممَّا يَصدُقُ عليه الفِعلُ، والمرادُ بالزَّكاةِ هنا المصدَرُ؛ لأنَّه الصَّادرُ عن الفاعِلِ. وقيل: يجوزُ أن يرادَ بها العينُ على تقديرِ مُضافٍ، أي: والذين هم لتأديةِ الزَّكاةِ فاعِلونَ). ((تفسير الشوكاني)) (3/561). واختار الرَّاغبُ أنَّ الزَّكاةَ بمعنى الطَّهارةِ، واللَّامَ للتَّعليلِ، والمعنى: والذين يَفعَلونَ ما يَفعَلونَ مِن العبادةِ؛ لِيُزَكِّيَهم اللهُ تعالى، أو لِيُزكُّوا أنفُسَهم. يُنظر: ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 381). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الألوسي)) (9/208). وقيل: المرادُ: زكاةُ الأموالِ وزكاةُ النُّفوسِ، بتطهيرِها مِن مساوي الأخلاقِ والأعمال. وممن قال بذلك: السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 548). قال ابنُ كثير: (قولُه: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ: الأكثرونَ على أنَّ المرادَ بالزكاةِ هاهنا زكاةُ الأموال، مع أنَّ هذه الآيةَ مكيَّةٌ، وإنَّما فُرِضَت الزكاةُ بالمدينةِ في سنة اثنتينِ مِن الهجرة، والظاهِرُ أنَّ التي فُرِضَت بالمدينةِ إنَّما هي ذاتُ النُّصُبِ والمقاديرِ الخاصَّةِ، وإلَّا فالظاهِرُ أنَّ أصلَ الزَّكاةِ كان واجبًا بمكَّةَ، كما قال تعالى في سورة «الأنعامِ»، وهي مكيَّةٌ: وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام: 141] . وقد يحتَمِلُ أن يكونَ المرادُ بالزَّكاةِ هاهنا: زكاةُ النَّفسِ مِنَ الشِّركِ والدَّنَسِ، كقَولِه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9-10]، وكقَولِه تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصِّلت: 6- 7]، على أحَدِ القَولَينِ في تفسيرِها، وقد يحتَمِلُ أن يكون كِلا الأمرينِ مُرادًا، وهو زكاةُ النُّفوسِ وزَكاةُ الأموالِ؛ فإنَّه من جملةِ زكاةِ النُّفوسِ، والمؤمِنُ الكامِلُ هو الذي يتعاطَى هذا وهذا، واللهُ أعلم). ((تفسير ابن كثير)) (5/462). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/307، 308). .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أشار إلى أنَّ بَذْلَ المالِ على وجهِه طُهرةٌ، وأنَّ حبسَه عن ذلك تَلَفٌ؛ أتبعه الإيماءَ إلى أنَّ بذْلَ الفرْجِ في غيرِ وَجهِه نجاسةٌ، وحِفظَه طُهرةٌ، فقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، وذِكْرُ الشَّهوةِ بعدَ اللَّغوِ الدَّاعي إليها، وبذْلِ المالِ الذي هو مِن أعظَمِ أسبابِها- عظيمُ المناسَبةِ [25] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/108). .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5).
أي: ومِن صِفاتِهم أنَّهم صائِنونَ لفُروجِهم مِن الحَرامِ، فلا يَقَعونَ فيما نهاهم اللهُ عنه مِنَ الفواحِشِ [26] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/11)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/553)، ((تفسير ابن كثير)) (5/462)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/13). .
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6).
أي: هُم يَحفَظونَ فُروجَهم إلَّا مِن زَوجاتِهم أو مِن إمائِهم اللَّاتي يَملِكونَهنَّ؛ فإنَّهم لا يُلامُونَ على وَطْئِهنَّ على الوَجهِ المَشروعِ [27] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/11)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 743)، ((تفسير السمعاني)) (3/463)، ((تفسير ابن كثير)) (5/462)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/13). قال الواحدي: (قوله: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ قال الفرَّاءُ: معناه: إلَّا مِن أزواجِهم. وعلى هذا القَولِ عَلَى بمعنى: مِن. وحروفُ الصِّفاتِ مُتعاقِبةٌ. وقال الزَّجَّاجُ: دخلت عَلَى هاهنا؛ لأنَّ المعنى: أنَّهم يُلامُونَ في إطلاقِ ما حُظِرَ عليهم إلَّا على أزواجِهم؛ فإنَّهم لا يُلامُونَ، والمعنى: أنَّهم يُلامُونَ على سِوى أزواجِهم ومِلْكِ أيمانِهم). ((البسيط)) (15/524). وقيل: ضَمَّنَ حَافِظُونَ مَعنَى: مُمْسِكونَ أو قاصِرونَ، وكِلاهما يَتعدَّى بـ (على). واختاره: أبو حيان. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/548). وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/176)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/319). قال أبو حيان: (وفي قَولِه أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ دَلالةٌ على تعميمِ وطْءِ ما مُلِكَ باليمينِ، وهو مختَصٌّ بالإناثِ بإجماعٍ، فكأنَّه قيل: أو ما مَلَكَت أيمانُهم مِنَ النِّساءِ). ((تفسير أبي حيان)) (7/549). وقال الشنقيطي: (أهلُ العِلمِ أجمَعوا على أنَّ حُكمَ هذه الآيةِ الكريمةِ في التمَتُّعِ بمِلْكِ اليَمينِ في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ خاصٌّ بالرِّجالِ دونَ النِّساءِ، فلا يحِلُّ للمرأةِ أن تتسَرَّى عبدَها وتتمَتَّعَ به بمِلْكِ اليَمينِ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العِلمِ). ((أضواء البيان)) (5/316). ويُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/314). .
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7).
أي: فمَنِ التَمَس التمَتُّعَ بفَرجِه فيما سِوى زَوجتِه وأمَتِه، فأولئك هم المُعتَدونَ، المتعَدُّونَ حُدودَ اللهِ، المجاوِزونَ ما أحلَّه لهم إلى ما حرَّمَه عليهم [28] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/12)، ((تفسير ابن كثير)) (5/462)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/309). .
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كان حِفظُ الفُروجِ مِن الأماناتِ العظيمةِ؛ أتبَعَه عمومَها، فقال [29] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/109). :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8).
أي: ومِن صِفاتِهم أنَّهم لِمَا ائتَمَنَهم اللهُ والنَّاسُ عليه، ولِعُهودِهم مع اللهِ وعبادِه مُراعونَ، قائِمونَ بحِفظِها، والوَفاءِ بها، فلا يَخونونَ الأماناتِ، ولا يَنقُضونَ العُهودَ [30] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/13)، ((تفسير القرطبي)) (12/107)، ((تفسير البيضاوي)) (4/83)، ((تفسير أبي حيان)) (7/549)، ((تفسير ابن كثير)) (5/463)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/319). قال ابنُ جُزي: (لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ يحتَمِلُ أن يريدَ أمانةَ النَّاسِ وعَهدَهم، وأمانةَ اللهِ وعَهدَه في دينِه، أو العُمومَ، والأمانةُ أعَمُّ مِن العَهدِ؛ لأنَّها قد تكونُ بعَهدٍ وبغيرِ عَهدٍ). ((تفسير ابن جزي)) (2/48). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: 58] .
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1] .
وقال عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27] .
وقال تبارك وتعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل: 91] .
وقال سُبحانَه: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: 34] .
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كانت الصَّلاةُ أجَلَّ ما عُهِدَ فيه مِن أمرِ الدِّينِ وآكَدَ، وهي مِن الأمورِ الخَفيَّةِ التي وقَع الائتِمانُ عليها، لِما خفَّفَ اللهُ فيها على هذه الأمَّةِ بإيساعِ زمانِها ومكانهِا؛ قال [31] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/109). :
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9).
أي: ومِن صِفاتِهم أنَّهم مُواظِبونَ على أداءِ صَلَواتِهم في أوقاتِها، بأركانِها وشُروطِها وواجِباتِها [32] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/13)، ((تفسير القرطبي)) (12/107، 108)، ((تفسير البيضاوي)) (4/83)، ((تفسير ابن كثير)) (5/463)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/320). .
أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10).
أي: أولئك المُؤمِنونَ المَوصوفونَ بتلك الصِّفاتِ هم الوارِثونَ يَومَ القيامةِ مَنازِلَ أهلِ النَّارِ مِن الجَنَّةِ [33] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/15)، ((تفسير القرطبي)) (12/108)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/321). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما مِنكم مِن أحَدٍ إلَّا له مَنزِلانِ: مَنزِلٌ في الجنَّةِ، ومَنزِلٌ في النَّارِ، فإذا مات فدخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أهلُ الجنَّةِ مَنزِلَه، فذلك قَولُه تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)) [34] أخرجه ابن ماجه (4341)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (377) واللفظ لهما، والبزار (9152) مختصرًا. صحَّح إسنادَه البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (4/266)، وابنُ حجر في ((فتح الباري)) (11/451) وقالا: (على شرطِ الشَّيخينِ)، وذكَر الشوكاني في ((تفسيره)) (3/673) أنَّ له شاهدًا في مسلم، وصحَّح الحديثَ الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4341). .
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11).
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ.
أي: أولئك المُؤمِنونَ يَرِثونَ يومَ القيامةِ جَنَّاتِ الفِردَوسِ [35] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/16)، ((تفسير القرطبي)) (12/108)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/321). .
كما قال تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم: 63] .
وقال سُبحانَه: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [الزخرف: 72] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فإذا سألتُمُ اللهَ فسَلُوه الفِردَوسَ؛ فإنَّه أوسَطُ الجنَّةِ، وأعلى الجنَّةِ، وفَوقَه عَرشُ الرَّحمنِ، ومنه تفَجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ )) [36] رواه البخاري (7423). .
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ أمَّ الرُّبَيِّعِ بِنتَ البراءِ -وهي أمُّ حارِثةَ ابنِ سُراقةَ- أتَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: ((يا نبيَّ اللهِ، ألَا تُحَدِّثُني عن حارِثةَ -وكان قُتِلَ يَومَ بَدرٍ؛ أصابَه سَهمٌ غَرْبٌ [37] سهمٌ غَرْبٌ: أي: لا يُدرَى مَن رماه. يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 605). - فإن كان في الجنَّةِ صَبَرتُ، وإن كان غيرَ ذلك اجتَهَدْتُ عليه في البُكاءِ؟ قال: يا أُمَّ حارِثةَ، إنَّها جِنانٌ في الجنَّةِ، وإنَّ ابنَك أصاب الفِردَوسَ الأعلى !!)) [38] رواه البخاري (2809). .
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
أي: هم في تلك الجنَّاتِ ماكِثونَ لا يَخرُجونَ منها أبَدًا؛ فهم في خُلودٍ لا مَوتَ معه، ولذَّةٍ ونَعيمٍ لا انقِطاعَ له، ومُلكٍ عَظيمٍ لا زَوالَ عنه [39] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/18)، ((البسيط)) للواحدي (15/533)، ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/321). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 107- 108] .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... الآياتِ، هذا تنويهٌ مِن اللهِ تعالى بذِكرِ عبادِه المؤمِنينَ، وذِكرِ فلاحِهم وسعادتِهم، وبأيِّ شيءٍ وصَلوا إلى ذلك، وفي ضِمنِ ذلك الحثُّ على الاتِّصافِ بصفاتِهم، والتَّرغيبُ فيها، فَلْيَزِنِ العبدُ نفْسَه وغيرَه على هذه الآياتِ، يَعرِفْ  بذلك ما معه، وما مع غيرِه من الإيمانِ، زيادةً ونَقصًا، كثرةً وقِلَّةً [40] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 547). .
2- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ الإعراضُ عن جنسِ اللَّغوِ: مِن خُلُقِ الجِدِّ، ومَن تخلَّق بالجِدِّ في شؤونِه كَمَلَت نفْسُه، ولم يصدُرْ منه إلَّا الأعمالُ النَّافِعةُ؛ فالجِدُّ في الأمورِ مِن خُلُقِ الإسلامِ [41] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/11). .
3- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ أنَّهم لا يُمْضون أوقاتَهم الثَّمينةَ إلَّا فيما فيه فائدةٌ، وإذا كان مِن وصفِهم الإعراضُ عن اللَّغوِ -وهو ما لا فائِدةَ فيه- فإعراضُهم عن المحرَّمِ وما فيه مضرَّةٌ مِن بابِ أولى وأحرى، وإذا ملَكَ العبدُ لسانَه وخزَنَه -إلَّا في الخيرِ- كان مالكًا لأمرِه؛ فالمؤمنون مِن صفاتِهم الحميدةِ كَفُّ ألسنتِهم عن اللَّغوِ والمحرَّماتِ [42] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 548)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/362). .
4- عَلَّقَ سُبحانَه فلاحَ العبدِ على حِفْظِ فرْجِه مِن الزِّنا؛ فلا سبيلَ إلى الفلاحِ بدونِه، فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قَولِه سبحانَه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وهذا يتضمَّنُ ثلاثةَ أمورٍ: أنَّ مَن لم يحفَظْ فرْجَه لم يكُنْ مِن المفلحينَ، وأنَّه مِن المَلومينَ، ومِن العادينَ؛ ففاته الفلاحُ، واستحقَّ اسمَ العُدوانِ، ووقعَ في اللَّومِ؛ فمقاساةُ ألَمِ الشَّهوةِ ومعاناتُها أيسَرُ مِن بعضِ ذلك [43] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 151). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ أي: في الجِماعِ وما داناه بالظَّاهِرِ والباطِنِ، فهم دائمًا لا يُتبِعونَها شهوتَها، بل هم قائِمونَ عليها يُذِلُّونَها ويَضبِطونَها [44] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/108). . وقولُه: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ فيه إيذانٌ بأنَّ قُوَّتَهم الشَّهْويَّةَ داعيةٌ لهم إلى ما لا يَخْفى، وأنَّهم حافِظون لها مِن استيفاءِ مُقْتضاها، وبذلك يَتحقَّقُ كَمالُ العِفَّةِ [45] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/124). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ هذا عامٌّ في جميعِ الأماناتِ التي هي حقٌّ لله، والتي هي حقٌّ للعبادِ؛ فجميعُ ما أوجبه اللهُ على عبدِه أمانةٌ، على العبدِ حِفظُها بالقيامِ التَّامِّ بها، وكذلك يدخُلُ في ذلك أماناتُ الآدميِّينَ؛ كأماناتِ الأموالِ والأسرارِ ونحوِهما، فعلى العبدِ مُراعاةُ الأمْرينِ، وأداءُ الأمانتينِ، وكذلك العهدُ يشمَلُ العهدَ الذي بينهم وبينَ رَبِّهم، والذي بينَهم وبينَ العبادِ، وهي الالتِزاماتُ والعُقودُ التي يَعقِدُها العبدُ؛ فعليه مراعاتُها، والوفاءُ بها، ويَحرُمُ عليه التَّفريطُ فيها، وإهمالُها [46] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 547). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ مدَحَهم بالخُشوعِ في الصَّلاةِ في بدايةِ السُّورةِ حيث قال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 2] ، وبالمحافَظةِ عليها في هذه الآيةِ؛ لأنَّه لا يَتِمُّ أمرُهم إلَّا بالأمْرينِ؛ فمَن يداومْ على الصَّلاةِ مِن غَيرِ خُشوعٍ، أو على الخُشوعِ مِن دونِ مُحافظةٍ عليها؛ فإنَّه مذمومٌ ناقِصٌ [47] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 547). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... الآياتِ، جمَعت هذه الآياتُ أصولَ التَّقوى الشَّرعيَّة؛ لأنَّها أتت على أعسَرِ ما تُراضُ له النفْسُ مِن أعمالِ القلبِ والجوارحِ، فجاءت بوصفِ الإيمانِ وهو أساسُ التقوى، ثمَّ ذكَرَت الصَّلاةَ وهي عِمادُ التقوى، والتي تنهَى عن الفحشاءِ والمنكَرِ؛ لِما فيها مِن تكرُّرِ استحضارِ الوقوفِ بينَ يديِ الله ومناجاتِه، وذكَرَت الخشوعَ وهو تمامُ الطاعةِ؛ لأنَّ المرءَ قد يعمَلُ الطاعةَ للخروجِ مِن عهدةِ التكليفِ غيرَ مُستحضِرٍ خُشوعًا لربِّه الذي كلَّفه بالأعمالِ الصالحةِ، فإذا تخلَّق المؤمِنُ بالخشوعِ اشتَدَّت مراقبتُه رَبَّه، فامتثل واجتنَبَ، فهذان مِن أعمالِ القلبِ.
وذكرَت الإعراضَ عن اللَّغوِ، واللَّغوُ مِن سوءِ الخُلقِ المتعلِّقِ باللسانِ الذي يعسُرُ إمساكُه، فإذا تخلَّق المؤمِنُ بالإعراضِ عن اللَّغوِ فقد سهُلَ عليه ما هو دونَ ذلك، وفي الإعراضِ عن اللَّغوِ خُلقٌ للسَّمعِ أيضًا. وذكَرَت إعطاءَ الصَّدَقاتِ، وفي ذلك مقاومةُ داءِ الشُّحِّ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن: 16] . وذكَرَت حِفظَ الفَرجِ، وفي ذلك خُلقُ مُقاومةِ اطِّرادِ الشَّهوةِ الغريزيَّةِ، بتعديلِها وضبطِها، والترفُّعِ بها عن حضيضِ مُشابهةِ البهائمِ. وذكَرَت أداءَ الأمانةِ، وهو مظهَرٌ للإنصافِ، وإعطاءِ ذي الحقِّ حَقَّه، ومغالبةِ شَهوةِ النفْسِ لأمتعةِ الدُّنيا. وذكَرَت الوفاءَ بالعهدِ، وهو مظهرٌ لخُلقِ العدلِ في المعاملةِ، والإنصافِ من النفْسِ بأن يَبذُلَ لأخيه ما يحِبُّ لنفسِه من الوفاءِ. وذكَرَت المحافظةَ على الصَّلواتِ، وهو التخلُّقُ بالعنايةِ بالوقوفِ عند الحدودِ والمواقيتِ. وأنت إذا تأمَّلتَ هذه الخِصالَ وجدْتَها ترجِعُ إلى حِفظِ ما مِن شأنِ النُّفوسِ إهمالُه؛ مثلُ: الصَّلاةِ، والخُشوعِ، وتَركِ اللَّغوِ، وحِفظِ الفرجِ، وحفظِ العهدِ؛ وإلى بَذْلِ ما من شأنِ النفوسِ إمساكُه؛ مثلُ: الصَّدقةِ، وأداءِ الأمانةِ. فكان في مجموعِ ذلك إعمالُ ملَكتَيِ الفعلِ والتَّركِ في المهِمَّاتِ، وهما منبَعُ الأخلاقِ الفاضلةِ لمن تتبَّعَها [48] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/18). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- جعَلَ اللهُ تعالى فاتحةَ السُّورةِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وأَوردَ في خاتمتِها: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ؛ فشَتَّانَ ما بيْنَ الفاتحةِ والخاتمةِ [49] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/207). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فيه سؤالٌ: كيف حكمَ على الموصوفينَ بالصِّفاتِ المذكورةِ بالفلاحِ، مع أنَّه تعالى ما تمَّم ذِكرَ العباداتِ الواجبةِ كالصَّومِ والحَجِّ والطَّهارةِ؟
الجوابُ: أنَّ قَولَه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ يأتي على جميعِ الواجِباتِ مِن الأفعالِ والتُّروكِ، والطَّهاراتُ دخَلتْ في جملةِ المحافظةِ على الصَّلواتِ الخَمسِ؛ لكَونِها مِن شرائِطِها [50] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/263). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... الآياتِ، فيها مِن شُعَبِ الإيمانِ: الخُشوعُ في الصَّلاةِ، واجتِنابُ اللَّغوِ، وأداءُ الزَّكاةِ، وحِفظُ الفَرجِ إلَّا على الأزواجِ والسَّراريِّ، وحِفظُ الأماناتِ والعُهودِ، والمحافظةُ على الصَّلواتِ لأوقاتِها [51] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 186). .
4- قَولُه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ استُدِلَّ به على وجوبِ الخشوعِ في الصلاةِ؛ فقد أخبرَ سُبحانَه وتعالى أنَّ هؤلاء الذين ذُكِرتْ خِصالُهم هم الذين يَرِثونَ فِردَوسَ الجنَّةِ، وذلك يقتضي أنَّه لا يَرِثُها غيرُهم، وقد دَلَّ هذا على وجوبِ هذه الخصالِ؛ إذ لو كان فيها ما هو مُستحَبٌّ لكانت جنَّةُ الفردوسِ تُورَثُ بدونِها؛ لأنَّ الجنَّةَ تُنالُ بفِعلِ الواجباتِ دونَ المُستحبَّاتِ؛ ولهذا لم يُذكَرْ في هذه الخِصالِ إلَّا ما هو واجِبٌ [52] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/554). .
5- في قولِه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قَولِه سبحانَه: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ حُجَّةٌ على المُرجِئةِ واضحةٌ؛ أَلَا تراه كيف نَعَتَ المؤمِنينَ بنُعوتِ العَمَلِ، ولم يجعَلْهم وارِثي جنَّتِه وفِردَوسِه إلَّا بها، فكيف يكونُ مُستَكمِلَ الإيمانِ مَن عَرِيَ مِن هذه النُّعوتِ المذكورةِ في وصفِ المؤمنينَ [53] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/344). ؟!
6- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ استُدِلَّ به على تحريمِ نِكاحِ المُتعةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى إنَّما أباح في كتابِه الأزواجَ ومِلْكَ اليَمينِ، وحَرَّمَ ما زاد على ذلك، والمُستَمتَعُ بها بعدَ التَّحريمِ ليست زَوجةً ولا مِلْكَ يمينٍ؛ فتكونُ حَرامًا بنَصِّ القُرآنِ؛ أمَّا كَونُها ليست مملوكةً فظاهرٌ، وأمَّا كونُها ليست زَوجةً فلانتِفاءِ لوازمِ النِّكاحِ فيها؛ فإنَّ مِن لوازمِ النِّكاحِ كونَه سبَبًا للتَّوارُثِ، وثبوتَ عِدَّةِ الوفاةِ فيه، والطَّلاقَ الثَّلاثَ، وتَنصيفَ المهرِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وغيرَ ذلك مِن اللَّوازمِ [54] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (4/191). ويُنظر أيضًا: ((أحكام القرآن)) للجصاص (5/92)، ((أحكام القرآن)) للكيا الهراسي (4/285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 547). .
7- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ استُدِلَّ به على تحريمِ نِكاحِ المحَلِّلِ؛ فإنَّ مَن تزوَّجها لذلك ليسَتْ زوجةً حقيقةً مقصودًا بقاؤُها، ولا مملوكةً [55] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 548). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ يدُلُّ على أنَّه يُشتَرَطُ في حِلِّ المملوكةِ أن تكونَ كُلُّها في مِلكِه، فلو كان له بَعضُها لم تحِلَّ؛ لأنَّها ليست ممَّا ملكت يمينُه، بل هي مِلكٌ له ولغيرِه [56] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 547). .
9- قَولُ اللهِ تعالى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فيه سؤالٌ: هلَّا قيل: (مَن مَلَكَتْ)، فالمملوكاتُ مِن جملةِ العقلاءِ، والعقلاءُ يُعبَّرُ عنهم بـ (مَن) لا بـ (ما)؟
الجوابُ من وجهين:
الأول: أنَّ التعبيرَ عن الإماءِ باسمِ (ما) الموصولةِ الغالِبِ استعمالُها لغيرِ العاقلِ- جرى على خلافِ الغالبِ، وهو استعمالٌ كثيرٌ لا يُحتاجُ معه إلى تأويلٍ [57] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/14). ، وإطلاقُ (ما) مُرادًا بها (مَنْ) كثيرٌ في القرآنِ، كقولِه: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: 3] أي: مَنْ طابَ لكم [58] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/251). .
الثاني: أنَّ الإماءَ لَمَّا كُنَّ يَتَّصِفْنَ ببعضِ صفاتِ غيرِ العقلاءِ، كبيعِهنَّ وشرائِهنَّ ونحوِ ذلك، كان ذلك مُسوِّغًا لإطلاقِ لفظةِ (ما) عليهنَّ [59] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/319). . وقيل غيرُ ذلك [60] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/262)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/108). .
10- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ظاهرُ عمومِه يقتضي جوازَ أنْ يستمتعَ الرجلُ بزوجتِه فيما شاء، ما عدا الدُّبُرَ؛ فإنَّه لا يجوزُ للرجُلِ أنْ يجامِعَ زوجتَه فيه [61] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (10/325). .
11- في عمومِ قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ دليلٌ على تحريمِ الاستمناءِ، الذي يُسمَّى: (العادةَ السِّرِّيَّةَ)؛ لأنَّه عمليةٌ في غيرِ الزوجاتِ والمملوكاتِ [62] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/363). ويُنظر أيضًا: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 186). ، فظاهرُ الآيةِ يدلُّ على أنَّه حرامٌ ظهورًا بَيِّنًا، ولم يَرِدْ في كتابِ الله ولا في سُنةِ رسولِ اللَّهِ شيءٌ يعارضُ ظاهرَ هذه الآيةِ، فالله تعالى لم يَسْتَثْنِ إلا نوعينِ، وهو قولُه: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، ثمَّ جاء بحكمٍ عامٍّ شاملٍ، وهو قولُه: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، ولا شَكَّ أنَّ الناكحَ يدَه مِمَّنِ ابتغَى وراءَ ذلك، فهو داخلٌ في قولِه: فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [63] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/561). .
12- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ فيه دليلٌ على حرمةِ إتيانِ البهيمةِ، وأنَّه معصيةٌ، فأيُّ شيءٍ وراءَ الأزواجِ ومِلْكِ اليمينِ يُعتبرُ عُدوانًا وظُلمًا [64] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (14/246). .
13- في قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ دليلٌ على أنَّ التعرِّيَ عند الجماعِ لا حَرَجَ فيه؛ لأنَّه إذا كان لا مَلامةَ في عدمِ سَتْرِ الفرجِ عندَ الجماعِ، فما سِواه مِن بابِ أَولى [65] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (10/324). .
14- قَال الله تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وقال أيضًا: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، لا يخفَى ما في افتتاحِ هذه الأوصافِ واختتامِها بالصلاةِ مِن التعظيمِ لها، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((واعْلَموا أنَّ خيرَ أعمالِكمُ الصلاةُ )) [66] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/109). والحديث رواه ابن ماجه (277)، وأحمد (5/276) (22432)، والدارمي (655)، وابن حبان (3/311) (1037). صحَّح إسنادَه ابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (149)، وقال: (له شواهدُ)، وجوَّد إسناده ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/143)، وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (277). .
15- قَولُ اللهِ تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ لِمَ سُمِّيَ ما يجدونَه مِن الثَّوابِ والجنَّةِ بالميراثِ، مع أنَّه سبحانَه حكمَ بأنَّ الجنَّةَ حَقُّهم في قولِه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111] ؟
الجواب من وجوهٍ:
الأولُ: ما ورد عن الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [67] وهو حديث أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((ما مِنكم مِن أحَدٍ إلَّا له مَنزِلانِ: مَنزِلٌ في الجنَّةِ، ومَنزِلٌ في النَّارِ، فإذا مات فدخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أهلُ الجنَّةِ مَنزِلَه، فذلك قَولُه تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)). ، وهو أبينُ على ما يقالُ فيه، وهو: أنَّه لا مُكلَّفَ إلَّا أعدَّ اللهُ له في النَّارِ ما يستحِقُّه إن عصى، وفي الجنَّةِ ما يستحِقُّه إن أطاع، وجعل لذلك علامةً، فإذا آمَنَ منهم البعضُ ولم يؤمِنِ البعضُ، صار مَنزِلُ مَن لم يؤمِنْ كالمنقولِ إلى المؤمنينَ؛ فسُمِّيَ ذلك ميراثًا لهذا الوجهِ [68] ولم يُصوِّب الشنقيطي حملَ الآيةِ على هذا الحديثِ. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/472). .
الثاني: أنَّ انتقالَ الجنَّةِ إليهم بدونِ مُحاسَبةٍ ومعرفةٍ بمقاديرِه يشبِهُ انتقالَ المالِ إلى الوارثِ.
الثالثُ: أنَّ الجنَّةَ كانت مسكَنَ أبينا آدمَ عليه السَّلامُ، فإذا انتقلَت إلى أولادِه صار ذلك شبيهًا بالميراثِ [69] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/263). .
الرابعُ: أنَّه ذكَر لفظَ الوراثةِ؛ لكونِها أقوَى الأسبابِ في التمليكِ والاستحقاقِ، مِن حيثُ إنَّها لا تُعقَبُ بفسخٍ، ولا استرجاعٍ، ولا تبطلُ بردٍّ وإسقاطٍ [70] يُنظر: ((التفسير المظهري)) (6/107). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (18/20). .
الخامسُ: أنَّ الأتقياءَ يَلْقَوْنَ رَبَّهم يومَ القيامةِ قد انقضَتْ أعمالُهم، وثمرَتُها باقيةٌ وهي الجنَّةُ، فإذا أدخَلَهم الجنَّةَ فقَدْ أورَثَهم مِنْ تَقْواهم كما يورثُ الوارِثُ المالَ مِنَ المُتَوَفَّى [71] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/28)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/471). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ افتِتاحٌ بَديعٌ؛ لأنَّه مِن جوامِعِ الكَلِمِ؛ فإنَّ الفلاحَ غايةُ كلِّ ساعٍ إلى عمَلِه؛ فالإخبارُ بفَلاحِ المُؤمِنينَ دونَ ذِكْرِ مُتعلَّقٍ بفِعْلِ الفَلاحِ: يَقْتضي في المَقامِ الخِطابيِّ تَعميمَ ما به الفَلاحُ المطلوبُ، فكأنَّه قِيلَ: قد أفلَحَ المُؤمِنون في كلِّ ما رَغِبوا فيه. وتَضمَّنَ بِشارةً برِضَا اللهِ عنهم، ووَعدًا بأنَّ اللهَ مُكمِّلٌ لهم ما يَتطلَّبونَه مِن خَيرٍ [72] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/8). ، فحُذِفَ مُتعلِّقُ أَفْلَحَ؛ للإشارةِ إلى أنَّهم أفْلَحوا فَلاحًا كامِلًا [73] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/8). .
- وجاءتْ كَلِمةُ قَدْ هاهنا؛ لإفادةِ ثُبوتِ ما كان مُتوقَّعَ الثُّبوتِ مِن قَبْلُ. والإخبارُ به على صِيغَةِ الماضي أَفْلَحَ إنْ أُرِيدَ بالإفلاحِ حَقيقةُ الدُّخولِ في الفَلاحِ الَّذي لا يَتحقَّقُ إلَّا في الآخرةِ؛ فالإخبارُ به على صيغةِ الماضي للدَّلالةِ على تَحقُّقِه لا مَحالةَ بتَنزيلِهِ مَنزِلةَ الثَّابتِ. وإنْ أُرِيدَ كونُهم بحالٍ تَسْتتبِعُه الْبَتَّةَ؛ فصيغةُ الماضي في مَحلِّها [74] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/174)، ((تفسير البيضاوي)) (4/82)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/541، 542)، ((تفسير أبي حيان)) (7/546)، ((تفسير أبي السعود)) (6/123). . وقيل: وَجْهُ تَوكيدِ هذا الخبرِ هنا بحَرفِ (قد) -الذي إذا دخَلَ على الفِعلِ الماضي أفادَ التَّحقيقَ، أي: التوكيدَ-: أنَّ المُؤمِنين كانوا مُؤمِّلينَ مِثلَ هذه البِشارةِ فيما سبَقَ لهم مِن رَجاءِ فَلاحِهم؛ فكانوا لا يَعرِفون تَحقُّقَ أنَّهم أَتَوا بما أرْضى رَبَّهم، فلمَّا أُخْبِروا بأنَّ ما تَرجَّوه قد حصَلَ، حُقِّقَ لهم بحَرفِ التَّحقيقِ، وبفِعْلِ المُضِيِّ المُستعمَلِ في معنى التَّحقُّقِ؛ فالإتيانُ بحَرفِ التَّحقيقِ لتَنزيلِ تَرقُّبِهم إيَّاهُ -لفَرطِ الرَّغبةِ والانتظارِ- مَنزِلةَ الشَّكِّ في حُصولِه [75] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/8). .
- وفي قولِه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ نِيطَ الفَلاحُ بوَصفِ الإيمانِ؛ للإشارةِ إلى أنَّه السَّببُ الأعظمُ في الفَلاحِ، فإنَّ الإيمانَ وَصفٌ جامِعٌ للكَمالِ؛ لتَفرُّعِ جَميعِ الكَمالاتِ عليه [76] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/8). .
2- قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
- قولُه: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إليهم؛ لأنَّ الصَّلاةَ دائرةٌ بين المُصلِّي والمُصلَّى له؛ فالمُصلِّي هو المُنتفِعُ بها وَحْدَه، وهي عُدَّتُه وذَخيرَتُه، فهي صَلاتُه، وأمَّا المُصلَّى له فغَنِيٌّ مُتعالٍ عن الحاجةِ إليها، والانتفاعِ بها [77] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/175)، ((تفسير أبي حيان)) (7/547). .
- وإجْراءُ الصِّفاتِ على الْمُؤْمِنُونَ بالتَّعريفِ بطَريقِ الموصولِ، وبتَكريرِه؛ للإيماءِ إلى وَجْهِ فَلاحِهم وعِلَّتِه، أي: أنَّ كلَّ خَصلةٍ مِن هاتِهِ الخِصالِ هي مِن أسبابِ فَلاحِهم؛ ولمَّا كانت كلُّ خَصلةٍ مِن هذه الخِصالِ تُنبِئُ عن رُسوخِ الإيمانِ مِن صاحِبِها، اعْتُبِرَتْ لذلك سَببًا للفَلاحِ، على أنَّ ذِكْرَ عِدَّةِ أشياءَ لا يَقْتَضي الاقتصارَ عليها في الغرضِ المذكورِ [78] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/9). .
- وتَقييدُ الخُشوعِ بكَونِه في الصَّلاةِ؛ لقَصْدِ الجَمْعِ بين وَصْفِهم بأداءِ الصَّلاةِ وبالخُشوعِ. وذُكِرَ مع الصَّلاةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ أوْلى الحالاتِ بإثارةِ الخُشوعِ وقُوَّتِه؛ ولذلك قُدِّمَت، ولأنَّه بالصَّلاةِ أعلَقُ؛ فإنَّ الصَّلاةَ خُشوعٌ للهِ تعالى وخُضوعٌ له، ولأنَّ الخُشوعَ لمَّا كان للهِ تعالى كان أوْلى الأحوالِ به حالَ الصَّلاةِ؛ لأنَّ المُصلِّيَ يُناجِي ربَّهُ، فيُشعِرُ نَفْسَه أنَّه بين يدَيْ رَبِّه، فيَخشَعُ له؛ ولهذا الاعتبارِ قُدِّمَ هذا الوَصْفُ على بَقيَّةِ أوصافِ المُؤمِنينَ، وجُعِلَ مُواليًا للإيمانِ؛ فقد حصَلَ الثَّناءُ عليهم بوَصفينِ [79] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/9، 10). .
- وأيضًا قُدِّمَ فِي صَلَاتِهِمْ على خَاشِعُونَ؛ للاهتمامِ بالصَّلاةِ، وللإيذانِ بأنَّ لهم تَعلُّقًا شَديدًا بالصَّلاةِ؛ لأنَّ شأْنَ الإضافةِ أنْ تُفِيدَ شِدَّةَ الاتِّصالِ؛ لأنَّها على مَعْنى لامِ الاختصاصِ، فلو قيل: (الَّذين إذا صَلَّوا خَشَعُوا) فات هذا المعنى. وأيضًا لم يتأَتَّ وَصْفُهم بكَونِهم خاشعينَ إلَّا بُواسطةِ كَلمةٍ أُخرى، نَحْو: (كانوا خاشِعينَ)، وإلَّا يَفُتْ ما تدُلُّ عليه الجُملةُ الاسميَّةُ مِن ثَباتِ الخُشوعِ لهم ودَوامِه، أي: كونِ الخُشوعِ خُلُقًا لهم، بخِلافِ نَحوِ: (الَّذين خَشَعوا)؛ فحصَلَ الإيجازُ، ولم يَفُتِ الإعجازُ [80] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/10). .
3- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
- قولُه: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ فيه إعادةُ اسمِ الموصولِ وَالَّذِينَ دونَ اكتفاءٍ بعَطْفِ صِلَةٍ على صِلَةٍ؛ للإشارةِ إلى أنَّ كلَّ صِفَةٍ مِن الصِّفاتِ مُوجِبةٌ للفَلاحِ، فلا يُتَوهَّمُ أنَّهم لا يُفْلِحون حتَّى يَجْمَعوا بين مَضامينِ الصَّلاةِ كلِّها، ولِمَا في الإظهارِ في مَقامِ الإضمارِ مِن زِيادةِ تَقريرٍ للخَبرِ في ذِهْنِ السَّامعِ [81] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/10). .
- والتَّعبيرُ بـ مُعْرِضُونَ أبلَغُ مِن أنْ يُقالَ: (لا يَلْهُون)، مِن وُجوهٍ؛ وهي: جَعْلُ الجُملةِ اسميَّةً، وبِناءُ الحُكْمِ على الضَّميرِ، والتَّعبيرُ عنه بالاسمِ، وتَقديمُ الصِّلةِ عليه، وإقامةُ الإعراضِ مَقامَ التَّركِ؛ لِيَدُلَّ على تَباعُدِهم عنه رأْسًا؛ مُباشرةً وتَسبُّبًا، ومَيلًا وحُضورًا [82] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/82)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/545)، ((تفسير أبي السعود)) (6/124). .
4- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَصَفَهم بذلك بعْدَ وَصْفِهم بالخُشوعِ في الصَّلاةِ؛ لِيدُلَّ على أنَّهم بَلَغوا الغايةَ في القِيامِ على الطَّاعاتِ البَدنيَّةِ والماليَّةِ، والتَّجنُّبِ عن المُحرَّماتِ، وسائرِ ما تُوجِبُ المُروءةُ اجتِنابَه [83] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/82). . أو لكَثرةِ التَّآخي بينَ الصلاةِ والزكاةِ في القُرآنِ، وإنَّما فُصِلَ بينهما هنا بالإعراضِ عن اللَّغوِ؛ لأنَّ اللَّغوَ ممَّا يَخطُرُ بالبالِ عندَ ذِكْرِ الصَّلاةِ بجامِعِ الضِّدِّيَّةِ [84] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/13). .
- وعبَّرَ بقولِه: فَاعِلُونَ ولم يقُلْ: (مُؤدُّون)؛ لأنَّه لمَّا كانتِ الزَّكاةُ تُوجِبُ زَكاءَ المالِ، كان لَفْظُ (الفِعْلِ) ألْيقَ به مِن لَفْظِ (الأداءِ)؛ كأنَّه قِيلَ: لأجْلِ زَكاءِ المالِ يَفْعلون ما يَفْعلون، فالمُؤدَّى يَصيرُ زَكاةً بفِعْلِ المُزكِّي. وفي فَاعِلُونَ إشارةٌ إلى المُداومَةِ ما ليس في الأداءِ؛ تقولُ: هذا فِعْلُه، أي: شأْنُه ودأْبُه وعادَتُه [85] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/547). . وقيل: لا تُسمَّى العينُ المُخرَجةُ زَكاةً، فكان التَّعبيرُ بالفِعْلِ عن إخراجِه أوْلى منه بالأداءِ [86] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/547). . وقيل: إنَّما أُوثِرَ هنا الاسمُ الأعَمُّ -وهو فاعِلونَ-؛ لأنَّ مادَّةَ (ف ع ل) مُشْتهَرةٌ في إسداءِ المعروفِ، واشْتُقَّ منها الفَعَالُ [87] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/12). .
5- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ذُكِرَ حِفْظُ الفَرجِ هنا عَطْفًا على الإعراضِ عن اللَّغوِ؛ لأنَّ مِن الإعراضِ عن اللَّغوِ تَرْكَ اللَّغوِ بالأحرى؛ لأنَّ زَلَّةَ الصَّالحِ قد تأْتيهِ مِن انفلاتِ أحَدِ هذينِ العُضوينِ (اللسانِ والفرجِ) مِن جِهةِ ما أُودِعَ في الجِبِلَّةِ مِن شَهوةِ استعمالِهما [88] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/14). . أو أُفرِدَ ذلك بالذِّكْرِ بعْدَ تَعميمِ قولِه: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ؛ لأنَّ المُباشَرةَ أشْهَى الملاهي إلى النَّفسِ، وأعظَمُها خَطرًا [89] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/82، 83)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/550). .
- قولُه: فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ تَعليلٌ لِمَا يُفيدُه الاستثناءُ مِن عدَمِ حِفْظِ فُروجِهم مِنهنَّ [90] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/124). ؛ فالفاءُ في فَإِنَّهُمْ تَفريعٌ للتَّصريحِ على مَفهومِ الاستِثناءِ الَّذي هو في قُوَّةِ الشَّرطِ، فأشبَهَ التَّفريعُ عليه جَوابَ الشَّرطِ، فقُرِنَ بالفاءِ؛ تَحقيقًا للاشتراطِ. وزِيدَ ذلك التَّحذيرُ تَقريرًا بأنْ فُرِّعَ عليه فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ؛ لأنَّ داعيةَ غَلبةِ شَهوةِ الفَرْجِ على حِفظِ صاحِبِه إيَّاهُ غَريزةٌ طبيعيَّةٌ، يُخْشَى أنْ تَتغلَّبَ على حافِظِها [91] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/14). .
- وأُتِيَ لهم باسمِ الإشارةِ (أولئك) في قولِه: فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ؛ لزِيادةِ تَمييزِهم بهذه الخَصلةِ الذَّميمةِ؛ ليَكونَ وَصْفُهم بالعُدوانِ مَشهورًا مُقرَّرًا. وتَوسيطُ ضَميرِ الفصلِ (هُم)؛ لتَقويةِ الحُكْمِ [92] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/15). .
6- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ فيه جَمْعُ الأماناتِ باعتبارِ تَعدُّدِ أنواعِها، وتَعدُّدِ القائمينَ بالحِفْظِ؛ تَنصيصًا على العُمومِ [93] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/16). . والجَمْعُ بين رَعْيِ الأماناتِ ورَعْيِ العهدِ؛ لأنَّ العَهدَ كالأمانةِ؛ لأنَّ الَّذي عاهَدَك قدِ ائتَمَنَك على الوفاءِ بما يَقْتَضيه ذلك العَهدُ. وذِكْرُهما عقِبَ أداءِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ أمانةُ اللهِ عندَ الَّذين أنعَمَ عليهم بالمالِ؛ ولذلك سُمِّيَت: حَقَّ اللهِ، وحَقَّ المالِ، وحَقَّ المِسكينِ [94] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/17). .
7- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ فيه تَكرارُ ذِكْرِ الصَّلاةِ أوَّلًا وآخِرًا؛ لأنَّهما ذِكْرانِ مُختلفانِ وليس بتَكريرٍ؛ فالخُشوعُ في الصَّلاةِ غيرُ المُحافَظةِ عليها، حيث وُصِفُوا أوَّلًا بالخُشوعِ في صَلاتِهم، وآخِرًا بالمُحافَظةِ عليها؛ وذلك ألَّا يَسْهُوا عنها، ويُؤدُّوها في أوقاتِها، ويُقِيموا أركانَها، ويُوكِلُوا نُفوسَهم بالاهتمامِ بها، وبما يَنْبَغي أنْ تَتِمَّ به أوصافُها. وأيضًا وُحِّدَتْ أوَّلًا؛ لِيُفادَ الخُشوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانت، وجُمِعَت آخِرًا؛ لِتُفادَ المُحافظةُ على أعدادِها [95] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/177)، ((تفسير أبي حيان)) (7/550)، ((تفسير أبي السعود)) (6/125)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/18). .
- وأيضًا حصَلَ بذلك تَكريرُ ذِكْرِ الصَّلاةِ؛ تَنويهًا بها، ورَدًّا للعجُزِ على الصَّدرِ؛ تَحْسينًا للكلامِ الَّذي ذُكِرَت فيه تلك الصِّفاتُ؛ لِتَزدادَ النفْسُ قَبولًا لِسَماعِها ووَعْيِها، فتَتأسَّى بها [96] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/18). .
- والمُحافَظةُ في قولِه: يُحَافِظُونَ مُستعمَلةٌ في المُبالَغةِ في الحِفْظِ، وأتَى بلَفْظِ الفِعْلِ المُضارِعِ يُحَافِظُونَ، ولم يقُلْ: (مُحافِظون)؛ لِمَا في الصَّلاةِ منَ التَّجدُّدِ والتَّكرُّرِ، وهو السِّرُّ في جَمْعِها. وفصَلَ المحافظةَ على الصلاةِ عن الخشوعِ فيها، المذكورِ في قولِه: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 2] ؛ للإيذانِ بأنَّ كلًّا منهما فَضيلةٌ مُستقِلَّةٌ على حِيالِها، ولو قُرِنَا في الذِّكْرِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَجموعَ الخُشوعِ والمُحافظةِ فَضيلةٌ واحدةٌ، وفي تَصديرِ الأوصافِ وخَتْمِها بأمْرِ الصَّلاةِ: تَعظيمٌ لِشأْنِها [97] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/83)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/553)، ((تفسير أبي السعود)) (6/125). .
8- قولُه تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ جِيءَ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ؛ لِيُفيدَ أنَّ جَدارتَهم بما سيُذْكَرُ بعْدَ اسمِ الإشارةِ حَصَلَت مِن اتِّصافِهم بتلك الصِّفاتِ المُتقدِّمةِ [98] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/555)، ((تفسير أبي السعود)) (6/125)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/20). ، وإيثارُه على الإضمارِ؛ للإشعارِ بامتيازِهم بها عن غَيرِهم، ونُزولِهم مَنزِلةَ المُشارِ إليه حِسًّا، وما فيه مِن مَعنى البُعْدِ؛ للإيذانِ بعُلُوِّ طَبقتِهم، وبُعْدِ دَرجتِهم في الفضلِ والشَّرفِ [99] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/125). .
- وتَوسيطُ ضَميرِ الفصلِ (هُم)؛ لتَقويةِ الخَبرِ عنهم بذلك. أو أفادَ تَعريفُ الخبرِ وتَوسيطُ ضَميرِ الفصلِ الحَصْرَ [100] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/555)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/20). .
- وحُذِفَ مَعمولُ الْوَارِثُونَ؛ لِيَحصُلَ إبهامٌ وإجمالٌ، فيَترقَّبَ السَّامِعُ بَيانَه؛ فبُيِّنَ بقولِه: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ قَصْدًا لتَفخيمِ هذه الوِراثةِ وتأْكيدِها [101] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/178)، ((تفسير البيضاوي)) (4/83)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/555)، ((تفسير أبي حيان)) (7/550)، ((تفسير أبي السعود)) (6/125)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/20). . والإتيانُ في البَيانِ باسمِ الموصولِ الَّذِينَ الَّذي شأْنُه أنْ يَكونَ مَعلومًا للسَّامعِ بمَضمونِ صِلَتِه؛ إشارة إلى أنَّ تَعريفَ الْوَارِثُونَ تَعريفُ العَهْدِ، كأنَّه قِيلَ: هم أصحابُ هذا الوَصفِ المَعْروفونَ به [102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/20). .