موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيتان (58- 59)

ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ

غريبُ الكَلِمات:


نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ: (نِعمَّا) كلمةٌ مركَّبة من (نِعم) و(مَا)، أي: نعمَ شيئًا يعِظُكم به يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 784)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 914). .
تَأْوِيلًا: أي: عاقبةً ومعنًى وترجمةً وثوابًا في الآخِرة، والتَّأويل مِن أَوَل، أي: رجَع إلى الأصل، ومنه قِيل: مَوْئِل، للموضِعِ الَّذي يُرجَع إليه، وهو ردُّ الشَّيء إلى الغاية المرادة منه يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 130، 254)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/162)، ((المفردات)) للراغب (ص: 99)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 317). .

مشكل الإعراب:


قَوْله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا... أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
أَنْ تُؤَدُّوا: مصدر مؤوَّل بالصَّريح- أي: (تَأْدِية)، ومثله أَنْ تَحْكُمُوا، أي: حُكْم- وهو في مَوضِع نصْب؛ إمَّا على إسقاط حرف الجرِّ (نزْع الخافض)، وأَصله: بِأَنْ تُؤَدُّوا، وَبِأَنْ تَحكُموا؛ لأنَّ حذفه يطَّرد مع (أنْ) وعلى هذا يَجري الخلافُ في محلِّها: أهي في محلِّ نصب، أم جَرٍّ. إذا أُمِن اللَّبس لطولهما بالصِّلة، وإمَّا لأنَّ الفعل (أَمَرَ) يَتعدَّى إلى المفعول الثاني بنفسه، نحو: (أمرتك الخير) يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/201)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/366)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/9-12). .
أَنْ تَحْكُمُوا: معطوف على أن تُؤدُّوا، أي: يأمرُكم بتأديةِ الأمانات، وبالحُكمِ بالعَدل، فيكون فيه فصلٌ بين حرْف العطف والمعطوف بالظَّرف وهي مسألةُ خلافٍ. يُنظر في تفصيلها وتحريرها: ((الدر المصون)) للسَّمين الحلبي (4/10)، وكتُب النحو عمومًا. . وقيل: أَنْ تَحْكُمُوا المذكور مفسِّرٌ للمحذوف مِن عامل وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ حيث إنَّه قد حُذِف فعلٌ، تقديرُه: يأمرُكم أن تَحكُموا إذا حكمتم؛ فلا موضعَ لـأنْ تَحْكُمُوا؛ لأنَّه مُفسِّرٌ للمحذوف، والمحذوف مفعولُ يَأْمُرُكُمْ، ولا يجوز أن يعمل أَنْ تَحْكُمُوا في إِذَا؛ لأنَّ معمولَ المصدر لا يَتقدَّم عليه يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/201)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/366)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/9-12). .

المَعْنى الإجماليُّ:


يأمُر الله عباده بردِّ الأمانات إلى أصحابها، وأن يحكُموا بالعدل إذا حكَموا بين النَّاس، ونِعْم ما يأمرهم اللهُ به من أداء الأمانات والحُكم بالعَدْل بين النَّاس، إنَّ الله كان سميعًا بصيرًا.
ثمَّ أمر الله تعالى عبادَه المؤمنينَ بطاعَتِه سبحانه، وطاعةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنْ يُطيعوا من يتولَّون أمورَهم الدِّينيَّةَ والدُّنيوية، وهم العلماءُ والأمراء، يطيعونهم فيما لا يخالِفُ طاعةَ الله، وطاعةَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُرشِدُ اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين أنَّه في حال اختلفوا في شيءٍ مِن أَمْر دِينهم، فَلْيطلبوا معرفةَ حُكمِه من كتاب الله تعالى، وسنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، إن كانوا يؤمنونَ بالله واليومِ الآخِر، ذلك خيرٌ لهم، وأفضلُ، في دِينهم ودنياهم وآخِرَتِهم.

تفسير الآيتين:


إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا حكى عن أهلِ الكتابِ أنَّهم كتَموا الحقَّ، وذَكَر مِن أحوالِهم في تحريفِهم الكلِمَ عن مواضعه، وليِّهم ألسِنَتَهم، وافترائِهم على الله الكذبَ، وحسَدِهم بإنكارِ فضلِ الله؛ إذ آتاه الرَّسولَ والمؤمنينَ، وقولِهم للَّذين كفروا: هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا كلُّ ذلك يشتملُ على خيانةِ أمانةِ الدِّين، والعِلم، والحقِّ، والنِّعمة، وهي أماناتٌ معنويَّة- فناسَب أن يُعقِّبَ ذلك بالأمر بأداءِ الأمانة الحسِّيَّة إلى أهلِها، ويتخلَّص إلى هذا التَّشريعِ، فأمَر المؤمنينَ بأداءِ الأماناتِ في جميعِ الأمور، سواءٌ كانت تلك الأمورُ من باب المذاهبِ والدِّياناتِ، أو من باب الدُّنيا والمعاملاتِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/108). ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/138). .
وأيضًا لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى وعْدَ المؤمنينَ، وما لهم من الثَّوابِ العظيم، وذكَر عمَل الصالحاتِ، نبَّه على عملينِ شريفينِ مِن أَجَلِّ الأعمالِ الصالحةِ، مَن اتَّصَفَ بهما كان أحرى أن يتَّصفَ بغيرهما من الأعمال الصَّالحة؛ فأحدُهما: ما يختصُّ به الإنسانُ فيما بينه وبين غيره؛ وهو أداءُ الأمانة، والثَّاني: ما يكونُ بين اثنينِ من الفَصْل بينهما بالحُكْم العدلِ الخالي عن الهوى، وهو مِن الأعمالِ العظيمة الَّتي أمر الله بها رسلَه وأنبياءه والمؤمنينَ، ولَمَّا كان الترتيبُ الصَّحيح أن يبدأَ الإنسانُ بنفسِه في جَلْبِ المنافع ودفعِ المضارِّ، ثمَّ يشتغلَ بحال غيره، أمَر بأداءِ الأمانة أوَّلًا، ثمَّ بعده أَمَر بالحُكم بالحقِّ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/684) وينظر ((تفسير الرازي)) (10/108). فقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
أي: إنَّ مَن له الألوهيَّةُ والحُكم عزَّ وجلَّ، يأمركم بأن تردُّوا كلَّ ما اؤْتُمِنْتم عليه إلى أصحابه، سواءٌ كان من حقوقِ الله تعالى أو مِن حقوقِ عباده؛ فرُدُّوه كاملًا موفَّرًا، من غير نقصٍ ولا بخسٍ ولا مماطلةٍ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/338)، ((تفسير السعدي)) (ص: 183)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/438-439). .
وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
أي: ويأمُرُكم اللهُ تعالى أيضًا بالحُكم بالعدل في كلِّ شيء، ومع كلِّ أحدٍ من النَّاس؛ وذلك بالحُكم بشريعةِ الله تعالى فهي العدل كُلُّه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/341)، ((تفسير السعدي)) (ص: 183)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/440). .
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ
أي: ونِعم الشَّيءُ يعِظُكم به ربُّكم سبحانه وتعالى في أمرِه لكم- أداءُ الأماناتِ إلى أهلها، والحُكمُ بالعدل بين النَّاس يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/173)، ((تفسير ابن كثير)) (2/341)، ((تفسير السعدي)) (ص: 183)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/440). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا
أي: إنَّه سبحانه سميعٌ لأقوالكم، بصيرٌ بأفعالكم، ومن ذلك أداءُ الأمانات إلى أهلِها، وحُكمُكم بين النَّاس يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/173-174)، ((تفسير ابن كثير)) (2/341)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/441). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا أمر سبحانه الرُّعاةَ والوُلاة بالعدلِ في الرَّعيَّة، ورغَّب فيه ورهَّب مِن تَرْكِه، أمَر الرَّعيَّة بطاعة الولاةِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/112)، ((تفسير أبي حيان)) (3/686)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/310). وذلك لأنَّ الطَّاعةَ لهم هي مظهرُ نفوذ العدل الَّذي يحكُمُ به حكَّامهم؛ فطاعة الرَّسول تشتمل على احترام العدلِ المشرع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذٌ للعدل، وأشار بهذا التَّعقيب إلى أنَّ الطَّاعة المأمورَ بها هي الطَّاعةُ في المعروف. ((تفسير ابن عاشور)) (5/96). .
سَببُ النُّزول:
عن ابن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما أنَّه قال في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]، قال: ((نزَلت في عبدِ الله بن حُذَافةَ بن قيس بن عدي؛ إذ بعَثه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سَريَّة )) رواه البخاري (4584). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
أي: يا أيُّها المؤمنون أطيعوا اللهَ تعالى، وأطيعوا رسوله محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك بامتثالِ أمْرِهما، واجتنابِ نَهْيِهما يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/174-175)، ((تفسير السعدي)) (ص: 183)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/446-447). .
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
أي: وأطيعوا أيضًا الوُلاةَ عليكم الَّذين يَلُون لكم أمورَ دِينكم ودنياكم، وهم الأمراء والعُلماء؛ فأطيعوهم فيما لم يكُنْ فيه مخالفةٌ لطاعة الله تعالى وطاعةِ رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 183-184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/447). .
عن عليِّ بن أبي طالب رضِي اللهُ عنه، قال: ((بعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سرِيَّةً، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصارِ، وأَمَرَهم أن يسمعوا له ويُطيعوا، فأغضبُوه في شيءٍ، فقال: اجمَعوا لي حطبًا، فجمَعوا له، ثمَّ قال: أَوقِدوا نارًا، فأوقَدوا، ثمَّ قال: ألم يأمُرْكم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخُلوها، قال: فنظر بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: إنَّما فرَرْنا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من النَّارِ، فكانوا كذلك، وسَكَن غضبُه، وطُفِئَتِ النَّارُ، فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: لو دَخَلوها ما خرَجوا منها؛ إنَّما الطَّاعةُ في المعروفِ )) رواه البخاري (7145)، ومسلم (1840) واللفظ له. .
وفي رواية: ((لا طاعةَ في معصيةِ اللهِ، إنَّما الطَّاعة في المعروفِ )) رواه مسلم (1840)، من حديث علي رضي الله عنه. .
وعن عُبادة بن الصَّامتِ رضِي اللهُ عنه، قال: ((بايَعْنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على السَّمعِ والطَّاعة في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وألَّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقومَ- أو: نقولَ- بالحقِّ حيثُما كنَّا لا نَخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ )) رواه البخاري (7199) واللفظ له، ومسلم (1840). .
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
أي: فإن اختلفتم- أيُّها المؤمنون- في شيءٍ مِن أمرِ دِينكم؛ مِن أصولِه وفروعِه، فاطلبوا معرفةَ حُكمِه من كتابِ الله تعالى وسنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/184- 185)، ((تفسير ابن كثير)) (2/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/448-449). .
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
أي: افعلوا ذلك إن كنتم مؤمنين بالله تعالى حقًّا، ومؤمنين بالآخرة أيضًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/185)، ((تفسير ابن كثير)) (2/345-346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/449). .
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
أي: ردُّكم لِما اختلفتُم فيه إلى الكتاب والسُّنَّة خيرٌ لكم وأفضلُ، في دِينكم ودنياكم وآخرتِكم، وأحسنُ عاقبةً يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/187)، ((تفسير ابن كثير)) (2/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .

الفوائد التربوية:


1- معاملة الإنسانِ إمَّا أن تكونَ مع ربِّه أو مع سائر العبادِ، أو مع نفسِه، ولا بدَّ من رعايةِ الأمانةِ في جميع هذه الأقسام الثَّلاثة، أمَّا رعايةُ الأمانةِ مع الرَّبِّ: فهي في فِعلِ المأمورات وتَرْك المنهيَّاتِ، وأمَّا القِسْم الثَّاني: وهو رعايةُ الأمانة مع سائر الخَلْقِ، فيدخُلُ فيه ردُّ الودائع، ويدخُلُ فيه تركُ التَّطفيفِ في الكَيل والوزن، ويدخل فيه ألَّا يُفشيَ على النَّاس عيوبَهم، ويدخلُ فيه عدلُ الأمراء مع رعيَّتِهم، وعدلُ العلماء مع العوامِّ بألَّا يَحْمِلوهم على التَّعصُّبات الباطلة، بل يرشدونهم إلى اعتقاداتٍ وأعمالٍ تنفَعُهم في دنياهم وأخراهم، ويدخل فيه أمانةُ الزَّوجة للزَّوج في حفظِ فرجِها، وفي ألَّا تُلحِقَ بالزَّوج ولدًا يُولَدُ من غيره، وغيرها، وأمَّا القِسْم الثَّالث: وهو أمانةُ الإنسان مع نفسِه فهو ألَّا يختارَ لنفسه إلَّا ما هو الأنفعُ والأصلحُ له في الدِّين والدُّنيا، وألَّا يُقدِمَ بسبب الشَّهوة والغضبِ على ما يضُرُّه في الآخرة، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/109).
2- نستفيد من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وجوبَ أداء الشَّهادة على الشَّاهد كما تحمَّلَها؛ لأنَّ الشَّاهدَ مؤتَمَنٌ، فيجبُ عليه أن يؤدِّيَ الشَّهادةَ كما تحمَّلَها من غير زيادةٍ ولا نقص، وهل يجوز أن يؤدِّيَها بالمعنى؟ الجواب: نَعم، إذا كان عالِمًا بالمعنى، ولم يحدُثْ ما يتغيَّرُ به المعنى، فإنَّه لا بأس أن يؤدِّيَها بالمعنى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/442).
3- قوله: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ فيه التَّعبيرُ بالعدل دون المساواة، التي شُغِف بالتعبير بها كثيرٌ من العصريِّين، ولا تكادُ تجدُ أحدًا منهم يقول: الدِّينُ الإسلاميُّ دِينُ العَدْلِ، بل يقولُ: الدِّينُ الإسلاميُّ دِينُ المساواة؛ مما جعل المرأة تقول: لا بدَّ أن أُعامَلَ كما يعامَلُ الرَّجلُ، وجعل الرَّجلُ السَّاقطُ الَّذي لا خيرَ فيه يقول: لا بدَّ أن أعامَلَ كما يعامَلُ الشَّريفُ، وهلمَّ جرًّا، لكن إذا استعملنا العَدْلَ، فمعناه أن نُنْزِلَ كلَّ إنسانِ منزلتَه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/444). .
4- الرَّدُّ إلى اللهِ ورسوله شرطٌ في الإيمانِ؛ فلهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فدلَّ ذلك على أنَّ مَن لم يرُدَّ إليهما مسائلَ النِّزاعِ فليس بمؤمنٍ حقيقةً يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ...هاتانِ الآيتانِ هما أساسُ الحُكومة الإسلاميَّةِ، ولو لم يَنزِلْ في القرآن غيرُهما لكَفَتَا المسلِمين في ذلك إذا هم بنَوْا جميعَ الأحكامِ عليهما يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/136). .
2- وفي قوله: إِلَى أَهْلِهَا دلالةٌ على أنَّها لا تُدفَع وتؤدَّى لغير المؤتَمِن، ووكيلُه بمنزلتِه؛ فلو دفعها لغير ربِّها لم يكُنْ مؤدِّيًا لها يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 183). .
3- أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ تُسمَّى موعظةً؛ لأنَّ الله تعالى قال: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، مع أنَّه ليس فيها وعيدٌ، وليس فيها تهديدٌ، وإنَّما فيها بيانُ أحكامٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/445). .
4- أنَّه تعالى لَمَّا أمَر في هذه الآيات بالحُكمِ على سبيل العدلِ وبأداءِ الأمانة، قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، أي: إذا حكمتَ بالعدلِ فهو سميعٌ لكلِّ المسموعاتِ، يسمَعُ ذلك الحُكم، وإن أدَّيْتَ الأمانةَ فهو بصيرٌ لكلِّ المُبصَراتِ، يُبصِرُ ذلك، ولا شكَّ أنَّ هذا أعظمُ أسبابِ الوعد للمُطِيع، وأعظمُ أسباب الوعيد للعاصي يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/111). .
5- كلَّما كان احتياجُ العبدِ أشدَّ، كانت عنايةُ الله أكملَ، والقضاةُ والوُلاةُ قد فوَّض الله إلى أحكامِهم مصالحَ العباد، فكان الاهتمامُ بحُكمهم وقضائِهم أشدَّ؛ فهو سبحانه مُنزَّه عن الغفلةِ والسَّهو والتَّفاوت في إبصار المبصَراتِ وسماعِ المسموعات، ولكن لو فرَضْنا أنَّ هذا التَّفاوتَ كان ممكِنًا، لكان أَولى المواضعِ بالاحترازِ عن الغفلةِ والنِّسيان هو وقتَ حُكمِ الولاة والقضاة، فلمَّا كان هذا الموضعُ مخصوصًا بمزيد العنايةِ، لا جرَمَ قال في خاتمة هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا  فما أحسَنَ هذه المقاطعَ الموافِقةَ لهذه المطالعِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/111). .
6- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ إنَّما أُعِيد فِعلُ: (وأطيعوا الرَّسول) مع أنَّ حرفَ العطف يُغني عن إعادته؛ إظهارًا للاهتمامِ بتحصيل طاعةِ الرَّسول؛ لتكونَ أعلى مرتبةً من طاعةِ أُولي الأمر، ولينبِّهَ على وجوب طاعتِه فيما يأمُرُ به، ولو كان أمرُه غيرَ مقترنٍ بقرائنِ تبليغ الوحيِ؛ لئلا يتوهَّمَ السَّامعُ أنَّ طاعةَ الرَّسول المأمورَ بها ترجعُ إلى طاعةِ الله فيما يُبلِّغُه عن الله دون ما يأمُرُ به في غير التَّشريعِ؛ فإنَّ امتثالَ أمرِه كله خيرٌ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/97). ، وأيضًا ليفيد بيان الدَّلالتين؛ فالكتاب يدلُّ على أمرِ الله، ثمَّ نعلَمُ منه أمرَ الرَّسول لا محالةَ، والسُّنَّةُ تدلُّ على أمر الرَّسول، ثمَّ نعلَمُ منه أمرَ الله لا محالةَ، فثبَت بما ذكرناه أنَّ قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يدلُّ على وجوب متابعةِ الكتاب والسُّنَّة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/112). .

بَلاغةُ الآيتين:


1- قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ: جملةٌ مستأنَفة مُقرِّرة لِما قبلها، متضمِّنةٌ لمزيدِ لُطفٍ بالمخاطَبينَ، وحُسْنِ استدعاءٍ لهم إلى الامتثالِ بالأمرِ، و(إنَّ) فيها لمجرَّدِ الاهتمامِ بالخَبَر؛ لظهورِ أنَّ مِثلَ هذا الخبرِ لا يقبَلُ الشَّكَّ حتَّى يُؤكَّدَ؛ لأنَّه إخبارٌ عن إيجاد شيءٍ لا عن وجوده، فهو والإنشاءُ سواءٌ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/193)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/91). .
- قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ فيهِ بيانُ عظَمةِ الله عزَّ وجلَّ؛ وذلك حيث عبَّر عن نفْسِه تباركَ وتعالى بصيغةِ الغائِبِ التي تدُلُّ على التَّعظيمِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/441). .
2- قوله: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ واقعةٌ موقعَ التَّحريضِ على امتثالِ الأمرِ، فكانت بمنزلة التَّعليلِ، وأغنَتْ (إنَّ) في صَدْرِ الجملة عن ذِكر فاءِ التَّعقيبِ، كما هو الشَّأن إذا جاءت (إنَّ) للاهتمامِ بالخبرِ دون التَّأكيدِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/96). .
3- قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا خبرٌ فيه وعدٌ ووعيدٌ، وإظهارُ الجلالة فيه تأكيدٌ لكلٍّ من الوعدِ والوعيدِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/193). ، مع ما في تأكيدِ الخبر بـ(إنَّ) واسميَّةِ الجُملةِ.
4- قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ: لفظ شَيْء نكِرة متوغِّلة في الإبهام؛ فهو في حيِّز الشَّرط يُفيدُ العموم، أي في كلِّ شيءٍ، فيصْدُقُ بالتَّنازعِ في الخُصومة على الحقوق، ويصدُقُ بالتَّنازع في اختلاف الآراء عند المشاوَرةِ، أو عند مباشَرةِ عملٍ ما؛ كتنازُعِ ولاةِ الأمورِ في إجراءِ أحوالِ الأمَّةِ، ولقد حسَّن موقعَ كلمةِ (شيءٍ) هنا تعميمُ الحوادثِ وأنواعِ الاختلافِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/99). .
5- قوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ شرطٌ، وجوابُه محذوفٌ، أي: فردُّوه إلى اللهِ والرَّسولِ، وهو شرطٌ يُرادُ به الحضُّ على اتِّباع الحقِّ؛ لأنَّه ناداهم أولًا بـيا أيها الذين آمنوا، فصار نظير: إنْ كُنتَ ابني فأَطِعْني. وفيه إشعارٌ بوعيدِ مَن لم يَرُدَّ إلى اللهِ تعالى والرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/688). ، وهو تحريضٌ وتحذيرٌ معًا؛ لأنَّ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخِرِ وازعانِ يَزعانِ عن مُخالفةِ الشَّرعِ، والتَّعريضِ بمصالحِ الأمَّة للتَّلاشي، وعن الأخْذ بالحُظوظِ العاجلةِ مع العِلم بأنَّها لا تُرضي اللهَ وتضرُّ الأمَّة؛ فدأب المسلم الصادق الإقدام عند اتضاح المصالح، والتأمُّل عِندَ الْتِباسِ الأمرِ، وأنْ يصدُرَ بعدَ عَرْضِ المُشكِلاتِ على أصولِ الشَّريعة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور )) (5/101). .