موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (60- 65)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ

غريبُ الكَلِمات:


يَزْعُمُونَ: يَكذِبون، والزَّعم: يُطلَق على حِكايةِ قولٍ يكونُ مَظِنَّةً للكذبِ، وعَلَى اعتقادِ الباطِل بتقوُّلٍ، والقَولِ مع الظَّنِّ، ويُطلَقُ كذلك على الكَلامِ الذي لا سَنَدَ له، وإنَّما يُحكَى على الْأَلْسُنِ على سَبيلِ البَلاغِ، وأصلُ (زعم): القولُ مِن غير صِحَّةٍ ولا يقينٍ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/10)، ((المفردات)) للراغب (ص: 380)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/303)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 488). .
أَنْ يَتَحَاكَمُوا أي: أنْ يَجْعَلوه حَكَمًا، أي: قاضيًا، والحُكم بالشَّيء: القضاء بأنَّه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزَمْتَ ذلك غيرَكَ أو لم تُلْزِمْه، والإحكامُ هو الفَصلُ والتَّمييزُ، والفَرْق والتحديدُ الذي به يَتحقَّقُ الشيء ويحصُل إتقانُه، وأصل (حَكَم): مَنَع منعًا لإصلاحٍ، ومِنه سُمِّيت اللِّجام: حَكَمَةَ الدابَّة ينظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/91)، ((المفردات)) للراغب (ص: 248)، ((الإكليل في المتشابه والتأويل)) لابن تيمية (ص: 11). .
بَلِيغًا: أي: قَويًّا يَبْلُغُ شَغَافَ قلوبِهم لبَلاغَتِه وفَصاحتِه، ومن بلاغةِ الكلامِ أنْ يكون صوابًا في موضوعِ لُغتِه، وطِبقًا للمعنى المقصودِ به، وصِدْقًا في نفْسه. وأصل (بلغ): الوُصولُ إلى الشَّيءِ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/301)، ((المفردات)) للراغب (ص: 145). .
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ: أي: فيما اختلَفوا فيه، واختلَط بينهم، والتَّشاجُر: المنازَعةُ، وأصْلُ (شجر): تداخُلُ الشَّيءِ بَعْضِه في بعضٍ يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 130)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/246)، ((المفردات)) للراغب (ص: 446)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 67)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140). .
حَرَجًا: أي: شكًّا وضِيقًا، والحَرَج: الضِّيقُ والإثْمُ، وأصْلُ الحَرَج: تجمُّع الشَّيء وضِيقُه يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 130)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/50)، ((المفردات)) للراغب (ص: 226)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 67). .

المَعْنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: ألَا تتعجَّبُ- يا محمَّدُ- مِن حالِ أولئك الَّذين يدَّعون كَذِبًا أنَّهم يؤمنونَ بالقرآنِ وبِغيرِه من الكُتُب السَّماويَّةِ السَّابقةِ، ومع ذلك يُريدون أن يتحاكَموا إلى غيرِ ما أنزَل اللهُ، وقد أُمِروا أن يكفُروا بالحُكمِ إذا كان كذلك، ويريدُ الشَّيطانُ أن يُغويَهم عن طريقِ الهدايةِ غَوايةً شديدةً.
وإذا قيل لهم: تعالَوْا إلى ما أنزله اللهُ تعالى في كتابه وفي سنَّةِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، رأيتَ هؤلاءِ المنافقينَ مُعرِضين عنك وعمَّا تَدْعوهم إليه، ويمنَعونَ غيرَهم كذلك عنه.
فكيف سيكونُ حالُ هؤلاء المنافِقينَ إذا حلَّت عليهم مُصيبةٌ بسبب كفرِهم وذُنُوبِهم، ومنه تحاكُمُهم إلى غيرِ ما أنزَل اللهُ تعالى، ثمَّ أتَوْا إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُعتذرينَ يَحْلِفون بالله كذِبًا أنَّهم ما تَحاكَموا إلى غيرِه إلَّا بقصدِ الإحسانِ إلى المتخاصِمينَ والتَّوفيقِ بينهم، ولم يكونوا معتقدينَ صحَّةَ تلك الحكومةِ، فأخبَر تعالى أنَّه يعلَمُ ما تنطوي عليه قلوبُهم من نفاقٍ وقصدٍ سيئٍ في فِعْلِهم ذلك، وسيجازيهم على ذلك، وأَمَرَ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بالإعراضِ عنهم، وترغيبِهم في الانقيادِ للهِ ولرسولِه، وحذَّرهم من مخالفةِ ذلك، وأن ينصَحَهم سِرًّا نصيحةً مؤثِّرةً تصِلُ إلى قَرارةِ أنفسِهم.
ثمَّ يُخبِر تعالى أنَّه ما أرسَل رسولًا إلَّا والغرضُ من ذلك الإرسالِ أن يُطيعَه المرسَلُ إليهم، ويتَّبِعوه بتقدير الله وقضائه ومشيئتِه، ولو أنَّهم حين يقَعون في ظُلْم أنفسِهم بالذَّنبِ والخطيئةِ يأتون الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم -في حالِ حياتِه- مُقرِّينَ بذُنُوبِهم، طالبينَ من الله مغفرتَها، وطلَبَ الرَّسولُ مِن الله أن يغفِرَ لهم تلك الذُّنوبَ، حينها سيَجِدونَ من اللهِ الصَّفحَ عن ذنوبِهم تلك، وسيتوبُ عليهم وسيرحَمُهم.
ثمَّ أقسَم تعالى بنفسِه فقال: فلا وربِّك يا محمدُ لا يؤمن أحدٌ إيمانًا يُقبَل منه حتَّى يُحكِّمَك في جميعِ الأمور الَّتي يحدُثُ فيها التَّنازعُ، ثمَّ لا يَجِدَ في نفسِه ضِيقًا وحرَجًا من الحُكم الَّذي يصدُرُ منك، وينقادَ له، ويُسلِّمَ تسليمًا كليًّا.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا أوجَب اللهُ تعالى في الآيةِ الأولى على جميعِ المكلَّفين أن يُطيعوا اللهَ ويُطيعوا الرَّسولَ، ذكَر في هذه الآيةِ أنَّ المنافقينَ والَّذين في قلوبهم مرضٌ لا يُطيعونَ الرَّسولَ، ولا يرضَوْن بحُكمِه، وإنَّما يريدونَ حُكمَ غيرِه متعجِّبًا من حالهم مع ادِّعائهم الإيمانَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/119)، ((تفسير أبي حيان)) (3/688). .
وأيضًا لَمَّا ذكَر الله تعالى أنَّ اليهودَ يؤمِنونَ بالجِبْتِ والطَّاغوت إلخ، وذكَر مِن سوء حالِهم ووعيدِهم ما ذكَر، ثمَّ أمر المؤمنين بعد ذلك بأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها، والحُكمِ بالعَدْل، وأَمَرَهم بطاعةِ الله ورسولِه في كلِّ شيءٍ، وطاعةِ أُولي الأمر، وبِرَدِّ ما تنازَعوا فيه إلى اللهِ ورسولِه- بيَّن لنا بعْدَ هذا حالَ طائفةٍ أخرى بين الطَّائفتينِ، وهم المنافقون الَّذين يزعمون أنَّهم آمَنوا، ومن مقتضى الإيمان: امتثالُ ما أُمِر به المؤمنونَ في الآيتين السَّابقتينِ، ولكنَّهم مع هذه الدَّعوى يريدونَ أنْ يَتحاكَموا إلى الطَّاغوتِ الَّذي عليه تلك الطَّائفةُ يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/181). .
سَببُ النُّزول:
عن ابن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قال: كان أبو بَرْزةَ الأسلميُّ كاهنًا يَقضي بين اليهود فيما يَتنافَرون إليه، فتنافر إليه أناسٌ مِن أسلَمَ، فأنزَل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ [النساء: 60] إلى قوله: وَتَوْفِيقًا [النساء: 62] رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (5547)، والطبراني (11/373) (12045)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (141). قال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) (7/9): رجاله رجال الصَّحيح. وجود إسناده ابن حجر في ((الإصابة)) (4/19)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/532). .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
أي: ألَا تتعجَّب- يا محمَّدُ- مِن حال أولئك الَّذين يزعُمون أنَّهم يؤمِنونَ بالقرآن، وبغيره من الكتب الإلهيَّة السَّابقة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/188)، ((تفسير ابن كثير)) (2/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/460-461). قال الرازي: (اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين) ((تفسير الرازي)) (10/121). ؟!
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
أي: وهم مع ذلك يودُّون التَّحاكُمَ في فصلِ الخصوماتِ إلى غير الكتابِ والسُّنَّة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/188-189)، ((تفسير ابن كثير)) (2/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/462). .
وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
أي: والحالُ أنَّهم قد أُمروا أن يكفُروا بالحُكم بغيرِ ما أنزَل اللهُ جلَّ وعلا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/189)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/462). .
وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا
أي: إنَّ الشَّيطانَ يريد أن يجُورَ بهؤلاء المتحاكِمينَ إلى الطَّاغوت جَورًا شديدًا بَعِيدًا عن سبيل الحقِّ والهُدى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/188-189)، ((تفسير ابن كثير)) (2/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/462). .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
ولَمَّا ذكَر ضلالَهم بالإرادةِ ورغبتَهم في التَّحاكمِ إلى الطَّاغوت، ذكَر فِعلَهم فيه؛ في نُفرتِهم عن التَّحاكمِ إلى رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقال يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/313). :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
أي: وإذا قيل للمنافقين: هلمُّوا وأقبِلوا على حُكمِ الله تعالى، الَّذي أنزَله في كتابِه وفي سنَّة رسوله محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/195)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/463). .
رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا
أي: أبصرتَ أولئك المنافقينَ مُعرِضينَ وممتنِعينَ مِن المصيرِ إليك للحُكم بينهم؛ بسبب نفاقِهم، ويمنَعون غيرَهم كذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/196)، ((تفسير ابن كثير)) (2/346)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/463). .
كما قال تعالى عن المشركين: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان: 21].
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
أي: فكيف يكون حالُ هؤلاء المنافقينَ إذا ساقَتْهم المقاديرُ إليك في مصائبَ حلَّتْ بهم بسبب كُفرِهم وذنوبهم، ومن ذلك تحاكُمُهم إلى غيرِ ما أنزل اللهُ تعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/196)، ((تفسير ابن كثير)) (2/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .
ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا
أي: ثمَّ أتاك هؤلاء المنافقون- يا محمَّدُ- يُقسِمونَ بالله تعالى كذِبًا وزورًا وجُرأةً على الله عزَّ وجلَّ معتذرينَ بأنَّهم ما أرادوا بذَهابِهم للتَّحاكُمِ إلى غيرك إلَّا الإحسانَ إلى المتخاصمينَ، والتَّوفيقَ بينهم، ومداراةَ النَّاس ومصانَعتَهم، لا اعتقادًا منهم بصحَّةِ تلك الحكومةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/196-197)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/468). .
كما قال تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة: 52].
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ
أي: إنَّ اللهَ تعالى يعلَمُ حقيقةَ ما تُكِنُّه قلوبُهم من النِّفاقِ والقصدِ السَّيِّئ في احتكامِهم إلى الطَّاغوت, وتركِهم الاحتكامَ إليك, وإن حلَفوا باللهِ ما أرَدْنا إلَّا إحسانًا وتوفيقًا، وسيَجزيهم على ذلك، فإنَّه لا تخفى عليه خافيَةٌ سبحانه، فاكتفِ به- يا محمَّدُ- فيهم؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عالمٌ بهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/197)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
أي: فدَعْهم ولا تُبالِ بهم، ولا تعاقِبْهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/197)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/469). .
وَعِظْهُمْ
أي: ورغِّبهم في الانقيادِ لله تعالى ولرسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام، وخوِّفهم وحذِّرهم مِن تَرْكِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/197)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/470). .
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا
أي: انصَحْهم- يا محمَّدُ- سِرًّا فيما بينك وبينهم بكلامٍ بليغٍ مؤثِّر يصِلُ إلى قرارةِ نفوسِهم؛ ليزجُرَهم ويردَعَهم عمَّا هم عليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/197)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/471). وقولُه: في أنفسهم يجوزُ أن يتعلَّق بقولِه: بليغًا،  ويجوزُ أن يتعلَّق بفعلِ (قل لهم)، أي: قل لهم قولًا في شأنِ أنفسِهم. ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/108). قال ابنُ عثيمينَ: (قوله: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا أي: قل لهم قولًا يصلُ إلى قرارةِ نفوسِهم، ولهذا جُعل ظرفُ القولِ هو النَّفس، ويحتملُ أن يكونَ المعنى وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أي: في شأنِهم وحالِهم قولًا بليغًا يبلغُ قلوبَهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًّا؛ أي: قل لهم في شأنِهم وفي أنفسِهم بأنَّكم فعلتُم كذا وفعلتُم كذا، أو قل لهم قولًا في النَّفس يصلُ إلى النُّفوس، وإلى قرارةِ القلوبِ. ((تفسير ابن عثيمين - سورة النساء)) (1/470). والقولُ البليغُ قيل: هو التوعُّد بالقتلِ إن استداموا حالةَ النِّفاق، قاله الحسنُ. ينظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/73)، ((تفسير القرطبي)) (5/265). .
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا أمَر اللهُ سبحانه وتعالى بطاعة الرَّسولِ في قوله: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]، ثمَّ حكى أنَّ بعضَهم تحاكَمَ إلى الطَّاغوتِ ولم يتحاكَمْ إلى الرَّسول، وبيَّن قُبحَ طريقِه وفسادَ منهجِه- رغَّب بهذه الآية مرَّةً أخرى في طاعةِ الرَّسول؛ فقال يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/124). :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
أي: لم يبعَثِ اللهُ تعالى الرُّسلَ- ومنهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم- إلَّا لأجلِ أن يُطيعَهم النَّاسُ ويتَّبِعوهم، وذلك بتقديرِ الله تعالى وقضائِه ومشيئتِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/199)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/480-481). .
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
أي: ولو أنَّهم حين يقَعُ منهم الخطأُ والزَّللُ أتَوا إليك- يا محمَّدُ- في حال حياتِك، معترفينَ بذنوبهم، طالبينَ مِن الله تعالى سَترَها والتَّجاوزَ عن المؤاخَذِة بها، وطلبْتَ مِن الله تعالى أن يغفِرَ لهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/198)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 184)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/479-480). .
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا
أي: لو فعَلوا ذلك، لتاب اللهُ جلَّ وعلا عليهم بمغفرتِه ظُلْمَهم، ورحِمهم بالتَّوفيقِ للتَّوبة وقَبولِها والثَّوابِ عليها، وعدمِ مؤاخَذتِهم بذُنوبهم الَّتي تابوا منها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/199)، ((تفسير ابن كثير)) (2/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 185). .
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)
سَببُ النُّزول:
عن عبدِ الله بن الزُّبير رضِي اللهُ عنهما: ((أنَّ رجلًا من الأنصارِ خاصم الزُّبيرَ عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، في شِراجِ الحَرَّةِ الَّتي يسقون بها النَّخلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّحِ الماءَ يمُرُّ، فأبى عليه، فاختصموا عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للزبيرِ: "اسْقِ يا زبيرُ، ثمَّ أَرْسِلِ الماءَ إلى جارِك"، فغضب الأنصاريُّ؛ فقال: يا رسولَ اللهِ، أنْ كان ابنَ عمَّتِك! فتلوَّنَ وجهُ نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ قال "يا زبيرُ، اسْقِ، ثمَّ احبِسِ الماءَ حتَّى يرجعَ إلى الجَدْرِ"، فقال الزُّبيرُ: واللهِ، إنِّي لَأحسبُ هذه الآيةَ نزلت في ذلك هذه الصيغة ليست صريحة في كونه سبب النزول. وقد قال ابنُ جرير: (وهذا القولُ؛ أعني قولَ من قال: عُنِيَ به المحتَكِمان إلى الطاغوتِ اللَّذان وصَف الله شأنَهُما في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء: 60] أَوْلى بالصواب؛ لأن قوله: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] في سياق قِصَّة الذين ابتدأ الله الخبرَ عنهم بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [النساء: 60] ولا دلالةَ تدلُّ على انقطاع قصتهم؛ فإلحاقُ بعض ذلك ببعضٍ ما لم تأتِ دلالةٌ على انقطاعه أولى، فإنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ في الذي رُوِيَ عن الزبير وابن الزبير من قصَّتِه وقصة الأنصاريِّ في شِراجِ الحَرَّة, وقولُ من قال في خبرهما, فنزلت: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] ما يُنبئُ عن انقطاعِ حُكم هذه الآية وقِصَّتها من قِصَّة الآياتِ قبلها, فإنَّه غيرُ مستحيلٍ أن تكون الآيةُ نزلت في قصة المحتكمينَ إلى الطاغوت, ويكون فيها بيانُ ما احتكم فيه الزبيرُ وصاحبه الأنصاريُّ؛ إذ كانت الآيةُ دالةً على ذلك. وإذ كان ذلك غيرَ مستحيلٍ, كان إلحاقُ معنى بعضِ ذلك ببعضٍ أولى ما دام الكلامُ متَّسقةً معانيه على سياقٍ واحد, إلا أن تأتيَ دلالةٌ على انقطاعِ بعضِ ذلك من بعضٍ, فيُعدَلَ به عن معنى ما قبْلَه) ((تفسير ابن جرير)) (7/204-205).  : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا)) رواه البخاري (2359)، ومسلم (2357) واللفظ له. .
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
أقسَم تعالى بنفسه الكريمة على أنَّه لا يؤمن أحدٌ- يا محمَّدُ- الإيمانَ المطلوبَ والمقبولَ منه، حتَّى يحكِّمَك في جميع الأمورِ الَّتي يحصلُ فيها اختلافٌ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/349)، ((تفسير السعدي)) (ص: 185)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/457). .
ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
أي: ثمَّ لا يكفي هذا التَّحكيمُ الظَّاهر حتَّى يطيعوك في بواطنِهم أيضًا بأن ينتفيَ الضِّيقُ والحَرَج من قلوبهم ممَّا حكَمْتَ به- يا محمَّدُ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/349)، ((تفسير السعدي)) (ص: 185)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/457). .
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
أي: وينقادوا لِقَضائك؛ إذعانًا منهم بالطَّاعة, وإقرارًا بحُكْمِك، فيسلِّموا لذلك تسليمًا كلِّيًّا من غير ممانَعةٍ ولا مدافَعة ولا منازَعة، تسليمًا بانشراحِ صدرٍ، وطمأنينةِ نَفْسٍ، وانقيادٍ بالظَّاهرِ والباطِنِ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/349)، ((تفسير السعدي)) (ص: 185)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/457). .

الفوائد التربوية:


1- وجوبُ الإعراضِ حيث لا ينفع الكلامُ؛ لقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/477). .
2- في قوله تعالى: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا هذا دليلٌ على أنَّ مقترِفَ المعاصي وإن أُعرِض عنه فإنَّه يُنصَحُ سرًّا، ويبالَغُ في وعظِه بما يُظَنُّ حصولُ المقصودِ به يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .
3- أنَّه يَنبغي للإنسان إذا تَكلَّم أن يتكلَّم بكلامٍ بليغٍ يصِلُ إلى النَّفْس؛ لقوله: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/477). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


4- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فيه كمالُ الإسلام والمتمسِّكين به؛ لأنَّ الإسلامَ يأمر النَّاسَ بالإيمانِ بكلِّ ما أنزلَ اللهُ، والمتمسِّكون به كذلك يؤمنونَ بكلِّ ما أنزَل اللهُ؛ فالَّذين اعتنقوا غيرَ الإسلام -كاليهود والنَّصارى- لا يؤمنون بكلِّ ما أنزل الله، أمَّا السَّابقون منهم فإنَّما يؤمنون به إيمانًا حُكميًّا، يعني: يؤمنون بما تأخَّر عن شرائعهم إيمانًا حُكميًّا؛ لأنَّهم لم يُدْركوه، ولكنَّهم يؤمنونَ به، يعني: أنَّ المؤمنين بموسى في وقتِه والمؤمنين بعيسى في وقتِه يؤمنونَ بالقرآن؛ لأنَّهم يجدونَ الرَّسولَ مكتوبًا عندهم في التَّوراة والإنجيلِ، لكنَّه إيمانٌ حُكميٌّ، أمَّا إيمانُ المسلمينَ بالقرآن وبالشَّرائع السَّابقة فهو إيمان حقيقيٌّ؛ لأنَّ دينَ الإسلامِ هو المتأخِّر يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/472). .
5- أنَّ التَّحاكمَ إلى غيرِ الله ورسولِه تحاكمٌ إلى الطَّاغوتِ؛ لقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/472). .
6- أنَّ التَّحاكُمَ إلى غير الله ورسولِه كفرٌ، وتؤخَذُ من تكذيبِهم دعوى الإيمانِ في قوله: يَزْعُمُونَ؛ لأنَّهم لو كانوا مؤمنِينَ ما أرادوا التَّحاكمَ إلى غَيرِ اللهِ ورسولِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/474). .
7- أنَّه إذا كانت إرادةُ التَّحاكم إلى الطَّاغوت مُخرِجةً من الإسلام، فالتَّحاكمُ إليه فعلًا من بابِ أَولى؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/474). [النِّساء: 65].
8- أنَّنا مأمورونَ بأن نكفُرَ بالطَّاغوت؛ لقوله: وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ولا يتمُّ إيمانُنا إلَّا بالكُفْر بالطَّاغوت؛ لقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة: 256]، فلا بدَّ من الكُفْر بالطَّاغوتِ، وإلَّا لم يصِحَّ الإيمانُ بالله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/474). .
9- أنَّ للشَّيطانِ إرادةً، وتؤخَذُ من قوله: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ، فله إرادةٌ، بل وله أمْرٌ، وتؤخذ من قوله أيضًا: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: 268]؛ فهو يريدُ ويأمر، ويُمكِننا أن نرُدَّ تلك الإرادةَ والأمرَ بالاستعاذةِ بالله منه؛ لأنَّ الله سبحانه يقول: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: 200] فهذا هو العصمةُ منه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/475). .
10- وفي قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ إثباتُ عِصْمة الرُّسل فيما يبلِّغونَه عن الله، وفيما يأمرونَ به وينهَوْن عنه؛ لأنَّ اللهَ أمَر بطاعتِهم مُطلقًا، فلولا أنَّهم معصومونَ لا يَشْرَعون ما هو خطأٌ؛ لَمَا أمَر بذلك مطلَقًا يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .
11- في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ إثباتُ القضاء والقدَرِ، والحثُّ على الاستعانة بالله، وبيانُ أنَّه لا يمكنُ الإنسانَ- إن لم يُعِنْه اللهُ- أن يطيعَ الرَّسولَ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .
12- ثبوتُ قيام الأفعال الاختياريَّةِ للهِ عزَّ وجلَّ، بمعنى: أنَّه تتجدَّدُ له الأفعالُ الاختياريَّة حسَب المفعولاتِ، وتؤخَذُ من قوله: أَرْسَلْنَا؛ لأنَّ إرسالَ الرُّسل يتجدَّدُ؛ فأوَّلُهم نوحٌ وآخِرُهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/483). .
13- إثباتُ تعليلِ أفعالِ الله، ويؤخَذُ من قوله: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وهذا الَّذي عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة، أنَّ أفعالَ الله وأحكامَ الله معلَّلةٌ، لكنَّ العلَّةَ قد تكون معلومةً لنا، وقد تكون مجهولةً لنا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/483). .
14- ثبوتُ الإذنِ لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، والإذنُ نوعان: شرعيٌّ، وكونيٌّ، فمِن الأوَّل قولُه تبارك وتعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21]، أي: شرعًا ولا يصحُّ قدَرًا؛ لأنَّه وقع، فقد أذِن الله به قدَرًا، لكن لم يأذَنْ به شرعًا، وأمَّا الإِذْنُ الكونيُّ فكثيرٌ، مثل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/485). .
15- الرَّاضي بحُكم الرَّسول عليه الصَّلاة والسلام قد يكون راضيًا به في الظَّاهر دون القَلْبِ، فبيَّن في قوله تعالى:ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ أنَّه لا بدَّ من حصولِ الرِّضا به في القلب، واعلم أنَّ ميلَ القلب ونفرتَه شيء خارج عن وُسع البشرِ، فليس المرادُ من الآية ذلك، بل المرادُ منه أن يحصُلَ الجزمُ واليقين في القلب بأنَّ الَّذي يحكم به الرَّسولُ هو الحقُّ والصِّدقُ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/128). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:
- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ: الاستفهامُ فيه مُرادٌ به التَّعجُّب يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/708)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/104). .
- قوله: الَّذِينَ يَزْعُمُونَ جِيء باسمِ موصولِ الجماعةِ؛ لأنَّ المقام مقامُ توبيخٍ، كقولهم: ما بال أقوامٍ يقولون كذا؛ ليشملَ المقصودَ ومَن كان على شاكلتِه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/708)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/104). .
- قوله: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ: وصَفَهم بادِّعاءِ الإيمانِ بالقُرآنِ وبما أُنزِل مِن قبلِه (التَّوراة) حيث قال: يَزْعُمُونَ؛ لتأكيدِ التَّعجيب وتشديدِ التَّوبيخِ والاستقباحِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/194). .
2- قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ: استئنافٌ سِيق لبيان محلِّ التَّعجيب، وهذا الاسم الطَّاغُوتِ مشتَقٌّ مِن طَغَى يَطغُو إذا تعاظَم وترفَّع، وأصلُه مصدرٌ بوزن فَعلوت؛ للمُبالغة يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/194)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/86). .
3- قوله: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا: (ضلالًا) مصدر مؤكِّد، والضَّلال البعيدُ هو الكفر، ووصْفُه بالبعيدِ لشدَّة الضَّلالِ بتنزيلِه منزلةَ جنسٍ ذي مسافةٍ إذا كان هذا الفردُ منه بالغًا غايةَ المسافةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/195)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/105). .
4- قوله: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا صُدُودًا مفعولٌ مُطلَقٌ للتوكيدِ، ولقصْدِ التوصُّلِ بتنوينِ صُدُودًا؛ لإفادةِ أنَّه تنوينُ تعظيمٍ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/106). .
5- قوله: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ: الاستفهامُ مستعمَلٌ في التَّهويلِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/107). .
6- قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ إشارةٌ إلى المنافقين، وما في أُولَئِكَ من معنى البُعد؛ للتَّنبيه على بُعدِ مَنزلتِهم في الكُفْر والنِّفاق يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/196). ، وفي قوله: أُولَئِكَ تنبيهٌ على أنَّ المشارَ إليهم جديرونَ بالحُكم الذي سيُذكَر لما تقدَّم من أحوالهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/87). .
7- قوله: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا يجوزُ أن يتعلَّق قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ بقوله: بَلِيغًا، وإنَّما قدَّم المجرورَ للاهتمامِ بإصلاحِ أنفسِهم مع الرِّعاية على الفاصلةِ، وفيه أمْرٌ بتهديدِهم على وجهٍ مُبلغ صَميمَ قلوبِهم، ويجوزُ أنْ يَتعلَّق بفِعل قُلْ لَهُمْ، أي: قُلْ لهم قولًا في شأنِ أنفسِهم، وعلى هذا فقوله: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا كالشَّرحِ للوعظِ في قوله: وَعِظْهُمْ، ولذِكر أهمِّ ما يَعظُهم فيه، وهو نفوسُهم التي عَلِمَ اللَّه ما انطوتْ عليه من المذامِّ، وعلى هذا يكون المرادُ الوعظَ وما يَتعلَّق بِه يُنظر: ((تفسير الزمخشري- مع الحاشية)) (1/527)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/108). .
8- قوله: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ فيه التفاتٌ؛ حيث لم يقُلْ: (واستغفرْتَ لهم)؛ وذلِك تفخيمًا لشَأنِ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم- لِمَا في هذا الاسمِ الظاهرِ مِن التَّشريفِ والتنويهِ بوصْفِ الرِّسالة- وتَعظيمًا لاستِغْفارِه، وتنبيهًا على أنَّ شَفاعةَ مَن اسمُه الرَّسولُ مِن اللَّهِ بمكانٍ، وعلى أنَّ مِن حقِّ الرسولِ أنْ يَقبَلَ اعتذارَ التَّائِبِ وإنْ عَظُم جُرمُه ويَشْفَعَ له، ومِن مَنْصِبِه أنْ يشفعَ في كبائرِ الذُّنوبِ، وعَلى أنَّ هذا الوَصْفَ الشريفَ- وهو إرسالُ اللهِ إيَّاه- موجبٌ لطاعتِه. وفي هذا النَّوعِ مِن الالتِفاتِ خصوصيَّةٌ، وهي اشتمالُه على ذِكرِ صِفةٍ مناسبةٍ (الرِّسالة) لِمَا أُضِيف إليه (الاستغفار لِمَن عَظُمتْ ذُنوبُهم)، وذلك زائدٌ على الالتِفاتِ بذِكرِ الأعلامِ يُنظر: ((تفسير الزمخشري- مع الحاشية)) (1/528)، ((تفسير البيضاوي)) (2/81)، ((تفسير أبي حيان)) (3/708)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/18- 19). ؛ فدَلَّ أيضًا على أنَّ هذا الاستغفارَ له مَزيَّةٌ، وهي كونُه صادرًا عن الرَّسولِ بوَصْفِه (رسولًا).
وقيل: إنَّ نُكتةَ وضْع الاسمِ الظاهِرِ الرَّسُولُ موضِعَ الضَّمير، هي أنَّ حقَّ الرَّسولِ عليهم في التحاكُم إليه إنَّما كان له بأنَّه رسولُ اللهِ، وأنَّه مأمورٌ بأنْ يحكُمَ بين الناسِ بما أراه اللهُ في وحْيِه، وما هداه إليه في اجتهادِه، ولو أنَّهم اعتَدَوْا في معصيتِهم على حقوقِه الشخصيَّةِ كأكْل شيءٍ من مالِه بغير حقٍّ لقال: (واستغفرتَ لهم)؛ فإنَّ التوبةَ عن المعاصي المتعلِّقةِ بحقوقِ الناس لا تكونُ مقبولةً ولا صحيحةً إلَّا بعدَ استرضاءِ صاحِب الحقِّ. وهذا أظهرُ مِن جَعْل نُكتةِ وضْع الظَّاهِر موضِعَ الضمير إجلالَ منصبِ الرِّسالةِ والإيذانَ بقَبولِ استغفارِ صاحِب هذا المنصب الشريفِ وعدم ردِّ شفاعته؛ لأنَّ المنصبَ هو هو في شَرفِه وعُلوِّه، ولكنَّ اللهَ لا يَغفِرُ للمنافقينَ إذا لم يتوبوا وإنِ استغفرَ لهم الرسولُ; لأنَّ اللهَ تعالى قال له فيهم: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: 80] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/190). .
9- قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا:
- قوله: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ: فيه القَسَمُ بإضافةِ الرَّبِّ إلى كافِ الخِطاب؛ تعظيمًا للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو التفاتٌ راجِعٌ إلى قوله: جَاؤُوكَ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/692-695). .
- و(لَا) في قوله: فَلَا مزيدةٌ لتأكيدِ القسَمِ، وقَدَّم (لَا) على القسَمِ؛ اهتمامًا بالنَّفي، ثمَّ كرَّرها بعدُ توكيدًا يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/528- 529)، ((تفسير أبي حيان)) (3/692-695)، ((تفسير أبي السعود)) (2/197). ، وأصل الكلام: (فوربِّك لا يؤمنون)، والعرب تأتي بحرفِ النَّفيِ قبلَ القَسمِ إذا كان جوابُ القسمِ مَنفيًّا؛ للتَّعجيلِ بإفادةِ أنَّ ما بعدَ حرْفِ العطفِ قَسَمٌ على النَّفي لِمَا تضمَّنَتْه الجملةُ المعطوفُ عليها؛ فتقديمُ النَّفي للاهتمامِ بالنَّفي، ويكثُر أن يأتوا مع حرْف النَّفيِ بعدَ العاطف بحرفِ نفيٍ مِثلِه في الجواب؛ ليحصُلَ مع الاهتمامِ التَّأكيدُ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/110). .
- وفي قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا: أَطلَق اسمَ الحرَج الَّذي هو من وصْفِ الشَّجْرِ إذا تضايَق على الأمر الَّذي يشقُّ على النَّفس للمناسبة الَّتي بينهما، وهو من الضِّيق والتَّتميمِ، وهو أنْ يتبعَ الكلامَ كلمةٌ تَزيدُ المعنى تمكُّنًا وبيانًا للمعنى المراد، وهو في قوله: قولًا بليغًا، أي: يبلغ إلى قلوبهم ألَمُه، أو بالغًا في زَجْرِهم يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/708). .
- وفي هذه الآيةِ مبالغاتٌ عَديدةٌ، بلَغَتْ أسْمَى مراتبِ البيانِ، والغايةُ منها: زيادةُ الوعيدِ والتَّهديدِ ممَّا ترتعدُ له الفرائصُ، وترتجِفُ منه الأفئدةُ؛ وتَفصيلُ ذلك كما يلي يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/528-529)، ((تفسير أبي السعود)) (2/197)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/250- 251). :
- أنَّه سُبحانَه أَقسمَ أوَّلًا بنَفْسِه مؤكِّدًا لهذا القَسَمَ بحرْفِ النَّفيِ بأنَّهم لا يُؤمنون، والإيمانُ رأسُ مالِ الصَّالِحين من عِبادِ الله حتَّى تحصُلَ لهم غايةٌ من أشرفِ الغايات، وهي اللُّجوءُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتحكيمُه فيما نشَب بينهم من خِلافٍ.
- ولم يَكتفِ سبحانَه بذلِك حتَّى قال: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ [النساء: 65]، فضمَّ إلى التَّحكيمِ أمرًا آخرَ، وهو عدَمُ وجودِ أيِّ حرجٍ في صدورهم، فلا يكون مجرَّدُ التَّحكيمِ والإذعانِ كافيًا، بل لا بدَّ أنْ يكون نابعًا من صُدورِهم، صادرًا عن رِضًا واطمئنانٍ وطِيب نفْسٍ، وهذا أجملُ تصويرٍ للعلاقةِ الَّتي يجِبُ أنَّ تترسَّخَ بين رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنينَ.
- ثمَّ لم يَكتفِ سبحانه بهذا كلِّه، بل ضمَّ إليه قوله: وَيُسَلِّمُوا، أي يُذعنوا إذعانًا تامًّا، وينقادوا ظاهرًا وباطنًا، لا انقيادًا أعمى، ولكنَّه انقيادُ الواثقِ المطمئنِّ إلى سلامةِ موقفِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
- وضمَّ إلى يُسَلِّمُوا المصدرَ المؤكِّد، فقال: تَسْلِيمًا، وهكذا لا يَثْبُت الإيمانُ لعبدٍ حتَّى يقَعَ منه هذا التَّحكيمُ، ولا يجدَ الحرجَ في صدره بما قضى عليه، والتَّسليمُ لحُكم الله وشرعِه تسليمًا لا يخالطه ردٌّ، ولا تشوبه شائبةٌ، فسبحان قائلِ هذا الكلامِ!.