موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (51 - 53)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ

غريب الكلمات:


أَوْلِيَاءَ: أي: أصدقاءَ ونُصراءَ، والوِلايةُ النُّصرةُ، وأَصْلُ (ولي) يدلُّ على القُرْب، سواء مِن حيث: المكان، أو النِّسبة، أو الدِّين، أو الصَّداقة، أو النُّصرة، أو الاعتقاد، وكلُّ مَن وَلِي أمرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه [1020] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89). .
مَرَضٌ: أي: شكٌّ ونِفاقٌ، وأصلُ المرض: الفُتورُ، والخروجُ عن الاعتدالِ الخاصِّ بالإنسانِ [1021] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 408)، ((المفردات)) للراغب (ص: 765)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 14)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 50). .
أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ: أي: أنْ يَدورَ علينا الدَّهرُ بمكروهٍ فلا يُبايعونا، فنحتاج إليهم وإلى مُعاونتهم، وأَصْلُ (دور) يدلُّ على إحداقِ الشيءِ بالشيءِ مِن حَواليهِ [1022]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/310)، ((المفردات)) للراغب (ص: 321)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 83). .
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ: أي: اجتَهَدوا في الحَلِفِ والأَيمانِ، أو هو كنايةٌ عن أغلظِ الأيمانِ، وأَصْلُ (جهد): المشقَّة. وأَيْمَانِهِمْ: جمْع يمين: وهو القَسَمُ والحَلِف [1023] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس(1/486) (5/86)، ((المفردات)) للراغب (ص: 208)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 152). .

مشكل الإعراب:


قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ.
جَهْدَ: منصوبٌ، وفي نَصبِه ثلاثة أوجهٍ؛ الأوَّل: أنَّه مَصدرٌ مؤكِّدٌ، وناصبُه (أَقْسَمُوا) فهو مِن معناه لا مِن لَفظِه، والمعنى: أَقْسَموا إقْسامَ اجتهادٍ في اليَمين. الثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ من ضَميرِ (أَقْسَمُوا) على تأويلِ المَصْدَرِ باسْمِ الفاعِلِ، أي: جاهِدِينَ، والتَّقديرُ: وأقْسَموا باللهِ جاهِدينَ أنفُسَهم في أَيمانِهم؛ أي: بالغِينَ بها أقْصى الطَّاقَةِ، وإضافةُ جَهْدَ إلى أَيْمَانِهِمْ على هذا الوَجهِ إضافةٌ على مَعْنى (من)، أي: جَهدًا ناشِئًا عن أيمانِهم. الثالث: أنَّه منصوبٌ على المفعولِ المُطلَق الواقِعِ بدلًا مِن فِعْلِه، والفعلُ المُقَدَّر في مَوضِعِ الحالِ من ضَمير (أقْسموا)، والتقدير: أقسموا يَجْهَدون أيمانَهم جَهْدًا، وإضافة جَهْدَ إلى أَيْمَانِهِمْ على هذا الوجه من إضافةِ المصدرِ إلى مفعولِه [1024] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/230)، ((تفسير الزمخشري)) (3/250)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/445)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/305) (8/432) ((تفسير ابن عاشور)) (18/277). .

المعنى الإجمالي:


يَنهى اللهُ تعالى عِبادَه المؤمنينَ عن مُناصرةِ اليهودِ والنَّصارَى وأخبَرَ أنَّ اليهودَ يوالي بعضُهم بعضًا، والنَّصارى يوالي بعضُهم بعضًا ويتناصرون فيما بينهم، ومَن يُناصِر اليهودَ والنصارى من المسلمين على إخوانه من المسلمين فإنَّه منهم؛ إنَّ الله لا يَهدي القومَ الظَّالمين بتولِّيهم هذا لأهلِ الكتابِ.
ثم قال اللهُ تعالى لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ: فترى- يا محمَّدُ- المنافقينَ الذين في قلوبِهم شكٌّ ورِيبةٌ يُبادِرونَ إلى مُناصرةِ اليهودِ والنَّصارى ومُعاونتِهم؛ قائلين- ليُبرِّروا قُبحَ صَنيعهم-: إنَّما يُسارِعونَ في موالاتِهم خشيةَ أن تُصيبَهم دائرةٌ، كأنْ يكونَ لهؤلاء الكفَّارِ النصرُ على المسلمين، فيكون لهم أيادٍ عندَهم تنفعُهم حينَها، فردَّ اللهُ عليهم ذلك العُذرَ الواهيَ، فقال: لعلَّ اللهَ يأتي بالنَّصرِ على اليهودِ والنَّصارى وغيرِهم، أو يأتي بأمرٍ يكونُ فيه هلاكُ المنافقينَ، أو فَضحُهم، فيُصبِحَ هؤلاء المنافقون الموالونَ لليهودِ والنَّصارى على ما أسرُّوا في نفوسِهم نادمينَ.
ويقول المؤمنون- مُتعجِّبين مِن حالِ المنافقين بعدَ أنْ ظهرَ ما أسرُّوه في أنفُسِهم-: أهؤلاءِ الذين حلَفوا باللهِ كَذِبًا مؤكِّدينَ حَلِفَهم أنَّهم معنا في الإيمانِ والنُّصرةِ والمحبَّة؟! بطَلتْ أعمالُهم؛ فأصبحوا خاسِرينَ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا أخبرَ اللهُ عن اضطرابِ اليهود في دِينهم، ومحاولتِهم تضليلَ المسلمينَ، وتقليبَ الأمورِ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبَيَّن عِنادَهم وعداوتَهم لأهلِ هذا الدِّين في الآياتِ السابقةِ- تهيَّأت نُفوسُ المؤمنينَ لقَبولِ النَّهي عن موالاةِ أهلِ الكتابِ؛ لأنَّ الوَلايةَ تَنبني على الوِفاقِ والوِئام والصِّلةِ، وليس أولئك بأهلٍ لوَلاية المسلمينَ؛ لبُعدِ ما بينَ الأخلاقِ الدِّينيَّة، ولإضمارِهم الكيدَ للمسلمين، فأَقبلَ عليهم بالخِطابِ، فنهى مَن اتَّسم بالإيمانِ عن موالاتِهم [1025]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/228، 229). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ إيَّاكم أنْ تُناصِروا اليهودَ والنَّصارى، أو تُعاوِنُوهم على غيرِهم [1026] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/507)، ((تفسير ابن كثير)) (3/132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/9- 10). قال ابنُ عُثَيمين: (الوَلاية التي نهى الله سبحانه وتعالى أن نتولَّى بها اليهود والنصارى هي المناصرةُ؛ سواء ناصرناهم على مسلمين أو على كافِرين، فلا يحلُّ لنا أن نناصرَهم على كافرين، ما لم يكُن في مناصرتنا إيَّاهم على هؤلاء الكافرين مصلحةٌ للإسلام، فإنْ كان فيه مصلحة مثل أن تقومَ حرب بين كَافِرِينَ وكافرِينَ، ويكون الطرفُ الثاني أكثرَ إساءةً للمسلمين من الطرف الآخَر، فهنا لا بأسَ أن نناصرهم، لا لمصلحتِهم، ولكن لمصلحة المسلمين؛ لأنَّ هذا من باب دفْع أشرِّ الأمرين بأخفِّهما) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/9) بتصرف يسير. .
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض.
أي: إنَّ بعضَ اليهودِ أولياءُ بعضٍ، وبعضَ النصارى أولياءُ بعضٍ؛ فأهلُ كلِّ ملَّةٍ يتناصرون ويتعاضَدونَ فيما بينهم، ويكونون يدًا واحدةً على مَنْ سِواهم [1027] وهذا اختيارُ ابنِ جرير في ((تفسيره)) (8/507-508)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (6/229). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/412). واختار ابنُ عُثَيمين أنَّ الآية تَعني التعاونَ بين أهل الملَّة الواحدة، وتعني أيضًا التناصُرَ والتعاون بين اليهود والنصارى على أعدائهم. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/10). قال ابنُ عثيمين: (اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، وهل المراد الملَّة الواحدة، أم كِلتا الملَّتين؟ المرادُ العمومُ؛ الملَّة الواحدة وكِلتا المِلَّتين؛ يدلُّ لذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال: 73]) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/13). .
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ.
أي: ومَن يتولَّ اليهودَ والنَّصارى، ويَنصُرْهم على المسلمين، ويُظاهِرْهم عليهم؛ رغبةً فيهم، ورِضًا بدِينهم، فهو مِن أهلِ دِينِهم وملَّتهم، وحُكمُه حُكمُهم [1028] ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/508)، ((تفسير القرطبي)) (6/217)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/194) (18/300- 301) (28/644- 646)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/412- 413).        قال ابنُ جرير: (يَعني تعالى ذِكرُه بقولِه: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51]: ومَن يتولَّ اليهودَ والنصارى دون المؤمنين فإنَّه منهم؛ يقول: فإنَّ مَن تولَّاهم ونصَرَهم على المؤمنين، فهو من أهلِ دِينهم ومِلَّتهم؛ فإنَّه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدِينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رَضِيَه ورضِيَ دِينَه فقد عادَى ما خالفَه وسَخِطه، وصار حُكمُه حُكمَه) ((تفسير ابن جرير)) (8/508). وقال ابنُ حزم: (وصحَّ أنَّ قولَ الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51] إنَّما هو على ظاهرِه بأنه كافرٌ من جملة الكفَّار فقط- وهذا حقٌّ لا يَختلِفُ فيه اثنانِ من المسلمين) ((المحلى)) (1/386). وقال ابنُ القيِّم: (... أنَّه سبحانه قد حَكَم- ولا أحسنَ مِن حُكمِه- أنَّه مَن تولَّى اليهودَ والنصارى فهو مِنهم: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51]، فإذا كان أولياؤُهم منهم بنصِّ القرآنِ، كان لهم حُكمُهم) ((أحكام أهل الذمة)) (1/195). وقال الشِّنقيطيُّ: (قولُه تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ذكَر في هذه الآية الكريمة، أنَّ مَن تولى اليهود والنصارى من المسلمين، فإنَّه يكون منهم بتولِّيه إيَّاهم... وبيَّن في موضِعٍ آخَرَ: أنَّ محلَّ ذلك فيما إذا لم تكُن الموالاةُ بسببِ خوفٍ وتقيَّة، وإنْ كانت بسبب ذلك فصاحبُها معذورٌ، وهو قوله تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة [آل عمران: 28]، فهذه الآيةُ الكريمةُ فيها بيانٌ لكلِّ الآياتِ القاضية بمنْع موالاةِ الكفَّار مطلقًا، وإيضاح لأنَّ محلَّ ذلك في حالة الاختيارِ، وأمَّا عند الخوفِ والتقيَّة، فيُرخَّص في موالاتهم، بقدْر المداراةِ التي يَكتفي بها شرَّهم، ويُشترَط في ذلك سلامةُ الباطن من تلك الموالاة... ويُفهم من ظواهرِ هذه الآيات أنَّ مَن تولَّى الكفَّارَ عمدًا اختيارًا؛ رغبةً فيهم: أنَّه كافرٌ مثلُهم) ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/412- 413). وقال ابنُ باز: (وقد أجمعَ عُلماءُ الإسلامِ على أنَّ مَن ظاهَرَ الكفَّارَ على المسلمين، وساعدَهم عليهم بأيِّ نوعٍ مِن المساعدةِ، فهو كافرٌ مثلُهم، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (1/269). .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
أي: إنَّ مَن يتولَّاهم منكم فهو مِن جُملةِ الظالمين الذين وَضَعَوا الولايَةَ في غيرِ مَوْضِعِها، ونَقَصوا أنفسَهم حقَّها بما ارتَكبوا مِن كفرٍ أو عِصيانٍ؛ فلا يُوفِّقُهم الله تعالى لاتِّباعِ الحقِّ [1029] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/510)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/11- 12). .
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52).
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ.
أي: فتَرَى- يا محمَّدُ- الَّذين في قُلوبِهم شَكٌّ ونِفاقٌ يُسارعونَ في موالاةِ اليهودِ والنَّصارى، ومودَّتِهم ومصانَعتِهم [1030] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/512)، ((تفسير ابن كثير)) (3/132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/20). .
يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ.
أي: يقولُ هؤلاء المنافقون: إنَّما نسارعُ في موالاةِ هؤلاء اليهودِ والنصارَى؛ خوفًا من أنْ تقعَ علينا نائبةٌ من نوائبِ الدَّهرِ فنَهلِكَ- كما لو لَحِقتْنا هزيمةٌ بظَفَرِ الكفَّارِ بالمسلمين- فتكونُ لنا أيادٍ عندَهم فتَنفَعُنا؛ لذا نتَّخذُهم أصدقاءَ نُحافظُ على صداقتهم؛ فننالُ منهم ما يُؤمِّلُ الصديقُ من صَديقِه [1031] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/512-513)، ((تفسير ابن كثير)) (3/132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/413)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/20). .
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ.
أي: فلعلَّ اللهَ أن يأتيَ بالنَّصرِ الذي يُعزُّ به الإسلامَ وأهلَه على الكفَّارِ؛ من اليهود والنصارى وغيرِهم، أو يأتيَ بأمرٍ يكونُ فيه هلاكُ المنافقينَ بقَتْلهم، أو فَضْحِهم وبيانِ مَخازيهم [1032] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/513- 514)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 323)، ((تفسير ابن عطية)) (2/205)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/413-414)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/23).           قال ابنُ عَطيَّة: (ويظهر أنَّ هذا التقسيم إنما هو لأنَّ الفتحَ الموعودَ به هو ما [يترتَّب] على سعيِ النبيِّ وأصحابه، ويُسبِّبه جدُّهم وعملهم، فوعد الله تعالى إمَّا بفتْح بمقتضى تلك الأفعال، وإمَّا بأمرٍ من عنده يُهلِك أعداءَ الشرع، هو أيضًا فتحٌ لا يقع للبشر فيه تسبيبٌ) ((تفسير ابن عطية)) (2/205). .
فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ.
أي: فيُصبِحَ هؤلاءِ المنافِقون الذين والَوُا اليَهودَ والنَّصارَى على ما أضْمَروا في نُفوسِهم من موالاتهم نادِمين، فحين يأتي نصرُ اللهِ للمسلمين، ويُذِلُّ ويَقهرُ الكافِرينَ، لا تُجْدِي عنهم تلك الموالاةُ شيئًا، ولا تَدفعُ عنهم محذورًا، فيحصُلُ لهم من الغمِّ ما اللهُ تعالى به عليمٌ [1033] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/514- 515)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 323)، ((تفسير القرطبي)) (6/218)، ((تفسير ابن كثير)) (3/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235). .
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53).
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ.
أي: ويقولُ المؤمنونُ متعجِّبين مِن حالِ أولئك القومِ بعدَ أن ظهَرَ ما أَضْمَروه، وتبيَّن ما أسرُّوه: أهؤلاءِ الذين حلَفوا لنا باللهِ، وأكَّدوا حَلِفَهم، وغلَّظوه بأنواعِ التأكيدات: أنَّهم معنا في الإيمانِ، وما يلزمُه من نُصرةٍ ومحبَّةٍ [1034] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/516-517)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 324)، ((تفسير القرطبي)) (6/218)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/25- 27). قال ابنُ عَطيَّة: (ذهَب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القول من المؤمنين إنَّما هو إذا جاء الفتحُ حصلتْ ندامةُ المنافقين، وفضَحَهم الله تعالى، فحينئذٍ يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا... الآية) ((تفسير ابن عطية)) (2/206). ؟!
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ.
أي: بطَلتْ أعمالُهم التي عَمِلوها في الدُّنيا، فلا ثوابَ لها ولا أجرَ، فخابتْ صفقَتُهم، وفاتَهم مقصودُهم، وحضرَهم الشقاءُ والعذابُ فهلَكوا [1035] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/517)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 324)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/27- 28). .

الفوائد التربوية:


1- تصدير الخِطاب بالنِّداء، في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ فيه بيانُ أهميَّة تجنُّبِ اتِّخاذِ الأولياءِ من اليهودِ والنَّصارى، وأنَّ تجنبَ ذلك مِن مقتَضَياتِ الإيمان، وأن اتِّخاذَهم أولياءَ يُوجِبُ نقصَ الإيمان، وربَّما يُوجِبُ محوَ الإيمانِ وزوالَه كلِّه؛ قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [1036] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/12، 13). .
2- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ بيانُ أنَّ النصارى واليهود وسائرَ الكفَّار بعضُهم أولياءُ بعضٍ في مضادَّة المسلمين- على أحد الأقوال في التفسير- ومِن ثَمَّ فيجبُ على المسلمين الحذرُ من أعدائِهم، وأن يَدَعُوا الخلافاتِ التي بينهم؛ حتى يكونوا يدًا واحدةً على أعدائِهم [1037] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/14). .
3- يُستفادُ من قولِه: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أنَّه يجوزُ للمرءِ أن يُجري الكلامَ على سبيلِ التعجُّبِ فيمَن يستحقُّ العَجَب منه، ولا يُعدُّ ذلك مِن بابِ الغِيبة؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكَر هذا عن المؤمنينَ، ولم يُنكِرْه عليهم [1038] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/27). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قوله تعالى: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ... الآية، فيه انقطاعُ الموالاةِ بينَ المسلمينَ والكفَّار، فلا توارُثَ بينهم ولا عَقل، ولا ولاية نكاحٍ [1039] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 113). .
2- قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تعليلٌ للوعيدِ في قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وبيانٌ لسببه؛ وهو أنَّ مَن يُوالي أعداءَ المؤمنين الذين نَصَبوا لهم الحربَ، وينصرُهم أو يستنصرُ بهم فهو ظالمٌ بوضْعه الوَلايةَ في غيرِ موضعها، ولن يَهتديَ مثلُه إلى الحقِّ والنَّجاة أبدًا [1040] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/356). ، إذا أصرَّ على ذلك.
3- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ أنَّ كلَّ مَن يُسارِعُ في موادَّةِ الكافرينَ وفي مناصرتِهم ففي قلبِه مَرَضٌ، ويَنبني على ذلك أنَّ هذا المَرَضَ ربَّما يتضاعَفُ حتى يصلَ إلى الكُفْر- والعياذُ باللهِ [1041] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/24). .
4- يُستفاد من قولِه: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ أنَّ الذين في قُلوبهم مرضٌ- وهم المنافِقون- يُسارِعونَ في مُوادَّةِ الكافِرين [1042] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/24). .
5- أنَّ مَن أشار على وُلاةِ الأمورِ بالمسارعةِ في موادَّة الكفَّارِ وفي مناصرتِهم، فإنَّ فيه شبهًا من هؤلاء المنافقينَ؛ لقوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ... [1043] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/25). .
6- ضعْفُ توكُّلِ المنافقينَ على اللهِ وأنَّهم إنَّما يتوكَّلون على الأمورِ المادِّيَّة التي يظنُّون فيها النصرَ؛ لقوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [1044] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/24). .
7- بشارةُ المؤمنينَ بأنَّ الفتحَ والنَّصر سيكونُ لهم؛ لقوله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ؛ فـَعَسَى مِن الله واجبةٌ؛ لأنَّ الكريم إذا أطْمَعَ في خيرٍ فَعَلَه، فهو بمنزلةِ الوعدِ؛ لتعلُّقِ النَّفسِ به ورَجائِها له [1045] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/376)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/25). .
8- أنَّ المنافِقَ لا بدَّ أن يَفضحَه اللهُ؛ لقوله: أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [1046] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/25). .
9- تحذيرُ المنافقين ممَّا سيقعُ بهم مِن النَّدمِ على ما أسرُّوا في أنفسِهم؛ لقوله: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [1047] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/25). .
10- لَمَّا كان الإسرارُ لا يكون إلَّا لِمَا يُخشَى من إظهارِه فسادٌ، وكان يُطلَقُ على ما دار بين جماعةٍ خاصَّة على وجهِ الكِتمانِ عن غيرهم- بيَّن أنَّه أدقُّ من ذلك، وأنَّه على الحقيقةِ مَنَعَهم خوفُهم من غائلتِه وغِرَّته عندَهم أن يُبرزوه إلى الخارجِ، فقال: فِي أَنْفُسِهِمْ [1048] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/189). .
11- ممَّا يُستفادُ مِن الآياتِ: كذبُ المنافقين، وأنَّهم يُروِّجون باطلَهم ونفاقَهم بالأيمانِ؛ قال تعالى: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [1049] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/27). .
12- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ أنَّ المنافقين يُقسِمون باللهِ ويُظهِرون تعظيمَ الله، كما أنَّهم يَذكُرون اللهَ ويُصلُّون ويتصدَّقون، لكنْ كلُّ هذا لا يَنفعُهم؛ فعَمَلُهم حابطٌ لعدمِ الإيمانِ في قلوبِهم [1050] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/28). .
13- أنَّ المنافقَ مهما ظنَّ من الرِّبحِ فإنَّه خاسرٌ؛ لقوله: فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ، ووجه ذلك: إنْ فضَحَه اللهُ في الدُّنيا تبيَّن وخَسِر، وصارَ مكروهًا عندَ الناس، وإنْ لم يَفضَحْه اللهُ في الدُّنيا ففي الآخِرة، وحينئذٍ لا يكونُ منتفعًا بدُنياه؛ لأنَّه خسِرَ الدُّنيا والآخِرة [1051] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/28) .

بلاغة الآيات:


1- قوله: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ الجملةُ مستأنَفةٌ مَسوقةٌ لتعليلِ النَّهي، وتأكيدِ إيجابِ الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه [1052] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/48)، ((تفسير أبي حيان)) (4/291). .
2- قوله: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ الإجمالُ فيه مبالغةٌ في التَّحذيرِ مِن موالاتِهم في وقتِ نُزولِ الآيةِ، وفيه: تشبيهٌ بليغٌ، أي: فهو كواحدٍ منهم في استحقاقِ العذابِ- على أحدِ الوجوهِ في التفسيرِ [1053] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/230). .
3- قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تذييلٌ للنهي، وموقعُ الجملةِ يَقتضي أنَّ اليهودَ والنصارى مِن القومِ الظالِمينَ بطريقِ الكِناية [1054] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/231). .
4- قوله: يُسَارِعُونَ فِيهِمْ إيثارُ التعبيرِ بـفِيهِمْ على (إلى)؛ للمبالغةِ في بيانِ رغبتِهم فيها وتهالُكِهم عليها، فكلَّما سنَحتْ لهم فرصةٌ لتوثيقِ وَلائِهم وتأكيدِه ابتَدَروها؛ وللدَّلالةِ على أنَّهم مستقرُّون في الموالاةِ، وإنَّما مسارعتُهم من بعضِ مراتبها إلى بعضٍ آخَر منها، فهم يُسارِعونَ في أعمالِ موالاتِهم مسارعةَ الداخلِ في الشَّيء، الثابِتِ عليه، الرَّاغِبِ فيما يَزيدُه تمكُّنًا وثباتًا، كما في قوله تعالى: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون: 61]، لا أنَّهم خارجُون عنها متوجِّهون إليها، كما في قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [1055] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/48)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/356). [آل عمران: 133].
5- قوله: أَهؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ... الاستفهامُ في أَهؤُلَاءِ مُستعمَل في التعجُّب مِن نفاقهم، والعجب هو قَسمُهم أنَّهم معهم، وقد دلَّ هذا التعجُّبُ على أنَّ المؤمنين يظهر لهم مِن حالِ المنافقينَ يومَ إتيانِ الفتْحِ ما يَفتضحُ به أمرُهم، فيعجبونَ مِن حَلِفهم على الإخلاصِ للمؤمنين [1056] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/233). .
6- قوله: حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ فيه ما يُعرَف في البَلاغة بالإغرابِ والطرفة أو النوادر [1057] الإغراب: هو أنْ يكون المعنى ممَّا لم يُسبق إليه على جهةِ الاستحسان، وهو على ثلاثة أقسام: الأول: الإغرابُ في اللفظ، وهو كثيرٌ. الثاني: الإغراب في المعنى، كقول المتنبي: يُطمِّع الطَّيرَ فيهم طولُ أكْلِهِمُ            حتَّى تكادَ على أحيائِهم تَقَعُ  فإنَّه عمَد إلى المعنى المعروفِ مِن كَون الطيرِ إنَّما تقعُ على القتْلى وتَتْبَع الجيوشَ؛ ثِقةً بالشِّبع، فتجاوزَه بزيادة المبالغة المستحسنة؛ لاقترانِها بـ(تكاد) إلى ما قال، فحصَل في بيته من الإغراب والطرفة ما لا يَحصُل لغيره. الثالث: الإغراب في تأويلِ الكلامِ، وهو الذي إذا حُمِل على ظاهرِه كان الكلامُ مَعيبًا، وإذا تُؤوِّل ردَّه التأويلُ إلى نمطٍ مِن الكلام الفصيح، فأماط عن ظاهرِه العيب. ينظر: ((نقد الشعر)) لقدامة بن جعفر (1/54)، ((تحرير التحبير))، لابن أبي الإصبع (ص: 506)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/504- 505). ، والآيةُ الكريمة مِن قسم لا يكون الإغرابُ في معناه ولا في ظاهرِ لفظِه، بل في تأويلِه، ففي هذه الآية قد يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ لفظة أَصْبَحُوا في الظَّاهر حشوٌ لا فائدةَ فيه؛ فإنَّ هؤلاءِ المُخبَرَ عنهم بالخُسران قد أمْسَوْا في مِثل ما أصبحوا، ومتى قلت: أصبح العسلُ حُلوًا، كانت لفظة (أصبح) زائدةً، من الحَشوِ الذي لا فائدةَ فيه؛ لأنَّه أمْسَى كذلك، والتأويل الذي تَحصُل به الفائدةُ الجليلة التي لولا مجيءُ (أصبح) لم تحصُلْ، هي: لَمَّا كان العليلُ الذي قد بات مُكابدًا آلامًا شديدةً تُعتبر حالُه عند الصَّباح، فإذا أصبح مُفيقًا مُستريحًا من تلك الآلام رُجِيَ له الخيرُ، وغلَب على الظَّنِّ بُرؤُه وإفاقتُه من ذلك المرض، وإذا أصبح كما أمْسَى تَعيَّن هلاكُه، بجَريانِ العادةِ بهيجانِ الإعلالِ في اللَّيل، وسُكونِه عند الصَّباح، وشُبِّهت حالُ الأشقياءِ بالعَليلِ الذي أَصبحَ من الألَم على ما أمْسى؛ فهو ممَّن يُيْئَس من إصلاحِه، وعلى هذا تكونُ لفظة فَأَصْبَحُوا قد أفادتْ معنًى حَسنًا جميلًا، وخرجَتْ عن كونِها حشوًا غيرَ مفيد، ولَمَّا أخبر الله سبحانه بأنه حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ عُلِم بالقطع أنَّهم أصبحوا خاسرينَ، فلفظة أَصْبَحُوا لا يَصلُح غيرُها في موضعها، ولا يتمُّ المعنى إلَّا بها [1058] ينظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/205)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/504 - 505). ، وقيل: لَمَّا كانتِ المصيبةُ عند الإصباحِ أَعظمَ عبَّر به، وإنْ كان المرادُ التَّعميمَ [1059] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/189). .