موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (57-62)

ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ

غريب الكلمات:


مُشْفِقُونَ: أي: خائِفونَ، حَذِرونَ، والإشفاقُ: عِنايةٌ مختلِطةٌ بخوفٍ، وأصلُ (شفق): يدُلُّ على رِقَّةٍ في الشَّيءِ [514] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 285)، ((تفسير ابن جرير)) (16/253)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 444)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/197)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 458)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 237)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 294)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 879). .
وَجِلَةٌ: أي: خائفةٌ، والوَجَلُ: استِشعارُ الخَوفِ [515] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/67)، ((المفردات)) للراغب (ص: 855)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 949). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ اللهُ تعالى أنَّ الَّذين همْ -لِخَشيَتِهم مِن رَبِّهم- حَذِرونَ خائِفونَ مِن عِقابِه، يُداوِمونَ على طاعتِه، والذين يُؤمِنونَ بآياتِه، والَّذين يُخْلِصونَ لِرَبِّهم في عِباداتِهم كلِّها؛ فلا يُشرِكونَ به شَيئًا، والذين يُعطونُ ما يُعطونَ مِنَ الزَّكواتِ والصَّدقاتِ وغيرِ ذلك، وقلوبُهم خائفةٌ مِن رُجوعِهم إلى ربِّهم، فيَخافونَ ألَّا يَتقَبَّلَ الله منهم أعمالَهم: أولئك يُبادِرونَ إلى فِعْلِ الخَيراتِ؛ تقرُّبًا إلى ربِّهم، وهم إلى هذه الخَيراتِ سابِقونَ.
ويخبرُ تعالى أنَّه لا يكَلِّفَ أحدًا إلَّا ما يُطِيقُه، وأنَّه لديه كتابٌ فيه جميعُ أعمالِ العبادِ، قد سجَّلَتها الملائكةُ الكِرامُ، فهو يُبيِّنُ بالصدقِ المطابقِ للواقعِ ما عمِلوه في الدنيا مِن خيرٍ أو شرٍّ، فيُجازيهم سبحانَه بأعمالِهم وهم لا يُظلمون.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَمَّ اللهُ تعالى مَن تقدَّمَ ذِكْرُه بقولِه: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 55- 56]، ثمَّ قال: بَل لَا يَشْعُرُونَ؛ بيَّنَ بَعدَه صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيراتِ، ويَشعُرُ بذلك [516] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/282). .
وأيضًا لَمَّا فرَغَ اللهُ تعالى مِنْ ذِكْرِ الكَفرةِ وتوَعَّدَهم؛ عقَّبَ ذلك بذِكْرِ المُؤمِنينَ، ووَعَدَهم وذكَرَهم بأبلَغِ صِفاتِهم [517] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/568). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى الَّذين جَمَعوا بيْنَ الإساءةِ والأمْنِ، الَّذين يَزْعُمون أنَّ عطاءَ اللهِ إيَّاهم في الدُّنيا دَليلٌ على خَيرِهم وفَضْلِهم؛ ذكَرَ الَّذين جَمَعوا بيْن الإحسانِ والخوفِ، فقال [518] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 554). :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57).
أي: إنَّ الَّذينَ همْ -لِخَشيَتِهم مِن رَبِّهم- حَذِرونَ خائِفونَ مِن عِقابِه، يُداوِمونَ على طاعتِه، وطَلَبِ مَرضاتِه [519] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/66)، ((تفسير القرطبي)) (12/132)، ((تفسير ابن كثير)) (5/480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج: 27- 28].
وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58).
أي: والَّذين همْ بآياتِ القُرآنِ وغَيرِها مِنَ الدَّلائِلِ والبَراهينِ والحُجَجِ يُؤمِنونَ [520] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/66)، ((تفسير ابن عطية)) (4/147)، ((تفسير ابن كثير)) (5/480). ممَّن قَصَر الآياتِ على القُرآنِ فقط: مقاتلُ بن سليمان، ومكِّي، واستظهره النيسابوري. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/159)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (7/4977)، ((تفسير النيسابوري)) (5/126). وممَّن حمَلَها على الآياتِ الكونيَّةِ والمخلوقاتِ الدَّالَّةِ على وُجودِ الله: الرازيُّ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/283). وممَّن حمَلَها على العُمومِ، أي: الآياتِ الشَّرعيَّةِ والكونيَّةِ: ابنُ عطية، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/147)، ((تفسير ابن كثير)) (5/480). قال ابن عطية: (و«الآياتُ» تعُمُّ القُرآنَ، وتعُمُّ العِبَرَ والمصنوعاتِ التي لله، وغيرَ ذلك ممَّا فيه نظَرٌ واعتبارٌ، وفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ). ((تفسير ابن عطية)) (4/147). قال الشوكاني: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ قِيلَ: المرادُ بالآياتِ هي التَّنزيلِيَّةُ، وقِيلَ: هي التَّكوينيَّةُ، وقِيلَ: مجموعُهما). ((تفسير الشوكاني)) (3/578). .
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59).
أي: والَّذين يُخلِصونَ لِرَبِّهم في عِباداتِهم كلِّها؛ فلا يُشرِكونَ به شَيئًا [521] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/66)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). ممن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: لَا يُشْرِكُونَ نفيُ الشركِ الجليِّ والخفيِّ: ابنُ جرير، والبيضاوي، والعليمي، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/66)، ((تفسير البيضاوي)) (4/90)، ((تفسير العليمي)) (4/478)، ((تفسير أبي السعود)) (6/140)، ((تفسير الألوسي)) (9/244)، ((تفسير القاسمي)) (7/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). وقيل: إنَّ المرادَ به نفيُ الشركِ الأكبرِ. وممن اختاره: مقاتلُ بن سليمان، والسمرقندي، والواحدي، والرسعني، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/160)، ((تفسير السمرقندي)) (2/484)، ((الوسيط)) للواحدي (3/293)، ((تفسير الرسعني)) (5/133)، ((تفسير ابن عطية)) (4/147)، ((تفسير أبي حيان)) (7/569)، ((تفسير ابن كثير)) (5/480). قال أبو حيان: (ثمَّ ذكَر نفيَ الإشراكِ، وهو عبادتُهم آلهتَهم التي هي الأصنامُ؛ إذ لكفارِ قريشٍ أن تقولَ: نحن نؤمِنُ بآياتِ رَبِّنا ونصَدِّقُ بأنَّه المخترعُ الخالقُ). ((تفسير أبي حيان)) (7/569). وقيل: إنَّ المرادَ به نفيُ الشركِ الخفيِّ. وممن اختاره: الرازيُّ، فقال: (قَوْلُه: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ... المرادُ منه نَفْيُ الشِّركِ الخفِيِّ، وهو أنْ يكونَ مخلصًا في العبادةِ لا يقدِمُ عليها إلَّا لوجهِ اللَّه تعالَى وطَلَبِ رِضوانِه. واللَّه أعلمُ). ((تفسير الرازي)) (23/283). .
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أثبَتَ اللهُ تعالى لهمُ الإيمانَ الخالِصَ، نَفَى عنهم العُجْبَ بقولِه [522] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/159). :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60).
أي: والَّذين يُعطُونَ ما أعْطَوا مِن زَكَواتٍ وصَدَقاتٍ وغيرِ ذلك [523] وممن اختار أنَّ قولَه: يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا يتعلَّق بإعطاءِ الأموالِ: ابنُ جرير، والبغوي، والرازي، والرسعني، والخازن، وابنُ كثيرٍ، والعُليمي، والقاسمي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/66)، ((تفسير البغوي)) (3/368)، ((تفسير الرازي)) (23/283)، ((تفسير الرسعني)) (5/133)، ((تفسير الخازن)) (3/273)، ((تفسير ابن كثير)) (5/480)، ((تفسير العليمي)) (4/478)، ((تفسير القاسمي)) (7/293)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ، وابنُ عمر، ومجاهدٌ، وعِكْرِمةُ، والضحَّاكُ، وابنُ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/67). قال الرازي: (قولُه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ معناه: يُعطون ما أعطَوا، فدخل فيه كلُّ حَقٍّ يلزمُ إيتاؤه، سواءٌ كان ذلك مِن حَقِّ الله تعالى: كالزكاةِ والكفَّارةِ وغيرِهما؛ أو مِن حقوقِ الآدميِّينَ: كالودائعِ والديونِ، وأصنافِ الإنصافِ والعدلِ). ((تفسير الرازي)) (23/283). وقال ابن عاشور: (ومعنَى: يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا يُعْطونَ الأموالَ صدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ فِي سَبيلِ اللهِ. واستعمالُ الإيتاءِ في إعطاءِ المالِ شائعٌ في القرآنِ، مُتَعَيِّنٌ أنَّه المرادُ هنا). ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). وممن اختار أنَّ المرادَ أعمالُ البرِّ كلُّها: الواحديُّ، واستحسنه ابنُ عطية، وهو اختيار البِقاعي، والسعدي. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/293)، ((تفسير ابن عطية)) (4/147)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: عائشةُ، وابنُ عباسٍ في روايةٍ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/67). قال ابن عطية: (وقَولُه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا على قراءةِ الجُمهورِ: يُعطُونَ ما أعطَوا. وقال الطبري: يريدُ الزَّكاةَ المفروضةَ وسائِرَ الصَّدَقةِ. ورُوِيَ نحوُه عن ابنِ عُمَرَ ومجاهدٍ. وإنَّما ضَمَّهم إلى هذا التَّخصيصِ أنَّ العَطاءَ مُستعمَلٌ في المالِ على الأغلَبِ. قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ جُبيرٍ: هو عامٌّ في جميعِ أعمالِ البِرِّ. وهذا أحسَنُ، كأنَّه قال: والذين يُعطُونَ مِن أنفُسِهم في طاعةِ الله ما بَلَغَه جُهدُهم... وذهبت فِرقةٌ إلى أنَّ معناه: مِن المعاصي، وذهَبَت فِرقةٌ إلى أنَّ ذلك في جميعِ الأعمالِ؛ طاعتِها ومَعصيتِها. وهذا أمدَحُ). ((تفسير ابن عطية)) (4/147). ، والحالُ أنَّ قُلوبَهم خائِفةٌ مِن رُجوعِهم إلى ربِّهم، وبَعْثِهم يومَ القِيامةِ للحِسابِ والجَزاءِ، فيَخافونَ ألَّا يُتقبَّلَ منهم [524] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/66)، ((تفسير ابن كثير)) (5/480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). قال أبو السعود: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ حالٌ من فاعلِ يُؤتون... أي يُؤتون ما آتوه... والحالُ أنَّ قلوبهم خائفةٌ أشدَّ الخوفِ). ((تفسير أبي السعود)) (6/140). وقال ابن عاشور: (وجملةُ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ في موضعِ الحالِ، وحَقُّ الحالِ إذا جاءت بعد جُمَلٍ متعاطفةٍ أن تعودَ إلى جميعِ الجُمَلِ التي قبْلَها، أي: يفعلون ما ذُكِرَ من الأعمالِ الصَّالحةِ بقلوبِهم وجوارِحهم، وهم مُضمِرون وجَلًا وخوفًا من ربِّهم أن يرجِعوا إليه فلا يجدوه راضيًا عنهم، أو لا يجدوا ما يجِدُه غيرُهم ممَّن يفوتُهم في الصالحاتِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). .
أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61).
أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ.
أي: أولئك يُبادِرونَ ويُسابِقونَ في عمَلِ الطَّاعاتِ؛ تَقرُّبًا إلى اللهِ تعالى، ونَيلِ الدَّرَجاتِ [525] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/72)، ((تفسير القرطبي)) (12/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). قال ابنُ جُزَي: (فيه معنيانِ: أحدُهما: أنَّهم يُبادِرونَ إلى فِعلِ الطَّاعاتِ، والآخَرُ: أنَّهم يتعَجَّلونَ ثوابَ الخيراتِ، وهذا مُطابِقٌ للآيةِ المتقدِّمةِ؛ لأنَّه أثبَتَ فيهم ما نفى عن الكُفَّارِ مِن المُسارَعةِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/53). .
وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.
أي: وهم إلى الخَيراتِ سابِقونَ [526] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/369)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/78). ممَّن اختار المعنى المذكور: الفَرَّاءُ، والزَّجَّاج، والسمعاني، والبغوي، والخازن، وأبو حيان. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/238)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/17)، ((تفسير السمعاني)) (3/481)، ((تفسير البغوي)) (3/369)، ((تفسير الخازن)) (3/273)، ((تفسير أبي حيان)) (7/570). قال أبو حيان: (ومفعولُ سَابِقُونَ محذوفٌ، أي: سابِقونَ النَّاسَ، وتكونُ الجُملةُ تأكيدًا للتي قَبلَها مفيدةً تجَدُّدَ الفِعلِ بقولِه يُسَارِعُونَ، وثُبوتَه بقَولِه: سَابِقُونَ). ((تفسير أبي حيان)) (7/570). وقيل: المعنى: وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ مِن أجْلِها. وممَّن اختاره: الأخفش، وابن الجوزي، والعُليمي. يُنظر: ((معانى القرآن)) للأخفش (2/454)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/266)، ((تفسير العليمي)) (4/479). قال ابن عطية: (وقالت فِرقةٌ: معناه: وهم مِن أجْلِها سابِقونَ، فالسَّابِقُ على هذا التَّأويلِ هو إلى رِضوانِ اللهِ تعالى). ((تفسير ابن عطية)) (4/148). وقال ابنُ جرير: (وأَولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصَّوابِ القَولُ الذي قاله ابنُ عبَّاسٍ من أنَّه سبَقَت لهم مِنَ الله السَّعادةُ قبل مُسارعتِهم في الخيراتِ، ولَمَّا سبَق لهم مِن ذلك سارَعوا فيها). ((تفسير ابن جرير)) (17/72). وقال ابنُ عطية: (وقال الطَّبري عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: المعنى: سَبَقت لهم السَّعادةُ في الأزَلِ، فهُم لها. ورجَّحَه الطَّبريُّ بأنَّ اللامَ مُتمَكِّنةٌ في المعنى). ((تفسير ابن عطية)) (4/148). وقال السعدي: (وَهُمْ لَهَا أي: للخيراتِ سَابِقُونَ قد بلَغوا ذِرْوتَها، وتبارَوا هم والرَّعيلُ الأوَّلُ، ومع هذا قد سبَقَت لهم مِنَ اللهِ سابقةُ السَّعادةِ؛ أنَّهم سابِقونَ). ((تفسير السعدي)) (ص: 554). وقال الواحدي: (وقوله: وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ قال أبو إسحاق [الزجَّاج]: فيه وجهان: أحدُهما: هم إليها سابقونَ. وهذا قولُ الفرَّاءِ، ومعنى قولِ ابنِ عباسٍ: ينافِسون فيها أمثالَهم مِن أهلِ البِرِّ والتقوى. وقال الكلبي: سبقوا الأممَ إلى الخيراتِ. وعلى هذا المعنى: هم إلى الخيراتِ سابقون غيرَهم؛ لإسراعِهم فيها، ومبادرتِهم إليها. والوجهُ الآخَرُ: هم مِن أجلِها، أي: مِن أجلِ اكتسابِها، كما تقولُ: أنا أُكرِمُ فلانًا لك، أي: مِن أجلِك. والمعنى على هذا القولِ: وهم لأجلِ الخيراتِ سابقونَ غيرَهم، أي: إنما يسبِقون غيرَهم لأجلِ اكتسابِها. وذكر صاحب النظم [أبو عليٍّ الجرجاني] على هذا الوجهِ معنًى آخَرَ لقولِه: سَابِقُونَ فقال: تأويلُ الآيةِ: وهم مِن أجلِها، أي: مِن أجلِ مسارعتِهم في الخيراتِ سابقونَ يومَ القيامةِ إلى الجنَّةِ، يسبقونَ غيرَهم ممَّن لا يسارعُ في الخيراتِ، وعلى هذا الكنايةُ في لَهَا تعودُ إلى المسارعةِ، ودَلَّ عليها قولُه: يُسَارِعُونَ، وعلى ما قال أبو إسحاقَ يعودُ إلى الخيراتِ). ((البسيط)) (16/12). وقال الماوَرْدي: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ فيه وجهانِ: أحَدُهما: وهم بها سابِقونَ إلى الجنَّةِ. الثَّاني: وهم إلى فِعْلِها سابقون. وفيه وجهٌ ثالثٌ: وهم لِمَن تقَدَّمَهم مِن الأُمَمِ سابِقونَ. قاله الكلبي). ((تفسير الماوردي)) (4/59). .
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ سُبحانَه كَيفيَّةَ أعمالِ المُؤمِنينَ المُخلِصينَ؛ ذكَرَ حُكمينِ مِن أحكامِ أعْمالِ العِبادِ؛ الأوَّلُ: قولُه: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والثَّاني: قولُه: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [527] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/284). .
وأيضًا فإنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَرَ مُسارَعةَ المُؤمِنينَ إلى الخَيراتِ، وسَبْقَهم إليها، رُبَّما وَهِمَ واهِمٌ أنَّ المطلوبَ منهم ومِن غَيرِهم أمْرٌ غيرُ مَقْدورٍ أو مُتَعَسِّرٌ؛ أخْبَر تعالى أنَّه لا يُكلِّفُ نفْسًا إلَّا وُسْعَها [528] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 554). .
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
أي: ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا ما تُطِيقُ حَمْلَه والقِيامَ به، مِن عِبادةِ اللهِ والعَمَلِ بشَرعِه [529] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/73)، ((تفسير ابن كثير)) (5/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). قال البقاعي: (وَلَا أي: والحالُ أنَّا لا نُكلِّفُهم، ولكنَّه عمَّ فقال: نُكَلِّفُ نَفْسًا أي: كافرةً ومؤمِنةً إِلَّا وُسْعَهَا فلا يقدِرُ عاصٍ على أن يقولَ: كنتُ غيرَ قادرٍ على الطاعةِ، ولا يظنُّ بنا مؤمِنٌ أنَّا نؤاخِذُه بالزلَّةِ والهَفوةِ؛ فإنَّ أحدًا لا يستطيعُ أن يَقدُرَنا حقَّ قدْرِنا؛ لأنَّ مبنى المخلوقِ على العَجزِ). ((نظم الدرر)) (13/161). .
كما قال سُبحانَه: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286].
وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
مُناسَبتُها لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا كانتِ الأعمالُ إذا تكاثَرَتْ وامتَدَّ زمَنُها، تعسَّرَ أو تعذَّرَ حَصْرُها إلَّا بالكتابةِ؛ عامَلَ العِبادَ سُبحانَه بما يَعرِفونَ مع غِناهُ عن ذلك [530] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/161). ، فقال:
وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
أي: وعِندَنا كِتابٌ كتَبَتِ الملائِكةُ فيه جَميعَ أعْمالِ العِبادِ؛ فهو يُبَيِّنُ بالصِّدقِ الثَّابِتِ المُطابِقِ للواقِعِ ما عَمِلوه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ، فنُجازِيهم بأعمالِهم، ولا نَظلِمُهم بعُقوبتِهم بما لم يَعمَلوا، أو بالزِّيادةِ في سَيِّئاتِهم، أو بالنَّقصِ مِن حَسَناتِهم [531] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/73)، ((تفسير ابن عطية)) (4/148)، ((تفسير ابن كثير)) (5/481)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/336). قيل: المرادُ بالكتابِ هنا: كتابُ أعمالِ الخَلقِ. وممن قال بذلك: ابنُ جَرير، وابنُ عطيَّة، وابنُ كثير، والشِّنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المرادُ بالكتابِ: اللَّوحُ المحفوظ. وممَّن ذهَب إلى ذلك: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والواحديُّ، والسَّمعانيُّ، وابنُ الجوزي، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/160)، ((الوسيط)) للواحدي (3/293)، ((تفسير السمعاني)) (3/481)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/266)، ((تفسير السعدي)) (ص: 554). قال الشِّنقيطي: (الظاهِرُ: أنَّ معنى نُطقِ الكتابِ بالحَقِّ: أنَّ جميعَ المكتوبِ فيه حَقٌّ؛ فمَن قرأ المكتوبَ فيه كأنَّه لا يَنطِقُ في قراءتِه له إلا بالحَقِّ). ((أضواء البيان)) (5/336). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/579). وقال ابنُ عاشور: (يجوز أن يكون نُطقُ الكتابِ حقيقةً، بأن تكونَ الحروفُ المكتوبةُ فيه ذاتَ أصواتٍ، وقُدرةُ الله لا تُحَدُّ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/79). .
كما قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 28- 29].

الفوائد التربوية:


1- اللهُ سُبحانَه كما جعَلَ الرَّجاءَ لأهْلِ الأعمالِ الصَّالحةِ، فكذلك جعَلَ الخَوفَ لأهْلِ الأعمالِ الصَّالحةِ؛ فعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخوفَ النَّافِعَ: ما اقترَنَ به العمَلُ؛ قال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [532] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 40). .
2- قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، فإذا تُلِيَت عليهم آياتُه زادَتْهم إيمانًا، ويَتفكَّرون أيضًا في الآياتِ القُرآنيَّةِ ويَتدبَّرونَها؛ فيَبِينُ لهم مِن مَعاني القُرآنِ وجَلالَتِه واتِّفاقِه، وعدَمِ اختلافِه وتَناقُضِه، وما يَدْعُو إليه مِن مَعرفةِ اللهِ وخَوفِه ورجائِه، وأحوالِ الجَزاءِ؛ فيَحْدُثُ لهم بذلك مِن تَفاصيلِ الإيمانِ ما لا يُعبِّرُ عنه اللِّسانُ، ويَتفكَّرونَ أيضًا في الآياتِ الأُفقيَّةِ، كما في قولِه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ... [آل عمران: 190]، إلى آخِرِ الآياتِ [533] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 554). .
3- قَولُ اللهِ تَعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي: مُشفِقةٌ قُلوبُهم؛ كلُّ ذلك مِن خَشيةِ ربِّهم؛ خَوفًا أنْ يضَعَ عليهم عَدْلَه، فلا يَبْقى لهم حَسنةٌ، وسُوءَ ظَنٍّ بأنفُسِهم ألَّا يَكُونوا قد قامُوا بحَقِّ اللهِ تَعالى، وخَوفًا على إيمانِهم مِنَ الزَّوالِ، ومَعرِفةً منهم برَبِّهم، وما يَستحِقُّه مِن الإجلالِ والإكرامِ، وخَوفُهم وإشْفاقُهم يُوجِبُ لهم الكفَّ عمَّا يُوجِبُ الأمْرَ المَخُوفَ مِنَ الذُّنوبِ، والتَّقصيرِ في الواجباتِ [534] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 554). .
4- كان الحَسنُ يَقولُ: (إنَّ المؤْمِنَ جَمَع إحسانًا وشفَقةً، وإنَّ المُنافِقَ جَمَع إساءةً وأمْنًا)، ثمَّ تَلَا الحَسنُ: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون: 57] إلى: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: 60]. وقال المُنافِقُ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78]) [535] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/68). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ أي: في مَيدانِ التَّسارُعِ في أفْعالِ الخَيرِ، هَمُّهم ما يُقرِّبُهم إلى اللهِ، وإرادَتُهم مَصروفةٌ فيما يُنْجِي مِن عَذابِه؛ فكلُّ خَيرٍ سَمِعُوا به، أو سنَحَتْ لهم الفُرصةُ إليه؛ انْتَهَزوه وبادَرُوه، قد نظَروا إلى أولياءِ اللهِ وأصْفيائِه، أمامَهم، ويَمْنَةً ويَسْرةً، يُسارِعون في كلِّ خَيرٍ، ويُنافِسون في الزُّلفى عندَ ربِّهم، فنافَسُوهم [536] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 554). .
6- قولُ اللهِ تعالى: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ فيه الثَّناءُ على المُبادرينَ إلى امتثالِ أوامِرِ رَبِّهم [537] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/333). ، وهذا دَليلٌ على أنَّ المُبادَرةَ إلى الأعمالِ الصَّالحةِ؛ مِن صلاةٍ في أوَّلِ الوقتِ، وغَيرِ ذلكَ مِنَ العِباداتِ، هو الأفضلُ، ومدْحُ الباري أَدَلُّ دَليلٍ على صِفَةِ الفَضلِ في المَمدوحِ على غَيرِه، واللهُ أعلَمُ [538] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/324). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ والإشفاقُ: الخوفُ، وقيلَ: الإشفاقُ هو الخشيةُ، فظاهِرُ ما في الآيةِ التَّكرارُ.
وأُجيبَ عن ذلك مِن عدَّةِ وجوهٍ:
منها: حملُ الخشيةِ على العذابِ، أي: مِن عذابِ ربِّهم خائِفونَ.
ومنها: حَملُ الإشفاقِ على ما هو أثَرٌ له، وهو الدَّوامُ على الطَّاعةِ، أي: الَّذينَ هم مِن خشيةِ ربِّهم دائِمونَ على طاعَتِه.
ومنها: أنَّ الإشفاقَ كمالُ الخوفِ؛ فلا تَكرارَ. وقيلَ: هو تَكرارٌ للتَّأكيدِ [539] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/578). .
2- قولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ إنَّما عُبِّرَ بـ مَا آَتَوْا دُونَ (الصَّدقاتِ) أو (الأموالِ)؛ لِيَعُمَّ كلَّ أصنافِ العطاءِ المطلوبِ شَرعًا، ولِيَعُمَّ القليلَ والكثيرَ؛ فلعَلَّ بَعضَ المُؤمِنينَ ليس له مِن المالِ ما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ وهو يُعْطي ممَّا يَكسِبُ [540] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). .
3- في قولِه تعالى: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ بِشارةٌ للمُشفقينَ مِن خَشيةِ ربِّهم، والوَجِلةِ قُلوبُهم -مع صالِحِ أعمالِهم- مِنَ الرُّجوعِ إلى ربِّهم، وتَطْييبٌ لأنفُسِهم بألَّا يَرْهَبوا ظُلْمًا، وأنْ يَطْمَئِنُّوا إلى أنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه لا يُطالِبُهم فَوقَ وُسْعِهم، وأنَّ وُسْعَهم في صالِحِ أعمالِهم قد أحصاهُ كِتابٌ يَنطِقُ لهم [541] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/360). .
4- قال تعالى: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ استدلَّ بعضُهم بهذه الآيةِ على أنَّ مَن كتَب إلى إنسانٍ كتابًا فقد كلَّمه [542] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/481). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ استئنافٌ مَسوقٌ لبَيانِ مَن له المُسارَعةُ في الخَيراتِ، بَعْدَ إقْناطِ الكُفَّارِ عنها، وإبْطالِ حُسبانِهم الكاذبِ [543] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/139). .
- وافتِتاحُ الجُملةِ بـ (إنَّ) للاهتمامِ بالخبَرِ [544] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/76، 77). .
- و(مِن) في قولِه: مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ للتَّعليلِ، والمعنى: أنَّهم لِخَشيةِ ربِّهم يَخافونَ عِقابَه؛ فحُذِفَ مُتعلِّقُ مُشْفِقُونَ؛ لدَلالةِ السِّياقِ عليه [545] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). . وقِيلَ: (مِن) لِبَيانِ جِنْسِ الإشفاقِ [546] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/569). .
2- قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ
- قولُه: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ أي: شِرْكًا جَلِيًّا ولا خَفِيًّا -على أحدِ القولينِ في التفسيرِ-؛ ولذلك أُخِّرَ عن الإيمانِ بالآياتِ. والتَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ في المواقِعِ الثَّلاثةِ؛ للإشعارِ بعِلِّيَّتِها للإشفاقِ والإيمانِ وعَدَمِ الإشراكِ [547] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/140). .
3- قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ
- قولُه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا صِيغةُ المُضارِعِ في الصِّلةِ الأُولى؛ للدَّلالةِ على الاستمرارِ، وصِيغَةُ الماضي في الصِّلةِ الثَّانيةِ؛ للدَّلالةِ على التَّحقُّقِ [548] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/140). .
- والآياتُ مِن قولِه: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إلى قولِه: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ فيها مُقابَلةٌ حَسَنةٌ؛ فهذه الآياتُ مُقابِلُ ما تَضمَّنَتْه الغَمرةُ في قولِه: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ [المؤمنون: 54]؛ مِن الإعراضِ عن عِبادةِ اللهِ وعنِ التَّصديقِ بآياتِهِ، ومِن إشراكِهم آلِهةً مع اللهِ، ومِن شُحِّهم عن الضُّعفاءِ، وإنْفاقِ مالِهم في اللَّذَّاتِ، ومِن تَكذيبِهم بالبَعثِ؛ كلُّ ذلك ممَّا شَمِلَتْه الغَمرةُ، فجِيءَ في مُقابِلِها بذِكْرِ أحوالِ المُؤمِنينَ ثناءً عليهم؛ ألَا تَرى إلى قولِه بَعدَ هذا: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا [المؤمنون: 63]؛ فكانتْ هذه الجُملةُ كالتَّفصيلِ لإجمالِ الغَمرةِ مع إفادةِ المُقابَلةِ بأحوالِ المُؤمِنينَ. واختِيرَ أنْ يكونَ التَّفصيلُ بذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسنِ تلك الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها؛ تَنزيهًا للذِّكرِ عن تَعدادِ رَذائلِهم، فحصَلَ بهذا إيجازٌ بَديعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البديعِ، وصَونٌ للفَصاحةِ مِن كَراهةِ الوَصفِ الشَّنيعِ [549] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/76). .
- والإتيانُ بالموصولاتِ (إِنَّ الَّذِينَ - وَالَّذِينَ هُمْ - وَالَّذِينَ هُمْ - وَالَّذِينَ يُؤتُونَ) في الآياتِ السَّابقةِ؛ للإشارةِ إلى وَجْهِ بِناءِ الخبَرِ، وهو قولُه: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، وتَكريرُ أسماءِ المَوصولاتِ؛ للاهتمامِ بكلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها، فلا تُذكَرُ تَبعًا بالعطفِ [550] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/76، 77). . وإيذانًا باستقلالِ كلِّ واحدةٍ مِن تلك الصِّفاتِ بفَضيلةٍ باهرةٍ على حِيالِها، وتَنزيلًا لاستِقلالِها مَنزِلةَ استِقلالِ المَوصوفِ بها [551] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/140). .
- وتَقديمُ المَجروراتِ الثَّلاثةِ -مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ، بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ، بِرَبِّهِمْ- على عوامِلِها؛ لرِعايةِ الفواصلِ، مع الاهتمامِ بمَضمونِها [552] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/77). .
- وجاء تَرتيبُ هذه الصِّفاتِ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ في نِهايةِ الحُسنِ؛ لأنَّ الأُولى دلَّتْ على حُصولِ الخَوفِ الشَّديدِ المُوجِبِ للاحترازِ، والثَّانيةَ على تَحصيلِ الإيمانِ باللهِ، والثَّالثةَ على تَرْكِ الرِّياءِ في الطَّاعةِ -على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ-، والرَّابعةَ على أنَّ المُستجمِعَ لهذه الصِّفاتِ الثَّلاثةِ يأْتي بالطَّاعاتِ مع خَوفٍ مِن التَّقصيرِ، وهو نِهايةُ مَقاماتِ الصِّدِّيقينَ [553] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/283)، ((تفسير أبي حيان)) (7/569). .
4- قوله تعالى: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ
- قولُه: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ فيه افتِتاحُ الخَبرِ باسمِ الإشارةِ؛ لزِيادةِ تَمييزِهم للسَّامعينَ؛ لأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بأنْ يُعْرَفُوا [554] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/78). ، وإفادةِ أنَّ مَن قَبْلَه جَديرٌ بما بَعدَه؛ لاكْتِسابِه تلك الفضائلَ [555] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/597). . وأيضًا التَّعبيرُ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ وما فيه مِن مَعنى البُعدِ؛ للإشعارِ ببُعْدِ رُتْبَتِهم في الفَضلِ [556] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/140). .
- وقولُه: يُسَارِعُونَ أبلَغُ مِن (يُسرِعون)، وَجِهَةُ المُبالَغةِ: أنَّ المُفاعَلةَ تكونُ مِن اثنينِ، فتَقْتَضي حَثَّ النَّفْسِ على السَّبقِ؛ لأنَّ مَن عارضَكَ في شَيءٍ تَشْتَهي أنْ تَغلِبَه فيه [557] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/570). .
- وفي قولِه: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ أثبَتَ لهم ما نُفِيَ عن أضْدادِهم، غيرَ أنَّه غيَّرَ الأُسلوبَ حيثُ لم يقُلْ: (أولئكَ نُسارِعُ لهم في الخَيراتِ)، بلْ أسنَدَ المُسارَعةَ إليهم؛ إيماءً إلى كَمالِ استِحقاقِهم لِنَيلِ الخَيراتِ بمَحاسِنِ أعمالِهِم. وإيثارُ كَلِمةِ (في) على كَلمةِ (إلى)؛ للإيذانِ بأنَّهم مُتقلِّبونَ في فُنونِ الخَيراتِ، لا أنَّهم خارِجُون عنها، مُتوجِّهون إليها بطَريقِ المُسارَعةِ في قولِه تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران: 133] الآيةَ [558] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/140). .
- وجُملةُ: وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ تأْكيدٌ للَّتي قبْلَها، مُفيدةٌ تَجدُّدَ الفِعْلِ بقولِه: يُسَارِعُونَ، وثُبوتَه بقولِه: سَابِقُونَ [559] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/570). ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
- والسَّبقُ في قولِه: وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ تَمثيلٌ للتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكثارِ مِن الخَيراتِ -على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ-، وتَقديمُ المَجرورِ لَهَا؛ للاهتِمامِ، ولرِعايةِ الفاصِلةِ [560] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/78). .
5- قولُه تعالى: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ تَذييلٌ لِمَا تقدَّمَ مِن أحوالِ الَّذين مِن خَشيةِ ربِّهم مُشفِقونَ؛ لأنَّه لمَّا ذكَرَ ما اقْتَضى مُخالَفةَ المُشرِكينَ لِمَا أُمِرُوا به مِن تَوحيدِ الدِّينِ، وذكَرَ بَعدَه ما دَلَّ على تَقْوى المُؤمِنينَ بالخَشيةِ وصِحَّةِ الإيمانِ، والبَذلِ، ومُسارعَتِهم في الخيراتِ: ذَيَّلَ ذلك بأنَّ اللهَ ما طلَبَ مِن الَّذين تَقطَّعوا أمْرَهم إلَّا تكليفًا لا يَشُقُّ عليهم، وبأنَّ اللهَ عذَرَ مِن المُؤمِنينَ مَن لم يَبلُغوا مَبلَغَ مَن يَفوتُهم في الأعمالِ، عُذْرًا يَقْتضي اعتبارَ أجْرِهم على ما فاتَهم إذا بذَلُوا غايةَ وُسْعِهم؛ فقولُه: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا خبَرٌ مُرادٌ منه لازِمُه، وهو تَسجيلُ التَّقصيرِ على الَّذين تقطَّعُوا أمْرَهم بَيْنهم، وقَطْعُ مَعذِرَتِهم، وتَيسيرُ الاعتذارِ على الَّذين هم مِن خَشيةِ ربِّهم مُشفِقونَ، كقولِه تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة: 185]، مع ما في ذلك مِن جَبرِ الخواطرِ المُنكسِرةِ مِن أهْلِ الإيمانِ الَّذين لم يَلْحَقوا غيرَهم لِعَجزٍ أو خَصاصةٍ، ولمُراعاةِ هذا المعنى عُطِفَ قولُه: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ، وهو معنَى إحاطةِ العِلْمِ بأحوالِهم ونيَّاتِهم؛ فالكِتابُ هنا هو الأمْرُ الَّذي فيه تَسجيلُ الأعمالِ مِن حَسناتٍ وسيِّئاتٍ، وإطلاقُ الكتابِ عليه لإحاطَتِه. وفي قولِه: (لَدَيْنَا) دَلالةٌ على أنَّ ذلك مَحفوظٌ، لا يَستطيعُ أحَدٌ تَغييرَه بزِيادةٍ ولا نُقصانٍ [561] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/78، 79). . وقيل: على أنَّ معنى الآيةِ: هذا الَّذي وُصِفَ به المُؤمِنون غيرُ خارِجٍ مِن حَدِّ الوُسعِ والطَّاقةِ، وكذلك كلُّ ما كلَّفَه عِبادَه وما عمِلُوه مِن الأعمالِ، فغَيرُ ضائعٍ عندَه؛ فالجُملةُ تَذييلٌ للآياتِ السَّابقةِ، وتأْكيدٌ لمَضمونِها. وعلى أنَّ معنى الآيةِ: إنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ إلَّا الوُسْعَ، فإنْ لم يَبلُغِ المُكلَّفُ أنْ يكونَ على صِفَةِ هؤلاء السَّابقينَ بَعدَ أنْ يَستفرِغَ وُسْعَه ويَبذُلَ طاقتَهُ: فلا عليه، ولَدَيْنا كِتابٌ فيه عمَلُ السَّابقِ والمُقتصِدِ؛ فهو استِطرادٌ وبَيانٌ لحُكمِ غيرِ المذكورينَ مِن المُقتصدينَ [562] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/600). .
- وقيل: إنَّ جُملةَ: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا مُستأْنفةٌ؛ سِيقَتْ للتَّحريضِ على ما وُصِفَ به السَّابِقون مِن فِعْلِ الطَّاعاتِ المُؤدِّي إلى نَيلِ الخَيراتِ، ببَيانِ سُهولَتِه، وكَونِه غيرَ خارِجٍ عن حَدِّ الوُسعِ والطَّاقةِ [563] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/141). .
- قولُه: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ بَيانٌ لفَضلِه تعالى وعَدلِه في الجزاءِ، بَعدَ بَيانِ لُطفِه في التَّكليفِ. وقيل: تَقريرٌ لِمَا قَبلَه مِن التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمالِ، أي: لا يُظْلَمون بتَكليفِ ما ليس في وُسْعِهم، ولا بَعدمِ كَتْبِ بَعضِ أعمالِهم [564] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/141). . وقيل: يَجوزُ أنْ يكونَ مَسوقًا لمُؤاخَذةِ المُفرِّطينَ والمُعرِضينَ، فيَكونَ الضَّميرُ عائدًا إلى ما عاد إليه ضَميرُ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ [المؤمنون: 53] وأشباهُهُ مِن الضَّمائرِ، والاعتمادُ على قَرينةِ السِّياقِ، وقولُه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا [المؤمنون: 63] وما بَعدَهُ مِن الضَّمائرِ، والظُّلمُ على هذا الوَجهِ مَحمولٌ على ظاهِرِه، وهو حِرمانُ الحقِّ والاعتداءُ. ويَجوزُ أنْ يكونَ الضَّميرُ عائدًا إلى عُمومِ الأنفُسِ في قولِه: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؛ فيَكونَ قولُه: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ مِن بَقِيَّةِ التَّذييلِ، والظُّلمُ على هذا الوَجهِ مُستعمَلٌ في النَّقصِ مِن الحقِّ؛ فيكونُ وَعيدًا لفَريقٍ، ووَعدًا لفَريقٍ. وهذا ألْيقُ الوَجهينِ بالإعجازِ [565] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/79، 80). .