موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (72-75)

ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ

غريب الكلمات:


مِيثَاقٌ: الميثاقُ: العقدُ المؤكَّدُ بيمينٍ، أو العهدُ المُحكَم، وأصل (وثق): عقدٌ وإحكامٌ [1004] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/187)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/85)، ((المفردات)) للراغب (ص: 853). .
آوَوْا: أي: ضَمُّوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُهاجرينَ إليهم، وأَعْطَوهم المَأوى. والمَأوى: المَثوى والمَسكَنُ، وأصْلُ (أوى): يدلُّ على التَّجمُّعِ [1005] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1 /151)، ((المفردات)) للراغب (ص: 103)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 90). .

المعنى الإجمالي:


إنَّ المُهاجرينَ الذين آمَنوا بكُلِّ ما يجِبُ عليهم الإيمانُ به، وترَكَوا أوطانَهم وقَومَهم، وأنفَقُوا أموالَهم لِنُصرةِ دينِ الله، وجاهَدوا بأنفُسِهم في سبيلِه، والأنصارَ الذينَ ضَمُّوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابَه المُهاجرينَ، فأسكَنُوهم مَنازِلَهم، ونَصَرُوهم على أعدائِهم- بعضُهم أولياءُ بعضٍ، وأمَّا الذينَ آمَنوا لكِنَّهم لم يُفارِقوا أوطانَهم إلى بلادِ الإسلامِ، ما لكم- أيُّها المؤمنونَ- مِن وَلايِتهم مِن شَيءٍ، حتى يفارِقُوا دارَ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ، لكنْ إن طَلَبَ منكم هؤلاء- الذينَ آمَنوا ولم يُهاجِروا- النَّصرَ في الدِّينِ، فعَليكم نصرَهم، إلَّا إذا طلَبَوا منكم أن تَنصُروهم على قومٍ مِن الكُفَّارِ، بينكم وبينهم عَهدٌ مُؤَكَّدٌ على تَركِ الحَربِ، فلا تَغدِرُوا بالكُفَّارِ بنقضِ ذلك العَهدِ، واللهُ بَصيرٌ بما تَعملونَ، مُطَّلِعٌ عليه، فلا تُخالِفوا أمرَه.
ثم يُخبِرُ تعالى أنَّ الكُفَّارَ بَعضُهم أولياءُ بَعضٍ، ويخاطِبُ المُؤمِنينَ أنَّهم إن لم يَفعَلُوا ذلك- مِن تَوَلِّي بعضِهم بعضًا، وتَرْكِ مُوالاةِ الكُفَّارِ- فإنَّه ستقَعُ فِتنةٌ عظيمةٌ في الأرضِ، وفسادٌ كبيرٌ.
والمؤمنونَ المُهاجِرونَ الذين جاهَدُوا في سبيلِ اللهِ، والأنصارُ الذين ضَمُّوا مَن هاجَرَ إليهم ونَصَرُوهم ونَصَروا دينَ اللهِ، أولئك هُم المؤمِنونَ حَقًّا، لهم مَغفِرةٌ مِن اللهِ ورِزقٌ كَريمٌ.
والذينَ آمنُوا مِن بعدِ بَيانِ أمْرِ تَوَلِّي المُهاجرين والأنصارِ بعضِهم بعضًا، وانقِطاعِ وَلايَتِهم مِمَّن آمَن ولم يُهاجِرْ حتَّى يُهاجِرَ، وهاجَرُوا من دارِ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ، وجاهدوا في سبيلِ اللهِ؛ فأولئك معكم- أيُّها المُهاجِرونَ والأنصارُ- وذَوُو القراباتِ أَوْلى بالتَّوارُثِ بينهم في كتابِ اللهِ؛ إنَّ اللهَ بكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى للأَسْرى أنَّ الخيرَ الذي لم يَطَّلِعْ عليه من قُلوبِهم غيرُ اللهِ، لا يَنفَعُهم في إسقاطِ الفِداءِ عنهم- لأنَّه لا دليلَ عليه، وكُلُّ ما لا دليلَ عليه فحُكمُه حُكمُ العَدَمِ؛ لأنَّ مَبنى الشَّرعِ على ما يُمكِنُ المُكَلَّفَ مَعرِفَتُه وهو الظَّواهِرُ- وخَتَمَ بصِفَتَي العِلمِ والحِكمةِ؛ شَرَع يُبَيِّنُ الخَبَرَ الذي يُفيدُ القُربَ الذي تنبني عليه المُناصَرةُ وكُلُّ خَيرٍ [1006] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/336). .
النَّاسِخُ والمَنسوخُ:
قيل: هذه الآيةُ مُحكَمةٌ [1007] وهو قولُ ابنِ جريرٍ، وقوَّاه الرَّازي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/300)، ((تفسير الرازي)) (15/516، 517). .
وقيل: بل هيَ مَنسوخةٌ بِقَولِه تعالى في سورة الأحزاب: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب: 6]، أو قَولِه في آخِرِ سُورةِ الأنفالِ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [1008] هو قَولُ أكثر المفسِّرينَ، ونقله الواحديُّ عن جميعِهم. يُنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) للقاسم بن سلَّام (1/224)، ((البسيط)) للواحدي (10/264، 266)، ((تفسير السمعاني)) (2/283)، ((نواسخ القرآن)) لابن الجوزي (ص: 152). قال ابنُ كثير: (آخى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين المُهاجرين والأنصارِ، كلُّ اثنينِ أخَوانِ، فكانوا يتوارَثونَ بذلك إرثًا مُقَدَّمًا على القرابةِ، حتى نسَخَ الله تعالى ذلك بالمواريثِ؛ ثبَت ذلك في ((صحيح البخاري))، عن ابنِ عبَّاس، ورواه العوفيُّ، وعليُّ بنُ أبي طلحةَ، عنه، وقاله مجاهدٌ، وعكرمةُ، والحسنُ، وقتادةُ، وغيرُهم). ((تفسير ابن كثير)) (4/95). تنبيه: أكثرُ القائلين بنَسخِ هذه الآية ذَكَروا أنَّ الآية الناسخة لها هي قولُه تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال: 75]، [الأحزاب: 6] ولم يُعَيِّنوا آيةَ الأنفالِ أو آيةَ الأحزابِ، ولفظُ الآيتين واحدٌ، وبعضُهم نصَّ على أنَّ المراد آيةُ الأحزاب، منهم قتادةُ، وعِكرمةُ، والنَّحاسُ. يُنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) لقتادة (ص: 43)، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 475). ومنهم من نصَّ على أن المرادَ آيةُ الأنفالِ، منهم: الزُّهري، وابنُ حزمٍ. يُنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) للزهري (ص: 27)، ((الناسخ والمنسوخ)) لابن حزم (ص: 39). [الأنفال: 75].
عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، أنَّه قال في قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا قال: (فَكانَ الأعرابيُّ لا يرثُ المهاجرَ، ولا يرثُهُ المهاجرُ، فنَسخَتْها، فقالَ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) [1009] ​أخرجه أبو داود (2924)، والقاسم بن سَلَّام في ((الأموال)) (527)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (12528)​، والضياء في ((المختارة)) (357). ​قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (2924): (حسنٌ صحيحٌ). .
وعن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، قال: (كان المُهاجرونَ حين قَدِموا المدينةَ يَرِثُ الأنصاريُّ المُهاجريَّ دونَ ذَوي رَحِمِه؛ لِلأُخوَّةِ التي آخى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينهم) [1010] رواه البخاري (6747). .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ.
أي: إنَّ المُهاجرينَ الذينَ آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وهجَروا قَومَهم، وتَرَكوا دُورَهم، وخَرَجوا من أوطانِهم، وأنفَقوا أموالَهم؛ لِنُصرة دينِ اللهِ، وبالَغُوا في إتعابِ أنفُسِهم وبَذلِها في حَربِ الكافرينِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ الله تعالى [1011] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/289)، ((البسيط)) للواحدي (10/264)، ((تفسير ابن عطية)) (2/555)، ((تفسير ابن كثير)) (4/95)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/203). .
وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ.
أي: والأنصارَ أهلَ المدينةِ، الذينَ ضمُّوا إليهم النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأصحابَه المهاجرين، فأسكَنُوهم منازِلَهم، وواسَوْهم بأموالِهم، ونَصَرُوهم على أعدائِهم [1012] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/289)، ((البسيط)) للواحدي (10/264)، ((تفسير السمعاني)) (2/282)، ((تفسير ابن عطية)) (2/555)، ((تفسير ابن كثير)) (4/95)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/204). .
أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ.
قيل: معناها: يَرِثُ بَعضُهم بعضًا دون قَراباتِهم مِن المُشركينَ، على القولِ بأنَّها منسوخةٌ [1013] وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، ومجاهدٍ، وعِكرِمةَ، والحسنِ، وقتادة، وجمهورِ المفسرين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/289)، ((تفسير السمرقندي)) (2/34)، ((تفسير الماوردي)) (2/335)، ((البسيط)) للواحدي (10/264)، ((تفسير الزمخشري)) (2/239)، ((تفسير ابن كثير)) (4/95)، ((تفسير الشربيني)) (1/585)، ((تفسير أبي السعود)) (4/38)، ((تفسير الشوكاني)) (2/375). قال ابنُ عاشور: (حَمَلَها ابنُ عبَّاسٍ على ما يشمَلُ الميراثَ... وهذا قولُ مُجاهدٍ وعِكرمةَ وقتادة والحَسَن، ورُوِيَ عن عُمَرَ بن الخطَّابِ، وابنِ مَسعود، وهو قولُ أبي حنيفة وأحمدَ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/85). .
وقيل: المعنى: أولئك المُهاجِرونَ والأنصارُ، بعضُهم أنصارُ بعضٍ، وأعوانٌ على مَن سِواهم مِن المُشركينَ، وذلك على القولِ بأنَّها محكمة [1014] وهو قولُ ابنِ جريرٍ، والرازي، وأبي حيان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/289)، ((تفسير الرازي)) (15/516، 517)، ((تفسير أبي حيان)) (5/357). قال ابنُ عاشور: (قال كثيرٌ مِن المُفَسِّرين: هذه الوَلايةُ هي في المُوالاة والمُؤازرة والمُعاونة دُونَ الميراثِ؛ اعتدادًا بأنَّها خاصَّةٌ بهذا الغَرَضِ، وهو قولُ مالك بن أنس، والشافعي، ورُوي عن أبي بكر الصِّديق، وزيدِ بنِ ثابت، وابنِ عُمرَ، وأهلِ المدينةِ)). ((تفسير ابن عاشور)) (10/85). .
كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71].
وعن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((المؤمِنُ للمُؤمِنِ كالبُنيانِ؛ يَشُدُّ بَعضُه بَعضًا، وشبَّك بينَ أصابِعِه )) [1015] رواه البخاري (2446) واللفظ له، ومسلم (2585). .
 وعن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مثَلُ المؤمنينَ في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتَعاطُفِهم، مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى )) [1016] رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586)، واللفظ له. .
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ.
أي: والمُؤمنونَ الذين لم يُفارِقُوا بعدُ بلادَ الكُفرِ إلى بلادِ الإسلامِ؛ فَلَستُم- أيُّها المؤمنونَ- مكلَّفينَ بِحِمايتِهم ونُصرَتِهم، ولا إرْثَ بينكم، وليسَ لهم في المغانِمِ نَصيبٌ، حتى يُهاجِروا مِن دارِ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ [1017] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/293، 294)، ((تفسير ابن كثير)) (4/96)، ((تفسير الشربيني)) (1/585)، ((تفسير القاسمي)) (5/333)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/207). .
وعن بُريدةَ رَضِيَ الله عنه، قال: كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ، أوصاه في خاصَّتِه بِتَقوى اللهِ، ومَن مَعَه من المسلمينَ خَيرًا، ثم قال: ((اغْزُوا باسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَن كَفَر باللهِ، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغدِرُوا، ولا تَمْثُلُوا [1018] مَثَلَ به يَمثُلُ: إذا نكَّلَ به، وقَطَعَ أطرافَه. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 290)، ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (6/2528). ، ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِن المُشركين، فادْعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ- أو خِلالٍ- فأيَّتُهنَّ ما أجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى الإسلامِ، فإنْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثمَّ ادعُهم إلى التَّحَوُّلِ مِن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم أنَّهم إن فَعَلُوا ذلك فلَهم ما للمُهاجرينَ، وعليهم ما على المُهاجرينَ، فإن أبَوْا أن يتحَوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يكونونَ كأعرابِ المُسلِمينَ؛ يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يجري على المُؤمنينَ، ولا يكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ، إلَّا أن يُجاهِدوا مع المُسلمينَ، فإنْ هُم أبَوْا فسَلْهُم الجِزيةَ، فإنْ هم أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، فإن هُم أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم )) [1019] رواه مسلم (1731). .
وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ.
أي: وإن طلَبَ منكم هؤلاءِ- الذينَ آمَنوا ولم يُهاجِروا- أن تَنصُروهم على الكُفَّارِ في قتالٍ دينيٍّ؛ لأنَّكم إخوانُهم في الدِّينِ- فعليكم نَصرُهم، ولا تَخذُلوهم [1020] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/294)، ((البسيط)) للواحدي (10/267)، ((تفسير ابن عطية)) (2/556)، ((تفسير القرطبي)) (8/57)، ((تفسير ابن كثير)) (4/97)، ((تفسير الشوكاني)) (2/375)، ((تفسير القاسمي)) (5/333)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/86)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/207). .
إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ.
أي: إلَّا إذا طلَبَوا منكم أن تَنصُروهم على قومٍ مِن الكُفَّارِ بينكم وبينهم عهدٌ مؤكَّدٌ على تَركِ الحَربِ، فلا تَغدِروا بالكُفَّارِ بِنَقضِ ذلك العَهدِ [1021] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/294)، ((البسيط)) للواحدي (10/267)، ((تفسير السمعاني)) (2/282)، ((تفسير ابن عطية)) (2/556)، ((تفسير القرطبي)) (8/57)، ((تفسير ابن كثير)) (4/97)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327). .
وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
أي: واللهُ مُطَّلِعٌ على ما تَعملونَ- أيُّها المُؤمِنونَ- بصيرٌ به، لا يَخفى عليه شَيءٌ مِن أعمالِكم، فلا تُخالِفوا ما أمَرَكم به؛ لئلَّا يَحِلَّ بكم عِقابُه [1022] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/38)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/97)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/210). وقال السعدي: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعلَمُ ما أنتم عليه من الأحوالِ، فيَشرَعُ لكم من الأحكامِ ما يَليقُ بكم). ((تفسير السعدي)) (ص: 327). .
وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى أنَّ المُؤمِنينَ بَعضُهم أولياءُ بَعضٍ، قطَعَ المُوالاة بينهم وبين الكُفَّارِ؛ فالمُؤمِنونَ أحَقُّ أن يواليَ بَعضُهم بعضًا، ويترُكوا مُوالاةَ الكافرينَ وإن كانوا أقارِبَ، فقال تعالى [1023] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/240)، ((تفسير ابن كثير)) (4/97). :
وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ.
أي: والكُفَّارُ بَعضُهم أعوانُ بَعضٍ؛ يَرِثُ بَعضُهم بعضًا، ويتَناصَرونَ فيما بَينَهم على قتالِ المُسلمينَ [1024] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/295)، ((تفسير ابن عطية)) (2/556)، ((تفسير القرطبي)) (8/57)، ((تفسير ابن كثير)) (4/97)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/98)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/210 - 212). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51].
وقال سُبحانه: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: 19].
وعن أُسامةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ الله عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((لا يَرِثُ المُسلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسلِمَ )) [1025] رواه البخاري (6764) واللفظ له، ومسلم (1614). .
إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ.
أي: إن لم تَفعَلوا- أيُّها المؤمِنونَ- ما أمَرْتُكم به مِن تَوَلِّي بعضِكم بعضًا، وتَرْكِ مُوالاةِ الكافرينَ [1026] قال ابنُ جُزي: ( إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ (إَّلا) هنا مركَّبةٌ مِن (إنِ الشَّرطية) و (لا النَّافية)، والضَّميرُ في تَفْعَلُوهُ لِولايةِ المُؤمِنينَ ومُعاوَنَتِهم، أو لِحِفظِ المِيثاقِ الذي في قَولِه: إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، أو النَّصرِ الذي في قَولِه: فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ). ((تفسير ابن جزي)) (1/330). ويُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/359). قال الشنقيطي: (والتَّحقيقُ الذي لا شَكَّ فيه- إن شاء اللهُ- أنَّ الضَّميرَ (الهاء) في قوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ عائِدٌ إلى ما ذكَرَه الله جلَّ وعلا مِن وَلايةِ المُسلِمينَ بَعضِهم بعضًا، ومُقاطَعَتِهم للكُفَّارِ، ووَلايةِ الكُفَّارِ بعضِهم بعضًا). ((العذب النمير)) (5/214). ؛ تقَعْ في الأرضِ فتنةٌ عظيمةٌ بينَ النَّاسِ، وفَسادٌ عَريضٌ في الدِّينِ والدُّنيا [1027] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/299)، ((تفسير الزمخشري)) (2/240)، ((تفسير ابن عطية)) (2/557)، ((تفسير ابن كثير)) (4/98)، ((تفسير الشوكاني)) (2/376)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/214 - 216). قال ابنُ عطية: (الفتنةُ: المِحنةُ بالحَربِ، وما انجَرَّ معها من الغاراتِ والجلاءِ والأسْر، والفسادُ الكبير: ظهورُ الشِّركِ). ((تفسير ابن عطية)) (2/557). وقال الزمخشري: (لأنَّ المسلمينَ ما لم يصيروا يدًا واحدةً على الشِّركِ، كان الشِّركُ ظاهِرًا، والفَسادُ زائدًا). ((تفسير الزمخشري)) (2/240). وذهَب ابنُ كثيرٍ، والسعدي، والشنقيطي إلى أنَّ المرادَ اختلاطُ المؤمِنِ بالكافرِ وما ينتُجُ عنه من الْتباسِ الحَقِّ بالباطِلِ، وأضرارٍ أُخرَى كثيرةٍ نتيجةَ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/98)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/215) (5/216). وقال ابن الجوزي: (إذا لم يتوَلَّ المؤمنُ المؤمنَ تولِّيًا حَقًّا، ويتبرَّأْ مِن الكافِرِ جِدًّا؛ أدى ذلك إلى الضَّلالِ والفَسادِ في الدِّينِ). ((زاد المسير)) (2/228). وقال الشِّنقيطي: (وهذا المُشاهَدُ الآن؛ فإنَّ مَن يُسَمَّونَ بالمُسلمينَ تَوَلَّوا الكفَّارَ وقاطعوا المُسلمين، وصار هذا الكافِرُ وهذا المُسلِمُ يزعُمانِ أنَّهما أخوانِ، وأنَّهما تجمَعُهما العَصَبيَّةُ الفُلانيَّة، أو القوميَّةُ الفلانيَّة، وأنَّ هذه الدَّولة الكافرة صَديقةٌ، وأنَّ هَذينِ الشَّعبينِ شَقيقانِ وما جرى مجرى ذلك! فلم يفعلوا ما أمَرَ الله بأن يَفعَلوه، فكانت فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ، ومِن عظم هذه الفتنةِ اختلاطُ الحابِلِ بالنَّابلِ؛ لأنَّ المُسلمين إذا صادَقوا الكفَّارَ أعانوهم على أذيَّةِ المسلمينَ، وقَتلِهم، وكُلِّ ما يريدونَه بهم، وأطلَعُوهم على عَوْراتِهم، إلى غير ذلك، فانتشَرَ في الدُّنيا الفسادُ العريضُ العظيمُ، وانتشرت الفتنةُ، وهذا مُشاهَدٌ يجب على المؤمنينَ أن يعتَبِروا بهذا، فيقطَعُوا وَلايَتَهم من جميعِ الكُفَّارِ، ويَصْدُقوا وَلايةَ بعضِهم لبعضٍ؛ لِئَلَّا تتمادى بهم هذه الفِتنةُ والفسادُ الكبير... ووصْفُ هذا الفسادِ بالكبيرِ؛ لأنَّه ضياعُ دِينٍ، وضَعْفُ إسلامٍ، وقُوَّةُ كُفَّارٍ، واطِّلاعُهم على عَوْراتِ المُسلمين بواسطةِ مَن يُصادِقُهم ويُواليهم مِن المسلمينَ، إلى غير ذلك من البلايا). ((العذب النمير)) (5/216، 218). وقال محمد رشيد رضا: (الأظهَرُ أنَّ الفِتنةَ في الأرضِ: اضطهادُهم المسلمينَ، وصَدُّهم عن دينِهم... وهي مِن لوازِمِ قُوَّةِ الكُفرِ وسُلطانِ أهلِه... كذلك الفسادُ الكبيرُ مِن لوازِمِ ضَعْفِ الإسلامِ الذي يوجِبُ على أهله تولِّي بعضِهم لبعضٍ في التَّعاوُنِ والنُّصرةِ، وعَدَمِ تولِّي غيرِهم مِن دُونِهم... ومَن وقَفَ على تاريخِ الدُّوَلِ الإسلاميَّةِ التي سقَطَت وبادَتْ، والتي ضعُفَت بعد قوَّةٍ؛ يرى أنَّ السَّبَبَ الأعظَمَ لِفَسادِ أَمْرِها، تَرْكُ تلك الوَلايةِ، أو استبدالُ غيرِها بها). ((تفسير المنار)) (10/100). .
كما قال تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: 28].
وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: 54 - 57].
وقال تبارك وتعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4].
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تقَدَّمَت أنواعُ المؤمنينَ: المهاجِرُ والنَّاصِرُ والقاعِدُ، وذكَرَ أحكامَ مُوالاتِهم- أخذَ يبيِّنُ تفاوُتَهم في الفَضْلِ [1028] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/347)، ((تفسير الشربيني)) (1/585). ، فقال تعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.
أي: والمؤمِنونَ المُهاجِرونَ الذين قاتَلوا الكُفَّارَ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ، والأنصارُ الذين ضمُّوا مَن هاجَرَ إليهم، ونَصَرُوهم، ونَصَروا دينَ اللهِ- أولئك هم الكامِلونَ في الإيمانِ، الذين حقَّقوا إيمانَهم بفِعلِ ما يقتضيه مِن الهِجرةِ، والنُّصرةِ، والجهادِ في سَبيلِ اللهِ [1029] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/299)، ((تفسير البغوي)) (2/313)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/228)، ((تفسير الشوكاني)) (2/376)، ((تفسير السعدي)) (ص: 328)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/224). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15].
لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى حُكمَ المُؤمِنينَ في الدُّنيا، عطَفَ بذِكرِ ما لهم في الآخِرَةِ، فقال [1030] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/99). :
لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
أي: للمُهاجِرينَ والأنصارِ مَغفرةٌ تامَّةٌ مِن اللهِ تعالى، فيستُرُ ذُنوبَهم، ويتجاوَزُ عن مؤاخَذَتِهم بها، ولهم رزقٌ حسنٌ كثيرٌ، هَنيءٌ طَيِّبٌ [1031] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/299، 300)، ((تفسير الرازي)) (15/519)، ((تفسير ابن كثير)) (4/99)، ((تفسير الشوكاني)) (2/376)، ((تفسير السعدي)) (ص: 328)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/227). ذهَب ابنُ جريرٍ، والرازي وابنُ كثيرٍ، والشِّنقيطي وغيرُهم إلى أنَّ الرِّزقَ الكريمَ لهم في الآخرةِ، وذهَب السعدي إلى ذلك إلَّا أنَّه قال: (وربما حصَلَ لهم من الثَّوابِ المُعَجَّلِ ما تَقَرُّ به أعينُهم، وتطمئِنُّ به قلوبُهم). وأمَّا الشوكاني فاختار أنَّ الرِّزقَ الكريمَ لهم في الدُّنيا. يُنظر: المصادر السابقة. .
وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حصَرَ اللهُ تعالى المؤمنينَ حقًّا في الموصوفينَ؛ بيَّنَ أنَّ مَن ترَك ما هو عليه مِن لُزومِ دارِ الكُفرِ، والقُعودِ عن الجِهادِ؛ لَحِقَ بمُطلَقِ دَرَجتِهم، وإنْ كانوا فيها أعلى منه [1032] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/348). .
وأيضًا بعدَ أن مَنَع اللَّه ولايَةَ المسلمِينَ للَّذينَ آمنوا ولم يهاجروا بالصَّراحَةِ، ابْتِداءً، ونَفَى عن الَّذين لم يُهاجِروا تحقيقَ الإيمانِ، وكان ذلك مُثيرًا في نُفوسِ السَّامِعينَ أن يتَساءَلوا: هل لأولئك تمَكُّنٌ مِن تَدارُكِ أمرِهم برَأْبِ هذه الثُّلْمَةِ عنهم، ففَتَح اللَّه بابَ التَّدارُكِ بهذه الآيةِ [1033] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/89). ، فقال:
وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ.
أي: والَّذِينَ آمنوا مِن بَعدِ بَيانِ أمْرِ تَوَلِّي المُهاجرين والأنصارِ بعضِهم بعضًا، وانقِطاعِ وَلايَتِهم مِمَّن آمَن ولم يُهاجِرْ حتَّى يُهاجِرَ [1034] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/300). قال أبو حيان: (معنى: مِنْ بَعْدُ مِن بعدِ الهِجرةِ الأولى، وذلك بعد الحُديبيَّة، قاله ابنُ عبَّاسٍ... وذلك أنَّ الهجرةَ مِن بعدِ ذلك كانت أقلَّ رُتبةً مِن الهجرةِ قبلَ ذلك، وكان يُقالُ لها: الهجرةُ الثَّانية؛ لأنَّ الحَربَ وَضَعَت أوزارَها نحو عامينِ، ثمَّ كان فتحُ مكَّةَ. وبه قال عليه السلام: «لا هِجرةَ بعدَ الفَتحِ». وقال ابن جرير: من بعدِ ما بيَّنْتُ حُكمَ الوَلاية، فكان الحاجِزُ بين الهجرتينِ نُزولَ الآية، فأخبَرَ تعالى في هذه الآيةِ أنَّهم من الأوَّلِينَ في المُؤازرةِ وسائِرِ أحكامِ الإسلامِ، وقيل: مِن بَعدِ يَومِ بَدرٍ، وقال الأصم: مِن بعدِ الفَتحِ). ((تفسير أبي حيان)) (5/360). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/557)، ((تفسير الرازي)) (15/519)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/228). وقال ابنُ عاشورٍ: (قولُه: مِنْ بَعْدُ قَرينَةٌ على أنَّ المُرادَ: إذا حَصلَ منهم ما لم يَكُنْ حاصلًا في وقتِ نُزولِ الآياتِ السَّابِقَةِ، ليكونَ أصحابُ هذه الصِّلَةِ قِسْمًا مُغايِرًا للأقسامِ السَّابِقَةِ. فليس المَعْنَى أَنَّهم آمَنُوا مِنْ بَعْدِ نزولِ هذه الآيةِ، لأنَّ الَّذين لم يكونوا مؤمنينَ ثُمَّ يؤمِنونَ مِن بعدُ لا حاجةَ إلى بيانِ حُكْمِ الاعتدادِ بإيمانِهم، فإنَّ مِن المعلومِ أنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، وإنَّما المقصودُ: بيانُ أنَّهم إِنْ تَدارَكوا أمرَهُم بأن هاجروا قُبِلوا وصاروا مِن المؤمِنينَ المُهاجِرينَ، فيتعَيَّنُ أنَّ المضافَ إليه المحذوفَ الَّذي يشيرُ إليه بناءُ بَعْدُ على الضَّمِّ أنَّ تقديرَه: مِن بعدِ ما قلْناه في الآياتِ السَّابقةِ، وإلَّا صار هذا الكلامُ إِعادةً لبعضِ ما تقَدَّم، وبذلك تسقطُ الاحتِمالاتُ الَّتي تَرَدَّدَ فيها بعضُ المفسِّرينَ في تقديرِ ما أُضيفَ إليه بَعْدُ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/90). وقال القاسمي: (وهل المرادُ مِن قولِه مِنْ بَعْدُ هو مِن بعدِ الهجرةِ الأُولَى، أو مِن بعدِ الحديبيةِ، وهي الهجرةُ الثانيةُ، أو مِن بعدِ نزولِ هذه الآيةِ، أو مِن بعدِ يومِ بدرٍ؟ أقولُ: اللفظُ الكريمُ يعمُّها كلَّها، والتخصيصُ بأحدِهما تخصيصٌ بلا مخصِّصٍ). ((تفسير القاسمي)) (5/337). ، وهاجَروا مِن دار الكُفر إلى دارِ الإسلامِ، وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ معكم- أيُّها المهاجرونَ والأنصارُ- فأولئك منكم في الوَلايةِ؛ فلهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، مِن حَقِّ النُّصرةِ وغَيرِها، وهم معكم في الآخرةِ [1035] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/300)، ((تفسير ابن كثير)) (4/99)، ((تفسير السعدي)) (ص: 328)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/232). .
كما قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100].
وقال سبحانه: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: 10].
وقال جلَّ جَلالُه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10].
وعن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المَرءُ مع مَن أحَبَّ )) [1036] رواه البخاري (6168)، ومسلم (2640). .
وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ.
أي: وذَوُو القَراباتِ أَوْلى بالتَّوارُثِ بينهم [1037] قال أبو حيان: (من قال: إنَّ قَولَه في المؤمنينَ المهاجرينَ والأنصارِ: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ في المواريثِ بالأخوَّةِ التي كانت بينهم، قال: هذه في الموارِيثِ، وهي نَسْخٌ للميراثِ بتلك الأُخُوَّةِ، وإيجابُ أن يَرِثَ الإنسانُ قَريبَه المؤمِنَ وإن لم يكُن مهاجرًا، واستدلَّ بها أصحابُ أبي حنيفةَ على توريثِ ذوي الأرحامِ، وقالت فِرقةٌ- منهم مالكٌ-: ليست في المواريثِ، وهذا فِرارٌ عن توريثِ الخالِ والعَمَّةِ ونحو ذلك، وقالت فِرقةٌ: هي في المواريثِ إلَّا أنَّها نَسَخَتْها آيةُ المواريثِ المبيِّنةُ). ((تفسير أبي حيان)) (5/360). وقال الرازي: (الذين فَسَّروا تلك الآيةَ بالنُّصرةِ والمحبَّةِ والتعظيمِ، قالوا: إنَّ تلك الوَلايةَ لَمَّا كانت مُحتمِلةً للوَلايِة بسبَبِ الميراثِ، بيَّن الله تعالى في هذه الآيةِ أنَّ وَلايةَ الإرْثِ إنَّما تحصُلُ بسبَبِ القَرابةِ، إلَّا ما خصَّه الدَّليلُ، فيكون المقصودُ مِن هذا الكلامِ إزالةَ هذا الوَهمِ، وهذا أَوْلى؛ لأنَّ تَكثيرَ النَّسْخِ من غيرِ ضَرورةٍ ولا حاجةٍ، لا يجوزُ). ((تفسير الرازي)) (15/520). في حُكمِ اللَّه وشَرْعِه [1038] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/99، 100)، ((تفسير السعدي)) (ص: 328)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/232 - 236). وممَّن اختار أنَّ المُرادَ بكتاب الله هنا: حُكمُه وشَرْعُه: ابنُ كثيرٍ، والسعدي، والشِّنقيطي، ونسبه لجُمهورِ العُلَماء. يُنظر: المصادر السابقة. واختار ابنُ جرير أنَّ المرادَ به: اللَّوحُ المحفوظُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/301). واختار أبو حيَّان أنَّ المرادَ به: القُرآنُ الكريمُ. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/360). .
إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أي: إنَّ اللَّهَ عالِمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومن ذلك عِلمُه بما يَصلُحُ لِعِبادِه؛ فكُلُّ ما شَرَعَه لهم فهو مُوافِقٌ للحِكمةِ، كتَوريثِه بعضِهم مِن بَعضٍ بِسَبَبِ القَرابةِ والنَّسَبِ [1039] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/301)، ((تفسير الرازي)) (15/520)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 328). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيه تَحذيرٌ لِلمُسلمينَ؛ لِئلَّا يَحمِلَهم العَطفُ على المُسلمينَ، على أن يُقاتِلوا قَومًا بينهم وبينهم مِيثاقٌ، وفي هذا التَّحذيرِ تَنويهٌ بِشَأنِ الوَفاءِ بالعَهدِ، وأنَّه لا يَنقُضُه إلَّا أمرٌ صَريحٌ في مُخالَفتِه [1040] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/87). .
2- في قَولِه تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ دَلالةٌ على وُجوبِ إغاثةِ المَلهوفِ، ونَصْرِ المظلومِ، وإنْ كان بعيدًا [1041] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/476). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في قَولِه بَصِيرٌ إشارةٌ إلى العِلمِ بما يكونُ من ذلك خالِصًا أو مَشوبًا؛ ففيه مزيدُ حَثٍّ على الإخلاصِ [1042] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/585). .
4- تركُ موالاةِ المؤمنينَ، ومعاداةِ الكافرينَ يحصل به من الشَّرِّ ما لا ينحصِرُ؛ مِن اختلاطِ الحَقِّ بالباطِلِ، والمؤمِنِ بالكافِرِ، وعَدَمِ كثيرٍ من العِباداتِ الكِبارِ- كالجِهادِ والهِجرة- وغيرِ ذلك مِن مقاصِدِ الشَّرعِ والدِّينِ؛ قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [1043] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:327). .
5- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، فإذا لم يتوَلَّ المؤمِنُ المؤمِنَ تولِّيًا حقًّا، ويتبرَّأْ مِن الكافِرِ جِدًّا، أدَّى ذلك إلى الضَّلالِ والفَسادِ في الدِّينِ، فإذا هجَرَ المُسلِمُ أقارِبَه الكُفَّارَ، ونَصَرَ المُسلمينَ، كان ذلك أدْعَى لأقارِبِه الكُفَّارِ إلى الإسلامِ، وتَرْكِ الشِّركِ [1044] يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/228). .
6- قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هذه السَّعاداتُ العالية إنَّما حصَلَت؛ لأنَّهم أعرَضوا عن اللَّذَّاتِ الجُسمانيَّة، فتركوا الأهلَ والوَطَنَ، وبَذَلوا النَّفْسَ والمالَ [1045] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/519). .
7- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لَمَّا بيَّنَ اللهُ هنا وَصْفَهم، بيَّن ما حَباهم به بِقَولِه- دالًّا على أنَّ الإنسانَ محَلُّ النُّقصانِ؛ فهو وإن اجتهَدَ حتى كان من القِسمِ الأعلى، لا ينفَكُّ عن مُواقعةِ ما يَحتاجُ فيه إلى الغُفرانِ-: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي: لِزَلَّاتِهم وهَفَواتِهم؛ لأنَّ مبنى الآدميِّ على العَجزِ اللَّازِمِ عنه التَّقصيرُ وإن اجتهَدَ، والدِّينُ مَتينٌ، فلن يُشادَّه أحَدٌ إلَّا غَلَبَه [1046] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/347). .
8- أوجبَ اللهُ تعالى مُوالاةَ المُؤمِنينَ بَعضِهم لبعضٍ؛ يُبيِّنُ ذلك قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ [1047] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/418-419). .
9- قَولُ الله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عُلِّقَت أولويَّةُ الأرحامِ بأنَّها كائنةٌ في كتابِ اللهِ، أي: في حُكمِه، فهذا الاعتناءُ مُؤذِنٌ بما لِوَشائِجِ الأرحامِ من الاعتبارِ في نظَرِ الشَّريعةِ [1048] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/92). .

 الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هؤلاء موصوفونَ بهذه الصِّفاتِ الأربَعِ:
 أولها: أنَّهم آمَنُوا باللهِ ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، وقَبِلوا جميعَ التَّكاليفِ التي بلَّغَها محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يتمَرَّدوا.
والصفة الثانية: قولُه: وَهَاجَرُوا يعني: فارَقوا الأوطانَ، وتَرَكوا الأقارِبَ والجيرانَ؛ في طَلَبِ مرضاةِ الله، ومعلومٌ أنَّ هذه الحالةَ حالةٌ شديدةٌ.
والصفة الثالثة: قَولُه: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمَّا المجاهدةُ بالمالِ، فلأنَّهم لَمَّا فارقوا الأوطانَ، فقد ضاعَت دُورُهم ومَساكِنُهم وضِياعُهم ومزارِعُهم، وبَقِيَت في أيدي الأعداءِ، وأيضًا فقد احتاجُوا إلى الإنفاقِ الكثيرِ؛ بسبَبِ تلك العزيمةِ، وأيضًا كانوا يُنفِقونَ أموالَهم على تلك الغَزَواتِ، وأمَّا المُجاهدةُ بالنَّفسِ فلأنَّهم كانوا أقدَموا على مُحارَبةِ بَدرٍ مِن غيرِ آلةٍ ولا أُهْبةٍ ولا عِدَّةٍ، مع الأعداءِ الموصوفينَ بالكثرةِ والشِّدَّةِ، وذلك يدلُّ على أنَّهم أزالوا أطماعَهم عن الحياةِ، وبَذَلوا أنفُسَهم في سبيلِ الله.
وأمَّا الصفة الرابعة: فهي أنَّهم كانوا أوَّلَ النَّاسِ إقدامًا على هذه الأفعالِ، والتزامًا لهذه الأحوالِ، ولهذه السَّابقةِ أثَرٌ عَظيمٌ في تقويةِ الدِّينِ. قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: 10] وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: 100] وإنما كان السَّبقُ مُوجِبًا للفَضيلةِ؛ لأنَّ إقدامَهم على هذه الأفعالِ يُوجِبُ اقتداءَ غَيرِهم بهم، فثبَتَ أنَّ حُصولَ هذه الصِّفاتِ الأربَعِ للمُهاجرينَ الأوَّلِينَ، يدلُّ على غايةِ الفَضيلةِ ونهايةِ المَنقبةِ، وأنَّ ذلك يُوجِبُ الاعترافَ بِكَونِهم رُؤساءَ المُسلِمينَ وسادةً لهم [1049] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/515، 516). .
2- الهِجرةُ لا تنقطِعُ أبدًا، إلَّا أنَّ الهِجرةَ المخصوصةَ التي كانت إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه بالمدينةِ، هي التي انقطَعَت بفتحِ مكَّةَ؛ لانتشارِ الإسلامِ في جزيرةِ العَرَبِ، قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا هِجرةَ بعد الفَتحِ، ولكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ )) [1050] أخرجه البخاري (2783)، ومسلم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ، أمَّا الهجرةُ التي لا تنقطِعُ، فهي أنَّ كلَّ إنسانٍ تُعُرِّضَ له في دينِه، وصار لا يقدِرُ على إقامةِ شَعائِرِ دِينِه في محَلٍّ، فواجِبٌ عليه- بإجماعِ العُلَماءِ- أن ينتقِلَ من هذا المحَلِّ، ويبذُلَ في ذلك كلَّ مَجهودٍ، حتى يصِلَ إلى محَلٍّ يتمكَّن فيه من إقامةِ شَعائِرِ دِينِه، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [1051] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/203). .
3- في قَولِ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قدَّم الأموالَ على الأنفسِ، وفي ذلك أوجهٌ:
الأول: أنَّ الأموالَ كانت في غايةِ العِزَّةِ في أوَّلِ الأمرِ [1052] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/337)، ((تفسير الشربيني)) (4/278). .
الثاني: أنَّ الجهادَ بالمالِ أخفُّ على النفوسِ مِن الجهادِ بالنفس، فسلَك في ذلك مسلكَ الترقِّي مِن الأدنَى إلى الأعلَى [1053] يُنظر: ((تفسير ابن عرفة)) (2/327)، ((تفسير الألوسي)) (13/319). .
الثالث: أنَّ الأموالَ قوامُ الأنفسِ، فمَن بذَل مالَه كلَّه لم يبخَلْ بنفسِه؛ لأنَّ المالَ قوامُها [1054] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (4/278). .
 الرابع: حرصُ الكثيرِ عليها، حتى أنَّهم يُهلكون أنفسَهم بسببِها، فالنَّاس يُقاتِلون دونَ أموالِهم؛ فإنَّ المجاهِدَ بالمالِ قد أَخرجَ مالَه حقيقةً لله، أمَّا المجاهدُ بنَفسِه لله فإنَّه يرجو النَّجاةَ، ولهذا أكثرُ القادرينَ على القتالِ يَهونُ على أحَدِهم أنْ يُقاتِلَ؛ ولا يَهونُ عليه إخراجُ مالِه [1055] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (8/230)، ((تفسير الألوسي)) (13/319). .
الخامس: أنَّها هي التي يُبدأُ بها في الإنفاقِ، والتجهُّزِ إلى الجهادِ، فرتَّب الأمرَ كما هو نفسُه [1056] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/153)، ((تفسير الشوكاني)) (5/264). .
السادس: أنَّ ضرورةَ الجهادِ بالمالِ أكثرُ مِن ضرورتِها بالنفسِ، حتى أنَّ الذي يجاهدُ بنفسِه محتاجٌ إلى المالِ، فما الذي يُوصله إلى ميدانِ القتالِ إلا الأموالُ [1057] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النساء)) (1/38). .
4- قَوله تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يُوهِمُ أنَّهم لَمَّا لم يُهاجِرُوا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سقَطَت وَلايَتُهم مُطلقًا، فأزال اللهُ تعالى هذا الوَهمَ بِقَولِه: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا يعني: أنَّهم لو هاجَرُوا لعادَتْ تلك الوَلايةُ وحصَلَت، والمقصودُ منه الحَملُ على المُهاجرةِ والتَّرغيبُ فيها؛ لأنَّ المُسلِمَ متى سمِعَ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: إنْ قَطَعَ المُهاجَرةَ انقطَعَت الوَلايةُ بينه وبين المُسلمينَ، ولو هاجَرَ حَصَلت تلك الوَلايةُ، وعادَتْ على أكمَلِ الوُجوهِ- فلا شَكَّ أنَّ هذا يصيرُ مُرَغِّبًا له في الهجرةِ، والمقَصودُ مِن المُهاجَرةِ كَثرةُ المُسلِمينَ واجتماعُهم، وإعانةُ بَعضِهم لبعضٍ، وحصولُ الأُلفةِ والشَّوكةِ وعدَمُ التَّفرقةِ [1058] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/517). .
5- في قَولِه تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ دَلالةٌ على أنَّ المخلوقَ يجوزُ له أنْ يَطْلُبَ مِن المَخلوقِ ما يَقْدِرُ عليه مِن الأُمورِ- دونَ ما لا يَقْدِرُ عليه إلَّا اللهُ؛ فإنَّه لا يُطْلَبُ إلَّا مِنه سُبحانَه [1059] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/103، 104). .
6- إذا أراد العَدُوُّ الهُجومَ على المُسلِمينَ؛ فإنَّه يصيرُ دَفعُه واجبًا على المقصودينَ كلِّهم، وعلى غيرِ المَقصودينَ لإعانَتِهم، كما قال تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، وأمَر النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بنصرِ المسلمِ، وهذا يجبُ بحسبِ الإمكانِ على كلِّ أحدٍ بنَفْسِه ومالِه، مع القلَّةِ والكثرةِ، والمشيِ والرُّكوبِ [1060] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/358). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ استدَلَّ به بعضُ العُلَماءِ على أنَّ الكُفَّارَ في المُوارَثةِ- مع اختلافِ مِلَلِهم- كأهلِ مِلَّةٍ واحدةٍ؛ فالمجوسيُّ يَرِثُ الوَثَنيَّ، والنَّصرانيُّ يرِثُ المجوسيَّ [1061] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/518). .
8- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ هذه العبارةُ ترغيبٌ وتحريضٌ، وإقامةٌ لنفوسِ المؤمنينَ، كما تقولُ لِمَن تُريدُ تحريضَه: عدُوُّك مُجتَهِدٌ، أي: فاجتَهِدْ أنت [1062] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/556)، ((تفسير الثعالبي)) (3/158). .
9- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ليس بِتَكرارٍ لِما سبَقَ في قَولِ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال: 72]؛ وذلك لأنَّه تعالى ذَكَرَهم أوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكمَهم- وهو وَلايةُ بَعضِهم بعضًا- ثم إنَّه تعالى ذَكَرَهم هاهنا؛ لِبَيانِ تَعظيمِ شَأنِهم، وعُلُوِّ دَرَجتِهم؛ وبيانُه مِن وَجهينِ:
الأول: أنَّ الإعادةَ تدُلُّ على مَزيدِ الاهتمامِ بِحالِهم، وذلك يدُلُّ على الشَّرَفِ العَظيمِ.
والثاني: وهو أنَّه تعالى أثنى عليهم هاهنا، وشرَحَ حالَهم في الدُّنيا وفي الآخرة، أمَّا في الدُّنيا فقد وَصَفَهم بِقَولِه: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وأمَّا في الآخرةِ فالمَقصودُ إمَّا دَفعُ العِقابِ، وإمَّا جَلبُ الثَّوابِ؛ أمَّا دَفعُ العِقابِ فهو المرادُ بِقَولِه: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأمَّا جَلبُ الثَّوابِ فهو المرادُ بِقَولِه: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [1063] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/519). .
10- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هذه الشَّهادةُ المَقرونةُ بهذا الجزاءِ العَظيمِ تُرغِمُ أنوفَ الرَّوافِضِ، وتُلقِمُ كلَّ نابِحٍ بالطَّعنِ في أصحابِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الحَجَرَ، ولا سيَّما زَعمُهم بأنَّ أكثَرَهم- رَضِيَ اللهُ عنهم وأرضاهم- قد ارتَدُّوا بعده صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [1064] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/101). .
11- في قولِه تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا رَدٌّ على المرجئةِ؛ حيث أضافَ سبحانَه الهجرةَ والجهادَ والنصرةَ والإيواءَ إلى الإيمانِ، وقد شَهِدَ لقوم في أولِ السورةِ تحقيقَه؛ ولم يَذْكُرْ هذه الشرائطَ، وذَكَرَ لأولئك شرائطَ لم يذكرها لهؤلاء؛ فدلَّ على أنَّ الإيمانَ ذو أجزاءٍ [1065] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/476). .
12- في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا بيانُ أنَّ كلَّ خيرٍ يفعلُه المؤمنُ متقرِّبًا به إلى الله فهو مِن الإيمان- فرضًا كان أو تطوعًا- فالجهادُ والنصرةُ والإيواءَ قد يكونا نافلةً في بعض الأوقاتِ- إذا لم يكن المنصورُ والمُؤْوَى مضطهدًا- والجهادُ إذا قامتْ به طائفةٌ فهو للباقي فضيلةٌ لا فريضةٌ [1066] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/476). .
13- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ يدلُّ على أنَّ مَرتبةَ هؤلاءِ دُونَ مَرتبةِ المُهاجِرينَ السَّابقينَ؛ لأنَّه ألحَقَ هؤلاء بهم، وجَعَلَهم منهم في مَعْرِضِ التَّشريفِ، ولولا كَونُ القِسمِ الأوَّلِ أشْرَفَ، وإلَّا لَمَا صَحَّ هذا المعنى [1067] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/519). .
14- قَولُ اللهِ تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ استدَلَّ به مَن ورَّثَ ذَوي الأرحامِ [1068] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/360). .
15- قَولُ اللهِ تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ استدَلَّ به مَن قال: إنَّ القَريبَ أَوْلَى بالصَّلاةِ على الميِّتِ مِن الوالي [1069] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 137). .
16- قَولُ اللهِ تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَولُه: أَوْلَى- هو صِيغةُ تَفضيلٍ- يُفيدُ أنَّ الوَلايةَ بين ذَوِي الأرحامِ لا تُعتبَرُ إلَّا بالنِّسبةِ لِمَحلِّ الوَلايةِ الشَّرعيَّةِ، فأُولو الأرحامِ أَوْلى بالوَلايةِ ممَّن ثبَتَت لهم وَلايةٌ تامَّةٌ أو ناقِصةٌ، كالذينَ آمَنوا ولم يُهاجِروا في وَلايةِ النَّصرِ في الدِّينِ، إذا لم يَقُم دُونَها مانِعٌ مِن كُفرٍ أو تَرْكِ هِجرةٍ، فالمؤمنونَ بَعضُهم لبعضٍ أولياءُ وَلايةَ الإيمانِ، وأولو الأرحامِ منهم بعضُهم لبعضٍ أولياءُ وَلايةَ النَّسَبِ [1070] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/90). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ هذه الآيةُ استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ للإعلامِ بأحكامِ مُوالاةِ المسلِمين للمُسلِمين الذين هاجَروا، والذين لم يُهاجروا، وعدمِ مُوالاتِهم للذين كَفروا [1071] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/83). .
- وفيها حُسْنُ ترتيبٍ، حيثُ بَدَأَ بالمهاجرين؛ لأنَّهم أَصْلُ الإسلامِ، وأوَّلُ مَن استجابَ للهِ تعالى، وكانوا قُدوةً لغيرهم في الإيمانِ، وسببَ تقويةِ الدِّين، وثَنَّى بالأنصارِ؛ لأنَّهم ساوَوْهُم في الإيمانِ، وفي الجهادِ بالنَّفسِ والمالِ، لكِنَّه عادَلَ الهِجرةَ الإيواءُ والنَّصرُ، وانفرَد المهاجِرون بالسَّبقِ، وذَكَر ثالثًا مَن آمن ولم يُهاجِر ولم يَنْصُر؛ ففاتَهم هاتانِ الفضيلتانِ [1072] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/357). ، فهؤلاءِ بسبَبِ إيمانِهم لهم فَضلٌ وكرامةٌ، وبسبَبِ تَركِ الهِجرةِ لهم حالةٌ نازِلةٌ، وذلك هو أنَّ الوَلايةَ تكون منفيَّةً عنهم، إلَّا أنَّهم يكونونَ بحيثُ لو استَنصَروا المؤمنينَ واستعانوا بهم، نَصَروهم وأعانوهم، وأمَّا الكُفَّارُ فليس لهم البتَّةَ ما يُوجِبُ شيئًا مِن أسبابِ الفضيلةِ، فوجَبَ كَونُ المُسلمين مُنقَطعينَ عنهم مِن كُلِّ الوُجوهِ، فلا يكونُ بينهم وَلايةٌ ولا مُناصرةٌ بوجهٍ مِن الوجوهِ [1073] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/518). .
- وقولُه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيه مُناسَبة حَسنةٌ، حيثُ قدَّم هنا في سُورةِ الأنفال بِأَمْوَالِهمْ وَأَنْفُسِهِمْ على قولِه: فِي سَبيلِ اللهِ وَعَكَسَ في سورةِ التَّوبةِ فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: 20]؛ ووجهُ هذه المناسبةِ: أنَّ الآيةَ الأُولَى في سُورةِ الأنفالِ جاءتْ عَقيبَ ما أَنْكره اللهُ تعالى على مَن قال لهم: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وهم أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا أَسَرُوا المشركين، ولم يَقْتلوهم طَمعًا في الفِداءِ، فقال تعالى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، أي: فيما أَخْذتُم من هؤلاء الأَسْرى من الفِداءِ، ثم قال تعالى لَمَّا غفَر لهم ما كان منهم مِن تَرْكِ قَتْلِ الأَسْرى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ، أي: اسْتَمتِعوا بما نِلْتُم من أموالِ المشركين، وبما أَخْذتُم من فِدائهم، فعقَّبَ ذلك بهذِه الآيةِ التي مَدَح فيها مَن أَنْفَق أموالَه في سبيلِ الله، لا مَن يُجاهدُ طلبًا للنَّفعِ العاجلِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فقدَّم بِأَمْوَالِهمْ وَأَنْفُسِهِمْ على قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ ليَعْلموا أنَّ ذلك يَجِب أنْ يكونَ أهمَّ لهم، وأَوْلى بتقديمِه عِنْدهم، صَرفًا لهم عما حرَصوا عليه من فائدةِ الفِداء، بخِلاف الآيةِ التي في سُورةِ التوبةِ، حيثُ قال في إبطالِ ما أَتى به المشرِكون من عِمارةِ المسجدِ الحرامِ، وسِقايةِ الحاجِّ من المقامِ على الكُفْر: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 19]؛ فكان المندوبُ إليه في هذه الآيةِ بعدَ الإيمان باللهِ الجهادَ في سَبيلِ الله، فقال سبحانه بَعْده مادحًا لِمَن تلقَّى بالطاعةِ أَمْرَه: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [التوبة: 20]، ثُمَّ ذَكَر بِأَمْوَالِهمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فقُدِّمَ ذِكْرُ ما اقْتَضى المَوضِعُ تقديمَه، وجُعِلَ المالُ والنَّفْسُ أَهمَّ إليهم مِن غيرِهما، وخالَفَ هذا المكانُ قولَه في سُورةِ الأنفالِ، فقُدِّم فيه ما أُخِّر هناك لِذلك [1074] يُنظر: ((درة التنزيل)) للإسكافي (2/696- 698). .
وقيل: لأنَّ سُورةَ الأَنفالِ مقصودٌ فيها مع المِدْحةِ تعظيمُ الواقعِ منهم من الإيمانِ والهجرةِ، والجِهادِ بالأموالِ والأنفسِ، وتَغبيطُهم بما مَنَّ اللهُ عليهم به مِن ذلك، وتفخيمُ فِعْلِهم المُوجِبِ لموالاةِ بعضِهم بعضًا؛ فقُدِّم ذِكْرُ الأموالِ والأَنفُسِ؛ للتَّعريف بمَوقِع ذلك من النُّفوسِ، وأنهم بادَروا بها على حُبِّها، وشُحِّ الطِّباعِ بها، وليس تأخيرُ هذا المجرورِ كتقديمِه؛ لأنَّه إنَّما يُقدَّمُ حيثُ يُقصَدُ اعتناءٌ وتخصيصٌ وتنبيهٌ على مَوقِعه؛ فإنَّما قُدِّمَ هذا تغبيطًا لهم، وإعظامًا لفِعلهم، أمَّا آيةُ سُورةِ التوبةِ فتعريفٌ بأمرٍ قدْ وقَع، مبنيٌّ على التعريفِ بالمُفاضَلةِ بين سِقايةِ الحاجِّ وعِمارةِ المسجدِ الحرامِ، وبَين مَن آمَن وهاجَرَ، وجاهَدَ في سبيلِ الله بمالِه ونَفْسه؛ بقَصْد رَدِّ مَن ظنَّ أنَّ السِّقايةَ وعِمارةَ المسجدِ الحرامِ أفضلُ، وعَرَف أنَّ الإيمانَ وما ذُكِر معه أعظمُ درجةً عند اللهِ؛ فلم يَعرِضْ هنا داعٍ إلى تَقديمِ ما قُدِّم في الأُخرَى، فتَمخَّضت فضيلةُ ذلك المجرورِ هنا فأُخِّر، والقَصْد تَخصيصُ كنايةِ الإخلاصِ، والتَّخصيصُ مقصودٌ في آيةِ الأنفال، ولم يُقصَد ذلك في آيةِ التوبةِ، ولا وقَع المجرورُ فيها خبرًا؛ فوَجَب بمقتضى اللِّسانِ أنْ يُقدَّم في آيةِ الأنفال قولُه: بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ويُؤخَّرَ في سورة التوبةِ، وقدْ وقَع في كلِّ واحدةٍ من الآيتينِ في كلٍّ مِن السُّورتين ما استدعَى اتصالَ ما بَعْده به، فنَاسَبَ ما ذُكِر، ولم يُناسِب العَكْس؛ وظَهَر وجهُ تَخصيصِ ما وَقَع في كلٍّ من السُّورتَين بموضعِه [1075] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/225). .
وقيل: لأنَّ ما هنا في الأنفال تَقدَّمه ذِكرُ المالِ والفِدَاءِ وَالغنيمَةِ، في قولِه تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وقولِه: لَوْلَا كتابٌ من اللهِ سَبَقَ لمَسَّكُمْ فيمَا أخذتُم، أي: من الفِداء، وقولِه: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ فَقدَّم ذِكرَ المَال، وما في سورة التوبةِ تَقدَّمه ذِكرُ الْجِهَاد، وهو قولُه: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: 16]، وقولُه: كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 19]؛ فَقدَّم ذِكرَ الجِهادِ في هذه الآي في هذه السُّورَة ثَلاثَ مَرَّات، فأوْرَد في الأُولى: بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وحَذَف من الثَّانِيَة بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛ اكْتِفاءً بِما في الأُولى، وحذَف مِن الثَّالِثةِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وزادَ حذْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ اكْتِفاءً بما فِي الآيَتَيْنِ قبلَها؛ فناسبَ ذلك تَقديمَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ هنا في الأنفالِ، وتَقديمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هناك في التَّوبةِ [1076] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 132- 133)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/323-324). .
- قولُه: أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فيه مجيءُ اسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ؛ لإفادةِ الاهْتِمامِ بتَمييزِهم للإخبارِ عنهم، وللتَّعريضِ بالتَّعظيمِ لشأنِهم؛ ولذلك لم يُؤتَ بمِثْله في الإخبارِ عن أحوالِ الفِرَقِ الأُخْرى [1077] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/85). .
- قولُه: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ خُصَّ الاسْتِنصارُ بالدِّينِ؛ لأنَّ الاستِنصارَ بالحَميَّةِ والعَصبيَّةِ في غيرِ الدِّين منهيٌّ عنه [1078] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/358). .
- وفي قولِه: فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ قُدِّم الخَبرُ فَعَلَيْكُمُ؛ للاهْتِمامِ به [1079] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/86). .
2- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
- قولُه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا جملةٌ مُعترِضةٌ بينَ قولِه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وقولِه: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا، والواوُ اعتراضيَّةٌ؛ للتَّنويهِ بالمهاجِرينَ والأنصارِ، وبيانِ جَزائهم وثَوابِهم، بعدَ بَيانِ أحكامِ ولايةِ بعضِهم لبعضٍ [1080] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/89). .
- قولُه: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا جِيءَ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ؛ لإفادةِ الاهْتِمامِ بتَمييزِهم للإخبارِ عنهم، وللتَّعريضِ بالتَّعظيمِ لشأنِهم [1081] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/89). .
- وصِيغةُ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ صِيغةُ قَصْرٍ، وأفادتْ قَصْرَ الإيمانِ عليهم دونَ غيرِهم ممَّن لم يُهاجِروا، والقَصْرُ هنا مُقيَّدٌ بالحالِ في قولِه: حَقًّا، والمعنى: أنَّهم مُحقِّقون لإيمانهم بأنْ عضَّدوه بالهِجرةِ من دارِ الكُفْر، وليس الحقُّ هنا بمعنى المقابِل للباطلِ، حتَّى يكونَ إيمانُ غيرِهم ممَّن لم يُهاجِروا باطلًا؛ لأنَّ قرينةَ قولِه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مانعةٌ من ذلك؛ إذ قدْ أَثْبتَ لهم الإيمانَ، ونفَى عنهم اسْتِحقاقَ وَلايةِ المؤمنين [1082] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/89). .
- وقَولُه: حَقًّا يفيدُ المبالغةَ في وَصفِهم بِكَونِهم مُحِقِّينَ، مُحَقِّقينَ في طريقِ الدِّينِ [1083] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/519). .
- وتنكيرُ لَفظِ المَغفرةِ في قولِه: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يدُلُّ على الكمالِ، والمعنى: لهم مغفرةٌ تامَّةٌ كاملةٌ عن جميعِ الذُّنوبِ والتَّبِعاتِ [1084] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/519). .
3- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَذييلٌ مُؤذِنٌ بالتعليلِ؛ لتقريرِ أولويَّة ذوي الأرحامِ بَعضِهم ببعضٍ فيما فيه اعتدادٌ بالوَلايةِ [1085] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/93). .
- وخَتْمُ هذِه السُّورةِ بقولِه: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ في غايةِ البَراعَةِ والحُسْنِ؛ إذ قد تَضمَّنتْ أحكامًا كثيرةً في مهمَّاتِ الدِّينِ وقِوامِه، وتفصيلًا لأحوالٍ؛ فصِفةُ العِلْمِ تَجمَعُ ذلك كلَّه، وتُحيط بمبادئه وغاياتِه [1086] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/360). .