موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (67-71)

ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ

غريب الكلمات:


يُثْخِنَ: أي: يُبالِغَ فِي قتلِ المُشرِكينَ ويَقهَرَهم، والإثْخانُ في كلِّ شَيءٍ: قُوَّتُه وشِدَّتُه. وأصلُ (ثخن): يدلُّ على رزانةِ الشَّيءِ في ثِقلٍ؛ فإثخانُ القَتلِ: الشِّدَّةُ والمُبالغةُ فيه حتى يُترَكَ القَتيلُ مُثقَلًا، لا حِراكَ به [950] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 532)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/372)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 132)، ((أساس البلاغة)) للزمخشري (1/105)، ((لسان العرب)) لابن منظور (13/77)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 219). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ تعالى أنَّه ما كان ينبغي لنبيٍّ أن يتَّخِذَ أسرَى من الكُفَّارِ المُحاربينَ، حتى يبالِغَ في قَتلِهم ويَغلِبَهم، فلا يَقوونَ بعدَ ذلك على قتالِ المؤمنينَ، وخاطبَ المؤمنينَ قائلًا لهم: تريدونَ نَيلَ متاعٍ دُنيويٍّ زائلٍ بأسْرِ الكُفَّارِ المُنهَزمينَ يومَ بَدرٍ؛ لأخْذِ الفِديةِ منهم، واللهُ يريدُ لكم ثوابَ الآخرةِ، واللهُ عَزيزٌ حكيمٌ، لولا قضاءٌ مِن اللهِ سبَقَ، لنالَكم بسبَبِ أخْذِكم الفِداءَ مِن كُفَّارِ قُريشٍ عذابٌ عظيمٌ.
وأمَرَهم أن يأكُلوا ممَّا غَنِمُوا حَلالًا طيِّبًا، وأن يتَّقُوا اللهَ، إنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ.
ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُخاطِبَ مَن أسَرُوهم يومَ بَدرٍ، وأخَذُوا منهم الفديةَ لإطلاقِهم، فيقولَ لهم: إنْ يَعلَمِ اللهُ في قلوبِكم إسلامًا وإيمانًا صحيحًا يُعطِكم مِن خَيرِ الدُّنيا والآخرةِ أفضَلَ ممَّا أخَذَه المُسلمونَ منكم، ويستُرْ ذُنوبَكم ولا يُؤاخِذْكم بها، واللهُ غَفورٌ رحيمٌ.
ثم قال لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّهم إن يُريدُوا خيانَتك فقد خانوا اللهَ مِن قَبلُ، فأقدَرَ المؤمنينَ عليهم فأسَرُوهم، واللهُ عليمٌ حَكيمٌ.

تفسير الآيات:


مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
ختَمَ اللهُ تعالى سياقَ القِتالِ في هذه السُّورةِ بأحكامٍ تتعَلَّقُ بالأَسرى؛ لأنَّ أُمورَها يُفصَلُ فيها بعد القِتالِ في الغالِبِ [951] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/72). .
سَببُ النُّزولِ:
عن أبي زُمَيْلٍ سِماكٍ الحنفيِّ، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ قال: حدَّثني عُمَرُ بنُ الخطَّابِ قال: ((لَمَّا كان يومُ بَدرٍ نظر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المُشركينَ وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُمئةٍ وتِسعةَ عَشرَ رَجلًا، فاستقبلَ نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القِبلةَ، ثمَّ مدَّ يَدَيه، فجعَلَ يهتِفُ بِرَبِّه: اللهُمَّ أنجِزْ لي ما وعَدْتَني، اللهُمَّ آتِ ما وعَدْتَني، اللهمَّ إن تَهْلِكْ هذه العِصابةُ مِن أهلِ الإسلامِ، لا تُعبَدْ في الأرضِ، فما زالَ يهتِفُ برَبِّه، مادًّا يَدَيه مُستقبِلَ القِبلةِ، حتى سقَطَ رِداؤُه عن مَنكِبَيه، فأتاه أبو بكرٍ، فأخذَ رداءَه، فألقاه على مَنكِبَيه، ثم التَزَمه مِن ورائِه، وقال: يا نبيَّ الله، كفاك مُناشَدتُك ربَّك؛ فإنَّه سيُنجِزُ لك ما وعَدَك! فأنزل الله عزَّ وجَلَّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] فأمدَّه اللهُ بالملائكةِ، قال أبو زُمَيلٍ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ قال: بينما رجلٌ مِن المُسلمين يومَئذٍ يَشتَدُّ في أَثَرِ رجُلٍ مِن المُشركينَ أمامَه، إذ سَمِعَ ضَربةً بالسَّوطِ فَوقَه، وصَوتَ الفارِسِ يقولُ: أقدِمْ حَيزومُ، فنظَرَ إلى المُشرِك أمامَه فخَرَّ مُستلقِيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ [952]  الخطمُ: الأثرُ على الأنفِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (12/86). أَنفُه، وشُقَّ وجهُه، كضربةِ السَّوطِ، فاخضَرَّ ذلك أجمَعُ [953] فاخضرَّ ذلك أجمعُ: أي: صار موضعُ الضربِ كلُّه أخضرَ أو أسودَ؛ فإنَّ الخضرةَ قد تُستعملُ بمعنَى السوادِ، كعكسِه؛ للمبالغةِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا القاري (9/3782). ! فجاء الأنصاريُّ فحَدَّث بذلك رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: صَدَقْتَ، ذلك من مَدَدِ السَّماءِ الثَّالثةِ، فقَتَلوا يومَئذٍ سَبعينَ، وأسَرُوا سبعينَ، قال أبو زُمَيلٍ: قال ابنُ عبَّاسٍ: فلمَّا أسَرُوا الأُسارى، قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي بكرٍ وعُمَرَ: ما تَرَونَ في هؤلاءِ الأُسارى؟ فقال أبو بكرٍ: يا نبيَّ الله، هم بنو العَمِّ والعشيرةِ، أرى أن تأخُذَ منهم فِديةً، فتكونَ لنا قُوَّةً على الكُفَّارِ، فعسى اللهُ أن يَهدِيَهم للإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما ترى يا ابنَ الخطَّابِ؟ قلتُ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكنِّي أرى أن تُمكِّنَّا فنضرِبَ أعناقَهم، فتُمَكِّنَ عليًّا مِن عَقيلٍ، فيضرِبَ عُنُقَه، وتمكِّنِّي من فلانٍ- نَسيبًا لِعُمَرَ- فأضرِبَ عُنقَه؛ فإنَّ هؤلاءِ أئمَّةُ الكُفرِ وصناديدُها، فهَوِيَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلتُ، فلمَّا كان من الغَدِ جِئتُ، فإذا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بكرٍ قاعِدَينِ يَبكيانِ، قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني من أيِّ شَيءٍ تبكي أنت وصاحِبُك؟! فإن وَجَدْتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجِدْ بُكاءً تباكَيتُ لِبُكائِكما، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أبكي للَّذي عَرَضَ عليَّ أصحابُك مِن أخْذِهم الفِداءَ، لقد عُرِضَ علي عذابُهم أدنى مِن هذه الشَّجرةِ- شَجرةٍ قريبةٍ مِن نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قَولِه: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا فأحلَّ اللهُ الغنيمةَ لهم )) [954] رواه مسلم (1763). .
وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: قال عُمَرُ: ((وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ: في مقامِ إبراهيمَ، وفي الحِجابِ، وفي أُسارى بَدرٍ )) [955] رواه مسلم (2399). .
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ.
أي: ما ينبغي لنبيٍّ أن يـأسِرَ أحدًا مِن الكُفَّارِ المُحارِبين، فيحبِسَهم لأخْذِ فداءٍ ماليٍّ منهم، في مُقابِلِ إطلاقِ سَراحِهم، ما ينبغي أن يفعَلَ ذلك قبل أن يُبالِغَ في قَتلِهم ويَغلِبَهم، ويتمَكَّنَ في الأرضِ [956] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (1/418)، ((تفسير ابن جرير)) (11/270، 271)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (5/1732)، ((البسيط)) للواحدي (10/254 - 256)، ((تفسير الرازي)) (15/510)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/180). وقال القرطبي: (هذه الآيةُ نزلتْ يومَ بدرٍ، عتابًا مِن الله عزَّ وجلَّ لأصحابِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، والمعنَى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعلَ الذي أوجَب أن يكونَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أسرَى قبلَ الإثخانِ، ولهم هذا الإخبارُ بقولِه: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يأمرْ باستبقاءِ الرِّجالِ وقتَ الحربِ، ولا أراد قطُّ عرضَ الدُّنيا، وإنَّما فعلَه جمهورُ مباشري الحربِ، فالتوبيخُ والعتابُ إنَّما كان متوجهًا بسببِ مَن أشار على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأخذِ الفديةِ، هذا قولُ أكثرِ المفسِّرين، وهو الذي لا يصحُّ غيرُه، وجاء ذكرُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الآيةِ حينَ لم ينهَ عنه حينَ رآه مِن العريشِ، وإذ كره سعدُ بنُ معاذٍ وعمرُ بنُ الخطَّابِ وعبد الله بنُ رواحةَ، ولكنَّه عليه السلامُ شغَله بغتُ الأمرِ، ونزولُ النَّصر، فترَك النهيَ عن الاستبقاءِ، ولذلك بكَى هو وأبو بكرٍ حينَ نزَلت الآياتُ. والله أعلم. ((تفسير القرطبي))(8/45). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/551)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/74). .
كما قال تعالى: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد: 4].
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ.
أي: تُريدونَ- أيُّها المؤمنونَ- نَيلَ مَتاعِ الدُّنيا الزَّائلةِ بأسْرِ الكُفَّارِ المُنهَزِمينَ يَومَ بَدرٍ؛ لأخْذِ الفِديةِ منهم، واللهُ يُريدُ لكم ثوابَ الآخرةِ بإثخانِهم؛ إعزازًا لِدينِه، ونُصرةً لِعبادِه، وإعلاءً لكَلِمتِه سُبحانَه وتعالى [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/271)، ((تفسير ابن عطية)) (2/552، 553)، ((تفسير الرازي)) (15/510)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/75)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/181). قال الرازي: (أجمَعَ المُفَسِّرونَ على أنَّ المرادَ مِن عَرَض الدُّنيا هاهنا، هو أخْذُ الفِداءِ). ((تفسير الرازي)) (15/509). .
وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عزيزٌ لا يُغلَب ولا يُقهَرُ، فإنْ أرَدْتُم بجهادِكم الآخرةَ، نَصَرَكم اللهُ على عَدُوِّكم، وهو حكيمٌ في تدبيرِ شَؤونِ خَلْقِه ومَصالِحِهم، ولو شاء أن ينتَصِرَ مِن الكُفَّارِ دون قتالٍ لَفَعَل، لكِنَّ حِكمَتَه تقتضي أنْ يبتلِيَ بَعضَكم ببعضٍ [958] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/271)، ((تفسير الرازي)) (15/511)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/75)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326). .
لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68).
أي: لولا قضاءٌ من الله سبَقَ لكم- يا أهلَ بَدرٍ- في اللَّوحِ المَحفوظِ بأنَّ اللهَ مُحِلٌّ لكم الغَنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ مِن الكُفَّارِ، وبأنَّه لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيام الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا شَهِدَ بدرًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لَنالَكم بسبَبِ أخْذِكم الفِداءَ مِن كفَّارِ قُريشٍ، عذابٌ عَظيمٌ [959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/276، 282، 283)، ((تفسير القرطبي)) (8/50)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 28)، ((تفسير ابن كثير)) (4/90)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/79، 81)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/79). قال الرازي: (أجمَعُوا على أنَّ المرادَ بِقَولِه: أَخَذْتُمْ ذلك الفِداءُ). ((تفسير الرازي)) (15/509). وقال ابن عاشور: (العذابُ يجوزُ أن يكونَ عذابَ الآخرةِ، ويجوز أن يكونَ العَذابُ المنفيُّ عذابًا في الدُّنيا، أي: لولا قَدَرٌ من الله سبَقَ مِن لُطفِه بكم، فصَرَفَ بلُطفِه وعنايَتِه عن المؤمنينَ عذابًا، كان مِن شَأنِ أخْذِهم الفداءَ أن يُسَبِّبَه لهم، ويُوقِعَهم فيه). ((تفسير ابن عاشور)) (10/77، 78). .
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (69).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تضَمَّنَ قَولُه تعالى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ امتنانًا عليهم بأنَّه صرَفَ عنهم العذابَ؛ فَرَّعَ على الامتنانِ الإذنَ لهم بأن ينتَفِعوا بمالِ الفِداءِ في مصالِحِهم، ويتوسَّعُوا به في نَفَقاتِهم، دونَ نَكَدٍ ولا غُصَّةٍ، فإنَّهم استغنَوْا به مع الأمْنِ مِن ضُرِّ العَدُوِّ بفَضْلِ اللهِ، فتلك نِعمةٌ لم يَشُبْها أذًى [960] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/79). .
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا.
أي: قد أحلَلْتُ لكم- أيُّها المؤمنونَ- أخْذَ الغَنائِمِ والفِديةِ مِن الكُفَّارِ، فكُلوا ممَّا غَنِمتُم مِن أموالِهم حالَ كَونِه حلالًا قد أحلَّه الله لكم، هنيئًا مُستلذًّا، لا خُبثَ فيه [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/283)، ((البسيط)) للواحدي (10/260)، ((تفسير ابن عطية)) (2/554)، ((تفسير الرازي)) (15/512)، ((تفسير النسفي)) (1/657، 658)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/81)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327). قال أبو حيان: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا أي: ممَّا [غَنِمتُموه]، ومنه ما حصل بالفِداءِ الذي أقَرَّه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم... وليس هذا الأمرُ مُنشِئًا لإباحةِ الغَنائِم؛ إذ قد سبق تحليلُها قبل يومِ بَدرٍ، ولكنَّه أمرٌ يُفيدُ التَّوكيدَ، واندراجَ مالِ الفداءِ في عُموم ِما غَنِمتم؛ إذ كان قد وقع العِتابُ في المَيلِ للفِداءِ، ثمَّ أقرَّه الرَّسولُ). ((تفسير أبي حيان)) (5/354). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لم تَحِلَّ الغَنائِمُ لأحدٍ مِن قَبلِنا؛ ذلك بأنَّ اللهَ تبارك وتعالى رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا، فطَيَّبَها لنا )) [962] رواه البخاري (3124)، ومسلم (1747)، واللفظ له. .
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أُعطيتُ خَمسًا لم يُعطَهنَّ أحَدٌ مِن الأنبياءِ قَبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شَهرٍ، وجُعِلَت لي الأرضُ مَسجِدًا وطَهورًا، وأيُّما رَجُلٍ مِن أمَّتي أدرَكَتْه الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائِمُ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قَومِه خاصَّةً، وبُعِثتُ إلى النَّاسِ كافَّةً، وأُعطِيتُ الشَّفاعةَ )) [963] رواه البخاري (438) واللفظ له، ومسلم (521). .
وَاتَّقُواْ اللّهَ.
أي: واتَّقوا اللهَ- أيُّها المؤمنونَ- بِفعلِ ما أمَرَ، واجتنابِ ما نهى، فلا تَفعَلوا في دينِكم شيئًا لم يأذَنِ اللهُ لكم به [964] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/283)، ((تفسير ابن عطية)) (2/554)، ((تفسير الشوكاني)) (2/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327). .
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: إنَّ الله غفورٌ لذُنوبِ المُؤمنينَ، فيَستُرُها عليهم، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها؛ ولِهذا لم يُعاقِبْهم على أخذِهم الفداءَ، وهو رحيمٌ بهم، ومِن رَحمتِه أن أحَلَّ لهم الغنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ [965] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/283)، ((تفسير الشوكاني)) (2/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327). .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أُخِذَ الفِداءُ مِن الأُسارى، وشَقَّ عليهم أخذُ أموالِهم، ذكَرَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ؛ استمالةً لهم [966] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/513). ، فقال:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ.
أي: يا أيُّها النبيُّ، قلْ لِمَن أسَرْتُموهم في غَزوةِ بَدرٍ، وأخَذْتُم منهم الفِديةَ لِإطلاقِهم: إنْ يَعلَمِ اللهُ في قُلوبِكم إسلامًا وإيمانًا صحيحًا، يُعطِكم في الدُّنيا مالًا، وفي الآخرةِ ثَوابًا أفضَلَ ممَّا أخَذَه المسلمونَ مِنكم [967] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/284)، ((تفسير القرطبي)) (8/53)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/193، 194). قال الرازي: (واختلف المُفَسِّرون في أنَّ الآيةَ نازلةٌ في العبَّاسِ خاصَّةً، أو في جُملةِ الأُسارى. قال قومٌ: إنَّها في العبَّاسِ خاصَّةً، وقال آخرون: إنَّها نزلَتْ في الكُلِّ، وهذا أَوْلى؛ لأنَّ ظاهِرَ الآيةِ يقتضي العُمومَ مِن ستَّةِ أوجُهْ... فما الموجِبُ للتَّخصيصِ؟! أقصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: سَبَبُ نزولِ الآيةِ هو العبَّاسُ، إلَّا أنَّ العِبرةَ بِعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّبَب). ((تفسير الرازي)) (15/513). وممَّن رأى عمومَ نُزولِ الآيةِ في أُسارى بدر: الشنقيطي. يُنظر: ((العذب النمير)) (5/182، 183). وجَعَلَها السَّعديُّ في أُسارى بدرٍ الذينَ ادَّعَوا الإسلامَ لَمَّا طُلِبَ منهم الفِداءُ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 327). .
عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ رِجالًا من الأنصارِ استَأذَنوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: ائذَنْ لنا فلْنَترُكْ لابنِ أُختِنا عَبَّاسٍ فِداءَهُ، قال: واللَّهِ لا تَذَرونَ منهُ دِرهَمًا )) [968] رواه البخاري (4018). .
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: ويَغفِرْ لكم ذُنوبَكم فيَستُرْها عليكم، ولا يؤاخِذْكم بها، واللهُ غَفورٌ لذُنوبِ عِبادِه التَّائبينَ، رحيمٌ بهم، ومِن رَحمتِه ألَّا يُعاقِبَهم بعد تَوبتِهم [969] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/284)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/194). .
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71).
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ.
أي: وإن يُرِدْ هؤلاءِ الأسرَى الغَدرَ بك، وخِداعَك- يا مُحمَّدُ- بإظهارِهم أقوالًا خلافَ ما يُبطِنونَ [970] قال الشنقيطي: (كانوا يَقولونَ: آمَنَّا بك، وشَهِدْنا أنَّك رَسولُ اللهِ، وواللَّهِ لَنَنصحَنَّ لك على قَومِك، ولنكوننَّ معَك). ((العذب النمير)) (5/195). ، فيَرجِعوا إلى إظهارِ الكُفرِ، وقِتالِ المُسلمينَ، والإعانةِ عليه؛ فقد كَفَروا باللهِ وعَصَوه مِن قَبلِ يَومِ بَدرٍ، فأقدَرَ اللهُ المؤمنينَ عليهم، فأسَرُوهم [971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/287)، ((البسيط)) للواحدي (10/263)، ((تفسير الرازي)) (15/515)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/81-83)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/195، 196). قال ابن عاشور: (فكَمُلَ ذلك الإذنُ والتَّطييبُ بالتهنئةِ والطَّمأنة بأنْ ضَمِنَ لهم- إنْ خانَهم الأسرى بعد رُجوعِهم إلى قَومِهم، ونَكَثوا عَهدَهم، وعادوا إلى القتالِ- بأنَّ اللهَ يُمكِّنُ المسلمينَ منهم مرَّةً أخرى، كما أمكَنَهم منهم في هذه المرَّةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/81). .
وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومن ذلك ما يُضمِرُونَه في قُلوبِهم من إخلاصٍ أو خيانةٍ، حكيمٌ في جَميعِ أقوالِه وأفعالِه، يَضعُ الأشياءَ في مَواضِعِها اللَّائقةِ بها، ومن ذلك مُجازاةُ الخائِنينَ [972] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/287)، ((تفسير ابن عطية)) (2/555)، ((تفسير ابن كثير)) (4/94)، ((تفسير السعدي)) (ص: 327)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/197، 198). .

الفوائد التربوية:


1- في قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ختم الآيةَ بِقَولِه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فهو سُبحانه وتعالى يُحِبُّ للمؤمنينَ أن يكونوا أعِزَّةً غالِبينَ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، كما يُحِبُّ لهم أن يَكونوا حُكماءَ ربَّانيِّينَ، يضعونَ كلَّ شَيءٍ في مَوضِعه، وإنَّما يكونُ هذا بتقديمِ الإثخانِ في الأرضِ، والسِّيادةِ فيها، على المنافِعِ العَرضيَّةِ، بمِثلِ فِداءِ أسرى المُشركينَ، وهم في عُنفوانِ قُوَّتِهم وكَثرتِهم [973] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/75). .
2- اللهُ تعالى لا يريدُ ما يُفضي إلى السَّعاداتِ الدُّنيويَّةِ التي تَعرِضُ وتَزولُ، وإنَّما يريدُ ما يُفضي إلى السَّعاداتِ الأُخرويَّةِ الدَّائمةِ الباقيةِ المَصُونة عن التَّبديلِ والزَّوالِ؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُه تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [974] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/511). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فيه تحذيرٌ مِن التَّوغُّلِ في إيثارِ الحُظوظِ العاجلةِ [975] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (10/77). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فيه بيانُ مُؤاخَذةِ اللهِ تعالى النَّاسَ على الأعمالِ النَّفسيَّةِ وإرادةِ السُّوءِ، بعد تَنفيذِها بالعَملِ [976] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/83). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أمَرَ تعالى بِتَقواه؛ لأنَّ التَّقوى حامِلةٌ على امتثالِ أمرِ اللهِ، وعَدمِ الإقدامِ على ما لم يتقَدَّمْ فيه إذْنٌ [977] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/355). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ فيه أنَّه ما دام للكُفَّارِ شَرٌّ وصَولةٌ، فالأوفَقُ ألَّا يُؤسَروا، فإذا أُثخِنُوا، وبَطَل شَرُّهم، واضمحَلَّ أمرُهم؛ فحينئذٍ لا بأسَ بأخذِ الأَسرَى منهم، وإبقائِهم [978] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 326). ، فكلمةُ حَتَّى لانتهاءِ الغايةِ، فَقولُه: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يدلُّ على أنَّ بعدَ حُصولِ الإثخانِ في الأرضِ له أن يُقدِمَ على الأسْرِ [979] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/511). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ لعلَّه عبَّرَ بوَصفِ النبوَّةِ؛ لِيُفيدَ مع العُمومِ أنَّ كُلًّا مِن رِفعةِ القَدْرِ، والإخبارِ مِن اللهِ، يمنَعُ مِن الإقدامِ على فِعلٍ بدونِ إذنٍ خاصٍّ [980] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/330). .
3- قال الله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الإثخانُ في الأرضِ ليس مَضبوطًا بضابطٍ مَعلومٍ مُعَيَّنٍ، بل المقصودُ منه إكثارُ القَتلِ، بحيث يُوجِبُ وُقوعَ الرُّعبِ في قلوبِ الكافرينِ، وألَّا يَجترِئوا على مُحاربةِ المُؤمنينَ؛ وبلوغُ القَتلِ إلى هذا الحَدِّ المُعيَّنِ لا شكَّ أنَّه يكونُ مُفَوَّضًا إلى الاجتهادِ [981] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/509). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا سمَّى منافِعَ الدُّنيا ومتاعَها عَرَضًا؛ لأنَّه لا ثباتَ له ولا دَوامَ، فكأنَّه يَعرِضُ ثمَّ يزولُ [982] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/511). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إنَّما ذَكرَ مع الدُّنيا المُضافَ فقال: عَرَضَ الدُّنْيَا ولم يَحذِفْ؛ لأنَّ في ذكرِه إشعارًا بعُروضِه، وسُرعةِ زوالِه [983] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/76). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فيه بيانُ مِنَّةِ اللهِ تعالى على أهلِ بَدرٍ: أنَّه لم يُعذِّبْهم فيما أَخَذوا بسوءِ الإرادةِ، أو بغيرِ حَقٍّ، وفي هذه المنَّةِ بعد الإنذارِ الشَّديدِ خَيرُ تَربيةٍ لأمثالِهم مِن الكاملينَ، تربَأُ بأنفُسِهم عن مِثلِ ذلك الاستشرافِ، لا أنَّها تُجَرِّئهم عليه، كما توهَّم بعضُ النَّاسِ [984] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/83). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يدلُّ على أنَّ لِلَّه حُكمًا في كلِّ حادثةٍ، وأنَّه نصَبَ على حُكمِه أمارةً، هي دليلُ المُجتَهِد، وأنَّ مُخطِئَه مِن المُجتهدينَ لا يأثَمُ، بل يُؤجَرُ.
8- في قولِه تعالى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ رَدٌّ على المعتزلةِ والقَدَرِيَّة فيما يُنكرون مِن الكتابِ السَّابقِ [985] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/475). .
9- لَمَّا تقَدَّمَ الأمرُ بالإثخانِ في قَولِه تعالى: فَشَرِّدْ بِهِمْ ثمَّ بإعدادِ القُوَّةِ، ثمَّ التَّحريضِ على القِتالِ بعد الإعلامِ بالكِفايةِ، ثمَّ إيجابِ ثَباتِ الواحِدِ لِعَشرةٍ، ثمَّ إنزالِ التَّخفيفِ إلى اثنينِ- كان ذلك مُقتَضيًا للإمعانِ في الإثخانِ، فحَسُنَ عِتابُ الأحباب في اختيارِ غَيرِ ما أفهَمَه هذا الخِطاب؛ لِكَونِ ذلك أقعَدَ في الامتنانِ عليهم بالعَفوِ والغُفرانِ، بسبَبِ أنَّ أكثَرَهم مالَ إلى فِداءِ الأُسارى [986] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/329). .
10- قَولُ اللهِ تعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا عبَّرَ عن الانتفاعِ الهنيءِ بالأكلِ؛ لأنَّ الأكلَ أقوى كيفيَّاتِ الانتفاعِ بالشَّيءِ؛ فإنَّ الآكِلَ يَنعَمُ بلذاذةِ المأكولِ، وبِدَفعِ ألَمِ الجُوعِ عن نفسِه، ودفعُ الألمِ لَذاذةٌ، ويُكسِبُه الأكلُ قُوَّةً وصِحَّةً، والصِّحَّةُ مع القُوَّةِ لَذاذةٌ أيضًا [987] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/79). .
11- في قولِه تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ دليلٌ على أنَّ المفاداةَ بالمال جائزةٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى- وإنْ كان أنكرَ الإبقاءَ على الأسرى قَبْلَ الإثخانِ- فقد أباح لهم ما أخَذوا مِن المالِ بالفداءِ، وسمَّاه غنيمةً، فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا [989] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/475). .
12- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ أقبل على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالأمرِ بِمُخاطَبتِهم؛ تنبيهًا على أنَّهم لَيسُوا بأهلٍ لِخِطابِه سبحانَه، بما أبعَدُوا أنفُسَهم عنه؛ مِن اختيارِهم الكَونَ في زُمرةِ الأعداءِ، على الكَونِ في عِدادِ الأولياءِ [990] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/333). .
13- قال الله تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يدلُّ على أنَّ محلَّ نَظرِ اللهِ مِن عَبدِه، إنَّما هو القُلوبُ، كما جاء بذلك حديثُ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللَّهَ لا ينظُرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولَكِنْ ينظُرُ إلى قُلوبِكم وأعمالِكم )) [991] أخرجه مسلم (4651). ؛ لأنَّ القَلبَ هو الذي ينظُرُ اللهُ إليه، فيَعلَمُ فيه الخيرَ والشَّرَّ؛ ولذا قال: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا [992] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/192). .
14- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يُؤخَذُ مِن الآيتينِ ما يجِبُ على المُؤمنينَ مِن تَرغيبِ الأَسرى في الإيمانِ، وإنذارِهم عاقِبةَ خِيانَتِهم إذا ثَبَتُوا على الكُفرِ والطُّغيانِ، وعادوا إلى البَغيِ والعُدوانِ [993] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/90). .
15- لا يُوصَفُ اللهُ بالخيانةِ مُطلَقًا؛ لأنَّ الخيانةَ صِفةُ نَقصٍ مُطلَقٍ؛ والخيانةُ معناها: الخديعةُ في مَوضِعِ الائتمانِ، وهذا نَقصٌ؛ ولهذا قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ولم يَقُلْ: فخَانَهم [994] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/58). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
- قولُه: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ استئنافٌ ابتدائيٌّ [995] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/72-74). .
- قولُه: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ هذه الجملةُ واقعةٌ مَوقِعَ العِلَّة للنَّهي الذي تَضمَّنه قولُه: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ؛ فلذلك فُصِلتْ، ولم تُعْطَفْ عليها؛ لأنَّ العِلَّة بمنزلةِ الجُمْلةِ المبيِّنة، ويَجوزُ أنْ يكونَ هذا الخبرُ مُستعملًا في معنى الاستفهامِ الإنكاريِّ [996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/75- 76). .
- قوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فيه تَعليقُ فِعلِ الإرادةِ بذاتِ الآخرةِ، والمقصودُ نفُعها؛ بقرينةِ قولِه: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا فحُذِف المضاف (ثواب) للإيجازِ، وقيل التقديرُ: يُريدُ عمَلَ الآخِرَة، أي: المؤدِّي إلى الثوابِ في الآخِرَة [997] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/237)، ((تفسير أبي حيان)) (5/353)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/76). .
2- قوله تعالى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
- قولُه: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ جملةٌ مُستأنَفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ الكلامَ السابقَ يُؤذِن بأنَّ مُفاداةَ الأسرى أمرٌ مَرْهوبٌ تُخشَى عواقِبُه، فيستثيرُ سُؤالًا في نُفوسِهم عمَّا يُترقَّب من ذلك، فبيَّنه قولُه: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ... [998] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/77). .
3- قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قوله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا الأَمْر في فَكُلُوا مُستعمَلٌ في المِنَّة، وذُيِّل بالأمرِ بالتَّقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ؛ لأنَّ التَّقْوى شُكرُ اللهِ على ما أَنْعَم مِن دفْعِ العذابِ عنهم [999] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/79). .
- وجملةُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليلٌ للأمْر بالتقوى، وتَنبيهٌ على أنَّ التقوى شُكرٌ على النِّعمة؛ فحرْفُ التأكيدِ إنَّ للاهْتِمام، وهو مُغنٍ غَناءَ فاءِ التفريع [1000] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/79). .
4- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قولُه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ... استئنافٌ ابتدائيٌّ، وهو إقبالٌ على خِطابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشيءٍ يتعلَّقُ بحالِ سَرائرِ بعضِ الأَسْرى، بعدَ أنْ كان الخِطابُ مُتعلِّقًا بالتَّحريضِ على القِتالِ وما يَتْبعه [1001] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/80). .
- وفيه تأكيدُ الوعدِ بالمغفرةِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ بِما بَعدَه وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مِن الاعتراضِ التَّذييليِّ؛ فقولُه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييلٌ؛ للإيماءِ إلى عِظَم مغفرتِه التي يَغْفِر لهم، لأنَّها مَغفرةُ شديدِ الغُفْرانِ، رحيمٍ بعبادِه، فمِثال المبالغةِ وهو غَفُورٌ المُقتضي قوَّة المغفرةِ وكَثْرتِها مُستعمَلٌ فيهما باعتبارِ كَثرةِ المُخاطَبين، وعِظَمِ المغفرةِ لكلِّ واحد منهم [1002] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/37)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/81). .
5- قوله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
- قوله: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ كلامٌ مَسوقٌ من جِهتِه تعالى؛ لتَسليتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بطَريقِ الوَعدِ له، والوَعيدِ لهم [1003] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/37). .