موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (9-11)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ

غريب الكلمات:


تَسْتَغِيثُونَ: أي: تَستجيرونَ، وتدعون بالنَّصرِ، والاستغاثةُ: طَلَبُ الغَوثِ والمَعُونةِ والنَّصرِ [112] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/50)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/400)، ((المفردات)) للراغب (ص: 617)، ((تفسير القرطبي)) (7/370). .
مُرْدِفِينَ: أي: مُتَتابِعينَ، وأصلُ (ردف): يدلُّ على اتِّباعِ الشَّيءِ [113] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 177)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 439)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/503)، ((المفردات)) للراغب (ص: 349- 350)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 126)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 217)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 883). .
يُغَشِّيكُمُ: أي: يُلقِي عليكم. والغشاوةُ: الغطاءُ والساترُ، وأصلُ (غشي) يدلُّ على تغطيةِ شَيءٍ بِشَيءٍ [114] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 40)، ((تفسير ابن جرير)) (11/59)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 75)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/425)، ((المفردات)) للراغب (ص: 607). .
النُّعَاسَ: أي: النَّومَ القليلَ، أو أوَّلَ النَّومِ، وهو ما كان مِنَ العينِ، وهو فُتورٌ يَعتري الإنسانَ، ولا يفقِدُ معَه عقلَه [115] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/450)، ((المفردات)) للراغب (ص: 814)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/81)، ((تفسير القرطبي)) (3/272)، ((المصباح المنير)) للفيومي (2/613). .
أَمَنَةً: أي: أمنًا وأمانًا، وأصلُ الأمنِ: طمأنينةُ النفسِ، وزوالُ الخوفِ، وسكونُ القلبِ [116] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 114)، ((تفسير ابن جرير)) (6/159)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/133)، ((المفردات)) للراغب (ص: 90). .
رِجْزَ الشَّيْطَانِ: أي: وساوِسَه، وأصلُ الرِّجْزِ: الاضطرابُ [117] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 177)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/489) (3/184، 234)، ((المفردات)) للراغب (ص: 341)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 126). .
وَلِيَرْبِطَ: أي: لِيشُدَّ، وأصلُ (ربط) يدلُّ على شَدٍّ وثَباتٍ [118] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 339)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 126). .

المعنى الإجمالي:


اذكُروا- أيُّها المؤمنونَ- حين طَلَبتُم الغَوثَ مِنَ اللهِ بأن ينصُرَكم على عدُوِّكم، فاستجابَ لكم، ووعَدَكم بأن يُمِدَّكم بألفٍ مِن الملائكةِ، يأتونَ مُتتابعينَ للقِتالِ معكم، وما جعَلَ الله هذا الإمدادَ إلَّا ليكونَ بِشارةً لكم بالنَّصرِ، ولِتَسكُنَ قلوبُكم بمَقْدَمِها، وما النَّصرُ إلَّا مِن عند اللهِ، إنَّ اللهَ عزيزٌ حَكيمٌ.
واذكروا حين ألقى اللهُ عليكم النُّعاسَ؛ أمانًا لقُلوبِكم، وأنزلَ عليكم مِن السَّماءِ مَطرًا؛ ليُطَهِّرَكم به من الأحداثِ والجَناباتِ، ويُذهِبَ عنكم وساوِسَ الشَّيطانِ، ولِيشُدَّ على قلوبِكم، ويُثَبِّتَ بالمطَرِ أقدامَكم، بتَلبيدِه الأرضَ، فلا تغوصُ فيها.

تفسير الآيات:


إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى في الآيةِ السَّابقةِ أنَّه يُحِقُّ الحقَّ، ويُبطِلُ الباطِلَ؛ بيَّنَ أنَّه تعالى نصَرَهم عند الاستغاثةِ [119] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/459). .
وأيضًا لَمَّا عَلِمُوا أنَّه لا بدَّ مِن القِتالِ؛ شَرَعوا في طلَبِ الغَوثِ مِن اللهِ تعالى [120] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/278). .
سبَبُ النُّزولِ:
عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لَمَّا كان يومُ بدرٍ، نظرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المشركينَ وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُمئةٍ وتسعةَ عشرَ رجلًا، فاستقبَلَ نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القبلةَ، ثم مدَّ يدَيه فجعَلَ يهتِفُ بربِّه؛ اللهمَّ أَنجِزْ لي ما وعدْتَني، اللهمَّ آتِ ما وعدتَني، اللهمَّ إنْ تَهلِكْ هذه العصابةُ مِن أهلِ الإسلامِ لا تُعبَدْ في الأرضِ، فما زال يهتِفُ بربِّه، مادًّا يدَيه، مستقبِلَ القِبلةِ، حتى سقطَ رداؤُه عن مَنكِبَيه، فأتاه أبو بكرٍ، فأخذَ رداءَه فألقاه على مَنكِبَيه، ثم التزَمَه مِن ورائِه، وقال: يا نبيَّ اللهِ، كفاك مُناشَدتُك ربَّك؛ فإنَّه سيُنجِزُ لك ما وعَدَك، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفَينَ)) [121] رواه مسلم (1763). .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ.
أي: إذ [122] قال الشنقيطيُّ: (قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ قال بعضُ العلماءِ: (إذ) منصوبٌ بـ (اذكر) مقدرًا، وقد ذكرنا أنَّه يكثرُ في القرآنِ نصبُ الظرفِ الذي هو (إذ) بلفظةِ (اذكر) كقولِه: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ [الأحقاف: الآية 21]  وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً [الأعراف: الآية 86] وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ [الأنفال: الآية 26] ونحو ذلك. قال بعضُ العلماءِ: (إذ) في قولِه: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ بدلٌ مِن (إِذ) في قولِه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ [الأنفال: الآية 7]). ((العذب النمير)) (4/530)، ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/504). وذهب ابنُ جريرٍ إلى أنَّ «إذ» متعلقةٌ بـ«يبطل»، والمعنى: ويُبْطِلَ الباطِلَ حِينَ تَسْتَغيثونَ رَبَّكم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/50). تدعونَ ربَّكم، وتَطلُبونَ منه أن يُعينَكم، وينصُرَكم على العدوِّ؛ لقلَّتِكم [123] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/50)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/445)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316). .
فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ.
أي: فأجاب اللهُ تعالى دعاءَكم، بأنَّني مُقوِّيكم بألفٍ مِن الملائكةِ [124] واختَلف أهلُ العلمِ هل كان المددُ يومَ بدرٍ ألفًا فقط، أو كان خمسةَ آلافٍ، على قولينِ:  القولُ الأولُ: أنَّ الله أمدَّ المؤمنين يومَ بدرٍ بخمسةِ آلافٍ؛ لقولِه تعالى في سورةِ آل عمران: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: 124، 125] قالوا: لأنَّ القصةَ في آل عمران هي قصةُ بدرٍ، وهي المذكورةُ في سورةِ الأنفال، والسياقُ واحدٌ؛ لأنَّه قال هنا: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ [الأنفال: 10] وقال في آل عمران: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ [آل عمران: 126] وقال هنا: وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال: 7] وقال في آل عمران: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ [آل عمران: 127] فالسياقُ هو السياقُ. وأما التَّنْصِيصُ على الألفِ هاهنا فلا يُنافي الثلاثةَ الآلافَ فَما فوقَها، وقد أشارت آيةُ الأنفالِ إلى أنَّ المددَ مِن الملائكةِ لا يقتصرُ على الألفِ؛ لأنَّ قولَه: مُرْدِفِينَ على قراءة الجمهور معناه: يتبعُ بعضُهم بعضًا، مِن: أردف الرجلُ الرجلَ، إذا كان وراءَه رِدْفًا له، فدلَّ على أنَّهم وراءَهم شيءٌ أُردِفوا به، ويوضِّح هذا المعنى قراءةُ نافع: مُرْدَفين بصيغةِ اسمِ المفعولِ، معناه: مردَفين بغيرهم، أنَّهم متبوعون بغيرِهم. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، ومجاهدٍ، وقتادةَ، والروايةُ الأُخرى عن عِكرمةَ، واختاره جماعةٌ مِن المفسِّرين. القولُ الثاني: أنَّهم أُمِدُّوا يومَ بدرٍ بألفٍ، ولم يُمدُّوا بخمسةِ آلافٍ، إنما كان الوعدُ بالإمدادِ- في قولِه: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ- كان يومَ أُحُدٍ، وكان إمدادًا معلَّقًا على شرطٍ، فلمَّا فات شرطُه، فات الإمدادُ، قالوا: لأنَّ القصةَ في سياقِ أُحُدٍ، وإنَّما أدخل ذِكر بدرٍ اعتراضًا في أثنائِها، ثم عاد الى قصةِ أُحُد، وهذا قولُ الضحَّاك ومُقاتل، وإحدَى الرِّوايتين عن عكرمةَ. يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/158)، ((تفسير ابن كثير)) (2/112)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/536)، ((تفسير القاسمي)) (2/405). وتوقَّف ابنُ جريرٍ، وذهَب إلى أنَّ في القرآنِ دلالةً على أنَّهم قد أُمدُّوا يومَ بدرٍ بألفٍ مِن الملائكةِ، وأنَّه لا دلالة في آيةِ آل عمران على أنَّهم أُمدُّوا بالثلاثةِ آلافٍ ولا بالخمسةِ آلافٍ، ولا على أنَّهم لم يُمدُّوا بهم، ولا صحَّ خبرٌ يُثبتُ أنَّهم أُمدُّوا بذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/28). ، يأتونَ إليكم مُتتابِعينَ للقِتالِ معكم، بعضُهم في إثرِ بَعضٍ [125] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/50- 57)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/446)، ((تفسير ابن عطية)) (2/505)، ((تفسير ابن كثير)) (4/20)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/534-535، 539). .
عن ابنِ عبَّاس رضِي الله عنهما، قال: ((بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثر ِرجلٍ [126] يشتدُّ في أثَر ِرجلٍ: أي: يُسرِعُ ويَعدُو في عَقِبِ رَجُلٍ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (9/3782). من المشركين أمامَه، إذ سمع ضربَةً بالسوطِ فوقَه، وصوتُ الفارسِ يقول: أقْدِم حَيزومُ، فنظر إلى المشركِ أمامه فخرَّ مُستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم [127] خُطِمَ (بضم الخاء): أي: جُرِحَ، وظَهرَ عليه أثَرُ الضَّربِ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (6/210)، ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (9/3782). أنفُه، وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوطِ، فاخضرَّ ذلك أجمعُ [128] فاخضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ: أي: اسودَّ أثرُ تلك الضَّربة كلُّه؛ فإنَّ الخُضرةَ قد تُستعمَلُ بمعنى السَّوادِ، كعكسِه، للمُبالغةِ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (6/210)، ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (9/3782). ، فجاء الأنصاريُّ فحدَّثَ بذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: صدقْتَ، ذلك مددٌ السماءِ الثالثةِ، فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسَروا سبعين )) [129] رواه مسلم (1763). .
وعن رفاعةَ بنِ رافعٍ رضي الله عنه، قال: ((جاء جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ما تعُدُّون أهلَ بدرٍ فيكم؟ قال: من أفضلِ المسلمين. أو كلمةً نحوَها، قال: وكذلك من شَهِد بدرًا من الملائكةِ )) [130] رواه البخاري (3992). .
وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10).
وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى.
أي: وما جعل اللهُ تعالى هذا الإمدادَ إلَّا ليكونَ بِشارةً لكم بالنَّصرِ [131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/58)، ((تفسير القرطبي)) (7/371)، ((تفسير ابن كثير)) (4/21)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (8/20)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/539-541). .
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ.
أي: وأمدَّكم بالملائكةِ؛ لِتسكُنَ قُلوبُكم بمَقْدَمِها إليكم، ويزولَ عنها القَلقُ والانزعاجُ والمخاوِفُ، وتُوقِنَ بنَصرِ اللهِ لكم [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/58)، ((تفسير ابن عطية)) (2/505)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/541). .
وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ.
أي: لن تُنصَروا على عَدُوِّكم إلَّا أن ينصُرَكم اللهُ تعالى عليهم؛ لأنَّ الأمرَ كُلَّه له، والنَّصرَ بِيَدِه وَحْدَه، فلا تظنُّوا- إن أنزَلْتُ عليكم ألفًا من الملائكةِ- أنَّ النَّصرَ بأيديهم [133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/58)، ((تفسير ابن عطية)) (2/505)، ((تفسير القرطبي)) (7/371)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/541). .
إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
إنَّ اللهَ الذي ينصُرُكم، عزيزٌ: لا يقهَرُه شيءٌ، ولا يغلِبُه غالِبٌ، بل يَقهَرُ كلَّ شَيءٍ، ويَغلِبُه فيَخذُلُ مَن بَلَغوا من الكثرةِ وقُوَّةِ العَدَدِ والآلاتِ ما بَلَغوا، حكيمٌ: يُقدِّرُ الأمورَ بأسبابِها، ويضَعُ الأشياءَ مواضِعَها، ومِن ذلك شَرْعُه قتالَ الكفَّارِ، مع قُدرَتِه على دمارِهم وإهلاكِهم، حكيمٌ في تدبيرِه وفي نصرِه مَن نَصَر، وخِذلانِه مَن خَذَل، ولا يدخُلُ تدبيرَه وَهَنٌ ولا خلَلٌ [134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/58-59)، ((تفسير ابن كثير)) (4/22)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/541-542). .
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّه استجاب دعاءَهم، ووعَدَهم بالنَّصرِ، فقال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ- ذكرَ عَقيبَه وُجوهَ النَّصرِ [135] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/461). ، فقال: 
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ.
أي: واذكُرُوا حينَ ألقى اللهُ تعالى عليكم النُّعاسَ؛ لأجلِ أن تَكونُوا آمنينَ، ليس في قلوبِكم خوفٌ ولا جزعٌ مِن عَدُوِّكم [136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/59-61)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/447)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 432)، ((تفسير ابن كثير)) (4/22- 23)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/50)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/544). واختلف أهلُ العِلمِ في وقتِ وُقوعِ هذا النُّعاسِ، فقيل: كان في ليلةِ الغَزوةِ، وقيل: في النَّهارِ وقتَ التِحامِ الصَّفَّينِ. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/544-546). .
وهذا قد وقع يومَ أحدٍ أيضًا، كما قال تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ... [آل عمران: 154].
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ.
أي: وينزِّل اللهُ تعالى عليكم مِن السَّماءِ مَطرًا؛ ليُطهِّرَكم به مِن الأحداثِ والجَنابات [137] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/61)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 432)، ((تفسير ابن كثير)) (4/24)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/546). .
وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ.
أي: وأنزَلَ ذلك المطَرَ؛ ليُذهِبَ عنكم وساوِسَ الشَّيطانِ، وخَواطِرَه السَّيئةَ [138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/67-68)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/447)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 432)، ((تفسير ابن كثير)) (4/24)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/546-547). .
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ.
أي: وأنزلَ عليكم المطَرَ؛ لِيُقَوِّيَ قلوبَكم، ويشُدَّها فتثبُتَ، ولا تضطرِبَ بوساوِسِ الشَّيطانِ، وتمتلئَ باليقينِ والنَّصرِ، وتقوَى على الصَّبرِ، والإقدامِ على مُقاتلةِ الأعداءِ [139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/62)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/447)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 432)، ((تفسير ابن كثير)) (4/24)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/547). .
وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ.
أي: وأنزل عليكم المطَرَ ليلبِّدَ [140] ليلبِّدَ لكم الأرضَ: أي: يجعَلَها قويَّةً لا تسوخُ فيها الأقدامُ. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (3/386)، ((تاج العروس)) للزبيدي (9/132). لكم الأرضَ؛ فتَثبُتَ عليها أرجُلُكم، ولا تغوصَ فيها [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/62)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/447)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 316)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/547). وقال ابنُ كثيرٍ: (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ أي: بالصَّبرِ والإقْدامِ على مُجالدةِ الأعداءِ، وهو شجاعةُ الباطنِ، وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ وهو شجاعةُ الظَّاهرِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/24). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ يدلُّ على أنَّ مَنِ استَغاثَ باللهِ كانت استغاثَتُه بالله سببًا للإجابةِ، وإزالةِ المَكروهِ عنه؛ فالفاءُ سببيَّةٌ، والإجابةُ مُسبَّبةٌ عن الاستغاثةِ بالله [142] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/534، 535). .
2- الواجِبُ على المُسلِم ألَّا يتوكَّلَ إلَّا على اللهِ تعالى في جميعِ أحوالِه، ولا يثِقَ بِغَيرِه؛ فإنَّ اللهَ تعالى بِيَدِه النَّصرُ والإعانةُ؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ اللهِ تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [143] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/559). .
3- قولُ اللهِ تعالى: وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ أي: يُثَبِّتَها؛ فإنَّ ثَباتَ القَلبِ أصلُ ثَباتِ البَدَنِ [144] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 316). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قد أثنى اللهُ جلَّ وعلا على نَبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعلى أصحابِه، بالتجائِهم إليه وَقتَ الكَربِ يومَ بَدرٍ، في قَولِه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ فنَبِيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان هو وأصحابُه إذا أصابهم أمرٌ أو كربٌ التجَؤوا إلى اللهِ، وأخلَصُوا له الدُّعاءَ [145] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/410). .
2- قولُ اللهِ تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ فيه سرعةُ إجابةِ الله لهم، دلَّ على ذلك قَولُه: فَاسْتَجَابَ أي: فأوجَدَ الإجابةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لها، شَديدُ الرَّغبةِ فيها [146] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/231). .
3- قولُ اللهِ تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُفيدُ أنَّ ما عِندَه تعالى ليس مُنحصِرًا في الإمدادِ بالملائكةِ؛ فالنَّصرُ وإن كان بها، فليس مِن عِندِها، فلا تعتَمِدوا على وُجودِها، ولا تَهِنُوا بفَقْدِها، واعتَمِدوا عليه سُبحانه خاصَّةً؛ فإنَّ ما عنده مِن الأسبابِ لا يُحاطُ به عِلمًا، هذا إذا أراد النَّصرَ بالأسبابِ، وإن أرادَ بِغَيرِ ذلك فعَلَ، فكان التعبيرُ بـ (عند) لإفهامِ ذلك [147] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/233). .
4- تخصيصُ النُّعاسِ بأنَّه مِن اللهِ تعالى في قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ مع أنَّ كلَّ نَومٍ ونُعاسٍ لا يحصُلُ إلَّا مِن قِبَل اللهِ تعالى؛ لا بُدَّ فيه مِن مَزيدِ فائدةٍ، فقيل في بيانِها: إنَّ الخائِفَ مِن عَدُوِّه خوفًا شَديدًا، لا يأخُذُه النَّومُ، فصار حصولُ النَّومِ في وَقتِ الخَوفِ الشَّديدِ دليلًا على زَوالِ الخَوفِ، وحُصولِ الأمنِ.
وفيه وجهٌ آخَرُ: أنَّهم خافوا مِن جِهاتٍ كثيرةٍ: قِلَّةِ المُسلمينَ، وكثرةِ الكُفَّارِ، وكثرةِ الأُهْبةِ والآلةِ والعُدَّةِ للكافِرينِ، والعَطَشِ الشَّديدِ، فلولا فضلُ الله ثم حصولُ النُّعاسِ، وحُصولُ الاستراحةِ حتى تمكَّنُوا في اليومِ الثَّاني من القِتالِ؛ لَمَّا تمَّ الظَّفَرُ.
وفيه وجهٌ آخَرُ: أنَّ النُّعاسَ غَشِيَهم دَفعةً واحدةً مع كَثرَتِهم، وحصولُ النُّعاسِ للجَمعِ العَظيمِ على الخَوف الشَّديدِ؛ أمرٌ خارِقٌ للعادةِ [148] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/467-468). .
5- قولُ اللهِ تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ هذا أصلُ الطَّهارةِ بالماءِ في الأحداثِ والنَّجاساتِ [149] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 134). .
6- قولُ اللهِ تعالى: وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ كلمةُ (على) تفيدُ الاستعلاءَ، فالمعنى أنَّ القلوبَ امتلأَتْ مِن ذلك الرَّبطِ، حتى كأنَّه علا عليها، وارتفَعَ فَوقَها [150] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/462). .
7- قولُ اللهِ تعالى: وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ أعاد اللَّامَ؛ إشارةً إلى أنَّه المقصِدُ الأعظَمُ، وما قبله وسيلةٌ إليه [151] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/237). .
8- قَولُه تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ توقيفٌ على أنَّ الأمرَ كُلَّه لله، وأن تكَسُّبَ المرءِ لا يُغني إذا لم يُساعِدْه القَدَرُ، وإن كان مطلوبًا بالجِدِّ، كما ظاهرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين دِرعَينِ [152] ظاهَرَ بين دِرعَينِ: أي: عاون بينهما في التحصُّنِ، فلبس واحدًا على آخَرَ ليتوقَّى بهما. والدِّرعُ: قميصٌ مِن الحَديدِ المُتشابِك كان يُلبَسُ وِقايةً مِن سلاحِ العَدُوِّ. يُنظر: ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (2/259)، ((مطالع الأنوار)) لابن قرقول (3/23)، ((معجم اللغة العربية المعاصرة)) لأحمد مختار عمر (1/739). وهذه القصَّةُ كُلُّها من قصَّةِ الكفَّارِ وغَلَبةِ المُؤمنينَ لهم، تليقُ بها مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، العِزَّةُ والحكمةُ إذا تُؤُمِّلَ ذلك [153] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/505). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين
- صيغةُ الاستقبالِ في تَسْتَغِيثُونَ لحكايةِ الحالِ الماضِيةِ؛ لاستحضارِ صُورَتِها العجيبةِ [154] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/7). .
- والسين والتاء في فَاسْتَجَابَ للمُبالغةِ في تحقيقِ المَطلوبِ [155] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/274). .
2- قَولُه تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
هو كلامٌ مُستأنَفٌ، سِيقَ لِبيانِ أنَّ الأسبابَ الظَّاهرةَ بمَعزِلٍ مِن التأثيرِ، وإنَّما التأثيرُ مختَصٌّ به عزَّ وجلَّ؛ ليَثِقَ به المؤمنونَ، ولا يقنَطُوا من النَّصرِ عند فُقدانِ أسبابِه [156] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/8). .
- وقال تعالى هنا: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وقال في آلِ عِمرانَ: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران: 126] فزاد لَكُمْ في آيةِ آلِ عِمرانَ، وقدَّمَ القُلوبَ على المجرورِ، فقال: قُلُوبُكُمْ بِهِ، وأخَّرها هنا فقال:بِهِ قُلُوبُكُمْ، واستأنَفَ تأكيدَ الإخبارَ بالصِّفَتينِ العَلِيَّتينِ هنا بـ «إِنَّ»، فقال: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ولم تَرِدَا جارِيَتينِ على اسمِ اللهِ سبحانَه كما هناك؛ حيث قال: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ؛ وذلك لِمُناسباتٍ حَسنةٍ، بيانُها على النَّحوِ التَّالي:
- حَذَفَ لَكُمْ هنا؛ دفعًا لِتَكريرِ لَفظِه؛ لِسَبقِ كَلمةِ لَكُمْ قَريبًا في قَولِه: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ، فعَلِمَ السَّامِعُ أنَّ البُشرى لهم، فأغنَت لَكُمْ الأولى بِلَفظِها ومعناها، عَن ذِكرِ لَكُمْ مرَّةً ثانيةً؛ ولأنَّ آيةَ آلِ عِمرانَ سِيقَت مَساقَ الامتنانِ والتَّذكيرِ بِنِعمةِ النَّصرِ في حينِ القِلَّةِ والضَّعفِ، فكان تقييدُ بُشْرَى بأنَّها لأجْلِهم، زيادةً في المنَّةِ، أي: جعلَ الله ذلك بُشرَى لأَجْلِكم. وأمَّا آيةُ الأنفالِ هنا، فهي مَسوقةٌ مَساقَ العِتابِ على كراهِيَةِ الخُروجِ إلى بَدرٍ في أوَّلِ الأمرِ، وعلى اختيارِ أن تكونَ الطَّائِفةُ التي تُلاقيهم غيرَ ذاتِ الشَّوكةِ، فجَرَّدَ بُشْرَى عن أن يُعَلَّقَ به لَكُمْ؛ إذ كانت البُشرى للنَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَن لم يتردَّدوا مِن المُسلِمينَ.
- تقديمُ المجرورِ هنا في قَولِه: بِهِ قُلُوبُكُمْ وهو يفيدُ الاختصاصَ، فيكونُ المعنى: ولتطمئِنَّ به قلوبُكم، لا بِغَيرِه، وفي هذا الاختصاصِ تعريضٌ بما اعتَرَاهم مِن الوَجَلِ مِن الطَّائفةِ ذاتِ الشَّوكةِ، وقناعَتِهم بغَنْمِ العُروضِ التي كانت مع العِيرِ.
- أمَّا قولُه: الْعَزيزِ الْحَكِيمِ في صيغةِ النَّعتِ في آلِ عِمرانَ، وجَعْلُهما هنا في صيغةِ الخَبَرِ المؤكَّدِ؛ إذ قال: إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكِيمٌ فَلِأنَّه نَزَّلَ المُخاطَبينَ- هنا- مَنزلةَ مَن يتردَّدُ في أنَّه تعالى مَوصوفٌ بهاتينِ الصِّفَتينِ: وهما العِزَّةُ- المقتَضِيةُ أنَّه إذا وعد بالنَّصرِ لم يُعجِزْه شَيءٌ- والحكمةُ: فما يَصدُرُ مِن جانِبِه يجِبُ غَوْصُ الأفهامِ في تَبَيُّنِ مُقتضاه، فكيف لا يهتدونَ إلى أنَّ اللهَ لَمَّا وعَدَهم الظَّفَرَ بإحدى الطَّائِفَتينِ، وقد فاتَتْهم العِيرُ، أنَّ ذلك آيِلٌ إلى الوَعدِ بالظَّفَرِ بالنَّفيرِ [157] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/276-277). ويُنظر ما تقدَّم في تفسيرِ سورةِ آل عمرانَ من هذا التفسير المحرَّر (2/492). .
- وجملةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مُستأنفةٌ استئنافًا ابتدائيًّا، جُعِلَت كالإخبارِ بما ليس بمعلومٍ لهم، وهي تعليلٌ لِما قَبلَها مُتضَمِّنٌ للإشعارِ بأنَّ النَّصرَ الواقِعَ على الوَجهِ المذكورِ، مِن مقتَضياتِ الحِكَمِ البالغةِ [158] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/9)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/277). .
3- قولُه تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ
- قوله: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ صيغةُ المُضارِعِ في يُغَشِّيكُمُ لاستحضارِ الحالةِ [159] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/278). .
- قولُه: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً إسنادُ هذا الإنزالِ إلى اللهِ تعالى؛ للتَّنبيهِ على أنَّه أكرَمَهم به؛ وذلك لِكَونِه نزَلَ في وقتِ احتياجِهم إلى الماءِ [160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/279). .