موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (64-66)

ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ

غريب الكلمات:


حَرِّضِ: أي: حُضَّ، وحُثَّ، والتَّحريضُ: الحثُّ على الشَّيءِ، وتَسهيلُ الخَطبِ فيه؛ كأنَّه في الأصلِ إزالةُ الحَرَضِ: وهو ما لا يُعتَدُّ به، ولا خيرَ فيه [900] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/261)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 190)، ((المفردات)) للراغب (ص: 228)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 177). .
يَفْقَهُونَ: أي: يَفْهَمونَ حَقَّ الفَهْمِ، والفِقهُ: هو التوصُّلُ إلى عِلمٍ غائبٍ بعِلمٍ شاهِدٍ. وأصلُ (فقه) يدلُّ على إدراكِ الشَّيءِ، والعِلمِ به [901] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 505)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/238)، ((المفردات)) للراغب (ص: 115)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: حَسْبُكَ اللَّهُ مُبتدأٌ وخَبَرٌ. وَمَنِ اسمٌ موصولٌ، وفي إعرابِه أوجهٌ؛ أحدها: أن يكونَ في محلِّ جرٍّ، عطفًا على الكافِ في حَسْبُكَ مِن العَطفِ على الضَّميرِ المَجرورِ، دونَ إعادةِ الجارِّ، وهو جائزٌ. أي: اللهُ وَحدَه كافيك، وكافي أتباعِك. الثاني: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ، عطفًا على محلِّ الكافِ؛ لأنَّ الكافَ مخفوضٌ في محلِّ نَصبٍ؛ فإنَّ (حَسْبَكَ) في معنى «كافِيك»، أي: اللهُ يكفيكَ، ويكفي مَنِ اتَّبعَك. والثالث: أن يكونَ في محلِّ رفْعٍ، مبتدأً، والخبَرُ محذوفٌ، أي: ومَن اتَّبعَك من المؤمنينَ فحسبُهُم اللهُ أيضًا، فيكونُ مِن بابِ عَطفِ الجُمَلِ [902]  يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/319). ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/631)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/632-634). ((إعراب القرآن)) للدعَّاس (1/437-438). وأمَّا القَولُ بأنَّ (مَنْ) في محلِّ رفعٍ، عَطفًا على اسمِ الجَلالةِ اللَّهُ؛ فغَلَطٌ مِن حيثُ المعنى؛ إذ يصيرُ المعنى: حَسْبُك اللهُ والمُؤمنونَ؛ وذلك لأنَّ الحَسْبَ والكفايةَ لِلَّهِ وَحدَه، فهو كافي نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكافي كذلك مَن اتَّبَعَه من المؤمنينَ؛ والآياتُ القُرآنيَّةُ تدُلُّ على تعيينِ هذا المعنى، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة: 59]، فجعَلَ الإيتاءَ للَّه ورَسولِه، وجَعَلَ الحَسْبَ له وَحدَه، فلم يَقُل: (وقالوا حَسْبُنا اللهُ ورَسولُه)، بل جعَلَ الحَسْبَ مُختَصًّا به تعالى. وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36] فخصَّ الكِفايةَ التي هي الحَسْبُ به وَحدَه، وتمَدَّحَ تعالى بذلك في قَولِه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3، وقال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 62] ففَرَّقَ بين الحَسْبِ والتَّأييدِ، فجعل الحَسْبَ له وَحدَه، وجعَلَ التأييدَ له بِنَصرِه وبعِبادِه، وأثنى اللهُ سُبحانه على أهلِ التَّوحيدِ والتوَكُّلِ مِن عِبادِه؛ حيث أفرَدُوه بالحَسْبِ، فقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173]. ولم يقولوا: (حَسْبُنا اللهُ ورَسولُه)، فإذا كان هذا قَولَهم، ومَدَحَ الرَّبُّ تعالى لهم بذلك، فكيف يقولُ لِرَسولِه: (اللهُ وأتباعُك حَسْبُك)، وأتباعُه قد أفرَدُوا الرَّبَّ تعالى بالحَسْبِ، ولم يُشْرِكوا بينه وبين رسولِه فيه، فإذا لم يَجُزْ أن يكونَ اللهُ ورَسولُه حَسْبَ المُؤمِنِ، كيف يكونُ المؤمنونَ مع اللهِ حَسْبًا لِرَسولِه. هذا مِن أمْحَلِ المُحالِ، وأبطَلِ الباطِلِ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/107-108)، ((منهاج السنة النبوية)) له أيضًا (7/205)، ((زاد المعاد)) لابن القيِّم (1/37، 38)، ((أضواء البيان)) للشِّنقيطي (2/104). .

المعنى الإجمالي:


يُخاطِبُ اللهُ نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائلًا له: يا أيُّها النبيُّ، اللهُ- وَحْدَه- هو كافيك وكافي أتباعِك مِن المُؤمِنينَ.
يا أيُّها النبيُّ، حُثَّ المؤمنينَ على القِتالِ حثًّا شديدًا، فلْيَصبِروا عند لِقاءِ العَدُوِّ، ولْيَثبُتوا في قِتالِهم، فإنَّهم إن يوجدْ منهم عشرونَ رجلًا صابرونَ، يغلِبُوا مِئتينِ مِن الكافرينَ، وإن يُوجدْ منهم مئةٌ يغلِبوا ألفًا منهم، وذلك بسببِ أنَّ هؤلاء الكافرينَ قومٌ جهلةٌ بثوابِ الله، وما أعدَّ للمجاهدينَ في سبيلِه.
ثمَّ نسخ الله ذلك الحُكمَ الذي تقدَّمَ؛ تخفيفًا منه سبحانه، فقال: الآن خفَّفَ اللهُ عنكم- أيُّها المؤمنونَ- وعَلِمَ أنَّ فيكم مَن يَضعُفُ بَدنُه عن قتالِ عَشرةٍ مِن الكفَّارِ، فأوجَب عليكم أن يثبتَ الواحدُ منكم أمامَ اثنينِ مِن أعدائِكم بدلًا مِن عشرةٍ، معَ البشارةِ بأنَّه إن يكُن مِنكم مِئةٌ صابرةٌ، يَغلِبوا مِئتينِ، وإن يكُن منكم ألفٌ يَغلِبوا ألفينِ، بمَعونةِ الله لهم، واللهُ مع الصَّابرينَ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وعَدَ اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنَّصرِ عند مُخادَعةِ الأعداءِ؛ وَعَدَه بالنَّصرِ والظَّفَرِ في هذه الآيةِ مُطلقًا [903] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/503). .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64).
أي: يا أيُّها النبيُّ، اللهُ- وَحدَه- هو كافيك، وكافي مَنِ اتَّبَعَك مِن المؤمنينَ، ما يُهِمُّكم من أمورِ الدِّينِ والدُّنيا والآخرةِ، ومن ذلك تأييدُكم ونَصرُكم على أعدائِكم، وإن كَثُروا، وقَلَّ عَدَدُكم [904] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/259)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (26/158)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/37)، ((تفسير ابن كثير)) (4/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 325)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/169، 170). .
كما قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 129].
وقال سُبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((حَسْبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، قالها إبراهيمُ عليه السَّلامُ حين ألقِيَ في النَّارِ، وقالها محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173])) [905] رواه البخاري (4563). .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (65).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وعَدَ اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالكفايةِ والنَّصرِ، وكان ذلك مشروطًا بالاجتهادِ بحسبِ الطاقةِ، وبذلِ النَّفسِ والمالِ في المُجاهدةِ؛ أمرَه بأن يأمرَهم بالجدِّ في القتالِ، وعدمِ الهيبةِ للأبطالِ، في حالٍ مِن الأحوالِ، فليس عليه إلا أن يُحَرِّضَ المؤمنينَ على القتالِ؛ فإنه تعالى إنَّما يكفيه [906] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/503-504)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/320). .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ.
أي: يا أيُّها النبيُّ، حُثَّ أتباعَك المؤمنينَ حثًّا شديدًا على قتالِ الأعداءِ؛ ففي قتالِهم خَيرٌ في الدُّنيا والآخرةِ [907] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/261)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/423)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/168)، ((تفسير ابن عطية)) (2/549)، ((تفسير القرطبي)) (8/44)، ((تفسير ابن كثير)) (4/86)، ((تفسير الشوكاني)) (2/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 325)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/174). .
كما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216].
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((انطلَقَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه حتى سبَقُوا المُشرِكينَ إلى بدرٍ، وجاء المُشرِكونَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قُوموا إلى جنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرضُ، يقولُ عُميرُ بنُ الحُمَامِ الأنصاريُّ: يا رسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُها السَّمواتُ والأرضُ؟! قال: نعم، قال: بَخٍ بَخٍ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما يَحمِلُك على قَولِك: بَخٍ بَخٍ؟! قال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إلَّا رَجاءةَ [908] (رجاءة) بالمدِّ ونصبِ التاءِ، ومعناه: واللهِ ما فعلتُه لشيءٍ إلا لرجاءِ أن أكونَ مِن أهلِها. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (13/45). أن أكونَ مِن أهْلِها، قال: فإنِّك مِن أهْلِها، فأخرَجَ تَمَراتٍ مِن قَرَنِه [909]  قَرَنِه: أي: جَعبة السِّهام، تُصنعُ مِن جلدٍ. يُنظر: ((مطالع الأنوار)) لابن قرقول (5/347). ، فجعَلَ يأكُلُ مِنهنَّ، ثم قال: لَئِنْ أنا حَيِيتُ حتى آكُلَ تَمَراتي هذه، إنَّها لحياةٌ طَويلةٌ. قال: فرمى بما كان معه مِن التَّمرِ، ثم قاتَلَهم حتى قُتِلَ )) [910] رواه مسلم (1901). .
إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ.
النَّاسِخُ والمَنسوخُ:
هذه الآيةُ مَنسوخةٌ، وناسِخُها الآيةُ التي بَعدَها، وهي قَولُه تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [911] قال ابن كثير: (عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: لَمَّا نزَلَت هذه الآيةُ ثَقُلت على المسلمينَ، وأعظَموا أن يُقاتِلَ عِشرونَ مِئَتينِ، ومئةٌ ألفًا، فخَفَّفَ اللهُ عنهم، فنسَخَها بالآيةِ الأخرى، فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا... الآية، فكانوا إذا كانوا على الشَّطرِ مِن عَدُوٍّ لهم لم ينبَغِ لهم أن يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجِبْ عليهم قتالُهم، وجاز لهم أن يتحَوَّزوا عنهم... قال ابنُ أبي حاتم: ورُويَ عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحوُ ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (4/87). وممَّن ذهَب مِن المفسِّرين إلى أنَّها منسوخةٌ: ابنُ جريرٍ، وابنُ عطيةَ، وابنُ كثيرٍ، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/269)، ((تفسير ابن عطية)) (2/550)، ((تفسير ابن كثير)) (4/87)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/448). .
عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (لَمَّا نزَلَت: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ شقَّ ذلك على المُسلمين، حين فُرِضَ عليهم ألَّا يفِرَّ واحدٌ مِن عَشرةٍ، فجاء التَّخفيفُ فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فلمَّا خفَّفَ اللهُ عنهم من العِدَّةِ، نقَصَ مِن الصَّبرِ بِقَدرِ ما خَفَّف عنهم) [912] رواه البخاري (4653). .
إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ.
أي: إن يكُنْ منكم- أيُّها المؤمنونَ- عِشرونَ رَجُلًا، صابرونَ عندَ لِقاءِ العَدُوِّ، محتسِبونَ، ثابِتونَ، يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ من عدوِّهم ويقهرُوهم، وإن يكُن منكم- أيُّها المؤمنونَ- مِئةٌ صابرةٌ محتسبةٌ ثابتةٌ يغلبوا ألفًا مِن الكافرينَ [913] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/261، 268)، ((البسيط)) للواحدي (10/245)، ((تفسير البغوي)) (2/308)، ((تفسير الرازي)) (15/504)، ((تفسير ابن كثير)) (4/87)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326). وهذه الآيةُ وإن ورَدت بصيغةِ الخبرِ إلَّا أنَّ المرادَ بها الأمرُ بالصبرِ، وثباتِ الجماعةِ منهم لعشرةِ أمثالِهم، وممَّن ذهَب إلى ذلك: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والبغويُّ، والرازي، وابن ُكثيرٍ، والسَّعديُّ. يُنظر: المصادر السابقة. قال ابنُ الجوزيِّ: (ومعنى الكلامِ: إن يكُن منكم عِشرونَ صابِرونَ يَثبُتونَ عند اللِّقاءِ، يَغلِبوا مِئَتين؛ لأنَّ المؤمنينَ يَحتَسِبونَ أفعالَهم، وأهل الشِّرك يُقاتِلون على غير احتسابٍ، ولا طلبِ ثَوابٍ). ((زاد المسير)) (2/223). .
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ.
أي: يَغلِبُ المؤمنونَ الصَّابرونَ الكافرينَ الأكثَرَ منهم عددًا؛ بسَبَبِ أنَّ الكافرينَ قَومٌ لا يفهمونَ عن الله شيئًا، ولا فقهَ عندَهم، ولا يرجونَ ثوابَ الله في قتالِهم، فلا علمَ عندهم بما أعدَّ الله للمجاهدينَ في سبيلِه؛ لذا لا يَثبُتون في القتالِ خَشيةَ أن يُقتَلوا [914] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/261، 262)، ((تفسير البغوي)) (2/308)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/175، 176). .
الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66).
الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا.
أي: الآنَ [915] قال ابنُ عاشور: (والوقتُ المُستحضَرُ بِقَولِه: الْآنَ هو زمنُ نُزولِها... فمعنى قَولِه: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ أنَّ التَّخفيفَ المُناسِبَ لِيُسرِ هذا الدِّينِ رُوعِيَ في هذا الوقتِ، ولم يُراعَ قَبلَه لمانعٍ منَعَ مِن مُراعاتِه، فرجَحَ إصلاحُ مَجموعِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (10/70). خفَّفَ اللهُ عنكم- أيُّها المؤمنونَ- ما أوجَبَه عليكم مِن مُصابَرةِ العِشرينَ المِئَتينِ، ومُصابرةِ المِئةِ الألفَ، وقد عَلِمَ اللهُ من قبلُ أنَّ فيكم مَن يَضعُفُ بَدَنُه عن قتالِ عَشرةٍ مِن الكافرينَ [916] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/262)، ((تفسير البغوي)) (2/308)، ((تفسير الرازي)) (15/506)، ((تفسير النسفي)) (1/655)، ((تفسير أبي السعود)) (4/35)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/70). .
فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ.
أي: فإنْ يكُن منكم- أيُّها المؤمنونَ- مِئةٌ، صابرةٌ، ثابتةٌ عندَ القتالِ، يغلبوا مِئَتين من الكافرينَ، وإن يكُنْ منكم ألفٌ صابرونَ كذلك، يغلِبوا ألفينِ مِن الكافرينَ بمعونةِ الله تعالى لهم [917] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/262)، ((البسيط)) للواحدي (10/247)، ((تفسير البغوي)) (2/308)، ((تفسير السعدي)) (ص: 326). .
وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
أي: واللهُ يُؤيِّدُ الصَّابرينَ، وينصُرُهم ويُعينُهم ويُوفِّقُهم [918] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/262)، ((تفسير الرازي)) (15/507)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/177). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هذا وعدٌ مِن الله لعبادِه المؤمنينَ المتَّبِعينَ لِرَسولِه، بالكفايةِ والنُّصرةِ على الأعداءِ، فإذا أتَوْا بالسَّبَبِ الذي هو الإيمانُ والاتِّباعُ، فلا بدَّ أن يكفِيَهم ما أهمَّهم من أمورِ الدِّينِ والدُّنيا، وإنَّما تتخلَّفُ الكفايةُ بتخَلُّفِ شَرْطِها [919] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:325). .
2- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ يدُلُّ على أنَّ مِن شأنِ المُؤمنينَ أن يكونوا أعلَمَ مِن الكافرينَ، وأفقَهَ بكُلِّ عِلمٍ وفَنٍّ يتعلَّقُ بحياةِ البَشَرِ، وارتقاءِ الأُمَم [920] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/67). .
3- قَولُ الله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ... وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه الحثُّ على الصَّبرِ [921] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 325). .
4- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه تحذيرٌ لِلمُؤمنينَ مِن الغُرورِ بِدينِهم؛ لِئلَّا يَظُنُّوا أنَّ الإيمانَ وَحدَه يقتضي النَّصرَ والغَلَبَ، وإن لم يَقتَرِنْ بصفاتِه اللَّازمةِ لِكَمالِه، ومن أعظَمِها الصَّبرُ والفِقه [922] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/71). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ولم يَقلُ: (معكم)؛ ليُفيدَ أنَّ مَعونَته إنَّما تُمِدُّهم إذا صار الصَّبرُ وصفًا لازمًا لهم [923] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/69). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ليس هذا تكريرًا لِما قَبلَه؛ فإنَّ الأوَّلَ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ مُقيَّدٌ بإرادةِ الخَدْعِ، فهذه كفايةٌ خاصَّةٌ، وفي قَولِه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ كفايةٌ عامَّةٌ غيرُ مُقيَّدةٍ، أي: حسْبُك اللهُ في كلِّ حالٍ [924] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/42)، ((تفسير الشوكاني)) (2/369). .
2- قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ صَابِرُونَ أي: عُرِفوا بالصَّبرِ، والمَقدِرةِ عليه، وذلك باستيفاءِ ما يقتَضيه مِن أحوالِ الجَسدِ، وأحوالِ النَّفسِ، وفيه إيماءٌ إلى توخِّي انتقاءِ الجَيشِ، فيكونُ قيدًا للتَّحريضِ، أي: حَرِّضِ المؤمنينَ الصَّابرينَ الذين لا يَتَزلزَلونَ، فالمقصودُ ألَّا يكونَ فيهم مَن هو ضَعيفُ النَّفسِ، فيفشَلَ الجَيشُ [925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/67). .
3- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ إلى قوله سبحانه: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ تهوينٌ لِشأنِ الكُفَّارِ في القتالِ- الذي هو مُقتضى تلك الصِّفاتِ والأحوالِ- بِجَعلِ المؤمنينَ المُستَكمِلي صِفاتِ الإيمانِ يَغلِبونَ ضِعفَيهم إلى عَشرةِ أضعافِهم مِن الكُفَّارِ [926] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/121). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ذُكِرَ في جانِبِ جَيشِ المُسلمينَ في المرَّتَينِ عددُ العِشرينَ وعَددُ المِئة، وفي جانبِ جيشِ المُشركينَ عَددُ المِئَتين وعددُ الألفِ؛ إيماءً إلى قِلَّةِ جيشِ المُسلمينَ في ذاتِه، مع الإيماءِ إلى أنَّ ثَباتَهم لا يختَلِفُ باختلافِ حالةِ عَددِهم في أنفُسِهم؛ فإنَّ العادةَ أنَّ زيادةَ عددِ الجَيشِ تقَوِّي نفوسَ أهلِه، ولو مع كونِ نِسبةِ عَددِهم من عددِ عَدُوِّهم غيرَ مُختلفةٍ، فجعَلَ اللهُ الإيمانَ قُوَّةً لنفوسِ المُسلمينَ، تَدفَعُ عنهم وَهَنَ استشعارِ قِلَّةِ عَددِ جَيشِهم في ذاتِه [927] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/67). .
5- قَولُ الله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اختيارُ لَفظِ العِشرينَ للتَّعبيرِ عن مرتبةِ العَشَراتِ دونَ لَفظِ العشرةِ. قيل إنَّ وَجهَه: أنَّ لَفظَ العِشرينَ أسعَدُ بتقابُلِ السَّكَناتِ في أواخِرِ الكَلِم؛ لأنَّ لِلَفْظةِ مِئَتينِ من المناسَبةِ بِسَكَناتِ كَلِماتِ الفَواصِلِ من السورة؛ ولذلك ذَكَرَ المئةَ مع الألْفِ؛ لأنَّ بَعْدَها ذِكرَ مُمَيِّزِ العَددِ بألفاظٍ تُناسِبُ سكَناتِ الفاصلةِ، وهو قَولُه: لَا يَفْقَهُونَ، فتعَيَّنَ هذا اللَّفظُ؛ قَضاءً لحقِّ الفَصاحةِ [928] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/67). . وقيل فيه وجهٌ آخر: أنَّه ابتُدئَ في العشراتِ بثاني عُقودِها، وفي المئاتِ والآلاف بأوَّلِها؛ لأنَّ الأصلَ الابتداءُ بأوَّلِ العُقودِ، لكِنْ لو قيلَ: (إنْ يكنْ منكم عَشرةٌ صابرةٌ يغلبوا مئةً) لربَّما تُوُهِّمَ أنَّه لا تجبُ مصابرةُ الواحِدِ للعَشرةِ إلَّا عند بلوغِ المؤمنينَ هذا العَقدَ، فعَدَلَ إلى الابتداءِ بثاني عقودِ هذه المرتبةِ؛ لينتفِيَ هذا المحذورُ، فلمَّا انتفَى، وعُلِمَ أنَّه يجِبُ مُصابرةُ كُلِّ واحدٍ لِعَشرةٍ، ذَكَرَ باقيَ المراتِبِ في الباقي، على الأصلِ المُعتادِ [929] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/328). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ فيه أنَّ الكُفرَ سَببٌ في انتفاءِ الفَقاهةِ؛ فالكُفرُ مِن شَأنِه إنكارُ ما ليس بمَحسوسٍ، فصاحِبُه ينشأُ على إهمالِ النَّظَرِ، وعلى تعطيلِ حَركاتِ فِكرِه، فهم لا يُؤمِنونَ إلَّا بالأسبابِ الظَّاهريَّةِ، فيحسَبونَ أنَّ كَثرَتَهم تُوجِبُ لهم النَّصرَ على الأقلِّينَ؛ ولأنَّهم لا يُؤمِنونَ بما بعد الموتِ مِن نعيمٍ وعذابٍ، فهم يَخشَونَ الموتَ، فإذا قاتلوا ما يُقاتِلونَ إلَّا في الحالةِ التي يكونُ نَصرُهم فيها أرجَحَ، والمؤمنونَ يُعوِّلونَ على نصرِ الله، ويَثْبُتونَ للعدُوِّ رجاءَ إعلاءِ كَلمةِ الله، ولا يَهابُونَ الموتَ في سبيلِ الله؛ لأنَّهم مُوقِنونَ بالحياةِ الأبَديَّةِ المُسِرَّةِ بعد الموتِ [930] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/68). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ نصَّ تعالى على سبَبِ الغَلَبةِ، بأنَّ الكُفَّار قومٌ لا يَفقهونَ، والمعنى أنَّهم قومٌ جَهَلةٌ؛ يُقاتِلونَ على غيرِ احتسابٍ، وطلبِ ثوابٍ، كالبهائمِ، فتُفَلُّ نِيَّاتُهم، ويَعدَمونَ لِجَهلِهم باللهِ نُصرتَه، فهو تعالى يخذُلُهم، وذلك بخلافِ مَن يُقاتِلُ على بصيرةٍ، وهو موعودٌ مِن اللهِ بالنَّصرِ والغَلَبةِ [931] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/350). .
8- قوله: بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ فيه سِرٌّ لطيفٌ عَظيمٌ، وتعليمٌ سماويٌّ هائلٌ، يَفهَمُ به المسلمونَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ من الأساسيَّاتِ للاستعدادِ للمَيدانِ هو الفِقْهُ والفَهْمُ عن الله، فيَجِبُ كُلَّ الوجُوبِ أن يُعلَّمَ العَسْكَريُّونَ عَنِ اللهِ حَتَّى يَفْقَهُوا؛ لأنهم إذا كانوا فَاهِمِين عَنِ الله، عارفين بِنُبْلِ المَبْدَأ الذي يُقاتِلونَ عليه؛ كانوا شُجَعانًا وصابِرينَ، لا يَرجِعونَ القَهقَرَى، ولا يُهزَمونَ، كما سَجَّلَهُ التاريخُ لأوائِلِ هذه الأمَّةِ. وإن كانوا لا يَفقَهونَ عن الله شيئًا، جَهَلةً كالأنعامِ، لا مبدأَ لهم يُقاتِلونَ عليه، فهم ليسُوا بأساسٍ، ولا مُعَوَّلَ عليهم، يُهزَمونَ مع كلِّ ناعقٍ، كما بيَّنَتْه هذه الآيةُ العظيمةُ الكريمةُ مِن سورةِ الأنفالِ [932] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/176). .
9- قَولُ الله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وقَولُه: وَعِلَمَ أَنَّ فيِكُمْ ضَعْفًا دَلالةٌ على أنَّ ثَباتَ الواحدِ مِن المُسلمينَ للعَشرةِ مِن المشركينَ، كان وجوبًا وعزيمةً، وليس نَدبًا، خلافًا لِما نُقِلَ عن بعضِ العُلَماءِ؛ لأنَّ المندوبَ لا يَثقُلُ على المكَلَّفينَ، ولأنَّ إبطالَ مشروعيَّةِ المندوبِ لا يُسمَّى تَخفيفًا، ثمَّ إذا أُبطِلَ النَّدبُ لَزِمَ أن يصيرَ ثَباتُ الواحِدِ للعَشرةِ مُباحًا، مع أنَّه تعريضُ الأنفُسِ للتَّهلُكةِ [933] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/70). .
10- قَولُ الله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه وجوبُ مُصابَرةِ الضِّعفِ مِن العَدُوِّ، وتحريمُ الفِرارِ، ما لم يَزِدْ عدَدُ الكُفَّارِ مِثلَيْنا [934] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:136-137). .
11- قَولُ الله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه الرَّدُّ على مَن اعتبَرَ الكَثرةَ في السِّلاحِ والقُوَّةِ، دونَ العَددِ [935] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 136-137). .
12- قَولُ اللهِ تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه الرَّدُّ على مَن منعَ نَسخَ الأثقَلِ بالأخَفِّ [936] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 136-137). .
13- قَولُ الله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَصفُ المئةِ في آيةِ التَّخفيفِ بالصَّابرةِ؛ لأنَّ الصَّبرَ شَرطٌ لا بُدَّ منه في كُلِّ حالٍ وكلِّ عددٍ، مع عَدمِ وَصفِ المئةِ في الأولى؛ لِئلَّا يُتوَهَّمَ أنَّه شَرطٌ في العددِ القَليلِ كالعِشرينَ، دونَ الكثيرِ كالمِئةِ والألفِ، ولم يَذكُرْه في الألْفِ استغناءً بما قَبلَه [937] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/71). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ فيه تَصديرُ الجُملةِ بحَرْفي النِّداءِ والتَّنبيهِ يَا أَيُّهَا؛ للتَّنبيهِ على مَزيدِ الاعتِناءِ بمَضمونِها، وإيرادُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعُنوانِ النبوَّةِ؛ للإشعارِ بعِلِّيَّتها للحُكم [938] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/33). .
2- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
- قولُه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ فيه تَكريرُ الخِطابِ على الوَجهِ المذكورِ؛ لإظهارِ كَمالِ الاعتناءِ بشَأنِ المأمورِ به [939] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/34). .
- وجملةُ: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ مُستأنفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ ولذلك فُصِلتْ، ولم تُعطَفْ على التي قَبْلها [940] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/66). ، وفيها وَعْدٌ كريمٌ منه تعالى بتَغليبِ كلِّ جماعةٍ من المؤمنِينَ على عَشرةِ أَمْثالِهم بطريقِ الاستئنافِ بَعدَ الأمرِ بتَحريضِهم [941] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/34). .
- قَولُ الله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هذا أمرٌ في صُورةِ الخَبَرِ، وفي إتيانِه بِلَفظِ الخَبَرِ نكتةٌ بديعةٌ، لا تُوجَدُ فيه إذا كان بِلَفظِ الأمرِ، وهي تقويةُ قُلوبِ المؤمنينَ، والبِشارةُ بأنَّهم سيَغلِبونَ الكافِرينَ [942] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:325). .
- قَولُ الله تعالى: بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ إجراءُ نَفيِ الفَقاهةِ صِفةً لـ قَوْمٌ دونَ أن يُجعَلَ خبرًا، فيقال: (ذلك بأنَّهم لا يَفقَهونَ)؛ لِقَصدِ إفادةِ أنَّ عدَمَ الفَقاهةِ صِفةٌ ثابتةٌ لهم، ومِن مقوِّماتِ قومِيَّتِهم وخصائِصِها؛ لِئلَّا يُتوهَّمَ أنَّ نَفيَ الفقاهةِ عنهم في خُصوصِ هذا الشَّأنِ [943] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/68). .
3- قَولُه تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
- قوله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ فيه ذِكْرُ الصَّبر في أُولَى جُمْلَتي التَّخفيفِ فقط، وحذْفُه من الثَّانيةِ لدَلالةِ السَّابقةِ عليه؛ وذلِك لأنَّ الصبرَ شديدُ المطلوبيَّةِ [944] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/349). .
- قَولُ الله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ أُعيدَ وَصفُ مِئةِ المُسلمين بـ صَابِرَةٌ؛ لأنَّ المقامَ يقتضي التَّنويهَ بالاتِّصافِ بالثَّباتِ، ولم تُوصَفْ مِئةُ الكُفَّارِ بالكُفرِ، وبأنَّهم قومٌ لا يفقهونَ؛ لأنَّه قد عُلِمَ، ولا مُقتضِيَ لإعادَتِه [945] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/71). .
- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ إِذنُ اللهِ حاصِلٌ في كِلتا الحالَتينِ: المَنسوخةِ والنَّاسِخةِ، وإنَّما صرَّحَ به هنا، دونَ ما سبَقَ؛ لأنَّ غَلَبَ الواحدِ لِلعَشرةِ أظهَرُ في الخَرقِ للعادةِ، فيُعلَمُ بَدءًا أنَّه بإذنِ اللهِ، وأمَّا غلَبُ الواحِدِ الاثنينِ، فقد يُحسَبُ ناشِئًا عن قوَّةِ أجسادِ المُسلِمينَ، فنبَّهَ على أنَّه بِإِذْنِ اللَّهِ؛ لِيُعلَمَ أنَّه مُطَّرِدٌ في سائِرِ الأحوالِ [946] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/72). .
- قولُه: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ اعتراضٌ تَذييليٌّ مُقرِّرٌ لمضمونِ ما قَبْله [947] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/35). ، والخِتامُ به مُبالغةٌ في شِدَّة المطلوبيَّةِ للصَّبرِ [948] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/349). .
- وفي الآيتَينِ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حَيثُ كُرِّر المعنى الواحدُ- وهو مقاومةُ الجماعةِ لأَكْثَر منها- مرَّتينِ؛ قَبلَ التخفيفِ وبَعدَه؛ للدَّلالةِ على أنَّ الحالَ مع القِلَّةِ والكثرةِ واحدةٌ لا تتفاوتُ؛ لأنَّ الحالَ قد تتفاوتُ بين مُقاومةِ العِشرين المِئتين والمِئةِ الألْفَ، وكذلك بين مُقاومةِ المئةِ المئتَينِ والألفِ الألفينِ [949] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/235). .