موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (58-60)

ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ

غريب الكلمات:


يَلْمِزُكَ: أي: يَعيبُك، ويطعَنُ عليك، وأصلُ (لمز): يدلُّ على العَيْبِ [973] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 188)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 509)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/209)، ((المفردات)) للراغب (ص: 747)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 140)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 226). .
الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: قومٌ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتألَّفُهم على الإسلامِ بما يُعطيهم، وأصلُ (ألف): يدلُّ على انضمامِ الشَّيءِ إلى الشَّيءِ [974] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 189)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 368)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/131)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 141)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 226). .
الْغَارِمِينَ: أي: الذينَ لَزِمَهم الدَّينُ، فلا يَجِدونَ القَضاءَ، والغُرْمُ: ما ينوبُ الإنسانَ في مالِه مِن ضَررٍ، لِغَيرِ جِنايةٍ منه، أو خِيانةٍ، وأصلُ (غرم): يدلُّ على المُلازَمةِ [975] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 189)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 368)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/419)، ((المفردات)) للراغب (ص: 606)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 141)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 226). .
وَابْنِ السَّبِيلِ: أي: المُنقَطِعِ بالطَّريقِ يُريد بلدًا آخَرَ، وأصلُ (سبل): يدلُّ على امتدادِ شَيءٍ [976] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 173)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 395)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 26). .

المعنى الإجمالي:


ومِن المُنافِقينَ مَن يَعيبُك- يا مُحمَّدُ- في قِسمَتِك لأموالِ الزَّكاةِ لِمُستَحقِّيها، فإنْ أُعطُوا منها مِقدارَ ما يُريدونَ، رَضُوا وسَكَتوا عنك، وإنْ لم يُعطَوا ما يُرضِيهم، غَضِبوا عليك وعابُوك، ولو أنَّهم رَضُوا بما أعطاهم اللهُ، وقَسَمَه لهم رَسُولُه، وقالوا: حَسْبُنا اللهُ، سيُعطينا اللهُ مِن فَضْلِه، وسيَقْسِمُ لنا رسولُه، إنَّا نرغَبُ إلى اللهَ وَحدَه في أن يُوسِّعَ علينا، ويُغنِيَنا من فَضْلِه- لكان خيرًا لهم في دينِهم ودُنياهم.
إنَّما أموالُ الزَّكاةِ مُستحَقَّةٌ للفُقراءِ، والمساكينِ، والعاملينِ عليها- الذين يَجمَعونَها ويُوزِّعونَها على مُستَحقِّيها- ولِمَن يُرادُ تأليفُ قُلوبِهم على الإسلامِ، وفي عِتقِ الرَّقيقِ، والمدِينينَ، وفي الإنفاقِ لِنُصرةِ دِينِ اللهِ تعالى، وللمُسافِرِ المجتازِ مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ليس معه ما يستعينُ به على سفرِه، فريضةً مِن اللهِ، واللهُ عليمٌ حكيمٌ.

تفسير الآيات:


وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّها شَرحٌ لِنَوعٍ آخَرَ مِن قبائِحِ المُنافِقينَ وفَضائِحِهم، وهو طَعْنُهم في الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ بسبَبِ أخْذِ الصَّدَقاتِ مِن الأغنياءِ، ويقولونَ: إنَّه يُؤثِرُ بها مَن يَشاءُ مِن أقارِبِه وأهلِ مَودَّتِه، ويَنسُبونَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أنَّه لا يُراعي العَدلَ [977] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/75). .
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ.
أي: ومِن المُنافِقينَ مَن يَعيبُك ويتَّهِمُك وينتقِدُكَ- يا محمَّدُ- طاعِنًا على قِسمَتِك، وتَوزيعِك أموالَ الزَّكاةِ على مُستحِقِّيها [978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/505)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/456)، ((تفسير ابن عطية)) (3/46، 47)، ((تفسير ابن كثير)) (4/164)، ((تفسير القاسمي)) (5/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 340)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/232)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/583). .
عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((بَيْنا نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقسِمُ قَسمًا، أتاه ذو الخُوَيصِرةِ، وهو رجلٌ مِن بني تميمٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، اعدِلْ، قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَيلَك! ومَن يَعدِلُ إنْ لم أعدِلْ؟! قد خِبْتَ وخِسرْتَ إنْ لم أعدِلْ، فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنه: يا رسولَ اللهِ، ائذَنْ لي فيه أضرِبْ عُنُقَه، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: دَعْه؛ فإنَّ له أصحابًا يَحقِرُ أحدُكم صَلاتَه مع صَلاتِهم، وصِيامَه مع صِيامِهم، يَقرَؤونَ القُرآنَ، لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم [979] التَّراقي: جمع تَرْقُوَة: وهي عظمٌ واصِلٌ ما بين ثغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ. قيل المراد: لا يُرفَعُ إلى الله منه شيءٌ؛ لعِلمِه باعتقادِهم. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/232). وقيل: معناه أنَّ قومًا ليس حظُّهم مِن القرآنِ إلا مرورُه على اللسانِ فلا يجاوزُ تراقيَهم ليصلَ قلوبَهم، وليس ذلك هو المطلوبَ، بل المطلوب تعقلُه وتدبرُه بوقوعِه في القلبِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (6/105). وقيل: لا يعملونَ بالقُرآنِ فلا يُثابونَ على قِراءته فلا يحصلُ لهم إِلَّا سَرْدُه. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (12/293). ويُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا علي القاري (9/3797). ؛ يَمرُقونَ مِن الإسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّميَّةِ [980] الرميَّة: ما يُرمى مِن الصَّيدِ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/232). ، يُنظَرُ إلى نَصْلِه [981] النَّصلُ: حديدةُ السَّهمِ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (6/58). ، فلا يوجَدُ فيه شيءٌ، ثم يُنظَرُ إلى رِصافِه [982] الرِّصافُ: هي العَقِبُ التي تكونُ فوقَ مَدخَلِ النَّصلِ في السَّهمِ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/232). فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنظَرُ إلى نَضِيِّه [983] النَّضِيُّ: عودُ السَّهمِ قبل أن يُرَيَّشَ ويُنَصَّل، سُمِّيَ به لكثرة البَرْيِ والنَّحتِ، كأنَّه جُعل نِضْوًا، أي: هَزيلًا. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/232). فلا يوجَدُ فيه شيءٌ- وهو القِدْحُ- ثم يُنظَرُ إلى قُذَذِه [984] قُذَذِه: جَمعُ قُذَّةٍ، وهي الرِّيشُ الذي على السَّهمِ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/233). فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ [985] الفَرْثُ: ما يَجتَمِعُ في الكَرِش، أي: مرَّ سريعًا في الرَّميَّة وخرَجَ منها، لم يتعلَّقْ منها بشيءٍ مِن فَرْثِها ودَمِها؛ لِسُرعتِه، شَبَّه بذلك خُروجَهم من الدِّينِ، ولم يحصلوا منه على شَيءٍ أَلبتَّةَ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/233). ، آيَتُهم رجلٌ أسوَدُ، إحدى عَضُدَيه مثلُ ثَدْيِ المرأةِ، أو مِثلُ البَضعةِ تتَدردَرُ [986] تَتَدردَرُ: أي: تتحَرَّكُ وتجيءُ وتذهَبُ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/233). ، يَخرجونَ على حينِ فُرقةٍ مِن النَّاسِ. قال أبو سعيدٍ: فأشهَدُ أنِّي سمِعْتُ هذا مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأشهَدُ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه قاتَلَهم وأنا معه، فأمر بذلك الرَّجُلِ، فالتُمِسَ فوُجِدَ، فأُتيَ به حتى نَظَرْتُ إليه، على نَعْتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي نَعَتَ! )) [987] رواه البخاري (6933)، ومسلم (1064) واللفظ له. وفي رواية البخاري زيادة: (قال: فنزَلَت فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). قال ابن تيمية: (رواه البخاري وغيرُه من حديث مَعمَر عن الزهري، وأخرجاه في الصحيحين من وجوهٍ أخرى عن الزهري عن أبي سَلَمة والضحاك الهمداني عن أبي سعيد.. وذكرَ حديثَ الخوارج المشهورَ، ولم يذكرْ نزول الآية .. الذي في رواية معمر- أنَّ آية الصدقات نزلت في قصَّة ذي الخويصرة- ليس بجيدٍ، بل هو مُدْرَجٌ في الحديث من كلام الزُّهري أو كلام مَعمَر؛ لأن ذا الخويصرة إنما أنكرَ عليه قَسمَ الغنائمِ، وليست هي الصَّدَقات التي جعلها الله لثمانيةِ أصنافٍ، ولا الْتفاتَ إلى ما ذكَره بعضُ المفسِّرين من أنَّ الآية نزلت في قَسمِ غنائِمِ حُنَينٍ، وإمَّا أن يكونَ المعترضُ في ذُهَيبةِ عليٍّ رضي الله عنه هو ذو الخويصرة أيضًا، وعلى هذا فتكونُ أحاديثُ أبي سعيد كلُّها في هذه القصَّة، لا في قَسمِ الغنائم، وتكونُ الآية قد نزلت في ذلك، أو يكون قد شهد القصَّتين معًا، والآيةُ نزلت في إحداهما). ((الصارم المسلول)) (ص: 227، 231). ويُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/421)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/581، 582). وقال ابنُ حجر: (لم أقِفْ على الزيادة إلَّا في رواية مَعمَر... وله شاهدٌ من حديث ابن مسعود قال: ((لَمَّا قَسَم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غنائم حُنَينٍ، سَمِعْتُ رجلًا يقول: إنَّ هذه القِسمةَ ما أُريدَ بها وجهُ الله! قال: فنَزَلَت: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)). أخرجه ابن مردويه، وقد تقدَّم في غزوة حُنين بدون هذه الزيادة، ووقع في رواية عتبة بن وساج عن عبد الله بن عمر ما يؤيِّد هذه الزيادة: ((فجعل يقسِمُ بين أصحابِه، ورجلٌ جالِسٌ فلم يُعطِه شيئًا، فقال: يا محمَّدُ، ما أراك تَعدِلُ!)) وفي رواية أبي الوَضِي عن أبي بَرْزةَ نحوُه، فدلَّ على أنَّ الحامِلَ للقائل على ما قال من الكلامِ الجافي، وأقدَمَ عليه من الخطاب السيئِ؛ كونُه لم يُعطَ من تلك العطيَّةِ، وأنَّه لو أعطِيَ لم يقُلْ شيئًا من ذلك). ((فتح الباري)) (12/298). وقال محمد رشيد رضا: (الآيةُ نصٌّ في قِسمةِ الصَّدَقاتِ، فجَعلُ الغنائِمِ سَببًا لِنُزولِها، من جملةِ تساهُلِهم فيما يُسمُّونَه أسبابَ النُّزولِ). ((تفسير المنار)) (10/421). وقال الشنقيطي: (ذكرَ كثيرٌ من أهل العلم أنَّ هذه الآيةَ نزلت في حرقوص بن زهير ذي الخُوَيصرة التميميِّ، رأسِ المنافقين. قالوا: وجَدَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقسِمُ مالًا، فقال: يا نبيَّ اللهِ، اعدِلْ؛ فإنَّك لم تعدِلْ- قبَّحَه الله- وقِصةُ ذي الخويصرة معروفةٌ ثابتة في الصَّحيح، ولكنَّ الذي يظهَرُ أنَّ هذه الآيةَ ليست نازلةً فيه، وإن زَعَمَ كثيرٌ مِن كُبَراء المفسِّرين أنَّها نازلة في ذي الخُوَيصرة، وإنَّما قلنا: إنَّ الأظهَرَ أنَّها نازلةٌ في غيره؛ لأنَّ المعروف أنَّ القِسمةَ التي قال فيها حرقوص بن زهير التميمي المعروف بذي الخُويصرة؛ أصلُ الخَوارجِ- قبَّحَه وقبَّحَهم اللهُ- أنَّ ذلك في قَسمِ النبيِّ لِغَنائمِ حُنَينٍ، قال ذلك فيه، وهذه الآيةُ يصرِّحُ الله فيها بأنَّهم لَمَزوه في قَسمِ الصَّدَقات- وهي الزَّكواتُ- والصَّدقاتُ غيرُ الغَنائمِ، فالأظهَرُ أنَّ الأصوبَ فيها هو ما قالَه ابنُ جُرَيجٍ (رحمه الله) وغيرُه: أنَّها نزلت في رجلٍ مِن الأنصارِ مِن المنافقينَ حضر النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقسِمُ مالًا من الصَّدقاتِ، فقال: يا نبيَّ الله، اعدِلْ فإنَّك لم تعدِلْ- قبَّحَه الله- فنَزَلت هذه الآيةُ فيه). ((العذب النمير)) (5/581-582). .
فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ.
أي: فإنْ أعْطَيتَ المُنافِقينَ- يا مُحمَّدُ- من الصَّدَقاتِ قَدْرَ ما يرُيدونَ، رَضُوا وسَكَتوا عنك [988] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/506)، ((تفسير الألوسي)) (5/309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/583). .
وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ.
أي: وإنْ لم تُعطِ المُنافِقينَ- يا مُحمَّدُ- ما يُرضيهم مِن الصَّدَقاتِ، غَضِبوا عليك، وعابُوك [989] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/506)، ((تفسير ابن كثير)) (4/164)، ((تفسير الشوكاني)) (2/424)، ((تفسير الألوسي)) (5/309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/583). !
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ (59).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أخبَرَ الله تعالى عن حالِ المُنافِقينَ السَّيئِ الدَّنيءِ، الذي لا يُجدِيهم في الدُّنيا، ويُهلِكُهم في الأُخرى- نَبَّهَهم على ما هو الأصلَحُ لهم؛ مِن الحالِ الشَّريفِ السَّنِيِّ، فقال تعالى [990] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/503). :
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ.
أي: ولو أنَّ أولئك المُنافِقينَ قَنَعوا بما أعْطاهم اللهُ، وقَسَمَه لهم رَسولُه [991] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/508)، ((البسيط)) للواحدي (10/501)، ((تفسير ابن عطية)) (3/47)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/269)، ((تفسير أبي حيان)) (5/439)، ((تفسير الألوسي)) (5/310)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/233)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/585). .
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ.
أي: ولو أن المُنافِقين قالوا: كافِينا اللهُ وَحدَه [992] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/508)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/585). .
سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ.
أي: سيُعطينا اللهُ مِن فَضلِه العَظيمِ، وسيَقسِمُ لنا رسولُه الكريمُ [993] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/508)، ((تفسير الشوكاني)) (2/424)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/421)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/585). قال محمد رشيد رضا: (سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِه ورَسُولُهُ أي: سيُعطينا اللهُ مِن فَضلِه في المستقبَلِ مِن الغنائِمِ والكَسبِ؛ لأنَّ فَضلَه دائِمٌ لا ينقطِعُ، ويُعطينا رسولُه ممَّا يَرِدُ عليه من الغنائِمِ والصَّدَقات زيادةً ممَّا أعطانا من قبلُ، لا يَبخَسُ أحدًا منَّا حقًّا يستحِقُّه في شَرعِ الله تعالى). ((تفسير المنار)) (10/421). .
إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ.
أي: وقالوا: إنَّا نرغَبُ إلى اللهِ تعالى وَحدَه، ونتضَرَّعُ إليه دونَ مَن سِواه، أن يُغنِيَنا مِن فَضْلِه، ويَرزُقَنا في الدُّنيا والآخرةِ، لو أنَّهم فعلوا ذلك لكان خيرًا لهم في دينِهم ودُنياهم [994] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/508)، ((تفسير البغوي)) (2/359)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/429)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/38)، ((تفسير الشوكاني)) (2/424)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/234)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/585). .
عن أبي وائلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه، أنَّ مُكاتَبًا جاءه، فقال: ((إنِّي قد عَجَزتُ عن مُكاتَبَتي فأعِنِّي، قال: ألَا أُعَلِّمُك كَلِماتٍ عَلَّمَنيهنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لو كان عليك مِثلُ جَبلِ صِيرٍ دَينًا، أدَّاه اللهُ عنك؟! قل: اللهُمَّ اكفِنِي بحلالِك عن حَرامِك، وأغنِني بفَضلِك عمَّن سِواك )) [995] أخرجه الترمذي (3563 )، وأحمد (1319 )، والطبراني في ((الدعاء)) (1042 )، والحاكم في ((المستدرك)) (1973). قال الترمذيُّ في ((السنن))، وابنُ حجرٍ، كما في ((الفتوحات الربانية)) لابن علان (4/29): حسنٌ غريبٌ، وحسَّنه الألبانيُّ في ((صحيح الترمذي)) (3563). .
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر اللَّهُ تَعالَى اعْتِراضَ المنافِقينَ الجهلَةِ على النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، ولَمْزَهم إيَّاه في قَسْمِ الصَّدقاتِ، بَيَّنَ تعالَى أنَّه هو الَّذي قَسَمها وبَيَّنَ حُكْمَها، وتَوَلَّى أمرَها بنَفْسِه، ولم يَكِلْ قَسْمَها إِلى أحدٍ غيرِه، فجَزَّأَها لهؤلاء المذكورينَ [996] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/165)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (16/77). .
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ.
أي: إنَّما أموالُ الزَّكاةِ مُستحَقَّةٌ للفُقَراءِ وللمساكينِ [997] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/509، 514)، ((تفسير الزمخشري)) (2/282)، ((تفسير ابن عطية)) (3/48)، ((تفسير الرازي)) (16/85)، ((تفسير ابن كثير)) (4/165)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/235). قال الرازي: (الآيةُ تدُلُّ على أنَّه لا حَقَّ في الصَّدَقاتِ لأحَدٍ إلَّا لهذه الأصنافِ الثَّمانيةِ، وذلك مُجمَعٌ عليه، وأيضًا فلفظةُ إِنَّمَا تفيدُ الحَصرَ). ((تفسير الرازي)) (16/80). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/568)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/587). قال الشنقيطي: (والعلماءُ مختلفونَ في الفقيرِ والمسكينِ أيُّهما أسوأُ حالًا؟ فذَهَبَ جماعةٌ من فقهاءِ الأمصارِ وأهلِ اللغةِ إلى أن الفقيرَ أسوأُ حالًا من المسكينِ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ رحمه الله، وروايةٌ قويةٌ عن أحمدَ رحمه الله، وبه قال جماعةٌ من السلفِ، أنَّ الفقيرَ أحوجُ من المسكينِ. وقالت طائفةٌ: إنَّ المسكينَ أحوجُ من الفقيرِ، وهو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، ومذهبُ أبي حنيفةَ). ((العذب النمير)) (5/588). ويُنظر: ((الأموال)) لابن زنجويه (3/1138)، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 510)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/221، 222)، ((تفسير الماوردي)) (2/374، 375)، ((البسيط)) للواحدي (10/509)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/523)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/269، 270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/235). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ليس المِسكينُ الذي يطوفُ على النَّاسِ تَرُدُّه اللُّقمةُ واللُّقمَتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ، ولكِنِ المِسكينُ الذي لا يَجِدُ غِنًى يُغنيه، ولا يُفطَنُ به فيُتصَدَّقُ عليه، ولا يقومُ فيَسألُ النَّاسَ )) [998] رواه البخاري (1479) واللفظ له، ومسلم (1039). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغَنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ )) [999] لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ: هو القَويُّ صحيحُ الأعضاءِ، تامُّ الخِلقةِ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (2/511). [1000] أخرجه النسائي (2597)، وابن ماجه (1839)، وأحمد (9061 )، وابن حبان (3290). صحَّحه ابنُ كثير ((تفسير القرآن)) (7/419)، وابنُ الملقنِ في ((البدر المنير)) (7/362)، والألبانيُّ في ((صحيح ابن ماجه)) (1501)، وحسَّن إسنادَه ابنُ حجرٍ في ((التلخيص الحبير)) (3/1106). .
وعن عُبيدِ الله بن عَدِيِّ بنِ الخِيارِ، ((أنَّ رَجُلَينِ أخبَراه أنَّهما أتيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسألانِه مِن الصَّدقةِ، فقلَّبَ فيهما البَصَرَ، ورآهما جَلْدَينِ، فقال: إن شِئتُما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغَنيٍّ، ولا لِقَويٍّ مُكتَسِبٍ )) [1001] أخرجه أبو داود (1633)، والنسائي (2598)، وأحمد (17972 )، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (2722). قال الإمامُ أحمدُ كما في ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (3/1105): ما أجوَدَه مِن حديثٍ، وصحَّحه النووي في ((المجموع)) (6/189)، وابنُ الملقنِ في ((البدر المنير)) (7/361)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (1633). وقال ابنُ جرير: (المُكتَسِبُ المتَعَذِّرُ عليه الكَسبُ: حَلالٌ له الصَّدَقةُ إذا تعذَّر عليه الكَسبُ، وإن كان مِن صِفتِه أنَّه قادِرٌ على الكَسبِ إذا وَجَده). ((تهذيب الآثار)) (ص: 418). وقال الخطابي: (فيه أنَّه لم يُعتبَرْ في منعِ الزَّكاةِ ظاهِرُ القوَّةِ والجَلَد، دون أن يُضمَّ إليه الكَسبُ؛ فقد يكون من النَّاسِ مَن يَرجِعُ إلى قُوَّةِ بَدَنِه، ويكون مع ذلك أخرَقَ اليَدِ لا يعتَمِل، فمن كان هذا سبيلَه لم يُمنَع من الصَّدَقةِ بدلالةِ الحَديثِ). ((معالم السنن)) (2/62). .
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا.
أي: ولِلعامِلينَ على الزَّكاةِ، الذين يَجمَعونَها ممَن وجَبَت عليهم، ويُوزِّعونَها على مُستحِقِّيها [1002] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/516، 518)، ((أحكام القرآن)) للطحاوي (1/365)، ((تفسير ابن عطية)) (3/49)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/167)، ((تفسير الألوسي)) (5/311)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/426)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/589). قال ابن تيمية: (العامِلُ على الصَّدَقةِ الغَنِيُّ؛ له أن يأخُذَ بعِمالَتِه، باتِّفاقِ المُسلِمينَ). ((منهاج السنة النبوية)) (6/251). وقال ابن عاشور: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا معناه: العامِلونَ لأجلِها، أي: لأجْلِ الصَّدَقاتِ، فحَرفُ (على) للتَّعليلِ، كما في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة: 185]، أي: لأجْلِ هِدايَتِه إيَّاكم. ومعنى العَمَل: السَّعيُ والخِدمةُ)) (10/235). وقال السعدي: (العامِلونَ على الزكاة: وهم كلُّ مَن له عَمَلٌ وشُغُلٌ فيها: مِن حافظٍ لها، أو جابٍ لها مِن أهلِها، أو راعٍ، أو حامِلٍ لها، أو كاتبٍ، أو نحوِ ذلك، فيُعطَونَ لأجلِ عِمالَتِهم، وهي أجرةٌ لأعمالِهم فيها). ((تفسير السعدي)) (ص: 341). وقال ابن جرير: (وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ من قال: يُعطَى العامِلُ عليها- على قَدرِ عِمالَتِه- أجرَ مِثلِه). ((تفسير ابن جرير)) (11/518). وقال ابنُ العربي: (اختلفَ النَّاسُ في المقدارِ الذي يأخُذُه العامِلونَ مِن الصدقةِ... والصَّحيحُ الاجتهادُ في قَدْرِه؛ لأنَّ البيانَ في تعديدِ الأصنافِ إنَّما كان للمَحَلِّ لا للمُستَحَقِّ). ((أحكام القرآن)) (2/525). وقال الشنقيطي: (وأظهرُ الأقوالِ: أنَّه لا يتقدَّرُ فيه شيءٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا بِقَدرِ أُجرتِهم). ((العذب النمير)) (5/589). .
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.
أي: ولِمَن يُرادُ تأليفُ قُلوبِهم على الإسلامِ [1003] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/519)، ((تفسير ابن عطية)) (3/49)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/236)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/589). قال ابن كثير: (وأمَّا المؤلَّفةُ قُلوبُهم فأقسامٌ: منهم من يُعطى ليُسلِمَ، كما أعطى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صفوانَ بنَ أميَّةَ من غنائم حُنَين، وقد كان شَهِدَها مُشرِكًا. قال: فلم يزَلْ يُعطيني حتى صار أحبَّ النَّاسِ إليَّ بعد أن كان أبغَضَ النَّاسِ إليَّ... ومنهم من يُعطى لِيَحسُنَ إسلامُه، ويَثبُتَ قَلبُه، كما أعطى يومَ حنينٍ أيضًا جماعةً من صناديدِ الطُّلَقاء وأشرافِهم: مائةً مِن الإبل، مائةً مِن الإبل... ومنهم من يُعطى لِما يُرجى من إسلامِ نُظَرائه، ومنهم من يُعطى لِيَجبيَ الصَّدَقاتِ ممَّن يليه، أو لِيَدفَعَ عن حَوزةِ المُسلِمين الضَّررَ مِن أطرافِ البلادِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/167). ويُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/426، 427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341). وقال ابن عاشور: (قال كثيرٌ مِن العُلَماءِ: هم باقون إذا وُجِدوا؛ فإنَّ الإمام ربَّما احتاج إلى أن يستألِفَ على الإسلامِ، وبه قال الزُّهري، وعمرُ بنُ عبد العزيز، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، واختاره عبدُ الوهابِ، وابنُ العربي، مِن المالكية. قال ابنُ العربي: الصَّحيحُ عندي أنَّه إن قَوِيَ الإسلامُ زالوا، وإن احتِيجَ إليهم أُعطُوا. أي: فهو يرى بقاءَ هذا المَصرِف، ويرى أنَّ عدَمَ إعطائِهم في زمَنِ عُمَرَ؛ لأجلِ عِزَّةِ الإسلامِ، وهذا هو الذي صحَّحه المتأخِّرونَ، قال ابنُ الحاجبِ في «المختصر»: والصَّحيحُ بقاءُ حُكمِهم إن احتِيجَ إليهم. وهذا الذي لا ينبغي تقَلُّدُ غَيرِه). ((تفسير ابن عاشور)) (10/239). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/523)، ((تفسير الرازي)) (16/86). .
عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((بَعث عليٌّ رَضِيَ الله عنه وهو باليمَنِ بذَهَبةٍ في تُربَتِها إلى رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقَسَمَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين أربعةِ نَفَرٍ: الأقرَعِ بنِ حابسٍ الحَنظليِّ، وعُيَينةَ بنِ بَدرٍ الفَزاريِّ، وعَلقمةَ بنِ عُلاثةَ العامريِّ، وزيدِ الخيرِ الطَّائيِّ، فغَضِبَت قريشٌ، فقالوا: أتُعطي صناديدَ نَجدٍ وتَدَعُنا؟! فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي إنَّما فعَلْتُ ذلك؛ لِأتَألَّفَهم )) [1004] رواه البخاري (7432)، ومسلم (1064) واللفظ له. .
وعن أنسٍ رَضِيَ الله عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنِّي أُعطِي قُريشًا أتألَّفُهم؛ لأنَّهم حديثُ عَهدٍ بجاهليَّةٍ )) [1005] رواه البخاري (3146) واللفظ له، ومسلم (1059). .
وَفِي الرِّقَابِ.
أي: وفي عِتقِ الرَّقيقِ، فيُشترى العبيدُ والإماءُ مِن الزكاةِ ويُحرَّرونَ، ويُعانُ المُكاتَبونَ على أداءِ مالِ المُكاتَبةِ، ويُفتَدى الأَسرى [1006] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/523- 524)، ((البسيط)) للواحدي (10/512)، ((تفسير القرطبي)) (8/182)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/168)، ((تفسير الشوكاني)) (2/425، 426)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/236، 237). ذهَب ابنُ تيميَّةَ إلى أنَّ هذا القَولَ هو أقوَى الأقوالِ، أي أنَّ سَهمَ وَفِي الرِّقَابِ يدخُلُ فيه إعانةُ المُكاتَبينَ، وافتداءُ الأسرى وعِتقُ الرِّقابِ. واختاره السَّعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/236-237). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلف: ابنُ عبَّاس، والحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/168) وذهب ابنُ جريرٍ إلى أنَّ المرادَ بالرِّقابِ هنا: المُكاتَبون، ونسَبَ ذلك إلى الجُمهورِ، وممَّن اختاره الواحدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/523- 524)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 469). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلف مقاتلٌ، والحسنُ، والزُّهري، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، والنخعيُّ، وابنُ زيدٍ، ورُوي عن أبي موسَى الأشعريِّ نحوُه. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (6/1823)، ((تفسير ابن كثير)) (4/168). قال الشوكاني: (والأَوْلى حملُ ما في الآيةِ على القَولينِ جَميعًا؛ لصِدقِ الرِّقابِ على شِراءِ العَبدِ وإعتاقِه، وعلى إعانةِ المُكاتَبِ على مالِ الكِتابةِ). ((تفسير الشوكاني)) (2/426). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: 33].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من أعتَقَ رَقَبةً مُسلِمةً، أعتَقَ اللهُ بكُلِّ عُضوٍ منه عُضوًا مِن النَّارِ، حتى فَرْجَه بِفَرْجِه)) [1007] رواه البخاري (6715) واللفظ له، ومسلم (1509). .
وعن البَراءِ بن عازبٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، عَلِّمْني عمَلًا يُدخِلُني الجنَّةَ، فقال: لَئِن كنتَ أقصَرْتَ الخُطبةَ، لقد أعرَضْتَ المسألةَ! أعتِقِ النَّسَمةَ، وفُكَّ الرَّقبةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أولَيسَتا بواحدةٍ؟! قال: لا؛ إنَّ عِتقَ النَّسَمةِ أن تَفَرَّدَ بعِتقِها، وفكَّ الرَّقبةِ أن تُعينَ في عِتقِها)) [1008] أخرجه أحمد (18647)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (69)، وابن حبان (374)، والدارقطني (2055). صححه ابن حجر في ((فتح الباري)) (5/174)، والألباني في ((صحيح الموارد)) (1017)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (141). .
 وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَونُهم: المجاهِدُ في سبيلِ اللهِ، والمُكاتَبُ الذي يُريدُ الأداءَ، والنَّاكِحُ الذي يريدُ العَفافَ)) [1009] أخرجه الترمذي (1655)، والنَّسائي (3120)، وابن ماجه (2518)، وأحمد (7416)، وابن حبان (4030). حسَّنه الترمذي، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (1655)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في ((تحقيق المسند)) (13/149)، وجوَّد إسنادَه ابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (765). .
وَالْغَارِمِينَ.
أي: والمَدِينينَ الذين استَدانُوا في غيرِ مَعصيةٍ، وليس لديهم ما يُوَفُّونَ به دينَهم، أو تحمَّلوا مالًا للإصلاحِ بين النَّاس، فيُعطَونَ مِن الزَّكاةِ [1010] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/525)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/456)، ((أحكام القرآن)) للطحاوي (1/367)، ((تفسير ابن عطية)) (3/50)، ((تفسير القرطبي)) (8/183)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/168)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/237). قال الطحاوي: (وَالْغَارِمِينَ فهم المَدِينونَ، لا اختلافَ في ذلك بين أهلِ العِلمِ عَلِمْناه). ((أحكام القرآن)) (1/367). وقال القرطبي: (وَالْغَارِمِينَ هم الذين رَكِبَهم الدَّينُ، ولا وفاءَ عِندَهم به، ولا خلافَ فيه. اللهمَّ إلَّا مَن ادَّان في سفاهةٍ، فإنَّه لا يُعطَى منها، ولا مِن غيرها، إلَّا أن يتوبَ). ((تفسير القرطبي)) (8/183). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274). .
عن قَبيصةَ بنِ مُخارِقٍ الهِلاليِّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((تحمَّلْتُ حَمالةً [1011] الحمالةُ: أن يُصلِحَ الرجلُ بَين قومٍ قد اقتَتَلوا، وسُفِكَت بينهم دِمَاءٌ، وَيحْتَمِلُ دِيَاتِ المقتولينَ؛ رغبةً في سكونِ الفِتنةِ. يُنظر: ((كشف المُشكِل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (4/239). ، فأتيتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسألُه فيها، فقال: أقِمْ حتى تأتِيَنا الصَّدَقةُ، فنأمُرَ لك بها، قال: يا قَبيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأحدِ ثَلاثةٍ: رَجُلٍ تحمَّلَ حَمالةً، فحَلَّت له المسألةُ حتى يُصيبَها، ثم يُمسِك، ورجلٍ أصابَتْه جائِحةٌ [1012] آفةٌ وحادِثةٌ أهلَكَت مالَه. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (2/512). اجتاحَتْ مالَه، فحَلَّت له المسألةُ حتى يصيبَ قِوامًا مِن عَيشٍ- أو قال: سِدادًا مِن عَيشٍ [1013] القِوامُ والسِّدادُ: بمعنًى واحدٍ، وهو ما يُغني مِن الشَّيءِ، وما تُسَدُّ به الحاجةُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/133). -، ورجُلٍ أصابَتْه فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ مِن ذَوي الحِجَا مِن قَومِه: لقد أصابَتْ فلانًا فاقةٌ، فحَلَّت له المسألةُ حتى يصيبَ قِوامًا مِن عَيشٍ- أو قال: سِدادًا مِن عيشٍ- فما سواهُنَّ مِن المسألةِ يا قَبيصةُ، سُحتًا يأكُلُها صاحِبُها، سُحتًا)) [1014] رواه مسلم (1044). .
وَفِي سَبِيلِ اللّهِ.
أي: وفي النَّفَقةِ لنُصرةِ دِينِ اللهِ، فيُعطَى المُجاهِدونَ مِن الزَّكاةِ ما يُعينُهم على قِتالِ الكُفَّارِ [1015] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/527)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/456)، ((البسيط)) للواحدي (10/515)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/169)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/237، 240). قال الواحدي: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: الغُزاةَ والمُرابِطينَ، عند عامَّةِ المفسِّرين). ((البسيط)) (10/515). وقال ابن عاشور: (وسبيلُ اللهِ: الجِهادُ، أي: يُصرَفُ من أموال الصَّدَقاتِ ما تُقامُ به وسائِلُ الجِهادِ؛ من آلاتٍ وحراسة في الثغور، كل ذلك برًّا وبحرًا... الحقُّ أنَّ سبيل الله يشمَلُ شراءَ العُدَّةِ للجهاد من سلاحٍ، وخيلٍ، ومراكِبَ بحريةٍ، ونوتيةٍ، ومجانيقَ، وللحملانِ، ولبناءِ الحصون، وحَفْرِ الخنادق، وللجواسيسِ الذين يأتونَ بأخبارِ العدُوِّ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/237، 240). وذهب ابن تيمية وابن كثير إلى أنَّ الحَجَّ مِن سبيلِ اللهِ، فيدخُلُ في هذا السَّهمِ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (28/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/169). ومِن الفُقَهاءِ مَن أدخَلَ التفَرُّغَ لِطَلَبِ العِلمِ في سبيلِ الله. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 341). .
وَابْنِ السَّبِيلِ.
أي: وللمُسافِرِ، المجتازِ مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ليس معه ما يستعينُ به على سفرِه، فيُعطَى مِن الزَّكاةِ ما يَستعينُ به على سَفَرِه [1016] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/529)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/169)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/240). قال الطحاوي: (هم الغائِبونَ عن أموالِهم، الذين لا يَصِلون إليها؛ لبُعدِ المسافة بينهم وبينها، حتى تلحَقَهم الحاجةُ إلى الصَّدَقةِ، فالصَّدَقةُ لهم حينئذٍ مُباحة، وهم في حكمِ الفُقَراء الذين لا أموالَ لهم، حتى يَصِلوا إلى أموالهم، وهذا ممَّا لا اختلافَ فيه بين أهلِ العِلمِ). ((أحكام القرآن)) (1/371). وقال ابن عاشور: (وأمَّا ابنُ السبيلِ، فلم يُختَلَف في الغريبِ المحتاجِ في بلدِ غُربَتِه: أنَّه مُرادٌ، ولو وجَدَ مَن يُسلِفُه؛ إذ ليس يلزَمُه أن يُدخِلَ نَفسَه تحت مِنَّةٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/240). وقال الشنقيطي: (أجمع العُلَماءُ على أنَّ ابنَ السَّبيلِ إذا كان مُسافِرًا في معصيةٍ، لا يجوزُ أن يُعطى مِن الزكاةِ شَيئًا؛ لأنَّه إعانةٌ له على مَعصيتِه، واللهُ يقول: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: آية 2] وإن كان سَفَرُه في قُربةٍ، فلا خلافَ في أنَّه يُعطى. وإن كان في مُباحٍ فقد اختلف العُلَماءُ في ذلك، فقالوا: لا يُعطى؛ لأنَّ المُباحَ لا يَلزَم. وقال بعضُ العلماء: يُعطى؛ لأنَّ السَّفَر المباحَ فيه جميعُ التَّسهيلاتِ التي في السَّفَر الواجِب، فالسَّفَرُ المباحُ تَقصُرُ فيه الصلاةُ، ويُفطِرُ فيه المُسافِر، ويُفعَلُ فيه كلُّ الترخُّصاتِ، فكذلك يعانُ صاحِبُه عليه). ((العذب النمير)) (5/597). .
كما قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء: 26].
فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ.
أي: فرَضَ اللهُ هذه الصَّدَقاتِ فريضةً على الأغنياءِ في أموالِهم، وقَسَمَها بنَفسِه لأهلِ تلك الأصنافِ، المُستَحِقِّينَ لها دونَ غَيرِهم [1017] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/530)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 469)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/271)، ((تفسير الرازي)) (16/89)، ((تفسير القرطبي)) (8/192)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/240)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/597). .
وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عليمٌ بمصالِحِ خَلْقِه، لا يخفى عليه شَيءٌ من ظواهِرِ الأمورِ وبواطِنِها، حكيمٌ في قَولِه وفِعْلِه، وفي خَلْقِه وشَرْعِه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به، ولا يَدخُلُ في تدبيرِه خَلَلٌ [1018] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/530)، ((تفسير ابن كثير)) (4/169)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/240)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/597). .

الفوائد التربوية:


قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ الآيةُ تدلُّ على أنَّ مَن طلَبَ الدُّنيا وحدَها، آلَ أمْرُه في الدِّينِ إلى النِّفاقِ، وأمَّا من طلَبَ الدُّنيا بقَدرِ ما أَذِنَ اللهُ فيه، وكان غَرَضُه من الدُّنيا أن يتوسَّلَ إلى مصالِحِ الدِّينِ، فهذا هو الطَّريقُ الحَقُّ، والأصلُ في هذا البابِ أن يكونَ راضيًا بِقَضاءِ اللهِ [1019] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/76). .
قال اللهُ تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ الآيتانِ تَهديانِ المؤمِنَ إلى القناعةِ بكَسْبِه، وما ينالُه بحَقٍّ مِن صدَقةٍ ونَحوِها، ثمَّ بأنْ يُوَجِّهَ قلبَه إلى ربِّه، ولا يرغَبَ إلَّا إليه في شَيءٍ مِن رغائِبِه التي وراءَ كَسْبِه وحُقوقِه الشَّرعيَّةِ، لا إلى الرَّسولِ، ولا إلى مَن دُونَه فضلًا وعَدلًا وقُربًا مِن اللهِ تعالى بالأَوْلى [1020] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/422). !
لا ينبغي للعَبدِ أن يكونَ رضاه وغَضَبُه، تابعًا لِهَوى نفسِه الدُّنيويِّ وغَرَضِه الفاسِدِ، بل الذي ينبغي أن يكونَ هواه تَبعًا لِمرضاةِ رَبِّه؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [1021] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:340). .
قال الله تعالى: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ فَرِضاهم لِغَيرِ اللهِ، وسَخَطُهم لغيرِ اللهِ، وهكذا حالُ مَن كان مُتعلِّقًا برئاسةٍ أو بصورةٍ ونحوِ ذلك مِن أهواءِ نَفسِه؛ إن حصَلَ له رَضِيَ، وإن لم يحصُلْ له سَخِطَ، فهذا عبدُ ما يَهواه مِن ذلك، وهو رقيقٌ له؛ إذِ الرِّقُّ والعُبوديَّةُ في الحقيقةِ، هو رِقُّ القَلبِ وعبوديَّتُه، فما استَرَقَّ القَلبَ واستعبَدَه، فهو عَبدُه [1022] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/181). .
قَولُه تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ يتضمَّنُ الأمرَ بالرِّضا والتوكُّلِ، والرِّضا والتوكُّلُ يكتَنِفانِ المَقدورَ، فالتوكُّلُ قبل وقوعِه، والرِّضا بعد وُقوعِه [1023] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/37). .
قال اللهُ تعالى: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ بيَّنَ الله تعالى أنَّ سخَطَهم ورِضاهم مَنُوطانِ بمَصلَحتِهم الخاصَّةِ؛ إذا أُعطُوا شيئًا رَضُوا وفَرِحوا، وإذا لم يُعطَوْا شيئًا غَضِبوا وسَخِطوا، وهذه ليست حالةَ مَن يريدُ وَجهَ اللهِ، ولا المصلحةَ العامَّةَ [1024] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/583). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ قال أهل المعاني: إنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على رَكاكةِ أخلاقِ المُنافقينَ ودَناءةِ طِباعِهم؛ وذلك لأنَّه لشدَّةِ شَرَهِهم إلى أخْذِ الصَّدَقاتِ عابُوا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونَسَبوه إلى الجَورِ في القِسمةِ، مع أنَّه كان أبعَدَ خَلقِ اللهِ تعالى عن المَيلِ إلى الدُّنيا [1026] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/623). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ عبَّرَ عن رضاهم بصيغةِ الماضي؛ للدَّلالةِ على أنَّه كان يكونُ لأجلِ العطاءِ في وَقتِه وينقضي، فلا يَعُدُّونَه نعمةً، يتمنَّونَ دوامَ الإسلامِ لِدَوامِها [1027] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/421). .
في قَولِه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ دلالةٌ على أنَّ كلَّ مَن لَمَزَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كان من المُنافِقينَ؛ لأنَّ (مَنْ) اسمٌ مَوصولٌ، وهو من صِيَغِ العُمومِ، والآيةُ وإنْ كانت نزَلَت بسببِ لَمْزِ قومٍ؛ فحكمُها عامٌّ كسائرِ الآياتِ اللَّواتي نزلْنَ على أسبابٍ، فهي تعُمُّ الشَّخصَ الذي نزَلَت بسبَبِه، وتعُمُّ مَن كان حالُه كحالِه، وإذا كان اللَّفظُ أعمَّ مِن السبَّبِ، فالجمهورُ على أنَّه يجِبُ الأخذُ بعمومِ القَولِ، ما لم يقُمْ دليلٌ يُوجِبُ القصرَ على السببِ، ويُقال ذلك أيضًا في قولِه تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ... فـ (الَّذِينَ) اسمٌ موصولٌ، وهو مِن صيغِ العمومِ [1028] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 33). .
قَولُ الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ دلَّت (إذا) الفُجائيَّةُ على أنَّ سَخَطَهم أمرٌ يفاجِئُ العاقِلَ حين يَشهَدُه؛ لأنَّه يكونُ في غيرِ مَظِنَّةِ سَخَطٍ، وشأنُ الأمورِ المُفاجئةِ أن تكونَ غريبةً في بابِها [1029] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/232). .
في قَولِه تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ بيانُ أنَّ اللهَ وحدَه هو الكافي؛ حيث جعل اللهُ تعالى الإيتاءَ لله ولِرَسولِه؛ وأمَّا الحَسْبُ فله وَحْدَه، فلم يقُلْ: (وقالوا حسبُنا اللهُ ورسولُه) بل جعلَه خالصَ حقِّه، كما قال تعالى: إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ولم يقُلْ: (إلى اللهِ راغبونَ وإلى رَسولِه)، بل جعَلَ الرَّغبةَ إليه وحدَه [1030] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/38). .
جعَلَ اللهُ تعالى في الآيةِ الكريمةِ: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الإيتاءَ أيضًا للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ الرَّسولَ هو الواسِطةُ بيننا وبينَ اللهِ في تبليغِ أمْرِه ونَهْيِه، وتحليلِه وتَحريمِه، ووعدِه ووعيدِه؛ فالحلالُ ما حلَّله اللهُ ورسولُه، والحرامُ ما حرَّمه اللهُ ورسولُه، والدِّينُ ما شرعَه اللهُ ورسولُه [1031] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/429). .
كان سُفيانُ بنُ عُيَينةَ يَقولُ في قَولِه عَزَّ وجَلَّ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: 41]: (نسَبَ المغنَمَ إلى نفسِه تعالى؛ لأنَّه أشرَفُ الكَسْبِ، ولم يَقُلْ ذلك في الصَّدَقةِ، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ، ولم يَقُل: لِلَّه وللفقراءِ؛ لأنَّها أوساخُ النَّاسِ، واكتسابُها مَكروهٌ إلَّا للمُضطَرِّ إليها) [1032] يُنظر: ((شرح السنة)) للبغوي (6/341). .
قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ لعلَّ السَّبَبَ في وقوعِ هذه الآيةِ في تضاعيفِ ذِكرِ المُنافِقينَ ومَكائِدِهم؛ أنَّه دلَّ بِكَونِ هذه الأوصافِ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ خاصَّةً دونَ غَيرِهم، على أنَّهم لَيسُوا منهم؛ حَسْمًا لأطماعِهم، وأنَّهم بُعَداءُ عنها وعن مصارِفِها، فما لهم ولها، وما سَلَّطَهم على الكلامِ لها ولِمَن قاسَمَها [1033] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/445-446). ؟!
قال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ التَّرتيبُ في هذه الأصنافِ؛ لبيانِ الأحَقِّ فالأحَقِّ للصَّدَقاتِ، على القاعدةِ الغالبةِ عند فُصَحاءِ العَرَبِ في تقديمِ الأهَمِّ فالأهَمِّ، على ما دُونَه في الموضوعِ، وإن كانَت الواوُ لا تفيدُ التَّرتيبَ في معطوفاتِها؛ فالفُقَراءُ والمساكينُ أحَقُّ مِن غَيرِهم بهذه الصَّدَقاتِ؛ لأنَّهم المقصودونَ بها أوَّلًا وبالذَّاتِ، بدليلِ: ((تُؤخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدُّ في فُقَرائِهم )) [1034] أخرجه البخاري (3447)، ومسلم (19) واللفظ له، من حديث معاذ رضي الله عنه. ، ويليهم العامِلونَ عليها؛ لأنَّهم هم الذين يقومونَ بِجَمعِها وحِفْظِها، ويَليهم المؤلَّفةُ قُلوبُهم عند الحاجةِ إليهم، وهم يُعطَونَ مِن الغنائِمِ أيضًا، فالحاجةُ إليهم عارِضةٌ، لا كالعاملينَ على الصَّدَقاتِ، ويليهم مصلحةُ فَكِّ الرِّقابِ والعِتقِ، وهي مِن المصالِحِ الاجتماعيَّةِ الكماليَّةِ لا الضَّروريَّةِ؛ فإنَّ تأخيرَها لا يُرهِقُ مُعْوِزًا كالفَقيرِ، ولا يُضَيِّعُ مصلحةً تشَتَدُّ الحاجةُ إليها، كتأليفِ القُلوبِ، ويليها مُساعَدةُ الغارمِ على الخُروجِ مِن غُرمِه؛ فهو دونَ مُساعَدةِ الرَّقيقِ على الخُروجِ مِن رِقِّه، ويليهم المصلحةُ العامَّةُ المعَبَّرُ عنها بسبيل اللهِ [1035] وذلك بناءً على رأيه في المرادِ بقولِه تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، فقد قال: (والتحقيقُ : أنَّ (سبيل الله) هنا: مصالحُ المسلمينَ العامةُ، التي بها قوامُ أمرِ الدينِ والدولةِ دونَ الأفرادِ). ((تفسير المنار)) (10/435). وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى الخلافِ في معناها. ، فهي من قبيلِ العامِّ الذي يُرادُ به ما وراءَ ذلك الخاصِّ ممَّا قَبلَها، الذي تكثُرُ الحاجةُ إليه، وأمَّا ابنُ السَّبيلِ فهو دونَ جَميعِ ما قَبلَه؛ لِنُدرةِ وُجودِه [1036] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/437). .
قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إنَّما قَدَّمَ الفُقَراءَ هاهنا؛ لأنَّهم أحوَجُ مِن البقيَّةِ على المشهورِ، لِشدَّةِ فاقَتِهم وحاجَتِهم [1037] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/165). .
قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ فيه بيانُ مَصرِفِ الزَّكاةِ، وأنَّها لهذه الثَّمانِيةِ، لا يستحِقُّها غَيرُهم [1038] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:141). .
قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ استدَلَّ بعمومِه مَن جَوَّزَ نقْلَ الصَّدَقةِ [1039] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:141). .
قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ دلَّ على أنَّ هذه الزكاةَ يتولَّى أخْذَها وتَفرِقَتَها الإمامُ، ومَن يلي مِن قِبَلِه، والدَّليلُ عليه أنَّ الله تعالى جعَلَ للعامِلينَ سَهمًا فيها، وذلك يدلُّ على أنَّه لا بدَّ في أداء هذه الزَّكواتِ مِن عامِلٍ، والعامِلُ هو الذي نصَبَه الإمامُ لأخذِ الزَّكواتِ، فدلَّ هذا النصُّ على أنَّ الإمامَ هو الذي يأخُذُ هذه الزَّكواتِ [1040] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/88). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَالْعَامِلِينَ عَلْيَهَا يدلُّ على مسألةٍ بَديعةٍ، وهي أنَّ ما كان مِن فُروضِ الكفاياتِ، فالقائِمُ به يجوزُ له أخذُ الأُجرةِ عليه [1041] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/524). ، فيجوزُ أخْذُ الأجرةِ لكُلِّ مَن اشتغَلَ بشيءٍ مِن أعمالِ المُسلِمينَ، وأيضًا جوازُ أخْذِ القُضاةِ الرِّزقَ [1042] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 142). .
قَولُ الله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ استدَلَّ بعمومِه مَن قال: يُعطَونَ مع الغِنى، ومَن قال: يُصرَفُ منه في كلِّ ما يتعلَّقُ بالجهادِ؛ مِن مُصالحةِ عَدُوٍّ، وبناءِ حِصنٍ، وحَفرِ خَندقٍ، واتِّخاذِ سلاحٍ وعُدَدٍ، وإعطاءِ جواسِيسَ لنا، ولو كانوا نَصارى [1043] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 143). .
قَولُ الله تعالى: وَابْنِ السَّبِيلِ استدَلَّ بعُمومِه من قال: يُعطى، وإن كان له مالٌ ببَلَدِه [1044] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 142). .
استُدلَّ بقولِه تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ على أنَّ هذه الأصنافَ مواضعُ للصدقاتِ؛ لا أنَّهم مشتركونَ فيها؛ حتى يكونَ توزيعُها على جميعِهم فرضًا لا يُجْزِئُ غيرُه، أَلَا تراه سبحانه يقولُ: وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فغَيَّرَ لفظَ النسقِ والعطفِ على لامِ (الفقراء)؛ وليس يُعْرَفُ في معنى الاشتراكِ أنْ يقالَ: (هذا لفلانٍ وفلانٍ، وفي كذا). ومما يزيدُه تأكيدًا قولُه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ فأخبر أنَّ هؤلاء اللَّامِزينَ ليسوا موضعًا للصدقةِ؛ ولكنَّ مواضعَها كذا وكذا- واللهُ أعلم- فقال: إنَّما الصدقاتُ هذه مواضعُها [1045] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/543). .

بلاغة الآيات:


قَولُه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
قولُه: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ فيه مَجيءٌ جوابِ هَذينِ الشَّرطينِ على أَحْسَنِ الوُجوهِ؛ لأنَّ الأوَّلَ لا يَلْزَمُ أنْ يُقارِنَه ولا أنْ يَعْتَقِبَه، بَل قد يُجوزُ أنْ يتأخَّرَ، نَحْوَ: إنْ أَسْلَمتَ دَخْلتَ الجَنَّةَ، فإنَّما يَقْتضِي مُطْلَقَ التَّرتُّبِ، وأمَّا جوابُ الشَّرطِ الثَّاني فجاء بـ(إذا) الفُجَائيَّةِ، وأنَّه إذا لم يُعْطَوا فاجأَ سَخَطُهم، ولم يُمْكِنْ تَأخُّرُه؛ لِما جُبِلوا عليه من مَحبَّةِ الدُّنيا، والشَّرَهِ في تَحْصيلِها [1047] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/439). .
قَولُه تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ
في قولِهِ: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ تَرْتيبٌ حَسَنٌ، حيثُ أَتَى أوَّلًا بمَقامِ الرِّضا بقولِه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، والرِّضا فِعْلٌ قلبيٌّ يَصْدُرُ عَمَّنْ عَلِمَ أنَّه تعالى مُنزَّهٌ عَنِ العَتبِ والخَطأِ، عليمٌ بالعواقبِ؛ فكلُّ قضائهِ صوابٌ وحقٌّ، لا اعْتِراضَ عليهِ، ثُمَّ ثنَّى بإظهارِ آثارِ الوَصْفِ القَلْبيِّ، وهو الإقرارُ باللِّسانِ، بقولِهِ: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ فحَسْبُنا ما رَضِيَ بِه، ثُمَّ أتَى ثالثًا بأنَّه تعالى- ما داموا في الحياةِ الدُّنيا- مادٌّ لهم بنِعَمِه وإحسانِه، بقولِه: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ فهو إخبارٌ حَسَنٌ؛ إذْ ما مِنْ مؤمنٍ إلَّا ونِعَمُ اللهِ مُترادِفةٌ عليه حالًا ومآلًا، إمَّا في الدُّنيا، وإمَّا في الآخِرةِ، ثُمَّ أتى رَابِعًا بالجُمْلةِ المُقتضيةِ الالتِجاءَ إلى اللهِ لا إلى غيرِه، والرَّغبةَ إليهِ، بقولِهِ: إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ فلا يُطْلَبُ بالإيمانِ أَخْذُ الأموالِ، والرِّئاسةُ في الدُّنيا، ولَمَّا كانتِ الجُملتانِ مُتغايرتَينِ- وهما ما تَضمَّنَ الرِّضا بالقلبِ، وما تَضمَّن الإقرارَ باللِّسانِ- تَعاطَفتَا، ولَمَّا كانتِ الجُمْلتانِ الأخيرتانِ مِنْ آثارِ قَولِهم: حَسْبُنَا اللَّهُ، لَمْ تَتَعاطَفا؛ إذْ هُما كالشَّرحِ لقولِهم: حَسْبُنَا اللَّهُ، فلا تَغايُرَ بينهما [1048] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/440). .
وجُمْلةُ: إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ تعليليَّةٌ لِما قَبْلَها، أي: لأنَّنا راغبونَ فَضْلَه، وتَقديمُ المجرورِ إِلَى اللَّهِ؛ لإفادةِ القَصْرِ، أي: إلى اللهِ راغِبونَ لا إلى غيرِه [1049] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/234). .
قَولُه تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قولُه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ... اعْتِراضٌ بين جُمْلةِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ وجُمْلَةِ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ، وهو اسْتِطرادٌ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ اللَّمْزِ في الصَّدقاتِ أُدْمِجَ فيه تَبيينُ مَصارِفِ الصَّدقاتِ [1050] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/234). .
والمقصودُ مِنْ أداةِ الحَصْرِ إِنَّمَا أنْ ليس شيءٌ مِنَ الصَّدقاتِ بمُسْتَحَقٍّ للذين لَمَزوا في الصَّدقاتِ، وحَصْرُ الصَّدقاتِ في كونِها مُسْتحقَّةً للأصنافِ المذكورةِ في هذه الآيةِ؛ فهو قَصْرٌ إضافيٌّ، أي: الصَّدقاتُ لهؤلاء لا لكم [1051] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/282)، ((تفسير أبي السعود)) (4/76)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/235). .
وفي هذه الآيةِ مُناسَبَةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ أضاف فيها الصَّدقاتِ إلى الأصنافِ الأربعةِ الأُولى بلامِ المِلْكِ، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وأضافَها إلى الأربعةِ الأخيرةِ بـ «في» الظَّرفيةِ، فقال: وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ؛ لأنَّ الأصنافَ الأربعةَ الأوائلَ يَأخُذونَ ما يُدفَعُ إليهم مِلكًا، فكان دُخولُ اللَّامِ لائقًا بهم، وأمَّا الأربعةُ الأواخرُ فلا يَمْلِكونَ ما يُصْرَفُ نَحوَهم، بلُ ولا يُصْرَفُ إليهم، ولكِنْ في مصالِحَ تتعلَّقُ بهم؛ فالمالُ الذي يُصْرَفُ في الرِّقابِ إنَّما يَتناوَلُه السَّادةُ المُكاتَبونَ والبائعونَ، فليس نَصيبُهم مصروفًا إلى أيديهم حتَّى يُعبَّرَ عَنْ ذلك باللَّامِ المُشْعِرةِ بتَملُّكِهِم لِما يُصْرَفُ نَحْوهم، وإنَّما هم مَحالُّ لهذا الصَّرْفِ والمَصْلحةِ المُتعلِّقةِ به، وكذلك الغارِمونَ إنَّما يُصْرَفُ نَصيبُهم لأربابِ دُيونِهم؛ تَخليصًا لذِمَمِهم لا لَهم، وأمَّا سبيلُ اللهِ فواضِحٌ فيه ذلك، وأمَّا ابنُ السبيلِ فكأنَّه كان مُنْدرِجًا في سبيلِ اللهِ؛ وإنَّما أُفْرِدَ بالذِّكْرِ تنبيهًا على خُصوصيَّتِهِ، مَعَ أنَّه مُجرَّدٌ مِنَ الحَرْفينِ جَميعًا، وعَطْفُه على المَجْرورِ باللَّامِ مُمْكِنٌ، ولكِنَّهُ على القريبِ منه أَقْربُ [1052] يُنظر: ((حاشية تفسير الزمخشري)) (2/283)، ويُنظر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (35/353)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (18/34). .
وقيل: عُدِلَ عنِ اللَّامِ إلى (في) في الأربعةِ الأخيرةِ؛ للإيذانِ بأنَّهُمْ أَرْسَخُ في اسْتِحقاقِ التَّصدُّقِ عليهم ممَّنْ سَبَقَ ذِكْرُه؛ لأنَّ (في) للوِعاءِ، فنبَّهَ على أنَّهُمْ أحِقَّاءُ بأنْ تُوضَعَ فيهم الصَّدقاتُ، ويُجْعلوا مَظِنَّةً لها ومَصبًّا؛ وذلك لِما في فَكِّ الرِّقابِ مِنَ الكتابةِ أو الرِّقِّ أو الأَسْرِ، وفي فَكِّ الغارِمينَ مِنَ الغُرْمِ مِنَ التَّخليصِ والإنقاذِ، وتَكريرُ (في) في قولِهِ: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فيه فَضْلُ تَرجيحٍ لهذَينِ على الرِّقابِ والغارمينَ، وللإيذانِ بزيادةِ فَضْلِهما في الاسْتِحقاقِ [1053] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/283)، ((تفسير أبي حيان)) (5/445)، ((تفسير أبي السعود)) (4/76). .
واختيارُ حَرفِ (على) في قَولِه تعالى: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا لِما يُشعِرُ به أصلُ معناه مِن التمكُّنِ، أي: العاملينَ لأجْلِها عملًا قويًّا؛ لأنَّ السُّعاةَ يتجَشَّمونَ مَشقَّةً وعمَلًا عظيمًا، ولعلَّ الإشعارَ بذلك لِقَصدِ الإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ استحقاقِهم مُركَّبةٌ من أمرينِ: كَونِ عَمَلِهم لفائدةِ الصَّدقةِ، وكونِه شاقًّا [1054] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/235). .