موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (61-63)

ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ

غريب الكلمات:


هُوَ أُذُنٌ: أي: يقبَلُ كُلَّ ما قيلَ له، ويسمعُ مِن كلِّ أحدٍ [1055] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 189)، ((تفسير ابن جرير)) (11/537)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 92)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/75)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 141)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 226). قال السمين الحلبي في قولِه: هُوَ أُذُنٌ: (فيه تأويلان أحدُهما: أنه سُمِّي بالجارحةِ؛ لأنَّها آلةُ السماعِ، وهي معظمُ ما يُقْصد منه. وقيل: المرادُ بالأُذنِ هنا الجارحةُ، وحينئذٍ تكونُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذُو أُذُنٍ. والثاني: أنَّ الأُذنَ وصفٌ على فُعُل كأُنُف، يقال: أَذِن يَأْذَن فهو أُذُن). ((الدر المصون)) (6/73). .
يُحَادِدِ: أَي: يُخالِفْ ويحارِبْ ويُعادِ؛ يُقالُ: حادَّ فُلانٌ فُلانًا، أي: صار في حَدٍّ غَيرِ حَدِّه، وأصلُ (حدد): يدلُّ على طَرَفِ الشَّيءِ؛ وذلك لأنَّ المُحادَّ يكون فِي حَدٍّ، وَاللهُ ورَسولُه فِي حَدٍّ [1056] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 533)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/3)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 141)، ((تفسير القرطبي)) (8/194)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 226). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ مِن المُنافِقينَ طائفةً يُؤذونَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويقولونَ عنه: هو أذُنٌ سامِعةٌ لكل ما يُقال له ويُصدِّقه، فأمَرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ لهم: إنَّه أذنُ خَيرٍ لهم؛ يؤمِنُ باللهِ تعالى وَحْدَه، ويصَدِّقُ المؤمنينَ فيما يُخبِرونَه به، لا أهلَ النِّفاقِ والكُفرِ، وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحمةٌ للمُؤمِنينَ الصَّادقينَ منهم، وأمَّا الذينَ يُؤذونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلهم عذابٌ مُوجِعٌ مُؤلِمٌ.
ويُخبِرُ تعالى أنَّ المُنافِقينَ يَحلِفونَ باللهِ للذينَ آمنوا، يبتغونَ رِضاهم، وبيَّنَ أنَّ اللهَ ورَسولَه أحَقُّ بالإرضاءِ مِن المؤمنينَ، إن كانوا حقًّا مُؤمنينَ كما يدَّعونَ.
ألم يعلَمْ هؤلاء المُنافِقونَ أنَّه مَن يخالِفِ اللهَ ورسولَه ويُعادِهِما ويُحارِبْهما؛ فأنَّ له نارَ جهنَّمَ ماكثًا فيها أبدًا، ذلك هو الهوانُ والذلُّ الكبيرُ.

تفسير الآيات:


وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ هذا نوعٌ آخَرُ مِن جَهالاتِ المُنافِقينَ، وهو أنَّهم كانوا يقولونَ في رسولِ اللهِ: إنَّه أُذُنٌ، على وجهِ الطَّعنِ والذَّمِّ [1057] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/89). .
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ.
أي: ومِن المُنافِقينَ جماعةٌ يؤذونَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويَعيبونَه ويقولونَ عنه: هو أُذُنٌ سامعةٌ؛ فمن قال له شيئًا صَدَّقَه، ومن حدَّثَه فينا صدَّقَه، فإذا جِئْنا وحَلَفْنا له بالكَذِبِ مُعتَذرينَ عمَّا بلَغَه منا، صَدَّقَنا [1058] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/534، 535، 537)، ((البسيط)) للواحدي (10/521)، ((تفسير ابن عطية)) (3/52)، ((تفسير الرازي)) (16/90)، ((تفسير القرطبي)) (8/192)، ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 29)، ((تفسير ابن كثير)) (4/170)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/241، 242)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/599). ذهب بعض المفسِّرينَ إلى أنَّ قولَه تعالى: هُوَ أُذُنٌ تفسيرٌ لِقَولِه: يُؤْذُونَ النَّبِيَّ. وممَّن اختار هذا القولَ: الرازي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/90). وذهب بعضُهم إلى أنَّ يُؤْذُونَ لفظٌ يعمُّ جميعَ ما كانوا يفعلونَه ويقولونَه في جهةِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الأذى، وخصَّ بعد ذلك مِن أذاهم: قَولَهم هُوَ أُذُنٌ. وممَّن اختار ذلك: ابنُ عطية. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/52). قال ابن عطية: (رُوِيَ عن الحسن البصري ومجاهدٍ: أنَّهما تأوَّلَا أنَّهم أرادوا بقولِهم: هُوَ أُذُنٌ أي: يسمَعُ منا معاذيرَنا وتنَصُّلَنا، ويقبَلُه، أي: فنحن لا نبالي مِن أذاه، ولا الوقوعِ فيه؛ إذ هو سمَّاعٌ لكُلِّ ما يقال من اعتذارٍ ونحوه، فهذا تنقُّصٌ بقلَّةِ الحَزامةِ، والانخداعِ، وروي عن ابن عبَّاسٍ وجماعةٍ معه: أنَّهم أرادوا بقولهم هُوَ أُذُنٌ أي: يسمَعُ كُلَّ ما يُنقَل إليه عنا، ويُصغِي إليه ويَقبَلُه، فهذا تشَكٍّ منه، ووصْفٌ بأنَّه يَسوغُ عنده الأباطيلُ والنَّمائِمُ). ((تفسير ابن عطية)) (3/52). وممن اختار قولَ الحسنِ ومجاهدٍ: القرطبيُّ، والسعديُّ، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير القرطبي (8/192)، ((تفسير السعدي)) (ص: 341)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/599). وممن اختار قول ابن عبَّاسٍ: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/241). .
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُنافِقينَ: النبيُّ مُصغٍ للخَيرِ، لا مستمِعٌ للشَّرِّ، وإن سَمِعَ ما يبلُغُه عنكم لم يؤاخِذْكم به؛ لِسَعةِ صَدرِه، ويسمَعُ مَعاذيرَكم، ويقبَلُها منكم؛ لِحُسنِ خُلُقِه [1059] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/536)، ((البسيط)) للواحدي (10/523، 526، 527)، ((تفسير ابن كثير)) (4/170)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/242، 243)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/599). .
يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
أي: والنبيُّ يؤمِنُ بالله تعالى وَحْدَه وبما أوحى إليه- ومِن ذلك ما أمَرَه به من العَفوِ عن النَّاسِ، وأمرِهم بالمعروفِ، والإعراضِ عن الجاهِلينَ مِنهم- وهو يُصدِّقُ المؤمنينَ فيما يُخبِرونَه به، لا أهْلَ النِّفاقِ والكُفرِ بالله تعالى [1060] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/537)، ((البسيط)) للواحدي (10/524، 526، 527)، ((تفسير ابن عطية)) (3/53)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/270)، ((تفسير ابن كثير)) (4/170)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/243)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/600). .
وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ.
أي: والنَّبيُّ رحمةٌ للمُؤمِنينَ منكم، الصَّادقينَ في إيمانِهم؛ لأنَّه سبَبُ إيمانِهم وهِدايَتِهم إلى ما فيه سَعادتُهم في دنياهم وآخِرتِهم [1061] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/538)، ((تفسير البغوي)) (2/364)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/243، 244). .
كما قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159].
وقال سبحانه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128].
وقال عزَّ وجلَّ: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215].
وعن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتي ضُعَفاءَ المُسلِمينَ، ويَزورُهم، ويعودُ مَرضاهم، ويَشهَدُ جَنائِزَهم)) [1062] أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (11944)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (6/84) (5586)، والحاكم في ((المستدرك)) (3735)، ورواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) بنحوه مختصرًا. صحَّح إسنادَه الحاكمُ، والبوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (5/495)، والعيني في ((نخب الأفكار)) (7/335)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (4877). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللهمَّ إنَّما أنا بشَرٌ، فأيُّما رجُلٍ مِن المُسلِمينَ سَبَبتُه، أو لَعَنْتُه، أو جَلَدْتُه، فاجعَلْها له زكاةً ورَحمةً )) [1063] أخرجه مسلم (2601). .
وفي روايةٍ ((اللهُمَّ إنَّما محمَّدٌ بَشَرٌ، يغضَبُ كما يغضَبُ البشَرُ، وإنِّي قد اتَّخَذتُ عندك عهدًا لن تُخلِفَنِيه؛ فأيُّما مُؤمِنٍ آذيتُه، أو سبَبتُه، أو جَلَدتُه، فاجعَلْها له كفَّارةً، وقُربةً تُقَرِّبُه بها إليك يومَ القيامةِ )) [1064] أخرجه مسلم (2601). .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: والذين يُؤذونَ رَسولَ اللهِ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأقوالِهم أو أفعالِهم؛ لهم عذابٌ مُوجعٌ في الدُّنيا والآخرةِ [1065] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/539)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/244). قال السعدي: (ومِن العَذابِ الأليمِ: أنَّه يتحتَّمُ قتلُ مُؤذِيه وشاتمِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 342). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: 57].
يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (62).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ هذا نوعٌ آخَرُ مِن قبائِحِ أفعالِ المُنافِقينَ، وهو: إقدامُهم على اليَمينِ الكاذبةِ، فهم يؤذونَ النبيَّ، ويُسيئونَ القَولَ فيه، ثمَّ يَحلِفونَ لكم [1066] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/91). .
يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ.
أي: يحلِفُ المُنافِقونَ باللهِ لكم كَذِبًا- أيُّها المؤمِنونَ- فيتبَرَّؤونَ مِن أذاهم لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويؤكِّدونَ لكم أنَّهم على دِينِكم؛ يبتغونَ بذلك رِضاكم [1067] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/539)، ((البسيط)) للواحدي (10/528)، ((تفسير ابن عطية)) (3/53)، ((تفسير الرازي)) (16/91)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/244، 245). .
عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما حدَّثَه، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، في ظِلِّ حُجرةٍ مِن حُجَرِه، وعنده نَفَرٌ من المُسلِمينَ، قد كاد يَقلِصُ [1068] يَقلِصُ: أي: ينقَبِضُ. يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) للصنعاني(2/181). عنهم الظِّلُّ، قال: فقال: إنَّه سيأتيكم إنسانٌ ينظُرُ إليكم بعَينَي شَيطانٍ، فإذا أتاكم فلا تُكَلِّموه، قال: فجاء رجلٌ أزرَقُ، فدعاه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكلَّمه، قال: علامَ تَشتِمُني أنت وفلانٌ وفلانٌ- نفَرٌ دَعاهم بأسمائِهم؟ قال: فذهَبَ الرَّجُلُ فدعاهم، فحَلَفوا باللهِ واعتَذَروا إليه، قال: فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ... الآية)) [1069] أخرجه أحمد (2407)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (12/7) (12307)، والحاكم في ((المستدرك)) (3795)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/283). صحَّح إسناده ابن تيمية في ((الصارم المسلول)) (2/48)، والبوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (6/284)، وأحمد شاكر في ((التعليق على المسند)) (5/95)، وجوَّد إسناده الزيلعي في ((تخريج الكشاف)) (3/432)، وابن كثير في ((التفسير)) (8/78). .
وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ.
أي: واللهُ ورسولُه أحقُّ بالإرضاءِ منكم- أيُّها المؤمِنونَ- إن كان هؤلاءِ المُنافِقونَ مُؤمِنينَ باللهِ ورَسولِه حقًّا كما يدَّعونَ [1070] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/539)، ((تفسير ابن عطية)) (3/54)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/245). .
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ تعالى أنَّ حَلِفَ المُنافِقينَ إنَّما هو لِكَراهةِ الخِزيِ عند المُؤمِنينَ، وبَّيَن مَن هو الأحَقُّ بأن يُرضُوه؛ أقام الدَّليلَ على ذلك في استفهامِ إنكارٍ وتَوبيخٍ، مُبَيِّنًا أنَّهم فَرُّوا من خزيٍ مُنقَضٍ، فسَقَطوا في خِزيٍ دائِمٍ، فقال تعالى [1071] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/514). :
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا.
أي: ألم يعلَمِ المُنافقونَ أنَّه مَن يُخالِفِ اللهَ ورَسولَه، ويُعادِهما ويُحارِبْهما؛ فأنَّ له نارَ جهنَّمَ في الآخرةِ، ماكِثًا فيها أبدًا إلى غيرِ نِهايةٍ [1072] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/540)، ((تفسير القرطبي)) (8/194)، ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 27)، ((تفسير ابن كثير)) (4/170)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/246)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/606، 608). ؟!
ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ.
أي: دخولُ نارِ جَهنَّمَ والخلودُ فيها، هو الهوانُ والذُّلُّ الكَبيرُ [1073] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/540)، ((تفسير ابن كثير)) (4/170)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/247)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/607). .
كما قال تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: 192].
وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: 5].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ [المجادلة: 20].

الفوائد التربوية:


المؤمِنُ لا يُقدِّمُ شَيئًا على رِضا ربِّه، ورِضا رَسولِه؛ نَستفيدُ ذلك مِن قَولِه تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [1074] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 342). .

الفوائد العلمية واللطائف:


جَرَت العادةُ باستقراءِ القُرآنِ أنَّه إذا كان الإيمانُ باللهِ عدَّاه بالباءِ، كأن يَقولَ: آمَنُوا بِاللَّهِ [النساء: 152]، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 114]؛ لأنَّه من باب الإقرارِ به تعالى، وإذا كان الإيمانُ معناه تصديقُ مَخلوقٍ، فإنَّه يُعَدِّيه باللامِ دائِمًا؛ ولذا قال تعالى هنا: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ معناه: ويُصَدِّقُ المُؤمنينَ. ولا يكادُ هذا التَّصديقُ المتعَلِّقُ بالآدميِّينَ يُوجَدُ في القرآنِ إلَّا مَجرورًا باللَّامِ، كقوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: 26]، وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [1075] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/600). [يوسف:17].
قد يُشكِلُ على بعضِهم قَولُ الله تعالى هنا: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فقيَّد كَونَه رَحمةً للذين آمنوا، وفي سورةِ الأنبياءِ قال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] فلم يقَيِّدْ كونَه رحمةً بالإيمان، بل قال لجميعِ العالَمينَ، والجوابُ عن ذلك: أنَّ اللهَ جلَّ وعلا أرسَلَه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه؛ رحمةً لجميعِ الخلائِقِ، إلَّا أنَّ بَعضَهم قَبِلَ مِن الله التفَضُّلَ بتلك الرَّحمةِ فحازها، فخصَّ في قَولِه: وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وبعضُهم لم يقبَلْها ولم يَحُزْها، ولا ينافي ذلك أنَّ الله أعطاه تلك الرَّحمةَ، إلَّا أنَّه لم يقبَلْها ولم يَحُزْها [1076] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/600-601). .
قَولُ اللهِ تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ تضمَّنَ قَبولَ يَمينِ الحالِفِ، وإن لم يَلزَمِ المحلوفَ له الرِّضا، واليمينُ حقٌّ للمُدَّعي [1077] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/194). .
مِن عادةِ المُنافِقينَ، والكاذبينَ مِن عُصاةِ المُؤمِنينَ وغَيرِهم، أن يُكثِروا الحَلِفَ لِيُصَدَّقوا؛ لأنَّهم لعِلْمِهم بكَذِبِهم يظنُّونَ أو يَعلَمونَ أنَّهم مُتَّهَمونَ في أقوالِهم وأعمالِهم، فيَحلِفونَ لإزالةِ التُّهمةِ، وهذا معلومٌ في كلِّ زَمانٍ؛ قال الله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [1078] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/451). .
قَولُ الله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ تضمَّنَ أن يكونَ اليمينُ باللهِ عزَّ وجلَّ [1079] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/194). .
قَولُ الله تعالى: إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فيه دَلالةٌ على أنَّ رضا اللهِ لا يحصُلُ بإظهارِ الإيمانِ، ما لم يقتَرِنْ به التَّصديقُ بالقَلبِ والأعمال، فيَبطُلُ بذلك قولُ الكرَّاميَّةِ الذين يزعُمونَ أنَّ الإيمانَ ليس إلَّا القَولَ باللِّسانِ [1080] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/92). .
قَولُ الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ حسُنَ قَولُه: أَلَمْ يَعْلَمُوا لأنَّه طال مُكثُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهم، وكثُرَت نهاياتُه للتَّحذيرِ عن معصيةِ الله والتَّرغيبِ في طاعتِه، وقد قال أهلُ المعاني: قول: (ألم تعلَمْ) خطابٌ لِمَن حاول الإنسانُ تعليمَه مُدَّةً، وبالغَ في ذلك التعليمِ، ثمَّ إنَّه لم يعلَمْ، فيقالُ له: ألم تعلَمْ بعد هذه السَّاعاتِ الطويلةِ والمدَّةِ المَديدةِ [1081] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/92). ؟!
أذى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحادَّةٌ لله ولِرَسولِه؛ لأنَّه قال هذه الآيةَ عَقِبَ قَولِه تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ثم قال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فلو لم يكونوا بهذا الأذى مُحادِّينَ، لم يَحسُنْ أن يُوعَدوا بأنَّ للمُحادِّ نارَ جَهنَّمَ [1082] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 21). .
في قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وكذا قَولُه تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَه بيانُ تلازُمِ الحَقَّيْن: حقِّ اللهِ وحقِّ رسولِه؛ وأنَّ جهةَ حُرمةِ اللهِ تعالى وحُرمةِ رسولِه جهةٌ واحدةٌ، فمَن آذى الرسولَ فقد آذى اللهَ، ومَن أطاعَه فقد أطاعَ الله؛ لأنَّ الأمَّةَ لا يَصِلونَ ما بينهم وبين ربِّهم إلَّا بواسطةِ الرَّسولِ، ليس لأحدٍ منهم طريقٌ غيرُه، ولا سبَبٌ سواه، وقد أقامه اللهُ مقامَ نفسِه في أمْرِه ونهيِه، وإخبارِه وبيانِه، فلا يجوزُ أنْ يُفرَّقَ بين الله ورسولِه في شيءٍ من هذه الأمورِ [1083] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 41). .

بلاغة الآيات:


قولُه تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قولُه: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ التَّعبيرُ بالنبيِّ إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ؛ لأنَّ قَبْلَه وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ، فكان مُقْتضى الظاهِرِ أنْ يُقالَ: (ومِنْهُمْ الذين يُؤذونَكَ)، فعُدِلَ عَنِ الإضمارِ إلى إظهارِ وَصْفِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ للإيذانِ بشَناعةِ قولِهِمْ، ولزِيادةِ تَنْزيهِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالثَّناءِ عليه بوَصْفِ النُّبوةِ، بحيثُ لا تُحْكَى مَقالتُهم فيه إلَّا بَعْدَ تقديمِ ما يُشيرُ إلى تَنْزيهِه، والتَّعريضِ بجُرْمِهم فيما قالوه [1084] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/241). .
قولُه: هُوَ أُذُنٌ مِنْ صِيغِ التَّشبيهِ البَليغِ، يَعْنونَ: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كالأُذُنِ في تلقِّي المسموعاتِ لا يَرُدُّ مِنْها شيئًا، وهو كِنايةٌ عَنْ تصديقِهِ بكُلِّ ما يَسْمَعُ مِنْ دونِ تَمييزٍ بين المقبولِ والمردودِ [1085] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/241). .
وفي تَسمِيَتِهم إيَّاه- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بالجارِحةِ أُذُنٌ: مُبالغةٌ، كأنَّه مِن فَرطِ استماعِه، صار جُملَتُه آلةً للسَّماعِ،كما يُسمَّى الجاسوسُ عَينًا [1086] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/625). .
قولُه: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ فيه دَلالةٌ على المُبالَغةِ في الجَودةِ والصَّلاحِ، كأنَّهُ قيل: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولكِنْ نِعْمَ الأذُنُ، وهو مِن قَبيلِ قَولِهم: رَجُلُ صِدْقٍ [1087] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/77). .
وأيضًا قولُه: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ مِن بابِ أُسلوبِ الحَكيمِ [1088] أسلوب الحكيم: هو تَلقِّي المُخاطَبِ بغيرِ ما يَترقَّبُ؛ بحمْلِ كلامِه على غيرِ مُرادِه؛ تنبيهًا على أنَّه هو الأولَى بالقَصدِ، وكذلك أيضًا تلقِّي السائلِ بغيرِ ما يَتطلَّبُ؛ تنبيهًا على ما هو الأولى بحالِه وبالسؤالِ عنه، وهو مِن خلافِ مُقتضَى الظَّاهِر. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 327)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (4/42 - 43)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد الخطيب (ص: 132). ؛ فهو في أوَّلِه يُوافِقُهم على قَولِهم: هُوَ أُذُنٌ، ثمَّ يُتبِعُه ما يَنقُضُه عليهم حتَّى يُنقَضَ على رؤوسِهم، مِن قَبيلِ القَولِ بِموجَبِ العِلَّةِ [1089] القول بمُوجَب- بفتح الجيم- العلة: هو تسليمُ مقتضَى الدليلِ، مع بقاءِ النزاعِ، بأن يظهرَ عدمُ استلزامِه الدليلَ لمحلِّ النزاعِ، أو: هو تسليمُ ما جعَله المستدلُّ موجبًا لعلتِه، مع استبقاءِ الخلافِ، أو: هو تسليمُ كونِ الوصفِ علةً، وبيانُ أنَّ معلولها غير ما ادعاه المعلل. يُنظر: ((أصول الشاشي)) (ص: 346)، ((الإيضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة)) لابن الجوزي (ص: 335)، ((الفروق)) للقرافي (4/88)، ((تقريب الوصول إلي علم الأصول)) لابن جزي الغرناطي (ص: 189)، ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي)) لعلاء الدين البخاري الحنفي (4/103 - 104)، ((البحر المحيط في أصول الفقه)) للزركشي (7/375). ، فلا شيءَ أبلَغُ مِن الرَّدِّ عليهم بهذا الوَجهِ؛ لأنَّه في الأوَّلِ إطماعٌ لهم بالموافَقةِ، ثمَّ كَرَّ على طَمَعِهم بالحَسمِ، وأعقَبَهم في تنقُّصِه باليأسِ منه [1090] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/446-447). .
قولُه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ عُدِّي فِعْلُ الإيمانِ إلى اللهِ تعالى بالباءِ، وإلى المؤمنينَ باللَّامِ؛ وذلك لأنَّهُ قُصِدَ التَّصديقُ والإقرارُ باللهِ الذي هو نَقيضُ الكُفْرِ فعُدِّي بالباءِ بِاللَّهِ، وقُصِدَ الاسْتِماعُ للمؤمنينَ، وأنْ يُسَلِّمَ لهم ما يقولونَ ويُصدِّقَه؛ لكونِهم صادقينَ عِنده، فعُدِّي باللَّامِ لِلْمُؤْمِنِينَ [1091] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/285)، ((تفسير أبي حيان)) (5/449). .
وقولُه: وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فيه تَخصيصُ المؤمنينَ بالذِّكْرِ- وإنْ كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَحْمةً للعالَمينَ-؛ لأنَّ ما حَصَل لهم بالإيمانِ بسَببِ الرَّسولِ لم يَحْصُلْ لغيرِهم، وخُصُّوا هنا بالذِّكْرِ وإنْ كانوا قد دَخَلوا في العالَمِينَ؛ لحصولِ مَزيَّتِهم [1092] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/449). .
قولُه: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ عَطْفٌ على أُذُنُ خَيْرٍ، أي: وهو رَحْمةٌ، بطريقِ إطلاقِ المصدرِ على الفاعِلِ؛ للمُبالَغةِ [1093] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/77). .
قولُه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ اعْتِراضٌ مسوقٌ مِنْ قِبَلِه عزَّ وجلَّ على نَهْجِ الوعيدِ غيرُ داخلٍ تَحْتَ الخِطابِ، وفي تَكريرِ الإسنادِ بإثباتِ العذابِ الأليمِ لهم، ثُمَّ جَعْلِ الجُملةِ خبرًا للموصولِ، ما لا يَخفَى مِنَ المُبالَغةِ [1094] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/77). .
وفي قولِه: رَسُولَ اللَّهِ إيرادُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعُنوانِ الرِّسالةِ مُضافًا إلى الاسْمِ الجليلِ؛ لغايةِ التَّعظيمِ، والتَّنبيهِ على أنْ أَذِيَّتَهُ راجعةٌ إلى جَنابِه عزَّ وجلَّ، مُوجِبةٌ لِكَمالِ السَّخَطِ والغَضَبِ [1095] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/77). ، وأيضًا أبْرَز اسْمَ الرَّسولِ ولم يأتِ به ضميرًا على نَسَقِ يُؤْمِنُ بلَفْظِ الرَّسولِ؛ تَعظيمًا لشَأنِهِ، وجَمْعًا له في الآيةِ بينَ الرُّتبتَينِ العَظيمتينِ مِنَ النُّبوَّةِ والرِّسالةِ، وإضافتُه إليه زيادةٌ في تشريفِهِ [1096] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/449). .
قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ
قولُه تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ فيه عدولٌ عن أسلوبِ الحِكايةِ عنهم، بكَلِمةِ وَمِنْهُمْ؛ لأنَّ ما حُكِيَ هنا حالٌ مِن أحوالِ جَميعِهم [1097] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/244). .
قولُه: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ فيه إفرادُ الضَّميرِ في يُرْضُوهُ مَعَ أنَّ المذكورَ رِضا اللهِ تعالى ورِضا رَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه لا تَفاوُتَ بين رِضا اللهِ ورِضا رسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فكانَا في حُكْمِ مُرْضًى واحدٍ، فإرضاءُ الله إرضاءٌ للرسولِ، وإرضاءُ الرسولِ إرضاءٌ لله تعالى؛ قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، فلمَّا تلازما صارا كأنهما شيءٌ واحدٌ، أو للإيذانِ بأنَّ رِضاهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنْدرِجٌ تَحتَ رِضاهُ سُبْحانَه، وذَهَب غيرُ واحدٍ من علماءِ العربيةِ وعلماءِ التفسيرِ إلى أن رجوعَ الضميرِ على أحدِ المتعاطفينِ اكتفاءً به؛ لأَنَّ الآخَرَ مفهومٌ منه، أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، كثيرٌ في القرآنِ العظيمِ، وفي كلامِ العربِ [1098] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/285)، ((تفسير أبي السعود)) (4/78)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/603). .
قولُه: إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فيه حَذْفُ الجوابِ؛ تعويلًا على دَلالةِ ما سَبَقَ عليه، والتَّقديرُ: إنْ كانوا مُؤمنينَ فلْيُرْضوا اللهَ ورسولَه بما ذُكِرَ؛ فإنَّهما أَحَقُّ بالإرضاءِ [1099] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/78). .
قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
قولُه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ هذه الجُملةُ تَتَنزَّلُ مِنْ جُملةِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ مَنْزلةَ التَّعليلِ؛ لأنَّ العاقِلَ لا يَرْضَى لنَفْسِه عملًا يَؤولُ به إلى مِثْلِ هذا العذابِ، فلا يُقدِمُ على ذلك إلَّا مَنْ لا يَعْلَمُ أنَّ مَنْ يُحادِدِ اللهَ ورَسولَه يَصِرْ إلى هذا المصيرِ السَّيِّئِ [1100] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/451)، ((تفسير أبي السعود)) (4/78)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/246). .
والاسْتِفهامُ في أَلَمْ.. مُسْتَعْمَلٌ في الإنكارِ والتَّوبيخِ والتَّشنيعِ؛ لأنَّ عَدَمَ عِلْمِهم بذلك مُحقَّقٌ بضَرورةِ أنَّهم كافِرونَ بالرَّسولِ، وبأنَّ رِضا اللهِ عِنْدَ رِضاه، ولكِنْ لَمَّا كان عَدَمُ عِلْمِهم بذلك غريبًا- لوجودِ الدَّلائلِ المُقْتضيةِ أنَّهُ ممَّا يَحِقُّ أنْ يَعْلموهُ- كان حالُ عَدَمِ العِلْمِ به حالًا مُنْكرًا [1101] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/451)، ((تفسير أبي السعود)) (4/78)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/246). .
وقولُه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ... ... فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ فيه تَكريرٌ لـ(أنَّ)؛ للتَّأكيدِ، حيثُ أُعيدتْ (أنَّ) في الجوابِ لتَوكيدِ (أنَّ) المذكورةِ قَبْلَ الشَّرطِ تَوكيدًا لفظيًّا، فإنَّها لَمَّا دَخَلتْ على ضَميرِ الشَّأنِ وكانتْ جُمْلةُ الشَّرطِ وجوابِهِ تفسيرًا لضميرِ الشَّأنِ، كان حُكْمُ (أنَّ) ساريًا في الجُمْلتينِ، بحيثُ لو لَمْ تُذْكَرْ في الجوابِ لعُلِمَ أنَّ فيه مَعْناها، فلَمَّا ذُكِرتْ كان ذِكْرُها توكيدًا لها [1102] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/285)، ((تفسير أبي السعود)) (4/79)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/247). .
والهاء في (أنَّه) ضميرُ الأمرِ والشَّأنِ، والمعنى: أنَّ الأمرَ والشَّأنَ كذا وكذا. والفائدةُ في هذا الضَّميرِ هو أنَّه لو ذُكِرَ بعد كلمة (أنَّ) ذلك المبتدأ والخبَر، لم يكن له كثيرُ وَقْعٍ، فأمَّا إذا قلتَ: الأمرُ والشأنُ كذا وكذا، أوجبَ مَزيدِ تَعظيمٍ وتهويلٍ لذلك الكلامِ [1103] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/92). . وفيه وجهٌ آخر: أنَّه لَمَّا كان ذِكرُ الشَّيءِ مُبهمًا ثمَّ مُفَسَّرًا أضخَمَ، أضمَرَ للشَّأنِ، فقال: أَنَّهُ أي الشَّأن العَظيم مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ [1104] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/514). .
وجُملةُ: ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ تَذييلٌ لِما سَبَقَ؛ فالخزيُ: الذُّلُّ والهوانُ المُقارِنُ للفَضيحةِ والنَّدامةِ، وهي ثَمراتُ نِفاقِهم حيثُ يُفْتَضَحونَ على رُؤوسِ الأشهادِ بظُهورِها ولُحوقِ العذابِ الخالدِ بهم، والإشارةُ بـ ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العذابِ الخالدِ بذلك؛ إيذانًا ببُعدِ دَرجتِه في الهولِ والفَظاعةِ [1105] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/79). .