موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (64-66)

ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ

غريب الكلمات:


نَخُوضُ: أي: نَلهُو بالحديثِ، وأصلُ الخوضِ: هو الشُّروعُ في الماءِ والمرورُ فيه، وتخاوَضُوا في الحَديثِ والأمرِ، أي: تَفاوَضُوا، وتداخَلَ كلامُهم، ويُستعملُ الخوضُ في كلِّ دخولٍ فيه تلويثٌ وأذًى، وأكثرُ ما ورَدَ الخوضُ في القرآنِ فيما يُذَمُّ الشُّروعُ فيه، وأصل (خوض): توسُّطُ شيءٍ، ودخولٌ [1106] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/229)، ((البسيط)) للواحدي (10/536)، ((المفردات)) للراغب (ص: 302)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 97، 142). .
مُجْرِمينَ: أي: مُذنبين أو كافِرينَ، والجُرمُ بِالضَّمِّ: لا يُطلقُ إِلَّا على الذَّنبِ الغليظِ، وأصل الجَرْم: القطعُ، والجَرْم: قطع الثَّمرةِ عن الشَّجرِ [1107] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/445)، ((المفردات)) للراغب (ص: 192)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 217)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 41). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالَى: يَخشَى المُنافِقونَ أن يُنَزِّلَ اللهُ في شَأنِهم سورةً تُخبِرُهم بما يُخفونَه في قُلوبِهم من الكُفرِ والنِّفاقِ، ثم يأمرُ نبيَّه أن يقولَ لهم: استَمِرُّوا على ما أنتم عليه منَ الاستهزاءِ؛ إنَّ اللهَ مُظهِرٌ ما تَخشَونَ ظُهورَه.
ولَئِن سألتَ المُنافِقينَ- يا مُحمَّدُ- عمَّا قالوا من الطَّعنِ في أصحابِك ودينِك، ليقولُنَّ: إنَّما كنَّا ندخُلُ في الباطِلِ، ونلعَبُ بذلك الحديثِ، ولم نقصِدْ به الطَّعنَ في الإسلامِ والمُسلِمينَ، قل لهم- يا مُحمَّدُ-: أباللهِ سُبحانه وآياتِه ورَسولِه كُنتُم تستخِفُّون وتَسخَرونَ؟! لا تعتَذِروا- أيُّها المُنافِقونَ- قد كَفَرتُم بعد أنْ كُنتُم مُؤمِنينَ، إنْ نَعْفُ عن جماعةٍ منكم لِحُسنِ تَوبتِهم، نُعَذِّبْ جماعةً أُخرَى منهم؛ لأنَّهم كانوا مُجرِمينَ.

تفسير الآيات:


يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64).
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم.
أي: يَخشى المُنافِقونَ أن يُنزِّلَ الله عزَّ وجلَّ في شأنِهم سُورةً تُخبِرُهم بما يُخفونَه في قُلوبِهم، مِن الكُفرِ والنِّفاقِ [1108] قال القرطبي: (كان مِن المنافقينَ من يتردَّدُ، ولا يقطَعُ بتكذيبِ محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا بِصِدقِه. وكان فيهم من يَعرِفُ صِدقَه، ويُعانِدُ). ((تفسير القرطبي)) (8/196). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/247، 248). فيَعلَم المؤمنونَ أسرارَهم [1109] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/541)، ((تفسير الزمخشري)) (2/286)، ((تفسير الرازي)) (16/93)، ((تفسير القاسمي)) (5/447)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/454)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/612، 613). قال الزمخشري: (الضَّميرُ في عَلَيْهِمْ وتُنَبِّئُهُمْ للمؤمنينَ. وفي قُلُوبِهِمْ: للمُنافقين، وصحَّ ذلك؛ لأنَّ المعنى يقودُ إليه. ويجوز أن تكونَ الضَّمائِرُ للمُنافقينَ؛ لأنَّ السورةَ إذا نزلت في معناهم، فهي نازلة عليهم). ((تفسير الزمخشري)) (2/286). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/248)، والثاني أولَى؛ لأنَّ القاعدةَ أنَّ الضمائرَ إذا تعاقبتْ فالأصلُ أن يتحدَ مرجعُها. يُنظر ((قواعد التفسير)) لخالد السبت (1/404) . .
قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- للمُنافِقينَ: استمِرُّوا على ما أنتم عليه مِن الاستهزاءِ؛ إنَّ اللهَ مُظهِرٌ للمُؤمِنينَ- بما يُنَزِّلُ من القُرآنِ- ما تَخشَونَ ظُهورَه [1110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/542)، ((البسيط)) للواحدي (10/533)، ((تفسير الرازي)) (16/94)، ((تفسير القرطبي)) (8/196)، ((تفسير أبي حيان)) (5/453)، ((تفسير ابن كثير)) (4/171)، ((تفسير القاسمي)) (5/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/249)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/613). قال أبو حيان: (وفعَلَ ذلك تعالى في هذه السُّورةِ، فهي تُسمَّى الفاضحةَ؛ لأنَّها فضحَت المنافقينَ). ((تفسير أبي حيان)) (5/453). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/249)، ((تفسير ابن جرير)) (11/542)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342). .
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 29-31].
وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65).
سَبَبُ النُّزولِ:
عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((قال رجلٌ في غزوةِ تَبوكَ في مجلسٍ يومًا: ما رأيتُ مِثلَ قُرَّائِنا هؤلاء، لا أرغَبَ بُطونًا، ولا أكذَبَ ألسِنةً، ولا أجبَنَ عند اللِّقاءِ! فقال رجلٌ في المجلِسِ: كذَبْتَ، ولكنَّك مُنافِقٌ، لأُخبِرنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونزل القرآنُ، قال عبدُ الله: فأنا رأيتُه مُتعلِّقًا بِحَقَبِ ناقةِ [1111] الحَقَبُ: حَبلٌ يُشَدُّ به رحْلُ البَعيرِ إلى بطنِه؛ كي لا يتقَدَّمَ إلى كاهِلِه. يُنظر: ((المصباح المنير)) للفيومي (1/143). رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَنكُبُه الحِجارةُ [1112] تَنكُبُه الحِجارةُ: أي: تُمِيلُه. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 319). ، وهو يقولُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّما كنَّا نخوضُ ونَلعَبُ، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)) [1113] أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (6/1830)، وابن جرير في ((تفسيره)) (11/544). صحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تحقيق ((تفسير ابن جرير)) (14/334)، وقال الوادعي في ((صحيح أسباب النزول)) (122): رجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد؛ فلم يُخرج له مسلمٌ إلَّا في الشَّواهد، وله شاهد بسندٍ حسَنٍ. وقال الشنقيطي: (نزلَتْ هذه الآيةُ في غزوةِ تَبوكَ، بإطباقِ المفسِّرينَ، في قومٍ استهزَؤوا باللهِ وآياتِه ورَسولِه). ((العذب النمير)) (5/614). .
وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.
أي: ولَئِن سألتَ المُنافقينَ- يا مُحمَّدُ- عمَّا قالوه في خَلَواتِهم من الطَّعنِ في أصحابِك ودينِك، ليَقولُنَّ لك: إنَّما كنَّا ندخُلُ في الباطِلِ، ونلعَبُ بذلك الحديثِ، ولم نقصِدْ به الطَّعنَ في المسلمينَ والإسلامِ [1114] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/542)، ((البسيط)) للواحدي (10/536)، ((تفسير القرطبي)) (8/197)، ((تفسير أبي السعود)) (4/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/250)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/614). .
قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- للمُنافقين: أباللهِ سُبحانه وآياتِ كِتابِه ورَسولِه مُحمَّدٍ، كنتُم تستخِفُّونَ وتَسخَرونَ؟! كيف تُقدِمونَ على إيقاعِ ذلك [1115] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/542)، ((تفسير الرازي)) (16/95)، ((تفسير الخازن)) (2/380)، ((تفسير القاسمي)) (5/448)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/456)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/615). ؟!
لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كشَفَ اللهُ أمْرَ استهزائِهم، أردَفَه بإظهارِ قِلَّةِ جدوى اعتذارِهم؛ إذ قد تلبَّسوا بما هو أشنَعُ وأكبَرُ ممَّا اعتَذَروا عنه، وهو الْتباسُهم بالكُفرِ بعد إظهارِ الإيمانِ، فإنَّ الله لَمَّا أظهر نِفاقَهم، كان ما يصدُرُ عنهم من الاستهزاءِ أهوَنَ [1116] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/251). .
لاَ تَعْتَذِرُواْ.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- للمُنافقينَ: لا تَذكُروا أعذارًا؛ فإنَّها لن تنفَعَكم [1117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/546)، ((تفسير الزمخشري)) (2/286)، ((تفسير الرازي)) (16/95)، ((تفسير القرطبي)) (8/198). .
قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
أي: قد أظهرتُم الكفرَ باستهزائِكم بدينِ الله بعدَ أن كنتُم تُظهرونَ الإيمانَ [1118] وممَّن اختار هذا القول: الزجَّاج، والسمعانيُّ، وأبو حيَّان، والشوكاني، والقاسمي، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (2/459)، ((تفسير السمعاني)) (2/324)، ((تفسير أبي حيان)) (5/454)، ((تفسير الشوكاني)) (2/430)، ((تفسير القاسمي)) (5/449)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/252). قال ابن عاشور: (والمرادُ بإسنادِ الإيمانِ إليهم: إظهارُ الإيمانِ، وإلَّا فهم لم يُؤمِنوا إيمانًا صادقًا. والمرادُ بإيمانهم: إظهارُهم الإيمانَ، لا وقوعُ حقيقتِه، وقد أنبأ عن ذلك إضافةُ الإيمانِ إلى ضَميرِهم دونَ تَعريفِ الإيمانِ باللام المفيدةِ للحَقيقةِ، أي بعد إيمانٍ هو مِن شَأنِكم، وهذا تعريضٌ بأنَّه الإيمانُ الصُّوريُّ غيرُ الحَقِّ، ونظيرُه قَولُه تعالى الآتي: وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ [التوبة: 74] وهذا من لطائفِ القُرآنِ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/252). .
وقيل: المعنى: قد كفَرْتُم باستهزائِكم باللهِ وآياتِه ورسولِه، بعد أنْ كنتُم مُؤمنينَ [1119] وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ جريرٍ، وابنُ تيميةَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/546)، ((مجموع الفتاوى)) (7/220، 272، 273). قال ابن تيمية: (وقَولُ من يقول عن مِثل هذه الآياتِ: إنَّهم كفَروا بعد إيمانِهم بلسانِهم مع كُفرِهم أوَّلًا بقُلوبهم، لا يصِحُّ؛ لأنَّ الإيمانَ باللِّسانِ مع كُفرِ القلبِ، قد قارَنَه الكفرُ، فلا يقالُ: قد كفرْتُم بعد إيمانِكم؛ فإنَّهم لم يزالوا كافرينَ في نفسِ الأمرِ، وإن أُريدَ أنَّكم أظهَرْتم الكُفرَ بعد إظهارِكم الإيمانَ، فهم لم يُظهِروا للنَّاسِ إلَّا لخواصِّهم، وهم مع خواصِّهم ما زالوا هكذا؛ بل لَمَّا نافَقوا وحَذِروا أن تُنزَّلَ سورةٌ تُبيِّنُ ما في قلوبهم من النِّفاقِ وتكلَّموا بالاستهزاءِ، صاروا كافرينَ بعد إيمانِهم، ولا يدلُّ اللفظُ على أنَّهم ما زالوا مُنافقينَ... فبيَّنَ أنَّ الاستهزاءَ بالله وآياتِه ورسولِه، كُفرٌ يَكفُرُ به صاحبُه بعد إيمانِه، فدلَّ على أنَّه كان عندهم إيمانٌ ضعيفٌ). ((مجموع الفتاوى)) (7/272-273). .
إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ.
أي: إن نعفُ عن جماعةٍ منكم لِتَوبتِهم الصَّادقةِ، نُعذِّبْ جماعةً أخرى منهم؛ بسببِ أنَّهم كانوا مُقيمين على كفرِهم، مُصِرِّينَ على نفاقِهم، وطَعْنِهم في رَسولِ اللَّه صلَّى الله عليه وسَلَّم مِن غيرِ توبةٍ [1120] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/547)، ((تفسير ابن كثير)) (4/172)، ((تفسير السعدي)) (ص: 343)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/250)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/617، 618). .

الفوائد التربوية:


قال الله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ مَن أسَرَّ سريرةً- خُصوصًا السَّريرةَ التي يَمكُرُ فيها بدينِ اللهِ تعالى، ويَستهزِئُ به وبآياتِه ورسولِه- فإنَّ الله تعالى يُظهِرُها ويفضَحُ صاحِبَها، ويُعاقِبُه أشَدَّ العقوبةِ [1121] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (1/342). .
قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ دلَّت الآيةُ على أنَّ الاستهزاءَ بالدِّينِ- كيف كان- كُفرٌ باللهِ؛ وذلك لأنَّ الاستهزاءَ يدُلُّ على الاستخفافِ، والعُمدةُ الكُبرى في الإيمانِ تَعظيمُ اللهِ تعالى بأقصى الإمكانِ، والجمعُ بينهما مُحالٌ [1122] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/95). .
التوبةُ مَقبولةٌ مِن كلِّ ذَنبٍ، وإن كان عظيمًا؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [1123] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (1/342). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ إن قيل: المُنافِقُ كافِرٌ، فكيف يَحذَرُ نُزولَ الوَحيِ على الرَّسولِ؟ فالجوابُ أنَّ في ذلك وجوهًا:
الأول: أنَّ القَومَ وإن كانوا كافرينَ بِدينِ الرَّسولِ، إلَّا أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يُخبِرُهم بما يُضمِرونَه ويَكتمونَه؛ فلهذه التَّجربةِ وقَعَ الحَذَرُ والخَوفُ في قلوبِهم.
الثاني: أنَّهم كانوا يَعرفونَ كَونَه رَسولًا صادقًا مِن عند الله تعالى، إلَّا أنَّهم كفَروا به؛ حسَدًا وعِنادًا.
الثالث: أنَّهم كانوا شاكِّينَ في صِحَّةِ نبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما كانوا قاطعينَ بفَسادِها. والشاكُّ خائِفٌ؛ فلهذا السَّبَبِ خافوا أن يُنزَّلَ عليه في أمْرِهم ما يفضَحُهم.
الرابع: هذا حذَرٌ أظهَرَه المُنافِقونَ على وجهِ الاستهزاءِ، حين رأوُا الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يذكُرُ كُلَّ شَيءٍ، ويُخبِرُ أنَّه عن الوَحيِ، وكان المُنافِقونَ يُكَذِّبونَ بذلك فيما بينهم، فأخبَرَ اللهُ رسولَه بذلك، وأمَرَه أن يُعلِمَهم أنَّه يُظهِرُ سِرَّهم الذي حَذِروا ظُهورَه، وفي قوله: اسْتَهْزِئوا دَلالةٌ عليه.
الخامس: معنى الحَذَرِ الأمرُ بالحَذَرِ، أي: لِيحذَرِ المُنافِقونَ ذلك [1124] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/93). .
قَولُ الله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ إن قيل: كيف قال عَلَيْهِمْ، مع أنَّ إنزالَ السُّورةِ إنَّما هو على النبيِّ، لا عليهم؟ فالجوابُ: أنَّ (على) هنا بمعنى (في)، كما في قَولِه تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة: 102]، أو أنَّ الإنزالَ هنا بمعنى القراءةِ عليهم [1125] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 234). .
إن قيل في قَولِه تعالى: تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ: إنَّ هذا تحصيلُ الحاصِلِ؛ لأنهم عالِمون به. قيل: تنبِّئُهم بأسرارِهم وما كَتَموه، شائعةً ذائعةً، وتفضَحُهم بظهورِ ما اعتَقَدوا أنَّه لا يَعرِفُه غيرُهم [1126] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 234-235). .
قَولُ الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فيه دلالةٌ على أنَّ اللَّاعِبَ والجادَّ سواءٌ في إظهارِ كَلِمةِ الكُفرِ، وأنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ كُفرٌ [1127] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (143). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ يدلُّ على أنَّ كَلِمةَ (إنما) تفيدُ الحَصرَ؛ إذ لو لم يكُنْ ذلك، لم يلزَمْ مِن كونِهم لاعبينَ ألَّا يكونوا مُستَهزِئينَ، فحينئذٍ لا يتِمُّ هذا العُذرُ [1128] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/94). .
قولُ الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يدلُّ على بُطلانِ قَولِ مَن يَقولُ: الكُفرُ لا يدخُلُ إلَّا في أفعالِ القُلوبِ [1129] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/95)، وينظر أيضًا: ((التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد)) لعلوي السقاف (ص: 12). .
قَولُ الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يدلُّ على أنَّ قَولَهم الذي صدَر منهم، كُفرٌ في الحقيقةِ، وإن كانوا مُنافِقينَ مِن قَبلُ، وأنَّ الكُفرَ يُمكِنُ أن يتجَدَّدَ مِن الكافرِ حالًا فحالًا [1130] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/96). .
قال اللهُ تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا يخلو أن يكونَ ما قالوه من ذلك جِدًّا أو هَزْلًا، وهو كيفما كان، كُفرٌ؛ فإنَّ الهَزْلَ بالكُفرِ كُفرٌ، لا خُلفَ فيه بين الأمَّةِ؛ لأنَّ أصلَ الدِّينِ مبنيٌّ على تعظيمِ اللهِ وتعظيمِ دينِه ورُسُلِه، والاستهزاءُ بِشَيءٍ من ذلك مُنافٍ لهذا الأصلِ، ومُناقِضٌ له أشَدَّ المناقَضةِ [1131] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/543)، ((تفسير السعدي)) (ص: 342). .
قَولُه تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ يدلُّ على أنَّ الاستهزاءَ باللهِ كُفرٌ، وبالرَّسولِ أيضًا كُفرٌ؛ وذلك من جهةِ أنَّ الاستهزاءَ باللهِ وَحدَه كُفرٌ بالضَّرورةِ، فلم يكُن ذِكرُ الآياتِ والرَّسولِ شَرطًا، فعُلِمَ أنَّ الاستهزاءَ بالرَّسولِ كُفرٌ، وإلَّا لم يكُن لذِكْرِه فائِدةٌ، وكذلك الآياتُ، وأيضًا مِن جِهةِ أنَّ الاستهزاءَ بهذه الأمورِ مُتلازمٌ [1132] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/48). .
قَولُ الله تعالى: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إن قيل: ظاهِرُ هذا أنَّهم كانوا مُؤمِنينَ فكفروا بهذا الاستهزاءِ الذي سَمَّوه خوضًا ولَعِبًا، وظاهِرُ السياقِ أنَّ الكُفرَ الذي يُسِرُّونَه، هو سبَبُ الاستهزاءِ الذي يُعلِنونَه. قيل: كِلاهما حقٌّ، ولكُلٍّ منهما وجهٌ؛ فالأولُ: بيانٌ لحُكمِ الشَّرعِ، وهو أنَّهم كانوا مؤمنينَ حُكمًا، فإنَّهم ادَّعَوا الإيمانَ، فجَرَت عليهم أحكامُ الإسلامِ، وهي إنَّما تُبنى على الظَّواهِرِ، والاستهزاءُ بما ذُكِرَ عمَلٌ ظاهِرٌ، يقطَعُ الإسلامَ ويَقتضي الكُفرَ، فبه صارُوا كافرينَ حُكمًا، بعد أن كانوا مُؤمِنينَ حُكمًا. والثاني: وهو ما دلَّ عليه السِّياقُ، هو الواقِعُ بالفِعلِ [1133] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/457). وذلك على أحدِ وجْهَي التأويلِ للآيةِ.
 دلَّ قولُه تعالى: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ في حقِّ المُستَهزئينَ: أنَّهم كفَّارٌ بالقَولِ، مع أنَّهم لم يعتَقِدوا صِحَّتَه، وهذا بابٌ واسعٌ، وفِقهُه: أنَّ التَّصديقَ بالقَلبِ يَمنعُ إرادةَ التكلُّمِ، وإرادةَ فِعْلٍ فيه استهانةٌ واستخفافٌ بالله سُبحانه وتعالى، كما أنَّه يُوجِبُ المحبَّةَ والتَّعظيمَ [1134] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 524). .
قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ الآيةُ نَصٌّ صريحٌ في أنَّ الخَوضَ في كتابِ اللهِ وفي رسولِه، وفي صفاتِ اللهِ تعالى ووَعْدِه ووَعيدِه، وجَعْلها موضوعًا للَّعِبِ والهُزُؤِ؛ كلُّ ذلك مِن الكُفرِ الحقيقيِّ الذي يَخرُجُ به المُسلِمُ مِن المِلَّة، وتَجري عليه به أحكامُ الرِّدَّةِ، إلَّا أن يتوبَ ويُجدِّدَ إسلامَه [1135] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/457). .
إذا تكلَّمَ المَرءُ بكَلِمةِ الكُفرِ طَوعًا، فقد شرَحَ بها صدرًا وهي كُفرٌ، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فقد أخبَرَ أنَّهم كفروا بعد إيمانِهم مع قولِهم: إنَّا تكلَّمْنا بالكفرِ مِن غَيرِ اعتقادٍ له، بل كنَّا نَخوضُ ونَلعَبُ، وبيَّنَ أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ كُفرٌ، ولا يكون هذا إلَّا ممَّن شرَحَ صَدرَه بهذا الكلامِ، ولو كان الإيمانُ في قَلبِه، منَعَه أن يتكَلَّمَ بهذا الكلامِ [1136] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/220). .
قال الله تعالى: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فكيف حكَمَ عليهم بالكُفرِ، ومع ذلك لم يُقِم عليهم الحَدَّ؟!
والجوابُ: لأنَّه كان في تَرْكِ قَتلِهم في حياةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَصلحةٌ تتضَمَّنُ تأليفَ القلوبِ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجَمْعَ كلمةِ النَّاسِ عليه، وكان في قَتْلِهم تنفيرٌ، والإسلامُ بعدُ في غُربةٍ، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحرَصُ شَيءٍ على تأليفِ النَّاسِ، وأترَكُ شَيءٍ لِما يُنفِّرُهم عن الدُّخولِ في طاعَتِه، وهذا أمرٌ كان يختَصُّ بحالِ حياتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [1137] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/497). ، وقيل غيرُ ذلك [1138] يُنظر: ((المحلى بالآثار)) لابن حزم ( 12/136)، ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 33، 356). .
قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فاعتَرَفوا واعتَذَروا؛ ولهذا قيل: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا عند أنفُسِهم قد أتَوْا كُفرًا، بل ظَنُّوا أنَّ ذلك ليس بكُفرٍ، فبيَّنَ أنَّ الاستهزاءَ باللهِ وآياتِه ورسولِه، كُفرٌ يَكفُرُ به صاحِبُه بعد إيمانِه، فدلَّ على أنَّه كان عندهم إيمانٌ ضَعيفٌ، ففعلوا هذا المحرَّمَ الذي عَرَفوا أنَّه مُحرَّمٌ، ولكِنْ لم يظنُّوه كُفرًا، وكان كُفرًا كفروا به، فإنَّهم لم يعتَقِدوا جوازَه [1139] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/273). ، وذلك على أحدِ وجهي التأويلِ للآيةِ.
دلَّ قولُه تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً على أنَّ الكافرَ بعد إيمانِه قد يُعفَى عنه وقد يُعذَّبُ، وإنَّما يُعفى عنه إذا تاب، فعُلِمَ أنَّ توبتَه مَقبولةٌ [1140] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 316). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
قولُه: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ فيه التَّعبيرُ بصِيغةِ المُضارِعِ يَحْذَرُ؛ لِمَا تُشْعِرُ به مِنِ اسْتِحضارِ الحالةِ [1141] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/249). .
وقولُه: أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ التَّعبيرُ بالتَّنبئةِ فيه مُبالَغةٌ في كونِ السُّورةِ مُشْتَمِلةً على أسرارِهم، كأنَّها تَعْلَمُ مِنْ أحوالِهم الباطنةِ ما لا يَعْلمونَه، فتُنبِّئهم بها، وتَنْعَى عليهم قبائحَهم [1142] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/79). .
قولُه: قُلِ اسْتَهْزِئُوا الأمرُ بالاسْتِهزاءِ أمْرُ تَهديدٍ ووعيدٍ [1143] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/453)، ((تفسير أبي السعود)) (4/79). .
قولُه: إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ فيه العُدولُ إلى التَّعبيرِ بالموصولِ مَا تَحْذَرونَ دونَ أنْ يُقالَ مَثلًا: (إنَّ اللهَ مُخْرجٌ سُورةً تُنبِّئكُمْ بما في قلوبِكُمْ)؛ لأنَّ الأهمَّ مِنْ تَهديدِهم هو إظهارُ سَرائرِهم لا إنزالُ السُّورةِ؛ فذِكْرُ الصِّلَةِ وافٍ بالأمرينِ: إظهارُ سرائرِهم، وكونُه في سُورةٍ تَنْزِلُ، وهو أنْكَى لهم، ففيه إيجازٌ بديعٌ [1144] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/249). . مَعَ ما فيه مِنَ التَّأكيدِ بـ(إنَّ) واسْميَّةِ الجُملةِ.
قولُه تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ
قولُه: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فيه قَصْرٌ بـإِنَّمَا، وهو هنا للتَّعيينِ، أي: ما تَحدَّثْنا إلَّا في خَوضٍ ولَعِبٍ دونَ ما ظَنَنتَهُ بِنا مِنَ الطَّعْنِ والأذى [1145] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/250). .
قولُه: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ الاسْتِفهامُ فيه إنكاريٌّ توبيخيٌّ، وهو تَقريرٌ على اسْتِهزائِهم، وضَمَّنَه الوَعيدَ، ولم يَعْبأْ باعْتِذارِهم؛ لأنَّهم كانوا كاذبينَ فيه، فجُعِلوا كأنَّهم مُعْترِفونَ باسْتِهزائهم، وبأنَّه مَوجودٌ مِنهم، حتَّى وُبِّخوا بإخطائِهم مَوضِعَ الاسْتِهزاءِ، حيثُ جُعِلَ المُستَهزَأُ به يلي حَرْفَ التَّقريرِ، وذلك إنَّما يَستقيمُ بَعْدَ وقوعِ الاسْتِهزاءِ [1146] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/286)، ((تفسير أبي حيان)) (5/454)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/251). .
وتقديمُ المعمولِ أَبِاللَّهِ على فِعْلِه العاملِ فيهِ تَسْتَهْزِؤُونَ؛ لقَصْدِ قَصْرِ التَّعيينِ؛ لأنَّهم لَمَّا أتوا في اعْتِذارِهِمْ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ بصيغةِ قَصْرِ تَعيينٍ، جِيءَ في الرَّدِّ عليهم بصِيغةِ قَصْرِ تَعيينٍ؛ لإبطالِ مُغالَطتِهِمْ في الجوابِ، فأَعلَمَهم بأنَّ لَعِبَهم الذي اعْتَرَفوا به ما كان إلَّا اسْتِهزاءً باللهِ وآياتِهِ ورَسولِهِ، لا بغيرِ أولئك [1147] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/251). .
قوله تعالى: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
وقولُه: لَا تَعْتَذِرُوا فيه تَوكيدٌ لمضمونِ جُمْلةِ: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، مع زيادةِ ارْتِقاءٍ في التَّوبيخِ، وارْتِقاءٍ في مَثالِبِهم بأنَّهم تَلبَّسوا بما هو أشدُّ، وهو الكُفْرُ؛ فلذلك فُصِلتِ الجُمْلةُ عن التي قَبْلَها، أي: لم تُعْطَفْ عليها [1148] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/251). .
قولُه: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ تَعليلٌ لقولِه: لَا تَعْتَذِرُوا وهو نهيٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسويةِ وعدمِ الجَدْوى [1149] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/252). .