موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (97-103)

ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ

غريب الكلمات:


نَبَذَهُ: ترَكه ولم يعمل به، أو طرَحه لقلَّة اعتداده به، وأصل النبذ: طَرْح الشيء وإلقاؤه [854] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 59)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/380)،  ((المفردات)) للراغب (ص: 788)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 87). .
بِبَابِلَ: اسم بلد، قيل: الكوفة، وقيل: بلد من سواد الكوفة، وقيل: نصيبين، وقيل غير ذلك [855] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/187-190) ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 87)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 253). . وينسب إليها السحر والخمر [856] يُنظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (1/309-311). . وتوجد حاليًّا محافظة بالعراق تسمى بابل.
لَمَثُوبَةٌ: أي: جزاء ثابت، أو ثواب، وهو عبارة عن المنفعة الخالِصة المقرونة بالتعظيم، والمثوبة مختصَّة بالخير، كما أن العقوبة مختصَّة بالشر [857] يُنظر: ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 87)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 327، 881). .

المعنى الإجمالي:


حين أعلن اليهودُ عداوتَهم لجبريلَ عليه السَّلام، وزعَموا أنَّ الذي منَعَهم من الإيمان بالنبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو ولايتُه لجبريلَ عليه السَّلام- أَمَر الله سبحانه نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يُخبرهم بأنَّ جبريل أنزل القرآن بأمْر الله، ولم يَنزل من تلقاء نفْسه، فعداوتهم له إنَّما هي عداوةٌ لله في الواقع، كما أنَّ القرآن الذي نزل به يُصدِّق ما سبقه من الكتُب السماويَّة، وهو دليلٌ على الحق، وفيه الإخبارُ بموعود الله للمؤمنين.
ثم أخبر تعالى أنَّ مَن عادَى اللهَ تعالى، أو ملَكًا من الملائكة، أو رسولًا من الرُّسُل فهو كافر، والله تعالى يُعادي كلَّ كافر.
ثم قال لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّه قد أنزل إليه دلائلَ واضحةً على صِدق نبوَّته، وإنَّها- لشدَّة وضوحها- لا يَجحدها إلَّا مَن هو خارجٌ عن الإيمان.
ثمَّ أخبَر الله تعالى أنَّ نقض العهود هو عادةٌ لدى اليهود؛ فكلَّما التزموا بعهدٍ، قام بنقضه جماعةٌ منهم؛ ذلك لأنَّ أكثر اليهود غير مُقرِّين بالحقِّ، ولا يُطبِّقونه قولًا ولا عَملًا.
ولَمَّا بُعث محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ من عند الله، وقد وافقتْ صِفتُه ما هو موجودٌ عندهم في التوراة، ترك جماعةٌ من اليهود العملَ بالتوراة التي تحضُّ على الإيمان بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، متجاهلين تعاليمَها، وكأنَّهم لا يعلمون ما تضمَّنتْه من صفاته، والحثِّ على متابعته.
واتَّبع هؤلاء اليهودُ ما اختلقتْه الشياطين في عهد نبيِّ الله سليمانَ عليه السَّلام من السِّحر، ونَسَبوه إليه، زاعمين أنَّه حصَل على مُلك عظيم بهذا السِّحر، واتَّبعوا أيضًا السِّحرَ المنزَّلَ على الملَكين: هاروت وماروت، في بابل بأرض العراق. ولا يقوم هذان المَلَكان بتعليم السحر لأحدٍ من الناس حتَّى يُقدِّما له النصيحةَ بأنَّهما مجرَّد ابتلاء لبني آدم، ويُحذِّراه من الإقدام على الكُفر بالله بتعلُّم السِّحر وممارسته. فمَن لم يَقبَل بنصحهما يتعلَّم السِّحرَ منهما، ويقدر من خلاله على التفريق بين الزَّوجين، ولكن لا يستطيع أن يضرَّ أحدًا إلَّا بمشيئة الله سبحانه، ويتعلَّم هؤلاء من المَلَكينِ ما هو ضررٌ عليهم ولا يعود عليهم بالنَّفع البتَّةَ، وقد علِم اليهودُ أنَّ مَن سلَك هذا الطريق، فليس له في الآخرةِ من نَصيب، ولبئسَ هذا العمل لو كانوا يعلمون مدَى ضررِه عليهم! ولو اختاروا طريقَ الإيمان والتقوى بدَلَ السِّحر، لأثابهم الله تعالى ثوابًا يكون خيرًا لهم من حظوظ الدُّنيا الفانية.

تفسير الآيات:


قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97).
سبب النُّزول:
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((أقبلتْ يهودُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنَّا نسألُك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتْنا بهنَّ، عرَفْنا أنَّك نبيٌّ واتبعناك، فأخَذ عليهم ما أخَذ إسرائيلُ على بنيه؛ إذ قالوا: اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قال: هاتوا، قالوا: أخبِرْنا عن علامة النبيِّ، قال: تنام عيناه ولا ينام قلبُه، قالوا: أخبِرْنا كيف تؤنِّث المرأة وكيف تُذكِّر؟ قال: يَلتقي الماءانِ، فإذا علَا ماءُ الرجُل ماءَ المرأة أذْكَرت، وإذا علَا ماءُ المرأة ماءَ الرجُل آنثَتْ، قالوا: أخبِرْنا ما حرَّم إسرائيل على نفْسه؟ قال: كان يَشتكي عِرق النَّسا فلم يجِد شيئًا يلائمه إلَّا ألبانَ كذا وكذا، قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال بعضُهم: يعني الإبل، قال: فحرَّم لحومها، قالوا: صدقتَ، قالوا: أخبِرْنا ما هذا الرَّعد؟ قال: ملَكٌ من ملائكة الله عزَّ وجلَّ موكَّل بالسَّحاب، بيده أو في يده مِخراق من نار، يزجُر به السحاب يسوقُه حيث أمر الله، قالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقتَ، إنَّما بقِيَتْ واحدةٌ، وهي التي نبايعك إنْ أخبرتَنا بها، فإنَّه ليس من نبيٍّ إلَّا له مَلَك يأتيه بالخبَر، فأخبِرْنا من صاحبك؟ قال: جبريلُ عليه السَّلام، قالوا: جبريل! ذاك الذي يَنزل بالحَرْب والقِتال والعذاب! عدوُّنا! لو قلت: ميكائيل، الذي يَنزل بالرحمةِ والنَّبات والقَطر، لكان! فأنزل الله عزَّ وجلَّ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ إلى آخِر الآية )) [858] أخرجه الترمذيُّ (3117) (جزءًا منه)، وأحمد (1/274) (2483) واللفظ له. قال الترمذي: حسنٌ غريب، وذكر ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (8/16) أن له طرُقا يقوِّي بعضها بعضًا. وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (4/161)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3117). وقد حَكى ابن جرير الإجماعَ على ذلك، فقال: (أجمع أهلُ العلم بالتأويل جميعًا على أنَّ هذه الآية نزلَتْ جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعَموا أنَّ جبريل عدوٌّ لهم، وأنَّ ميكائيل وليٌّ لهم) ((تفسير ابن جرير)) (2/283). .
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله.
أي: قلْ يا محمَّد، لهؤلاء اليهود الذين زعَموا أنَّ الذي منَعَهم من الإيمان برسالتك، أنَّ وليَّك جبريلُ عليه السَّلام، وأنَّه لو كان وليُّك أحدًا سواه من الملائكة لآمَنوا بك- قل لهم: مَن عادى جبريلَ عليه السَّلام، فليعلمْ أنه هو الذي نزَل بالقرآن على قلبِك، وجبريل لا يَنزل بالأمر من تِلقاء نفْسه، وإنَّما ينزل بأمْر الله تعالى، وهذا يَعني أنَّهم بقولهم ذلك يُعادُون الله تعالى في الحقيقة؛ أمَّا جبريل فهو رسولٌ محضٌ [859] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/292، 294، 296)، ((تفسير ابن كثير)) (1/341-342)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/42)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/314). .
كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 192 - 194].
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.
أي: إنَّ القرآن نزَل والحال أنَّه متطابق مع الكتُب الإلهيَّة الأخرى التي سبقتْه كالتوراة، وموافِق لها، ومن ذلك ما فيها من الأمر باتِّباع محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهو دَلالة على الحقِّ، وبُشرى من الله تعالى للمؤمنين خاصَّةً، وفيه أنواعٌ من البِشارات لهم، ومن ذلك ما أعْلمَهم الله تعالى فيه بما أعدَّ لهم في الآخِرة من النَّعيم المقيم [860] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/299-300)، ((تفسير ابن كثير)) (1/342)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60). .
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98).
سبب النُّزول:
عن ابنِ أَبي لَيْلَى قال: ((إنَّ يهوديًّا لقِي عُمرَ فقال: إنَّ جبريل الذي يذكُر صاحبُكم عدُوٌّ لنا، فقال عمرُ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهْ إلى لِلْكَافِرِين قال: فنزلتْ على لسان عُمرَ)) [861] أخرجه ابنُ أبي حاتم في ((تفسيره)) (1/182). قال ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (8/16): له طرُقٌ يقوِّي بعضها بعضًا. .
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98).
أي: إنَّ مَن عادى الله تعالى، أو أحدًا ممَّن ذُكروا من الملائكة عمومًا، أو جِبريل وميكال خصوصًا، أو مِن بقيَّة رُسل الله الكِرام من البَشر كمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، مَن عاداهم أو أحدًا منهم فإنَّه كافر، والله تعالى يتَّخذه عدوًّا له؛ لأنَّه سبحانه يُعادي كلَّ كافر [862] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/301-302)، ((تفسير ابن كثير)) (1/342-343)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/315). .
عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ اللهَ قال: منَ عادَى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحَربِ )) [863] رواه البخاري (6502). .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99).
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ.
أي: قد أنزلنا إليك- يا محمَّد- فيما أُوحي إليك من القُرآن، آياتٍ هي دلائل واضحة، دالَّةٍ على صِدق نبوَّتك [864] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/304)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60). .
وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ.
أي: هذه الآيات البيِّنات قد بلَغتْ من الوضوح والدَّلالة على الحقِّ، مَبلَغًا عظيمًا، ووصلتْ إلى حال لا يَجحدها ويمتنع من قَبولها إلَّا مَن خرَج عن دائرة الإيمان، والالتزام بشريعة الرَّحمن [865] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/306) ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/180)، ((تفسير ابن عطية)) (1/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/625)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/319). .
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100).
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ.
هذا توبيخٌ وتعجُّبٌ من الله تعالى، مِن صنيع اليهود الذين لا يلتزمون بما عَهِد الله تعالى إليهم، وهو التمسُّك بأوامره سبحانه في التوراة، ومن ذلك الإيمانُ بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ واتِّباعه؛ فكلَّما وعَدوا بالالتزام بعهدٍ من عهود التوراة، نقَضَه جماعةٌ منهم وطرَحوه، تاركين الوفاءَ به [866] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/308-310)، ((تفسير ابن كثير)) (1/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/625). .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
أي: إنَّ أكثرَ اليهود غير مصدِّقين بالحقِّ اعتقادًا وقولًا وعملًا، وعدَم إيمانهم هو الذي حمَلَهم على نبْذ العهود [867] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/310)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/181)، ((تفسير ابن عطية)) (1/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/625). .
لو صَدَق إيمانهم، لكانوا مِثل مَن قال الله فيهم: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23].
قال تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [الأنفال: 55-56].
وقال سبحانه: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة: 13].
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101).
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ.
أي: ولَمَّا أتى اليهودَ رسولٌ مرسَلٌ من قِبل الله عزَّ وجلَّ، وهو محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقد جاءهم بصفته الموافقة لِما في التوراة من صِفاته وإثبات رِسالته، والتي يزعمون أنَّهم متمسِّكون وملتزمون بما فيها [868] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/311)، ((تفسير ابن كثير)) (1/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60). وممَّن قال من السَّلف بأن المقصود بالرَّسول: محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: السُّدِّي، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/311)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/184). .
نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
أي: ترَك طائفةٌ من اليهود أصحابِ التوراة، العملَ بالتوراة التي أنزلها الله تعالى عليهم، بالدُّخول في دِين محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ترَكوا ذلك متجاهلين، وكأنَّهم لا يعلمون ما في التوراة من البشارة بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وذِكر صِفاته، والأمر باتِّباعه [869] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/311)، ((تفسير القرطبي)) (2/41)، ((تفسير ابن كثير)) (1/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/42).   .
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
مَن ترَك ما يَنفعُه مع إمكانيةِ الانتفاعِ به، فإنَّه يُبتُلى بالاشتغال بما يضرُّه، فكذلك هؤلاء اليهودُ؛ فلَمَّا ذكَر الله تعالى أنَّهم نبَذوا كتابَ الله، ذكَر اشتغالَهم بما يضرُّهم، فقال [870] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 60-61). ويُنظر: ((القواعد الحسان)) للسعدي (ص: 96). :
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ .
أي: اتَّبع اليهود ما تختلقُه الشياطينُ وتتقوَّلُه، من السِّحر على عهد سليمان، وتَنسُبه إليه، حيث أخرجت الشياطين للناس السِّحر، وزعَموا كذبًا أنَّ سليمان عليه السَّلام كان يستعمله، وأنه حصَل له به المُلك العظيم [871] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/313-321)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 121)، ((تفسير ابن كثير)) (1/350)، ((تفسير السعدي)) (ص: 60-61). وممَّن ذهب من السَّلف إلى نحو ما ذُكر في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ: ابن عبَّاس، وأبو العالية. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/185). .
وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.
أي: إنَّ سليمانَ عليه السَّلام بريءٌ من تُهمة السِّحر التي أَلْصَقَها به اليهود، فلم يكُن كافرًا يمارس السِّحر، أو يُعلِّمه للآخرين؛ وذلك لأنَّ السِّحر كُفر، بل الذين كفروا بسبب السِّحر في الحقيقة هم الشياطين الذين يُعلِّمونه للناس؛ إضلالًا لهم [872] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/322-323) ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/182)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/630)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/327). .
وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
أي: واتَّبع اليهود أيضًا السِّحرَ، الذي أُنزل على الملَكين: هاروت وماروت، في بابل من أرضِ العِراق [873] وهذا اختيار ابن جرير في ((تفسيره)) (2/339)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 61)، وابن عثيمين في ((تفسيرالفاتحة والبقرة)) (1/328-329). ويُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (6/15)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 221-222). وممَّن ذهَب إلى هذا القول من السَّلف ابن عبَّاس، وعبد الله، وقتادة، والسُّدِّي، وابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/332)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/188). أمَّا بالنِّسبة لتفصيل قصَّة المَلَكين: هاروت وماروت، فقد قال ابنُ كثير: (وقد رُوي في قصة هاروت وماروت عن جماعةٍ من التابعين، كمجاهد والسُّدِّي، والحسن البصري، وقَتادة وأبي العالية والزهري، والرَّبيع بن أنس، ومقاتل بن حيَّان، وغيرهم، وقصَّها خَلْقٌ من المفسِّرين من المتقدِّمين والمتأخِّرين، وحاصلها راجعٌ في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديثٌ مرفوع صحيح، متَّصل الإسناد إلى الصَّادق المصدوق المعصوم، الذي لا يَنطِق عن الهوى، وظاهرُ سياق القرآن إجمالُ القِصَّة من غير بسْط ولا إطناب فيها، فنحن نُؤمِن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلمُ بحقيقة الحال) ((تفسير ابن كثير)) (1/360). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/186)، ((تفسير القرطبي)) (2/50)، ((البداية والنهاية) لابن كثير (1/51)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/639-640). .
وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ.
أي: وما يعلِّم هذانِ الملَكانِ السِّحرَ لأحدٍ من الناس، حتى يَنصحاه فيقولَا له: إنَّما نحن هنا لتعليم السِّحر؛ اختبارًا وابتلاءً لبني آدم، فلا تَكفُرْ بالله؛ بسبب تعلُّم السِّحر وممارسته [874] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/355-356)، ((تفسير ابن كثير)) (1/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61). .
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.
أي: فيتعلَّم الناسُ السِّحرَ من المَلَكينِ بما يَتصرَّفون به تصرُّفاتٍ مذمومةً، من أعظمِها التفريقُ بين الزَّوجين، مع ما بينهما من المودَّة والرَّحمة [875] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/357-359)، ((تفسير ابن كثير)) (1/363-364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/35). .
عن جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ إبليسَ يَضَعُ عرشَه على الماءِ ثمَّ يبعثُ سَراياهُ، فأدْناهم منهُ منزلةً أعظمُهم فِتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وَكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئًا! قال: ثمَّ يجيءُ أحدُهم، فيقولُ: ما ترَكتُه حتَّى فرَّقتُ بينَه وبينَ امرأتِه، قال: فيُدنيهِ منهُ، ويقولُ: نِعمَ أنتَ! )) [876] رواه مسلم (2813). .
وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ.
أي: وما هؤلاء المتعلِّمون السِّحرَ من الملَكيْن، وفاعِلو تلك الأفعال القَبيحة، بضارِّين بذلِك أحدًا من الخَلْق، إلَّا بإذن الله تعالى الكوني، أي: بقُدرته ومشيئته سبحانه [877] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/361-362)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (11/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/329). .
وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.
أي: إنَّ السِّحرَ الذي يتعلَّمه هؤلاء المشتغِلون به ضررٌ محضٌ عليهم في الدنيا، ليس فيه نفْعٌ مطلقًا [878] يُنظر: رسالة (الكلام على قوله تعالى: إنَّما يَخشَى اللهَ من عبادِه العلماءُ) من ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/806)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/645)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/329). وقيل: بل ينفعُهم، ولكن ما فيه من المضرَّة عليهم دِينيًّا وأُخرويًّا أكثرُ ممَّا فيه من الفائدة لهم في الدُّنيا. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/362)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/186)، ((تفسير ابن عطية)) (1/188)، ((جامع الرسائل)) لابن تَيميَّة (2/234)، ((تفسير ابن كثير)) (1/364). .
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.
أي: قد علِم أولئك اليهودُ أنَّ مَن استبدل السِّحرَ بكتاب الله تعالى ومتابعةِ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، أنَّه ليس له في الآخِرة حظٌّ ولا نصيبٌ من الجَنَّة [879] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/362-367)، ((تفسير ابن كثير)) (1/364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61)،  ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/39). .
وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
أي: ولبئس البديلُ السِّحرُ الذي تعلَّموه، بديلًا عن كِتاب الله تعالى، ومتابعة رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، لو كانوا يَعلمون أنَّهم إنَّما باعُوا أنفسَهم، وحظَّهم من الآخِرة بما يَضرُّهم في الدُّنيا أيضًا، ولا ينفعهم [880] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/367)، ((تفسير ابن كثير)) (1/364)، رسالة (الكلام على قوله تعالى: إنَّما يَخشَى اللهَ من عبادِه العلماءُ) من ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/804-806)، ((تفسير  السعدي)) (ص: 61)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/647). .
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103).
أي: إنَّهم لو اختاروا الإيمانَ والتقوى بدلَ السِّحرِ، لكان اللهُ يثيبُهم على ذلك ما هو خيرٌ لهم ممَّا طلبوه في الدُّنيا لو كانوا يَعلمون، فيَحصُل لهم في الدنيا من ثواب الإيمان والتقوى من الخير، الذي هو جَلْب المنفعة ودفْع المضرَّة، ما هو أعظمُ ممَّا يُحصِّلونه بالسِّحر من خير الدُّنيا، مع ما يُدَّخَرُ لهم من الثَّواب في الآخِرة [881] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/371)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/186)، ((تفسير ابن كثير)) (1/364)، (الكلام على قوله تعالى: إنَّما يَخشَى اللهَ من عبادِه العلماءُ) من ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/806)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/334-336). .
كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص: 80].

الفوائد التربويَّة:


1- أنَّ الله تعالى قد يُيسِّر أسباب المعصية؛ امتحانًا للناس؛ لقوله تعالى: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [882] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/332). .
2- أنَّه يجب على الإنسان أن يَبذُلَ نُصحَه للناس، وإنْ أوجب ذلك إعراضَهم عنه؛ لقوله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [883] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/332). .
3- أنَّ الأسباب وإن عظُمت لا تأثيرَ لها إلَّا بإذن الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله، فينبغي اللجوءُ إلى الله دائمًا، سواء في جلْب المنافع، أو دفْع المضارِّ [884] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/333). .
4- في قوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، دلالةٌ على أنَّ مَن ترَك ما ينفعه، ابتُلي بالاشتغال بما يضرُّه؛ فمَن ترَك عبادة الرحمن، ابتُلي بعبادة الأوثان، ومَن ترك محبَّة الله وخوفَه ورجاءَه، ابتُلي بمحبة غير الله وخوفِه ورجائِه، ومن لم يُنفق مالَه في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشَّيطان، ومَن ترَك الذلَّ لربِّه، ابتُلي بالذلِّ للعبيد، ومَن ترَك الحقَّ، ابتُلي بالباطل [885] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 60)، ويُنظر: ((القواعد الحسان)) للسعدي (ص: 96). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قد وعَى القرآنَ وعيًا كاملًا، لا يتطرَّق إليه شكٌّ؛ لقوله تعالى: نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ؛ لأنَّ ما نفذ إلى القلب، حلَّ في القلب؛ وإذا حلَّ في القلب، فهو في حِرز مكين [886] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/316). .
2- أنَّ نبْذَ مَن عِنده كتاب وعِلم أقبحُ ممَّن ليس عنده ذلك؛ كما نبذ في قوله تعالى: فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ؛ لإظهار شدَّة القُبح من هؤلاء في نبْذِهم [887] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/324). .
3- أنَّ هذا النَّبذ الذي كان منهم لا يُرجى بعدَه قَبول؛ لقوله تعالى: وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ؛ لأنَّ النبذ لو كان أمامهم ربَّما يتلقَّونه بعدُ؛ كذلك لو كان عن اليمين والشِّمال، لكن إذا كان وراءَ الظَّهر، فمعناه استبعادُ القَبول منهم [888] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/326). .
4- إثبات الجَزاء، وأنَّه مِن جِنس العمل؛ فإنَّ الكافر لَمَّا لم يجعلْ لله نصيبًا في دُنياه، لم يجعل اللهُ له نصيبًا من نعيم الجَنَّة في أُخراه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [889] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/334). .
5- أنَّ صاحب العِلم الذي يَنتفِع بعِلمه هو الذي يَحذَر ما يضرُّه؛ لقوله تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، فلو كانوا ذَوي عِلم نافع، لَمَا اشترَوا هذا العِلم الذي يضرُّهم، ولا ينفعُهم [890] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/334). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ فيه إضمار ما لم يَسبق ذكرُه؛ لأنَّه كالمعلوم؛ للدلالة على فخامة شأن صاحبِه؛ حيث يُجعل لفَرط شهرته كأنَّه يدلُّ على نفسه، ويُكتفَى عن اسمه الصريح بذِكر شيء من صفاته، فالهاء في قوله: فَإِنَّهُ تعود على جبريل، والهاء الثانية في: نَزَّلَهُ تعود على القرآن [891] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/170)، ((تفسير الرازي)) (3/612)، ((تفسير أبي حيان)) (1/516)، ((تفسير أبي السعود)) (1/134). .
2- قوله: وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
فيه وضْع المصدر (هدى وبشرى) موضعَ اسم الفاعل (هاديًا ومبشِّرًا)، على سبيل المبالغة، كأنَّه لَمَّا حصل به الهُدى والبُشرى، جُعِل نفْسَ الهدى والبشرى. أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذا هُدًى [892] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/514)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/218). .
وقدَّم (الهدى) على (البشرى)؛ لوجود الهُدَى قبْل البُشْرى، ولسببيَّته فيها؛ لأنَّ البُشرى عبارة عن الخبر الدال على حُصولِ الخير العظيم، وهذا لا يحصُل إلَّا في حقِّ المؤمنين المهتدين [893] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (3/613). .
3- في قوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ صُدِّر الكلام بذِكر الجليل سبحانه؛ تفخيمًا لشأنهم، وإيذانًا بأن عداوتهم عداوةٌ للهِ عزَّ وجلَّ. وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع؛ لأنَّ عداوة الرسل بسبب نزول الوحي، ونزوله بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله تعالى ومن بعده على هذا الترتيب [894] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/134)، ((تفسير القاسمي)) (1/360). .
4- قوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فيه عطف الخاص على العام، ويُسمَّى عند البعض (التجريد) [895] التجريد: هو اعتقاد أنَّ في الشيء من نفسِه معنًى آخَرَ كأنه مباين، له فيخرج ذلك إلى ألفاظه بما اعتقد ذلك كقولهم: لئن لقيت زيدًا لتلقين معه الأسدَ؛ فظاهر هذا أنَّ فيه من نفسه أسدًا، وهو عينه هو الأسد، لا أنَّ هناك شيئًا منفصلًا. ويُطلق عند البعض على عطف الخاصِّ على العام؛ كأنَّ الخاص جُرِّد من العام، وأُفرد بالذِّكر تفضيلًا، كما في هذه الآية. وله إطلاقات أخرى في البديع والمعاني. يُنظر: ((البرهان)) للزركشي (3/448) ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 243 - 244). ، حيث أُفرد جبريل وميكال بالذِّكر بعد ذكر الملائكة مع أنَّهما من جُملتهم؛ تشريفًا لهما، ولبيان فَضلهما ورفعة شأنهما، كأنَّهما من جنس آخر، تنزيلًا للتغاير الوصفيِّ، منزلة التغاير الذاتي، أو للاعتناء بهم؛ لأنَّ الآية إنما نزلت بسببهما، ودفعًا لإشكال: أنَّ الموجبَ للكُفر عداوة جميع الملائكة، فنبَّه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكُفر [896] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/170)، ((تفسير الرازي)) (3/613)، ((تفسير أبي حيان)) (1/516)، ((الدر المصون)) للسَّمين الحلبي (2/23)، ((تفسير أبي السعود)) (1/134). .
5- قوله: فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ
فيه وضع الظاهر موضعَ المضمر في موضعين: الأول: في قوله فَإِنَّ اللهَ ولم يقل: (فإنِّي)؛ لأجل حمل العباد على الامتثال لأمره بذكر ما هو أدعى لحصول خشيته ومهابته في نفوسهم. والثاني: في قوله: لِلْكَافِرِينَ ولم يقل: (لهم)؛ للدلالة على أنَّه تعالى عاداهم بسبب كفرهم، وللدَّلالةِ على أنَّ عداوة الملائكة والرُّسل كُفرٌ، وأن هذا الحكم يشمل كلَّ كافر [897] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/96)، ((الدر المصون)) للسَّمين الحلبي (2/22)، ((تفسير أبي السعود)) (1/134). .
6- في قوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فيه التِفات من الغَيبة إلى الخِطاب لرَسوله عليه الصلاة والسلام في قوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ؛ إشعارًا بالقرب، وتسليةً له بأنَّ عادةَ هؤلاء نكثُ عُهودهم؛ فلا تبالِ بمَن طريقتُه هذه، وأنَّهم سلَكوا هذه الطريقةَ معك [898] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/538)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 140). .
7- في قوله: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
استفهام، غرضُه الإنكار، وإعظامُ ما يُقدِمون عليه، وهذا أبلغُ في النكير عليهم، والتبكيت لهم [899] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (3/615)، ((تفسير أبي السعود)) (1/135). .
وفي التعبير بقوله: أَوَكُلَّمَا دلالة على أنَّ ذلك كالعادة فيهم، وفيه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عند كُفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأنَّ ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيَّتهم وعادتهم وعادة سلفهم [900] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (3/615). .
وجاء تنكير (عهدًا)؛ للدَّلالة على التَّكثير، أو للجِنس [901] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 141). .
8- في قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ نُكِّر الرسول للتفخيم، والجار بعده (من عند) متعلِّق بجاء، أو بمحذوف وقَع صِفة لرسول، لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكيرُ من الفخامة [902] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/135)، ((تفسير القاسمي)) (1/362). .
9- في قوله: مُصَدِّقٌ لِمَا أدخلت لام التقوية على مفعول مصدق (ما)؛ للدَّلالة على تقوية ذلك التصديق، أي: هو تصديق ثابت محقَّق لا يشوبه شيءٌ من التكذيب ولا التخطئة [903] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/622). .
10- قوله: وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فيه تمثيلٌ للإعراض؛ لأنَّ مَن أعرض عن شيء تجاوزه، فخلَّفه وراء ظهره، وإضافة الوراء إلى الظهر؛ لتأكيد بُعْد المتروك بحيث لا يلقاه بعدَ ذلك، فجَعل للظهر، وراءَ وإن كان هو هنا بمعنى الوراء، فالإضافة كالبيانية [904] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/626). .
11- قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا فيه تقديم نفي كفر سليمان على إثبات كفر الشياطين؛ لأنَّه الأهمُّ تعجيلًا لإثبات نزاهته وعِصمته عليه السَّلام [905] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/630)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 144). .
12- في قوله: مَا تَتْلُو يُعَلِّمُونَ ووَمَا يُعَلِّمَانِ ويَقُولَا وفَيَتَعَلَّمُونَ ويُفَرِّقُونَ ووَيَتَعَلَّمُونَ ويَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ جاء التعبير فيها بالمضارع مع أنَّه حِكاية للحال الماضية؛ لأنَّه أدْعى لاستحضار ذلك وتصويره في النَّفْس، وللدَّلالة على الاستمرار، وإشارة إلى كثرته وفشوِّه [906] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/72-73)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 144). .
13- قوله: حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ
فيه إفرادُ الفتنة مع أنَّ قائل ذلك اثنان، فلم يقل (فتنتان)؛ لكونها مصدرًا، وحملُها عليهما من باب المبالغة كأنَّهما نفسُ الفتنة [907] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/139). .
وفيه: القصرُ بـ(إِنَّما)؛ لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيَانِه شأنٌ سواها؛ لينصرِفَ الناسُ عن تعلُّم السحر [908] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/139). .
14- قوله: مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ فيه تأكيد ضَرَر السِّحر بعطف جُملة وَلَا يَنْفَعُهُمْ على جملة مَا يَضُرُّهُمْ عطف تأسيس لا توكيد [909] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 144). .
15- في قوله: مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ تنكير الخلاق، مع تأكيد النَّفي بـ(مِن) الاستغراقيَّة؛ للدَّلالة على عِظم جُرم تَعاطي هذا السِّحر؛ فلذلك لم يكن لمتعاطيه أي حظٍّ من الخير في الآخرة [910] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/646). .
16- قوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ... لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
فيه: تأكيد بالقَسَم؛ لتقرير المعنى المقصود من الآية، أو لتنزيلهم منزلةَ المنكرين؛ لعدم جريهم على مُقتضَى العِلم [911] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/173)، ((تفسير البيضاوي)) (1/98)، ((تفسير القاسمي)) (1/368)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 145). .
وفيه: تكرير (علموا) (يعلمون)، وفائدته: التَّسجيلُ عليهم بأنَّهم لا يَعلمون ما هو النَّفْع الحق [912] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/650). .
وفيه: تنزيل العالم منزلةَ الجاهل؛ فصدر الآية يدلُّ على ثبوت العلم بعدم نفع اشتراء السِّحر، وآخر الآية يَنفي عنهم العلمَ [913] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/159-160). .
17- قوله: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ فيه التعبير بالجملة الاسميَّة؛ للدَّلالة على ثبات المثوبة، والجزم بخيريتها، وحذف المُفضَّل عليه (السحر)؛ إجلالًا للمفضَّل (الإيمان والتقوى) من أن يُنسب إليه [914] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/174)، ((تفسير البيضاوي)) (1/98). .