موسوعة التفسير

سورةُ الأحزابِ
الآيات (21-24)

ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ

غَريبُ الكَلِماتِ:


أُسْوَةٌ: أي: ائتمامٌ، واتِّباعٌ، وقُدوةٌ، وأصلُ (أسو): يدُلُّ على المُداواةِ والإصلاحِ [381] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 461)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 109)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/105)، ((المفردات)) للراغب (ص: 76). .
قَضَى نَحْبَهُ: أي: قُتِل في سبيلِ الله، وفَرَغ مِن العملِ الَّذي كان نَذَره لله، وأوْجَبه له على نفْسِه، فاسْتُشْهِد، والنَّحْبُ: النَّذْرُ المحكومُ بوُجوبِه، ويُعبَّرُ بذلك عمَّن مات، كقَولِهم: قضى أجَلَه، كأنَّه ألزَمَ نَفْسَه أن تموتَ فوفَى به، وأصلُ (نحب): يدُلُّ على نَذرٍ وما أشبَهَه [382] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 349)، ((تفسير ابن جرير)) (19/61)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/404)، ((الغريبين)) للهروي (6/1815)، ((البسيط)) للواحدي (18/216)، ((تفسير السمعاني)) (4/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 793). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مُرشِدًا إلى التَّأسِّي بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد كان لكم -أيُّها المؤمنونَ- قُدوةٌ حَسَنةٌ في رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِهادِه وبَذْلِه نَفْسَه لله وصبرِه؛ لِمَن كان منكم يَرجو اللهَ ولِقاءَه، وذَكَر اللهَ ذِكرًا كثيرًا.
ثمَّ يَذكُرُ الله تعالى صورةً مشرقةً مضيئةً للمؤمنينَ الصَّادقينَ، فيقولُ: ولَمَّا رأى المؤمِنونَ الأحزابَ قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسولُه مِن الابتلاءِ وما يَعقُبُه مِن النَّصرِ والجزاءِ، وصَدَق اللهُ ورَسولُه. وما زادهم ما رأَوْا مِنِ اجتِماعِ الأحزابِ عليهم، وما أصابَهم مِنَ البلاءِ إلَّا إيمانًا وتَسليمًا لقضاءِ اللهِ تعالى.
مِنَ المؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا في عَهدِهم مع اللهِ، فبَذَلوا نفوسَهم في مَرْضاتِه؛ فمِنهم مَن ثَبَت مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ، أو عاش على الاستِقامةِ والطَّاعةِ، ومنهم مَن يَنتظِرُ قَضاءَ عَهدِه وإتمامَه، وما بَدَّلوا عَهْدَهم.
ثمَّ يُبيِّنُ اللهُ سبحانَه الحكمةَ مِن هذا الابتلاءِ والاختبارِ، فيقولُ: إنَّ اللهَ يَبتلي عبادَه بالشَّدائِدِ؛ لِيَجزيَ المؤمِنينَ الصَّادِقينَ بسَبَبِ صِدقِهم، ويُعَذِّبَ المنافِقينَ إن شاء، أو يُوَفِّقَهم للتَّوبةِ، إنَّ الله كان غَفورًا رحيمًا.

تَفسيرُ الآياتِ:


لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21).
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
أي: لقد كان لكم -أيُّها المؤمنونَ [383] قيل: هذا عِتابٌ. وقيل: أمرٌ بالائتساءِ. وقيل: مدْحٌ للمؤمنينَ. يُنظر: ((تفسير الكرماني)) (2/914). ممَّن اختار أنَّ هذا عِتابٌ مِن الله للمتخلِّفينَ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعسكرِه بالمدينةِ، مِنَ المؤمنينَ به: ابنُ جرير، ومكِّي، والواحدي، والقرطبي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/59)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5814)، ((البسيط)) للواحدي (18/213)، ((تفسير القرطبي)) (14/155)، ((تفسير الشوكاني)) (4/311). قال الشوكاني: (وهذه الآيةُ وإنْ كان سَبَبُها خاصًّا فهي عامَّةٌ في كلِّ شيءٍ، ومِثلُها: وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] ، وقَوْلُه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31]). ((تفسير الشوكاني)) (4/311). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّه أمرٌ بالاقتِداءِ به صلَّى الله عليه وسلَّم في اليقينِ والصَّبرِ ونُصرةِ الدِّينِ وسائرِ الفضائلِ: السمعانيُّ، والبغوي، وابنُ عطية، وابنُ جُزَي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/270)، ((تفسير البغوي)) (3/624)، ((تفسير ابن عطية)) (4/377)، ((تفسير ابن جزي)) (2/149). وممَّن اختار أنَّه مدْحٌ للمؤمنينَ: ابنُ عاشور، فقال: (أقبَلَ الكلامُ على خِطابِ المؤمنينَ في عُمومِ جماعتِهم؛ ثَناءً على ثباتِهم وتأسِّيهم بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم على تفاوُتِ دَرَجاتِهم في ذلك الائْتِساءِ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/302). وقال أبو حيان: (الظَّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَولِه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ للمؤمنينَ؛ لِقَولِه قبْلُ: وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ، وقَولِه بعدُ: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ، والمعنى: أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لكم فيه الاقتِداءُ؛ فكما نصَرَكم ووازَرَكم حتَّى قاتَلَ بنَفْسِه عَدُوَّكم؛ فكُسِرَت رَباعِيَتُه الكريمةُ، وشُجَّ وَجْهُه الكريمُ، وقُتِلَ عَمُّه، وأُوذِيَ ضُروبًا مِن الإيذاءِ- يجِبُ عليكم أن تَنصُروه وتوازِروه، ولا تَرغَبوا بأنفُسِكم عن نفْسِه، ولا عن مكانٍ هو فيه؛ وتَبْذُلوا أنفُسَكم دُونَه؛ فما حصل لكم مِن الهدايةِ للإسلامِ أعظَمُ مِن كلِّ ما تَفعَلونَه معه صلَّى الله عليه وسلَّم مِن النُّصرةِ والجِهادِ في سَبيلِ الله. وَيبعُدُ قَولُ مَن قال: إنَّه خِطابٌ للمُنافِقينَ). ((تفسير أبي حيان)) (8/466). - قُدوةٌ حَسَنةٌ في رَسولِ اللهِ وجِهادِه، وبَذْلِه نَفْسَه لنُصرةِ دينِ اللهِ، وصَبرِه ومُصابَرتِه ومُرابطتِه في غَزوةِ الخَندقِ؛ فتأَسَّوا به في ذلك وغيرِه [384] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/59)، ((تفسير القرطبي)) (14/155)، ((تفسير ابن كثير)) (6/391)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661). قال ابن عثيمين: (وقوله تعالى: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فيها معنيان: المعنى الأوَّلُ: أنَّ التَّأسِّيَ بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم كلُّه حسَنٌ؛ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم معصومٌ مِن الخطأِ في التَّشريعِ، فكلُّ التَّأسِّي به فهو حسَنٌ، بخِلافِ التَّأسِّي بغيرِه؛ فقد يكونُ حسَنًا، وقد يكونُ غيرَ حسَنٍ. المعنى الثَّاني: أسوةٌ حسَنةٌ باعتِبارِ تأسِّينَا به، لا باعتبارِ ما هو عليه، والأسوةُ الحسَنةُ باعتبارِ تأسِّينا به هو أن نَكونَ موافِقينَ له في القولِ والفعلِ والقَصدِ -الَّذي هو العقيدةُ-، فنوافِقه في هذه الأمورِ الثَّلاثةِ: في العقيدةِ والقولِ والفعلِ، هذه الأسوةُ الحسَنةُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 163). .
كما قال تعالى: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [التوبة: 88].
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
أي: إنَّ رَسولَ اللهِ قُدوةٌ حَسَنةٌ لِمَن كان يرجو اللهَ ولقاءَه، وثوابَه ورحمتَه، ويرجو يومَ القيامةِ والجَزاءَ فيه، وذَكَر اللهَ ذِكرًا كثيرًا [385] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/483)، ((تفسير ابن جرير)) (19/59)، ((الوسيط)) للواحدي (3/464)، ((تفسير القرطبي)) (14/156)، ((تفسير الشوكاني)) (4/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 166). .
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى حالَ المُنافِقينَ؛ ذكَرَ حالَ المؤمِنينَ [386] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (??/???). ، ولَمَّا ذُكِرَتْ أقوالُ المنافِقينَ والَّذين في قُلوبِهم مَرَضٌ، المُؤْذِنةُ بما يُداخِلُ قُلوبَهم مِنَ الخَوفِ، وقِلَّةِ الإيمانِ، والشَّكِّ فيما وعَدَ اللهُ به رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنينَ مِن النَّصرِ، ابتداءً مِن قَولِه: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأحزاب: 12] - قوبِلَت أقوالُ أولئك بأقوالِ المؤمِنينَ حينما نزَلَت بهم الأحزابُ، ورأَوا كَثرتَهم وعدَدَهم، وكانوا على بصيرةٍ مِن تفَوُّقِهم عليهم في القُوَّةِ والعَدَدِ أضعافًا، وعَلِموا أنَّهم قد ابتُلُوا وزُلزِلوا، كُلُّ ذلك لم يُخِرْ عزائِمَهم، ولا أدخَل عليهم شكًّا فيما وعَدَهم اللهُ مِن النَّصرِ [387] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/304). .
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
أي: ولَمَّا رأى المؤمِنونَ جُنودَ الكُفَّارِ الَّذين تحَزَّبوا وتألَّبوا عليهم في غَزوةِ الخَندَقِ؛ قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسولُه مِنَ الابتِلاءِ وما يَعقُبُه مِن النَّصرِ وحُسنِ الجَزاءِ، وصَدَق اللهُ ورَسولُه في وَعْدِنا بذلك [388] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/59)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/460)، ((تفسير ابن كثير)) (6/391، 392)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/324، 325)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/304)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/234). .
كما قال سُبحانَه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214] .
وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: 55] .
وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
أي: ولم يَزِدِ الصَّحابةَ ما رأَوا مِنِ اجتِماعِ الكُفَّارِ عليهم وما أصابَهم مِنَ البلاءِ في غَزوةِ الخَندَقِ إلَّا إيمانًا باللهِ ورَسولِه، وتَصديقًا بوَعدِه بالنَّصرِ، وانقيادًا لقَضائِه، وطاعةً لأمرِه وأمرِ رَسولِه [389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/59)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/460)، ((تفسير ابن كثير)) (6/392)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/305)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 170، 171). .
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى أنَّ المنافِقينَ عاهَدوا الله لا يُوَلُّون الأدبارَ، ونقَضوا ذلك العهدَ؛ ذكَر وفاءَ المؤمنينَ به [390] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 660). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (6/392). .
سَبَبُ النُّزولِ:
عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (عَمِّي أي: أنسُ بنُ النَّضرِ الَّذي سُمِّيتُ به لم يَشهَدْ مع رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بَدرًا، فشَقَّ عليه، قال: أوَّلُ مَشهَدٍ شَهِدَه رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم غُيِّبتُ عنه! وإنْ أَراني اللهُ مَشهَدًا فيما بعْدُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لَيَراني اللهُ ما أصنَعُ! فهاب أن يقولَ غَيرَها، فشَهِدَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ أُحُدٍ، فاستقبَلَ سَعدَ بنَ مُعاذٍ، فقال له أنَسٌ: يا أبا عَمرٍو، أينَ؟ فقال: واهًا لريحِ الجنَّةِ أجِدُه دُونَ أحُدٍ! فقاتَلَهم حتَّى قُتِلَ، فوُجِدَ في جَسَدِه بِضْعٌ وثمانون مِنْ بينِ ضَربةٍ وطَعنةٍ ورَميةٍ، فقالت أختُه عَمَّتي الرُّبَيِّعُ بنتُ النَّضرِ: فما عرَفْتُ أخي إلَّا ببَنانِه [391] البَنانُ: الأصابِعُ، وقيل: أطرافُها، واحِدتُها: بَنانةٌ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/157). . ونزَلَت هذه الآيةُ: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، فكانوا يُرَونَ أنَّها نزَلَت فيه وفي أصحابِه) [392] رواه البخاري (2805)، ومسلم (1903) واللَّفظُ له. .
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.
أي: مِنَ المُؤمِنينَ باللهِ ورَسولِه رِجالٌ صادِقونَ وَفَوْا بعَهدِهم مع اللهِ، فبَذَلوا نُفوسَهم في مَرْضاتِه [393] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/61)، ((تفسير ابن كثير)) (6/392)، ((تفسير الشوكاني)) (4/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/307). قيل: المرادُ بالعَهدِ هنا: الصَّبرُ والثَّباتُ عندَ القتالِ مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: ابنُ جرير، وابن كثير، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/61)، ((تفسير ابن كثير)) (6/392)، ((تفسير الشوكاني)) (4/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 177). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 10] .
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ.
أي: فمِنَ المؤمِنينَ الصَّادِقينَ مَن بَذَلَ جُهدَه حتَّى فرَغَ مِنَ العَمَلِ الَّذي عاهَدَ اللهَ عليه، فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ، أو عاشَ على الاستِقامةِ والطَّاعةِ، والجِهادِ والثَّباتِ عندَ لقاءِ العَدُوِّ حتَّى مات [394] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/61)، ((تفسير الزمخشري)) (3/532)، ((تفسير ابن عطية)) (4/378)، ((تفسير القرطبي)) (14/158، 160)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/460، 461)، ((تفسير ابن كثير)) (6/392، 395)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/329)، ((تفسير الشوكاني)) (4/313)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/307، 308)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 179). قال الزمخشري: (قَولُه: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ يحتَمِلُ مَوتَه شَهيدًا، ويحتَمِلُ وفاءَه بنَذرِه مِنَ الثَّباتِ مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم). ((تفسير الزمخشري)) (3/532). وممَّن ذهب إلى المعنى الأوَّلِ: ابنُ جرير، والقرطبي، وابن جُزَي، والشوكاني، والقاسمي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/61)، ((تفسير القرطبي)) (14/160)، ((تفسير ابن جزي)) (2/149)، ((تفسير الشوكاني)) (4/313)، ((تفسير القاسمي)) (8/58)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 177). وقال البقاعي: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى أي: أعطى نَحْبَهُ أي: نَذْرَه في مُعاهَدتِه أنَّه يَنصُرُ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويموتُ دونَه، وفرَغَ مِن ذلك وخرَجَ مِن عُهدتِه بأن قُتِلَ شَهيدًا، فلم يَبقَ عليه نَذرٌ؛ كحَمزةَ بنِ عبدِ المطَّلِبِ، ومُصعَبِ بنِ عُمَير، وعبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ... وغيرِ هؤلاء ممَّن قُتِلَ قبْلَ هذا في غزوةِ أُحُدٍ وغَيرِها. وسعدُ بنُ معاذٍ ممَّن جُرِح في هذه الغزوةِ، وحَكَم في بني قُرَيْظةَ بالقَتلِ والسَّبْيِ... وممَّن لم يُقتَلْ في عهدِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: طلحةُ بنُ عُبيد الله أحدُ العَشَرةِ، ثَبَت في أُحُدٍ، وفعَلَ ما لم يفعَلْه غيرُه؛ لزِمَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يُفارِقْه، وذَبَّ عنه ووقاه بيدِه حتى شَلَّت إصبَعُه، فشَهِدَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه ممَّن قضى نَحْبَه؛ فالمرادُ بالنَّحبِ هنا: العهدُ الَّذي هو كالنَّذرِ المُفضِي إلى الموتِ، وأصلُ النَّحبِ: الاجتِهادُ في العَمَلِ، ومِن هنا استُعمِلَ في النَّذرِ؛ لأنَّه الحامِلُ على ذلك). ((نظم الدرر)) (15/327). وقال ابن عطية: (أثنى اللهُ على رجالٍ مِن المؤمنينَ عاهَدوا اللهَ تعالى على الاستِقامةِ التَّامَّةِ، فوَفَوا وقَضَوا نَحْبَهم، أي: نَذْرَهم وعَهْدَهم... وقد يُسمَّى الموتُ نَحبًا، وبه فسَّر ابنُ عبَّاسٍ هذه الآيةَ. وقال الحَسَنُ: قَضى نَحْبَه: مات على عَهدِه. ويقالُ لِلَّذي جاهدَ في أمرٍ حتَّى مات: قضَى فيه نَحْبَه، ويُقالُ لِمَن مات: قضَى فُلانٌ نَحْبَه، وهذا تجوُّزٌ؛ كأنَّ الموتَ أمرٌ لا بُدَّ للإنسانِ أن يقَعَ به، فسُمِّيَ نَحبًا)، ثم ذكَرَ قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن طَلْحةَ: ((هذا ممَّن قضى نَحْبَه)) [الترمذي (3203) وحسن إسناده الألباني ((السلسلة الصحيحة)) (1/247)] ثم قال ابنُ عطيةَ: (فهذا أدَلُّ دليلٍ على أنَّ النَّحبَ ليس مِن شُروطِه الموتُ). ((تفسير ابن عطية)) (4/378). وقال السعدي: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ أي: إرادتَه ومطلوبَه، وما عليه مِن الحقِّ، فقُتِل في سبيلِ الله، أو مات مؤدِّيًا لحقِّه، لم يَنقُصْه شيئًا). ((تفسير السعدي)) (ص: 661). .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ.
أي: ومِنهم مَن ينتَظِرُ قَضاءَ عَهدِه وإتمامَه، كما وَفَى مَن مضَى منهم بعَهدِه لله [395] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/61)، ((تفسير القرطبي)) (14/160)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/461)، ((تفسير ابن جزي)) (2/149)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661). .
وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
أي: ولم يُغيِّرِ المؤمِنونَ الصَّادِقونَ عَهْدَهم ونَذْرَهم كما فعَل المنافِقونَ، ولا استَبدَلوا به غيرَه، بل وفَوْا به وأتَمُّوه [396] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/67)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/222)، ((تفسير القرطبي)) (14/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/392)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661). .
كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: 75 - 77].
وقال سُبحانَه: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [الأحزاب: 15] .
وعن أبي حازمٍ، قال: سَمِعتُ سَهلَ بنَ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنه يقولُ: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: ((أنا فرَطُكم [397] الفَرَطُ والفارِطُ هو الَّذي يَسبِقُ إلى الماءِ لِيُصلِحَ لهم الحِياضَ والدِّلاءَ ونحوَها حتَّى يَرِدُوا فيَشرَبوا. فمعنى: ((فرَطُكم علي الحَوضِ)): سابِقُكم إليه، كالمُهَيِّئِ له. يُنظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (3/2274)، ((شرح النووي على مسلم)) (15/53). على الحَوضِ، فمَن ورَدَه شَرِبَ منه، ومَن شَرِبَ منه لم يَظمَأْ بعْدَه أبدًا، لَيَرِدُ علَيَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويَعرِفوني، ثمَّ يُحالُ بيْني وبيْنَهم. قال أبو حازمٍ: فسَمِعَني النُّعمانُ بنُ أبي عيَّاشٍ وأنا أُحَدِّثُهم هذا، فقال: هكذا سَمِعْتَ سَهْلًا؟ فقُلتُ: نعمْ. قال: وأنا أشهَدُ على أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ لَسَمِعتُه يَزيدُ فيه قال: إنَّهم مِنِّي، فيُقالُ: إنَّك لا تَدري ما بدَّلوا بَعْدَك، فأقولُ: سُحْقًا سُحْقًا [398] سُحْقًا سُحْقًا: أي: بُعدًا بُعدًا، والتَّأكيدُ لِلمُبالَغةِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (3/139)، ((فتح الباري)) لابن حجر (11/385). لِمَن بدَّل بعدي!)) [399] رواه البخاري (7050) واللفظ له، ومسلم (2290). .
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24).
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ.
أي: يَبتلي اللهُ عِبادَه بالخَوفِ والشَّدائِدِ، ويأمُرُ المؤمِنينَ بجِهادِ الكافِرينَ؛ لِيُثيبَ المؤمِنينَ الصَّادِقينَ؛ بسَبَبِ صِدقِهم فيما عاهَدوا اللهَ عليه، وقيامِهم بالوَفاءِ به [400] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/68)، ((تفسير القرطبي)) (14/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/395)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/330)، ((تفسير السعدي)) (ص: 661). قال ابنُ عاشور: (لامُ التَّعليلِ يَتنازَعُه مِن التَّعلُّقِ كُلٌّ مِن صَدَقُوا وَمَا بَدَّلُوا، أي: صَدَق المؤمِنونَ عَهْدَهم وبَدَّلَه المنافِقونَ؛ لِيَجزيَ اللهُ الصَّادِقينَ، ويُعَذِّبَ المنافِقينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/308). .
كما قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: 179] .
وقال سُبحانَه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 31] .
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.
أي: ولِيُعَذِّبَ اللهُ المنافِقينَ الَّذين نَقَضوا عَهْدَهم ولم يَثبُتوا على دينِهم إذا لم يَشَأْ هِدايتَهم في الدُّنيا؛ أو يُوَفِّقَهم للتَّوبةِ إن شاء فلا يُعَذِّبَهم [401] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/68)، ((تفسير القرطبي)) (14/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/395)، ((تفسير السعدي)) (ص: 662)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 182، 183). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا.
أي: إنَّ اللهَ هو المتَّصِفُ أزَلًا وأبَدًا بالمَغفرةِ، فيَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، وهو المتَّصِفُ أزَلًا وأبَدًا بالرَّحمةِ، فيَرحَمُ عِبادَه [402] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/69)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/331)، ((تفسير الشوكاني)) (4/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 662)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 183). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- وُجوبُ التَّأَسِّي بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، يُؤخَذُ مِن قَولِه تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا؛ لأنَّ رجاءَ اللهِ تعالى واليومِ الآخِرِ واجبٌ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 167). .
2- قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا فأخبَرَ سُبحانَه وتعالى أنَّ الذين يُبتلَونَ بالعَدُوِّ كما ابتُليَ رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلهم فيه أُسوةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ أصابَهم مِثْلُ ما أصابَه؛ فلْيَتأسَّوا به في التَّوكُّلِ والصَّبرِ، ولا يَظُنُّوا أنَّ هذه نِقَمٌ لصاحِبِها، وإهانةٌ له؛ فإنَّه لو كان كذلك ما ابتُليَ بها رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم خيرُ الخلائِقِ، بل بها يَنالُ الدَّرَجاتِ العاليةَ، وبها يُكَفِّرُ اللهُ الخَطايا لِمَن كان يَرجو اللهَ واليومَ الآخِرَ، وذَكَرَ اللهَ كثيرًا؛ وإلَّا فقد يُبتلَى بذلك مَن ليس كذلك، فيَكونُ في حقِّه عَذابًا، كالكُفَّارِ والمنافِقينَ [404] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/459). .
3- أنَّ الواجبَ علينا أنْ يكونَ تأسِّينا بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم تأسِّيًا حَسَنًا لا غُلُوَّ فيه ولا تفريطَ؛ لِقَولِه تعالى: حَسَنَةٌ؛ لأنَّ الغُلُوَّ زيادةٌ، والتَّفريطَ نُقصانٌ، ودينُ اللهِ عزَّ وجلَّ بيْنَ الغالي فيه، والمُفَرِّطِ فيه [405] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 167). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
4- قَولُ الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا فيه دَلالةٌ على فَضلِ الاقتِداءِ بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّه الأُسوةُ الحَسَنةُ لا مَحالةَ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/303). .
5- قَولُ الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا قُرِنَ فيه الرَّجاءُ بذِكرِ اللهِ، والمُؤتَسي برَسولِ اللهِ هو الَّذي يكونُ راجِيًا ذاكِرًا [407] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/466). .
6- قَولُ الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا نبَّهَ على أنَّ الَّذي يَحمِلُ على التَّأسِّي به صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما هو الصِّدقُ في الإيمانِ، ولا سِيَّما الإيمانِ بالقيامةِ [408] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/323). .
7- في قَولِه تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا بيانُ أنَّ المؤمِنَ كلَّمَا أصابَتْه النَّكَباتُ والمصائِبُ فإنَّه يَلجأُ إلى رَبِّه، ويَزدادُ إيمانًا به ومَعرِفةً [409] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/449). .
8- في قَولِه تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا أنَّ المؤمِنَ يَزدادُ إيمانًا عندَ رؤيةِ الآياتِ الكَونيَّةِ أو الشَّرعيَّةِ [410] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 172). .
9- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ دَليلٌ على أنَّ الصِّدقَ أمْرُه عَظيمٌ، وأنَّه مَحَلٌّ للجَزاءِ مِنَ اللهِ سُبحانَه وتعالى، فعلى المسلم أنْ يَصْدُقَ؛ وأنْ يكونَ مِنَ الصَّادقينَ [411] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (1/291). في العقيدةِ وفي القولِ وفي الفعلِ وفي العملِ؛ فالصَّادقُ أهلٌ للجزاءِ الحَسَنِ [412] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 184). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أنَّ الخِطابَ للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خِطابٌ له وللأُمَّةِ، إلَّا ما قام الدَّليلُ على اختصاصِه به؛ فإنَّه يُؤخَذُ بالدَّليلِ [413] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 233). .
2- قَولُ الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عبَّرَ عنه بوَصفِ الرِّسالةِ؛ لأنَّه حَظُّ الخَلقِ منه؛ لِيَقتَدوا بأفعالِه وأقوالِه، ويَتخَلَّقوا بأخلاقِه وأحوالِه [414] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/323). ، فهذا الوصفُ يُفيدُ العِلِّيَّةَ، أي أنَّ عِلَّةَ الأُسْوةِ كَوْنُه رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإلَّا ما كان علينا أنْ نتأسَّى به؛ لأنَّه رجُلٌ مِن النَّاسِ! لكنْ لأنَّه رسولُ اللهِ تعالى كان لنا فيه أسوةٌ حسَنةٌ [415] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 161). .
3- قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا إذا آمَنَ الإنسانُ باليومِ الآخِرِ أوجَبَ له ذلك أنْ يعمَلَ، ولهذا يقولُ عزَّ وجلَّ: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [416] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 165). .
4- قَولُ الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ استدَلَّ الأصوليُّونَ بهذه الآيةِ على الاحتِجاجِ بأفعالِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ الأصلَ أنَّه أُسوةٌ للأمَّةِ في الأحكامِ، إلَّا ما دلَّ الدَّليلُ الشَّرعيُّ على الاختِصاصِ به [417] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 660). .
5- قولُه تعالى: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا فيه دليلٌ على صِحَّةِ مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ الَّذين يقولون: «إنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقصُ» [418] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 172). ويُنظر أيضًا: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 210). ، وهو حُجَّةٌ على المُرجِئةِ [419] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/647). .
6- قولُه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ في وَصْفِهم بالانتظارِ المُنبِئِ عن الرَّغبةِ في المُنتظَرِ، شَهادةٌ حقَّةٌ بكَمالِ اشتياقِهم إلى الشَّهادةِ [420] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/532)، ((تفسير البيضاوي)) (4/229)، ((تفسير أبي السعود)) (7/98). .
7- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ؛ لِقَولِه عزَّ وجلَّ: بِصِدْقِهِمْ؛ فإنَّ الباءَ للسَّببيَّةِ، والمسَبَّبُ مَربوطٌ بالسَّبَبِ يَقوَى بقوَّتِه، ويَضعُفُ بضَعْفِه، ويَزدادُ بزيادتِه، ويَنقُصُ بنُقصانِه [421] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 183). .
8- قال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ في تَعليقِ التَّعذيبِ على المَشيئةِ تَنبيهٌ لهم بسَعةِ رَحمةِ اللهِ، وأنَّه لا يَقطَعُ رَجاءَهم في السَّعيِ إلى مَغفرةِ ما أتَوْهُ بأنْ يَتوبوا، فيَتوبَ اللهُ عليهم، فلمَّا قابَلَ تَعذيبَه إيَّاهم بتَوبتِه عليهم؛ تَعيَّنَ أنَّ التَّعذيبَ باقٍ عندَ عدَمِ تَوبتِهم؛ لقولِه في الآيةِ الأُخرى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/309). [النساء: 48] . ففي قَولِه: إِنْ شَاءَ أنَّ المنافِقَ له تَوبةٌ، فإنَّه يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَهم إذا ماتُوا على النِّفاقِ، أمَّا إذا تابوا فقد شاءَ ألَّا يُعَذِّبَهم، ففيه ترغيبُ المنافقين في التَّوبةِ، وهذا دليلٌ على أنَّ رحمةَ اللهِ تعالى سَبَقَتْ غَضَبَه؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في حقِّ أولئك الَّذين يُعَذِّبُون أولياءَه ويُحَرِّقُونهم بالنَّارِ: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: 10]، وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: 73] ، ثمَّ قال بعدَ ذلك: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [المائدة: 74] ، فعَرَض اللهُ تعالى عليهم التَّوبةَ! وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يُحِبُّ العفوَ أكثرَ مِن العِقابِ [423] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 185، 186). .
9- قولُه تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ فيه ذَمُّ النِّفاقِ؛ وأنَّه سببٌ للعذابِ [424] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 185). .
10- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، كَانَ يُرادُ بها اتِّصافُ اسمِها بخبرِها بقَطْعِ النَّظَرِ عن الزَّمنِ -وهو ما يُعرفُ بـ «مسلوبةِ الزَّمنِ»-، يعني: لا يُرادُ بها الزَّمنُ إطلاقًا، بل يُرادُ بها تحقُّقُ هذا الوصفِ، فـ كَانَ يعني: ثَبَتَ، وقولُه سُبحانَه وتعالى: كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا يعني: أنَّه عزَّ وجلَّ لم يَزَلْ ولا يَزالُ كذلك غفورًا رحيمًا [425] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 187). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الكلامُ خبَرٌ، ولكنَّ اقترانَه بحَرْفَيِ التَّوكيدِ في (لقد) يُومِئُ إلى تَعريضٍ بالتَّوبيخِ للَّذين لم يَنتفِعوا بالأُسوةِ الحَسَنةِ مِن المنافقينَ والَّذين في قُلوبِهم مرَضٌ؛ فلذلك أُتِيَ بالضَّميرِ مُجمَلًا ابتداءً مِن قولِه: لَكُمْ، ثمَّ فُصِّلَ بالبدَلِ منه بقولِه: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، أي: بخلافٍ لِمَن لم يكُنْ كأولئك، فاللَّامُ في قولِه: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ تَوكيدٌ لِلَّامِ الَّتي في المُبدَلِ منه [426] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/302). .
- وحقُّ الأُسوةِ أنْ يكونَ المُؤتسَى به هو القُدوةَ؛ ولذلك فحَرْفُ (في) جاء على أُسلوبِ ما يُسمَّى بالتَّجريدِ المُفيدِ للمُبالَغةِ؛ إذ يُجرَّدُ مِن المَوصوفِ بصِفةٍ مَوصوفٌ مِثْلُه؛ لِيَكونَ كَذَاتَينِ، فالأصلُ: رسولُ اللهِ أسوةٌ، فقِيل: فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [427] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/402، 403)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/302، 303). .
- وجُعِلَ مُتعلَّقُ الائتِساءِ ذاتَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دونَ وَصْفٍ خاصٍّ؛ لِيَشمَلَ الائتساءَ به في أقوالِه بامتثالِ أوامرِه، واجتنابِ ما يَنْهَى عنه، والائتساءَ بأفعالِه مِن الصَّبرِ، والشَّجاعةِ، والثَّباتِ [428] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/303). .
- وفي إعادةِ اللَّامِ في قولِه: لِمَنْ تَكثيرٌ للمعاني المذكورةِ بكَثرةِ الاحتمالاتِ، وكلٌّ يَأخُذُ حَظَّه منها [429] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/303). .
- وفي هذِه الآيةِ تَعريضٌ بفَريقٍ مِن الَّذين صَدُّوا المُؤتسينَ عن الائتساءِ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ممَّن كانوا منافقينَ، أو في قُلوبِهم مرَضٌ مِن الشَّكِّ في الدِّينِ [430] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/303). .
2- قوله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا
- قولُه: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ بَيانٌ لِمَا صدَرَ عن خُلَّصِ المؤمنينَ عندَ اشتباهِ الشُّؤونِ، واختلافِ الظُّنونِ، بعدَ حِكايةِ ما صدَرَ عن غَيرِهم [431] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/97)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/305). .
- وفِعلُ (صَدَقَ) مُستعمَلٌ في الخبَرِ عن صِدقٍ مَضى، وعن صِدقٍ سيَقَعُ في المُستقبَلِ مُحقَّقٍ وُقوعُه، بحيث يُجعَلُ استقبالُه كالمُضِيِّ، مِثلُ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] ؛ فهو مُستعمَلٌ في مَعنى التَّحقُّقِ [432] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/304، 305). .
- في قولِه: وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَكريرُ الظَّاهرِ؛ تَعظيمًا، ولو أنَّه أعادَهما مُضْمَرينِ لَجمَعَ بيْنَ اسمِ الله تعالى واسمِ رسولِه في لَفظةٍ واحدةٍ، فقال: وصَدَقَا [433] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/229)، ((تفسير أبي السعود)) (7/97)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/623). .
3- قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أعقَبَ الثَّناءَ على جَميعِ المؤمنينَ الخُلَّصِ على ثَباتِهم ويَقينِهم، واستِعدادِهم لِلِقاءِ العَدُوِّ الكثيرِ يومَئذٍ، وعَزْمِهم على بَذْلِ أنفُسِهم ولم يُقدَّرْ لهم لِقاؤه؛ بالثَّناءِ على فَريقٍ منهم كانوا وَفَّوا بما عاهَدوا اللهَ عليه وَفاءً بالعمَلِ والنِّيَّةِ؛ لِيَحصُلَ بالثَّناءِ عليهم بذلك ثَناءٌ على إخوانِهم الَّذين لمْ يَتمكَّنوا مِن لِقاءِ العَدُوِّ يومَئذٍ؛ لِيُعلَمَ أنَّ صِدقَ أولئك يُؤذِنُ بصِدْقِ هؤلاء؛ لأنَّ المؤمنينَ يدٌ واحدةٌ [434] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/306، 307). .
- قولُه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ الإخبارُ عنهم بـ (رِجال) زِيادةٌ في الثَّناءِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ مُشتقٌّ مِن الرِّجْلِ، وهي قوَّةُ اعتِمادِ الإنسانِ [435] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/307). .
- قولُه: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا تَفصيلٌ لحالِ الصَّادقينَ، وتَقسيمٌ لهم قِسْمَينِ [436] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/98). .
- قولُه: وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أي: تَبديلًا ما؛ لا أصْلًا ولا وصْفًا، بل ثَبتُوا عليه راغبينَ فيه، مُراعينَ لِحُقوقِه على أحسَنِ ما يكونُ، أمَّا الَّذينَ قَضَوا فظاهرٌ، وأمَّا الباقُون فَيَشهَدُ به انتظارُهم أصْدَقَ شَهادةٍ. وتَعميمُ عدَمِ التَّبديلِ للفريقِ الأوَّلِ مع ظُهورِ حالِهم؛ للإيذانِ بمُساواةِ الفريقِ الثَّاني لهم في الحُكْمِ. ويجوزُ أنْ يكونَ ضَميرُ بَدَّلُوا للمُنتظِرينَ خاصَّةً، بِناءً على أنَّ المُحتاجَ إلى البَيانِ حالُهم [437] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/98). .
- وأيضًا قولُه: وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا في معنى قولِه: صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وإنَّما ذُكِرَ هنا؛ للتَّعريضِ بالمنافقينَ الَّذين عاهَدوا اللهَ لا يُوَلُّون الأدبارَ، ثمَّ ولَّوا يومَ الخَندقِ، فرَجَعوا إلى بُيوتِهم في المدينةِ [438] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/532، 533)، ((تفسير البيضاوي)) (4/229)، ((تفسير أبي السعود)) (7/98)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/308). .
- وانتُصِبَ تَبْدِيلًا على أنَّه مَفعولٌ مُطلَقٌ مُوكِّدٌ لـ بَدَّلُوا المَنفيِّ؛ ولعلَّ هذا التَّوكيدَ مَسوقٌ مَساقَ التَّعريضِ بالمُنافقينَ الَّذين بدَّلوا عهْدَ الإيمانِ، لَمَّا ظَنُّوا أنَّ الغَلَبةَ تكونُ للمشركينَ [439] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/308). .
4- قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
- قولُه: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ... مُتعلِّقٌ بمُضمَرٍ مُستأنَفٍ مَسوقٍ بطَريقِ الفَذْلَكةِ [440] تقدم تعريفها (ص: 51). ؛ لِبَيانِ ما هُو داعٍ إلى وُقوعِ ما حُكِيَ مِن الأحوالِ والأقوالِ على التَّفصيلِ وغايةٌ له، كأنَّه قيل: وقَعَ جَميعُ ما وقَعَ؛ لِيَجزِيَ اللهُ الصَّادقينَ بما صدَرَ عنهُم مِنَ الصِّدقِ والوَفاءِ قَولًا وفِعلًا [441] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/229)، ((تفسير أبي السعود)) (7/99). .
- قولُه: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ فيه إظهارُ اسمِ الجَلالةِ في مَقامِ الإضمارِ؛ للدَّلالةِ على عَظَمةِ الجزاءِ [442] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/309). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا أي: لِمَن تابَ، وهو اعتِراضٌ فيه بَعثٌ إلى التَّوبةِ [443] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/99). . وقيل: إنَّ جُملةَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا تَعليلٌ للجَزاءِ والتَّعذيبِ كِلَيهما على التَّوزيعِ [444] التَّوزيعُ: هو تقسيمُ أجزاءِ المعاني المذكورةِ في الجملةِ على أفرادٍ مذكورينَ في الجُملةِ أو مفهومينَ منها، مثل جُملةَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا أي: غفورٌ للمُذنِبِ إذا أناب إليه، رَحيمٌ بالمُحسِنِ أنْ يُجازِيَه على قَدْرِ نَصَبِه. يُنظر: ((التوقيف على مهمات التعاريف)) للمُناوي (ص: 112)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 306)، ((أنوار الربيع في أنواع البديع)) لابن معصوم المدني (ص: 479)، ((تفسير ابن عاشور)) (27/125). ، أي: غفورٌ للمُذْنِبِ إذا أناب إليه، رَحيمٌ بالمُحسِنِ أنْ يُجازِيَه على قَدْرِ نَصَبِه. وذِكْرُ فِعلِ (كان)؛ للدَّلالةِ على أنَّ المغفرةَ والرَّحمةَ وَصْفانِ ثابتانِ للهِ تعالى [445] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/309). .