موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (72 - 77)

ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ

غريب الكلمات:


وَمَأْوَاهُ: مَصِيرُه الَّذِي يَأوي إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَصِيرُ فِيهِ؛ يُقال: أَوى إلى كذا، أي: انضمَّ إليه يأوي أويًا ومأوًى، وأصْله: التَّجمُّع [1379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/325)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/151)، ((المفردات)) للراغب (ص: 103). .
لَيَمَسَّنَّ: ليُصيبَنَّ، والمسُّ يُقال في كلِّ ما يَنال الإنسانَ مِن أذًى [1380] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 767)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 83). .
صِدِّيقَةٌ: كَثُر منها الصِّدقُ والتَّصدِيقُ، والصِّدِّيقُ يُقال لِمَن لا يَكذبُ قطُّ، وقيل لِمَن لا يَتأتَّى منه الكذبُ؛ لتعوُّدِه الصِّدقَ، وقيل لِمَن صدَقَ بقوله واعتقادِه وحقَّق صِدقَه بفِعلِه، وأَصْلُ (صدق) يدلُّ على قوَّةٍ في الشيءِ قولًا كان أو غيرَه [1381]  يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/339)، ((المفردات)) للراغب (ص: 479). .
يُؤْفَكُونَ: أي: يُصرَفون عن الحقِّ، ويعدلون عنه؛ يُقال: أفِكَ الرجلُ عن كذا: إذا عدَلَ عنه، والإفك: كلُّ مصروفٍ عن وجهِه الذي يحقُّ أن يكونَ عليه، وأَصْلُ (أفك): يدلُّ على قلبِ الشيءِ، وصرْفِه عن جِهتِه [1382]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/118)، ((المفردات)) للراغب (ص: 79)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 85). .
لَا تَغْلُوا: أي: لا تُجاوِزوا الحدَّ المسموحَ لكم به، ولا تَرتفِعوا عن الحقِّ، أو لا تَزيدوا ولا تُفرِطوا فيه، والغلوُّ: الإفراطُ والزيادةُ، ومجاوزةُ الحدِّ المسموحِ به [1383]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 613)، ((المفردات)) للراغب (ص: 613)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 77)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 145)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 975). .
ضَلُّوا: عَدَلُوا عن الطريقِ المستقيم؛ فالضَّلالُ: خِلافُ الهُدى، وضَياعُ الشَّيءِ وذَهابُه في غيرِ حقِّه [1384] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/356) (6/42)، ((المفردات)) للراغب (ص: 509). .
أَضَلُّوا: أَوْقَعوا النَّاسَ في الضَّلالِ [1385] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/42) و(3/356)، ((المفردات)) للراغب (ص: 509). .
سَوَاءِ السَّبِيلِ: أي: قصْدِ الطريقِ ووسَطِه [1386]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 141)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 258)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89، 149). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ.
مِنْ إِلَهٍ: مِن صِلةٌ في المبتدأِ لوجودِ الشَّرطين، وهما كونُ الكلامِ منفيًّا، وتنكيرُ المجرورِ بها. وإلهٍ مُبتدأٌ مجرورٌ لفظًا بـمِنْ، مرفوعٌ محلًّا.
إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ: إِلَهٌ مرفوعٌ على أنَّه بدلٌ مِن مَحلِّ إِلَهٍ؛ لأنَّه مَرفوعٌ محلًّا، مَجرورٌ لَفْظًا بـمِنْ الاستغراقيَّة، والتَّقديرُ: وما إلهٌ مُستَحِقٌّ للعبادَةِ إلَّا إلهٌ متَّصِفٌ بالوحدانيَّةِ [1387] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/235)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/453)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/374- 375) .
2- قوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ.
غَيْرَ الْحَقِّ: غَيْرَ مَنصوبٌ، وفي نَصْبِه أوجُهٌ؛ منها: أنَّه نائِبٌ عن المفعولِ المُطْلَق؛ لأنَّه نَعْتٌ لِمَصدرٍ محذوفٍ؛ أي: لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غيرَ الحَقِّ. ومنها: أنَّه مَنصوبٌ على الحالِ مِن ضَميرِ الفاعِلِ (واو الجماعة) في تَغْلُوا أي: لا تَغْلوا مُجاوِزينَ الحَقَّ. وقيل غيرُ ذلك [1388] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعُكبري (1/454)، ((الدر المصون)) للسَّمين الحلبي (4/380)، ((المجتبى من مُشكل إعراب القرآن)) للخراط (1/241). .

المعنى الإجمالي:


يؤكِّدُ اللهُ تعالى كُفْرَ النَّصارى، الذين جعَلوا اللهَ تعالى هو المسيحَ عيسى عليه السَّلامُ، وقدْ قال المسيحُ عيسى لبني إسرائيلَ: اعبُدوا اللهَ وحْدَه؛ فهو ربِّي وربُّكم؛ إنَّه مَن يَعبُد مع اللهِ غيرَه، فقدْ حرَّم عليه اللهُ دُخولَ الجَنَّةِ، ومُستقَرُّه النارُ، وليس لِمَن ظلَمَ نفْسَه بالشِّركِ من نصيرٍ يمنعُه من عذابِ اللهِ، أو يُنقِذُه منه.
كما يُؤكِّدُ سبحانه كُفرَ الَّذين زعَموا من النَّصارى أنَّ عيسى وأمَّه إِلَهانِ مع اللهِ تعالى، فجعلوه جلَّ وعلا ثالثَهم، تعالى اللهُ عن ذلِك! فما من معبودٍ بحقٍّ سواه، ثم بيَّن سبحانه سوءَ عاقبةِ هؤلاءِ الضَّالينَ الذين قالوا ما قالوا، وأنَّه إن لم يرجعْ هؤلاءِ عن هذه المقولةِ الكُفْريَّةِ، والفِريةِ العظيمةِ، فسيُصيبُ الذين كفروا منهم- بتمسُّكهم بِها- عذابٌ مؤلِم مُوجِعٌ، وبعدَ هذا التَّرهيبِ الشَّديدِ للكافرينَ مِن العَذابِ الأليمِ، فتَح لهم سبحانه بابَ رحمتِه؛ حيثُ رغَّبَهم في الإيمانِ، وحضَّهم على التَّوبةِ والاستغفارِ؛ فإنَّ الله سبحانه غفورٌ رحيمٌ.
ثم بَيَّن تعالى حقيقةَ المسيحِ وأُمِّه؛ فهما ليسَا كما زعَم هؤلاءِ الكَفَرةُ مِن النَّصارى، بل المسيحُ هو ابنُ مريمَ، وهو رسولٌ مِن رُسُلِ اللهِ كسائرِ عِبادِ اللهِ المرسَلينَ الذين كانوا مِن قَبلِه، وأمُّه صِدِّيقةٌ، كانَا يأكلانِ الطعامَ، ويَحتاجانِ للتغذيةِ كغيرهما مِن بني آدَمَ، فانظرْ- يا محمَّدُ- كيف يُبيِّن اللهُ لهم الأدلَّةَ والحُجج، ثم انظرْ كيف يُصرَفون عن الحقِّ، ويَضِلُّون عن هذه الأدلَّةِ الواضحة، وقلْ- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ الكَفَرةِ من النَّصارى مُنكرًا عليهم: أَتعبُدونَ غيرَ اللهِ ممَّن لا يَملِك لكم ضرًّا ولا نفعًا، واللهُ هو السَّميعُ العليمُ؟!
وأمَرَ اللهُ سبحانه نبيَّه أن ينهاهم عن الغُلوِّ الباطِلِ في دِينِهم، وألَّا يَتَّبِعوا أهواءَ أكابرِهم ورُهبانِهم الجَهَلةِ الذين ضلُّوا من قبلُ، وأضلُّوا كثيرًا غيرَهم، وانحرَفوا عن الطَّريقِ المستقيمِ.

تفسير الآيات:


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا تَكلَّم اللهُ عن اليهودِ في الآياتِ السَّابقةِ، شرَعَ في الكلامِ هاهنا عن النَّصارى [1389] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/247)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/400)، ((تفسير ابن عادل)) (7/458). فقال تعالى:
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.
أي: لقد كفَر النَّصارى [1390] مِن المفسِّرين مَن ذهَب إلى أنَّ قولَه تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ في طائفةٍ من النَّصارى، وأنَّ قولَه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ في طائفةٍ أُخرَى منهم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/579)، ((تفسير الثعلبي)) (4/95)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/281- 282)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/204). ورجَّح ابنُ تيميةَ أنَّ هذه الأقوالَ جميعَها قولُ طوائفِ النصارى. قال ابنُ تيميةَ: (مِن النَّاس مَن يظنُّ أنَّ هذا قولُ طائفةٍ منهم، وهذا قولُ طائفةٍ منهم، كما ذكَره طائفةٌ مِن المفسِّرين، كابنِ جريرٍ الطبريِّ والثعلبيِّ وغيرِهما، ثم تارةً يحكون عن اليعقوبيةِ أنَّ عيسَى هو اللهُ، وعن النسطوريةِ أنَّه ابنُ الله، وعن المريوسيةِ أنَّه ثالثُ ثلاثةٍ، وتارةً يحكون عن النسطوريةِ أنَّه ثالثُ ثلاثةٍ، وعن الملكيةِ أنَّه الله، ويفسِّرون قولَهم: ثالثُ ثلاثةٍ بالآب والابنِ ورُوح القُدسِ. والصوابُ أنَّ هذه الأقوالَ جميعَها قولُ طوائفِ النَّصارى المشهورةِ: الملكية واليعقوبية والنسطورية). ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/11). وقال أيضًا: (وأمَّا استدلالُه بقولِه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، فهذا يَسلُكه طائفةٌ مِن النَّاس، ويقولون: قولُه تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إشارةٌ إلى أحدِ أقوالهم الثلاثة، وهو قولُ اليَعاقبة القائلين بأنَّ اللاهوت والناسوت صارَ جوهرًا واحدًا كالماءِ واللبن، وقوله: وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ إشارةٌ إلى قولِ الملكيَّة، وقوله: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ إشارةٌ إلى قول النسطوريَّة الذين يقولون بالحلولِ، وهو قولُهم بالأقانيمِ الثَّلاثة. وليس الأمرُ كما قال هؤلاءِ، بل ما ذكَرَه اللهُ تعالى هو قولُ النَّصارى جملةً؛ فإنَّهم يقولون: إنَّه اللهُ باعتبارٍ، وإنَّه ابنُ اللهِ باعتبارٍ آخَرَ، وقولهم: إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ بدليل المراد بقوله: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فعبَدوا معه المسيحَ وأُمَّه، فصارَ ثالثَ ثلاثةٍ بهذا الاعتبارِ) ((درء تعارض العقل والنقل)) (10/238). وقال أيضًا: (... وعلى هذا فتكون كلُّ آيةٍ ممَّا ذكَره الله من الأقوال تعمُّ جميعَ طوائفهم، وتعمُّ أيضًا بتثليث الأقانيم، وبالاتحادِ والحلول، فتعمُّ أصنافَهم وأصنافَ كُفرِهم، ليس يختصُّ كلُّ آية بصنفٍ، كما قال مَن يزعم ذلك، ولا تختصُّ آيةٌ بتثليث الأقانيم، وآيةٌ بالحلول والاتِّحاد، بل هو سبحانه ذكَر في كلِّ آيةٍ كُفرَهم المشترَكَ، ولكنْ وصَفَ كُفرَهم بثلاثِ صِفاتٍ، وكل صِفة تستلزمُ الأخرى؛ أنَّهم يقولون: المسيحُ هو الله، ويقولون: هو ابنُ الله، ويقولون: إنَّ الله ثالثُ ثلاثة، حيث اتَّخذوا المسيحَ وأمَّه إلهينِ مِن دونِ الله، هذا بالاتِّحاد، وهذه بالحلول، وتَبيَّن بذلك إثباتُ ثلاثةِ آلهةٍ منفصلةٍ غيرِ الأقانيم) ((الفتاوى الكبرى)) (6/589- 590). الَّذين جعَلوا اللهَ تعالى هو عَبْدَه ورسولَه المسيحَ عِيسى ابنَ مريمَ عليه السَّلام، الذي خلَقَه الله عزَّ وجلَّ بشرًا مثلَهم معروفًا نَسبُه وأصلُه [1391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/579)، ((تفسير ابن كثير)) (3/157)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/193- 194). قال السعديُّ: (يُخبِر تعالى عن كُفرِ النَّصارى بقولهم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ بشُبهةِ أنَّه خرج من أُمٍّ بلا أَبٍ، وخالَف المعهودَ مِن الخِلقة الإلهيَّة) ((تفسير السعدي)) (ص: 240). .
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.
والحالُ أنَّ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد ناداهم أنِ اعبدوا- يا بني إسرائيلَ- اللهَ المستحِقَّ وحْدَه للعِبادة، الذي أنا وأنتم عبيدٌ له مَربُوبون؛ فهو مالكُنا وخالقُنا، ومُدبِّرُ أمورِنا جميعًا سبحانَه وتعالى [1392] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/579)، ((تفسير ابن كثير)) (3/157)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/280)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/193- 194). .
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ.
أي: إنَّ مَنْ يقَعْ في شَرَك الشِّركِ، فيَعبُد معَ اللهِ تعالى غيرَه، فحرامٌ عليه دخولُ الجَنَّةِ في الآخِرَة، وإنَّما تكونُ النارُ مقامَه الذي يستحقُّه، ودارَه التي يَأوِي إليها [1393] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/579)، ((تفسير ابن كثير)) (3/157)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/193- 194). .
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
أي: ولَيس لِمَن ظلَمَ نفْسَه بشِركِه باللهِ تعالى، ولا لأيِّ ظالمٍ كان، أيُّ ناصرٍ يمنعُ عنه عذابَ اللهِ تعالى، أو يُنقِذُه منه [1394] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/579)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/198). قال ابنُ عاشور: (وجملة وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ يحتمل أيضًا أن تكونَ من كلامِ المسيحِ عليه السَّلامُ على احتمالِ أن يكون قولِه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِن كلامه، ويحتمل أنْ تكونَ من كلام اللهِ تعالى؛ تذييلًا لكلام المسيح على ذلك الاحتمالِ، أو تذييلًا لكلامِ الله تعالى على الاحتمالِ الآخَر) ((تفسير ابن عاشور)) (6/281)، وينظر ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/197- 198). .
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73).
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
أي: كفَر النَّصارَى الَّذين جعَلوا المسيحَ وأُمَّه إلهيْنِ مع اللهِ سبحانه، فجَعَلوا اللهَ تعالى وتقدَّس ثالثَهم [1395] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/579-580)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/204). قال ابنُ عُثَيمين: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ مَن هؤلاء الثلاثة؟ هؤلاءِ ذكَرهم اللهُ تعالى في هذه السُّورة: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116]. قوله: إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: معَ الله، فإذا كانَا إلهينِ من دونِ اللهِ واللهُ صاروا ثلاثةً؛ إذًا ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ هو: الله، والمسيح، وأمُّه، هؤلاءِ هم الثلاثة، فسَّر ذلك القرآن، والقرآنُ يُفسِّر بعضُه بعضًا. وأمَّا ما قيل: إنَّه الابنُ والأب ورُوح القدس؛ ففيه نظرٌ، يعني: لا نُفسِّره بالقرآن، وإنْ كان قد يكونُ منهم، أو من المتأخِّرين منهم مَن يقول: إنَّ هؤلاءِ هم الثلاثة) ((تفسير ابن عثيمين-سورة المائدة)) (2/204-205). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى))  لابن تيمية (2/444). .
كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116].
ثمَّ ردَّ اللهُ تعالى عليهم هذا القولَ الباطلَ [1396] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/205). ، فقال عزَّ وجلَّ:
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ.
أي: ليسَ لكم- أيُّها الناسُ- معبودٌ بحقٍّ إلَّا معبودٌ واحدٌ غيرُ متعدِّدٍ، مُتَّصفٌ بكلِّ صِفةِ كمالٍ، مُنزَّهٌ عن كلِّ عيبٍ ونقص؛ ومنها: أنَّه ليس بوالدٍ لشيءٍ، ولا مولودٍ منه، بل هو خالقُ كلِّ والدٍ ومولودٍ، سبحانه [1397] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/580)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/205). .
كما قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: 91].
وقال عزَّ وجلَّ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22].
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: وإنْ لم يَكُفَّ قائلو هذه المقالةِ الكُفريةِ عن القولِ بهذه الفِريةِ واعتقادِها، ليُصيبَنَّ مَن استمرَّ على كُفرِه منهم- بالتمسُّكِ بها- عذابٌ مؤلِمٌ، موجِعٌ لقلوبِهم وأبدانِهم في الآخِرة [1398] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/580-581)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/283- 284)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/207). .
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا تَوعَّدَهم اللهُ تعالى، أعْقبَ الوعيدَ بالتَّرغيبِ في الهدايةِ [1399] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/284). ، فقال سبحانه:
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ.
أي: هلَّا أنابوا إلى اللهِ تعالى، ورَجَعوا عمَّا كانوا يقولونَه مِن الشِّركِ والافتراءِ، إلى ما يُحبُّه اللهُ عزَّ وجلَّ ويَرضاه؛ مِن الإيمانِ به وتوحيدِه، والإقرارِ بأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، ويَطلُبونَ منه سبحانه المغفرةَ [1400] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/581)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/210- 211). ؟
كما قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38].
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: واللهُ تعالى أهلٌ لأنْ يتوبوا إليه ويَستغفِروه؛ فإنَّهم إنْ فعَلوا تابَ عليهم وغفَر لهم؛ لأنَّه غفورٌ يَستُر ذنوبَ عِبادِه، ويتجاوزُ عن مؤاخَذَتِهم بها. رحيمٌ بهم، ومِن رحمتِه أنْ يَعرِض عليهم التوبةَ إليه، ويَقبَلَها منهم [1401] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/532، 581- 582)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/213)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/211). .
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75).
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.
أي: ليس الأمرُ كما قال هؤلاءِ الكفرةُ في المسيحِ عليه السَّلام، بل الحقُّ أنَّه ابنُ مريمَ التي ولدتْه ولادةَ الأمَّهات لأبنائهنَّ، كغيرِه من البَشَرِ، وهو للهِ تعالى رسولٌ مثلُ سائرِ عبادِه المـُرسَلين، الذين كانوا قبلَه ثم مَضَوا، فهذه غايتُه ومَبْلَغُ أمْرِه، وليس هو اللهَ ولا ابنَ الله، كما يَزعُمون [1402] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/217- 218). .
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ.
أي: وأمُّ المسيحِ مَريمُ عليها السَّلام صادقةٌ، مُصدِّقةٌ بآياتِ الله، مؤمنةٌ بعيسَى عليه السلام، مُصدِّقةٌ له، قد صدَّقت قولَها بفعلِها، وهذا أعْلى مقاماتِها [1403] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/218).                          = = قال ابنُ القَيِّم: (والصِّديقيَّةُ هيَ كَمالُ الايمان بما جاءَ به الرَّسُولُ عِلمًا وتَصْديقًا وقيامًا؛ فهي راجعةٌ إلى نفْسِ العِلمِ؛ فكلُّ مَن كان أعلمَ بما جاءَ به الرسولُ وأكملُ تَصديقًا له، كان أتَمَّ صِدِّيقيَّةً؛ فالصِّدِّيقيَّة شجرةٌ أصولُها العلمُ، وفُروعُها التصديقُ، وثَمرتُها العملُ). ((مفتاح دار السعادة)) (1/80). قال السعديُّ: (والصديقيَّة، هي العِلمُ النافعُ المثمِرُ لليقينِ والعَملِ الصَّالح) ((تفسير السعدي)) (ص: 240). .
فإذا كان عيسى عليه السَّلامُ مِن جنسِ الرُّسلِ مِن قَبلِه، وأُمُّه صِدِّيقة؛ فكيف يتَّخذُهما النَّصارى إلهينِ مع الله سبحانه؟! تعالى عمَّا يقولون عُلوًّا كبيرًا [1404] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 240). .
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ.
أي: كانَا محتاجَينِ إلى التغذيةِ بالطَّعامِ، وإلى خُروجِه منهما، كغيرِهما من بني آدَمَ، وليسَا بإلهينِ كما زعَم النَّصارى؛ إذ لو كانَا كذلك حقًّا لاستَغْنيَا عن الطعامِ؛ فالمفتقرُ إلى الغذاءِ قِوامُه بغيرِه، وفي قوامِه بغيرِه وحاجتِه إلى ما يُقيمه دليلٌ ظاهرٌ على عَجْزِه، والعاجزُ لا يكونُ ربًّا، بل مربوبٌ؛ فإنَّ الإلهَ الحقَّ مُستغنٍ عن غيرِه، كما وصَفَ اللهُ تعالى نفْسَه بقولِه: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: 14] [1405] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582- 583)، ((تفسير ابن كثير)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/218). .
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ.
أي: انظُرْ- يا محمَّدُ- نظرَ تدبُّرٍ وإقرارٍ؛ كيف نُورِدُ لهؤلاءِ الكفرةِ الأدلَّةَ والحُججَ المجلِّيةَ للحقِّ، الموضِّحةَ لبُطلانِ ما يَفتُرون على ربِّهم [1406] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/583)، ((تفسير ابن كثير)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/219). .
ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
أي: ثم انظُرْ- يا محمَّدُ- كَرَّةً أخرى نظرَ تعجُّبٍ وإنكارٍ؛ كيف يُصرَفونَ عن الحقِّ فيَضلُّون مع هذه البراهينِ الجليَّةِ التي لا تَدَعُ مجالًا للشكِّ؟! ومِن أينَ يتطرَّقُ إليهم الصرفُ عن الاعتقادِ الحقِّ، بعدَ هذا البيانِ البالغِ غايةَ الوضوح [1407] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/583)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/287)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/219). ؟!
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن تعالى بدَليلِ النَّقلِ والعقلِ انتفاءَ الإلهيَّةِ عن عِيسى عليه السَّلام، وكان قد توعَّدَ مَن زعَم ذلك، ثمَّ استَدْعاهم للتوبةِ، وطلبِ الغُفرانِ- أنكرَ عليهم، ووبَّخهم مِن وجهٍ آخرَ، وهو عجزُ عِيسى عليه السلام، وعدَمُ اقتدارِه على دفْعِ أيِّ ضررٍ، وجَلْبِ أيِّ نفْعٍ، وأنَّ مَن كانَ لا يَدفَعُ عن نفْسِه حريٌّ ألَّا يَدفعَ عنكُم [1408] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/334). ، فقال:
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- منكرًا على هؤلاءِ الكَفَرةِ مِن النصارى وغيرِهم: أتَعبدُونَ سوى اللهِ- الذي يَملِكُ ضرَّكم ونَفْعَكم- شيئًا لا يَقدِرُ على إلحاقِ أيِّ ضَررٍ بكم، ولا جَلْبِ أيِّ نفعٍ لكم [1409] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/224). ؟!
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
أي: واللهُ عزَّ وجلَّ هو السَّميعُ لكلِّ شيءٍ، ومِن ذلِك أقوالُكم، العليمُ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك أعمالُكم، فلِمَ عَدلْتُم عن إفرادِه سبحانه بالألوهيَّة، إلى تأليهِ مَن ليستْ هذه صِفتَه؟! فإنَّ الكاملَ الذي هذِه أوصافُه هو الإلهُ الحقُّ الذي يستحقُّ أنْ يُعبدَ وحْدَه [1410] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/224- 225). .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77).
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ النَّصارى الذين آتاهُم اللهُ تعالى كتابًا ينطِقُ بالحقِّ: لا تُفْرِطوا فيما تَدينون به مِنَ الحقِّ في أمْرِ المسيحِ عليه السَّلام، ولا تُطْرُوا هذا الذي أُمرتُم بتعظيمِه فتُبالِغوا في شأنِه، وتَتعَدَّوْا فيه الحقَّ إلى الباطِلِ، فتُخرِجوه عن حيِّزِ النبوَّةِ إلى مقامِ الألوهيَّةِ [1411] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/584- 585)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (4/384- 385)، ((مجموع الفتاوى))  لابن تيمية (10/515- 516)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/34- 35)، ((تفسير ابن كثير)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 241). وقد اختارَ ابنُ جرير، وابنُ تيميَّة، وابنُ القيِّم، وابنُ كثيرٍ، والسعديُّ: أنَّ الخطابَ في الآيةِ للنَّصارى. يُنظر المصادر السَّابقة. واختارَ ابنُ عاشور، وابنُ عُثَيمين: أنَّ الخطابَ هنا لليهودِ والنَّصارى، ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/290)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/229). .
وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
أي: ولا تَنقادُوا للأهواءِ المخالفةِ للحقِّ الصادرةِ مِن أكابرِكم ورُهبانِكم الجَهَلةِ [1412] ذهَب ابنُ جرير إلى أنَّ الذين ضلُّوا من قبل وأضلُّوا كثيرًا هم اليهودُ الذين بَهَتوا مريمَ عليها السلام، وكذَّبوا عيسى ومحمدًا عليهما الصَّلاة والسَّلام. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/585). وممَّن ذهب إلى ذلِك من السَّلف مجاهد. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/585)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (4/1181). الذين كانوا مِن قبلِكم [1413] وقيل: قبل مجيءِ الإسلام. قال ابنُ تيميَّة: (فذكَر سبحانه أنَّهم أضلُّوا مِن قبلِ مبعثِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم) ((الجواب الصحيح)) (4/384). قال ابنُ عاشور: (قد ضلُّوا في دِينهم من قبلِ مجيءِ الإسلام) ((تفسير ابن عاشور)) (6/291). ، وقد ابتَدعوا بِدَعًا بدَّلوا بها شَرْعَ المسيحِ عليه السَّلام، فحادوا عن طريقِ الهُدى، وصَرَفوا عنه كثيرًا من الناسِ، وانحرَفوا عنِ الصِّراطِ المستقيمِ [1414] وقيل: سواء السَّبيل: هو الإسلام. قال ابنُ عاشور: (قوله: وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ مقابل لقولِه: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ فهذا ضلالٌ آخرُ، فتعيَّن أنَّ سواء السبيل الذي ضلُّوا عنه هو الإسلام... أي: قد ضلُّوا في دِينهم من قبلِ مجيء الإسلام، وضلُّوا بعد ذلك عن الإسلام) ((تفسير ابن عاشور)) (6/291). المعتَدِلِ، الذي ليس فيه غلوٌّ ولا تفريطٌ [1415] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 241)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/230- 233). .
قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص: 50].

الفوائد التربوية:


1- أنَّ إقرارَ الإنسانِ على غيرِه غيرُ مَقبولٍ؛ لأنَّهم ادَّعوا أنَّ اللهَ هو المسيحُ، وعيسى ابنُ مريمَ أنكَرَ ذلك، فقال: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ؛ فأنا لستُ إلهًا تَعبدونني، بل أنا وأنتم على حدٍّ سواءٍ، كلُّنا مربوبون للهِ عزَّ وجلَّ [1417] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/400)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/199). .
2- الاستدلالُ الملزِم للخَصم، وأنَّه يَنبغي للإنسانِ عند المجادلةِ أنْ يتَّبعَ أوضحَ الأدلَّةِ وأشدَّها إلزامًا للخَصم؛ لقوله: اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لم يقل: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، قال: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إلزامًا لهم بعبادتِه؛ لأنَّهم مُقرُّون بالربوبيَّة، وهذا كقولِه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21]، فقال: اعبُدوا ربَّكم إلزامًا لهم بالعبادةِ؛ لأنَّ اللهَ هو الذي خلَقَهم، وهو الذي يَحكُم فيهم ويَحكُم بينهم [1418] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/458)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/200). .
3- فتْحُ بابِ التوبةِ لكلِّ مَن أساءَ وإنْ عظُمت إساءتُه؛ لقوله: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا... الآية، فالله تعالى حكَى عنهم الكُفرَ، مع ذلِك عرَض عليهم أنْ ينتهوا عمَّا يقولون [1419] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/209). .
4- يُستفادُ من قولِه: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ الاستدلالُ بالأوضحِ الأجْلَى دون الأَخْفى؛ لأنَّ أكْلَهما للطعامِ أمرٌ لا يُنكَر، لكن لو جِيء بأدلَّةٍ عقليَّةٍ أخرى ربَّما يكونُ فيها جدلٌ، لكنَّ الاستدلالَ بالمحسوسِ أبلغُ من الاستدلالِ بالمعقولِ؛ لأنَّ المعقولَ يمكن فيه الجدلُ، لكنَّ المحسوسَ لا يمكن فيه الجدلُ [1420] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/463)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/403)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/221). .
5- قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، إذا نُهي أهلُ الكتاب عن الغُلوِّ، والغلوُّ في ذاتِه مَفسدةٌ، فكذلِك يُنهى غيرُهم؛ ولهذا حذَّرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الغُلوِّ في الدِّين، وحذَّر من الغُلوِّ فيه نفْسِه [1421] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/231). .
6- أنَّ الذي يَحمِلُ الإنسانَ على الضلالِ هو الهوى، وإلَّا لو كان الإنسانُ يقول بالعدل، ويَحكُم بالقِسط، ما ضلَّ عن الصِّراطِ المستقيم، لكن يَغلِبه هواه حتى يضلَّ؛ ولهذا قال: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا، ثم بَيَّنَ ضلالَهم بقولِه: وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [1422] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/232). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قوله: لَقَدْ كَفَرَ... جاءَ مؤكَّدًا بثلاثةِ مؤكِّدات: القسَمُ المقدَّر، واللام، و(قَدْ)، على عادةِ اللِّسانِ العربيِّ في تأكيدِ ما يستحقُّ التأكيد، وإلَّا فخبرُ اللهِ عزَّ وجلَّ حقٌّ، ثم إنَّ هذا أيضًا، أي: قوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ ليس خبرًا مجرَّدًا، بل هو خبرٌ وحُكم؛ فقد حَكَم عليهم بالكُفرِ؛ لقولهم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فهو مؤكَّد؛ لئلَّا يُعارِضَ معارِضٌ فيقول: ليس هذا بكُفرٍ [1423] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/401)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/193). .
2- أنَّ أحكامَ القُرآنِ الكريم يُؤتَى بها غالبًا بحُكمٍ عامٍّ مَنُوطٍ بالعلَّة، بمعنى: لو شاءَ الله تعالى لقال: لقدْ كفَر النَّصارَى، لكنَّه قال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ سواءٌ كانوا من بني إسرائيلَ الذين هم النَّصارى أو مِن غيرِهم [1424] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/198). .
3- أنَّه لا كُفرَ إلَّا بعدَ قِيامِ الحُجَّةِ بِناءً على أنَّ الواو في قوله: وَقَالَ الْمَسِيحُ حاليَّةٌ، يعني: أنَّهم كفَروا، وقدْ بُيِّنَ لهم الأمرُ [1425] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/199). .
4- لَمَّا كانتْ دعوى الاتِّحادِ أشدَّ في الكفرِ، وأنْفى للإلهِ مِن دعوى التثليث، قدَّمها الله تعالى، فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثم قال بعدَها في الآيةِ التالية: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [1426] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/247) هذا على قولِ بعضِ المفسِّرين أنَّ كلَّ آية في طائفةٍ مِن النَّصارى. .
5- في قولِه تعالى: وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أمرُ المسيحِ لهم بأداءِ الحقِّ لأهلِه مُذكِّرًا لهم بعظمتِه بقوله: اعْبُدُوا اللهَ، ثم ذكَّرهم بإحسانِه، وأنَّه وإيَّاهم في ذلِك سواء، فقال مقدِّمًا لِمَا يتعلَّقُ به؛ لأنَّه أهمُّ لإنكارهم له رَبِّي وَرَبَّكُمْ [1427] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/247). .
6- يُستفادُ من قولِه: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إقامةُ الحُجَّةِ على أهلِ الشِّركِ؛ حيثُ أشركوا بالله مع أنَّه ربُّهم، وأنَّ الأصنامَ ليس لها شأنٌ في الربوبيَّةِ إطلاقًا؛ فهي لا تَسمعُ ولا تُبصِرُ، ولا تَنفع ولا تَضرُّ، كما قال تعالى: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [1428] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/200). [النحل: 21].
7- أنَّه لا حظَّ لعيسى في الأُلوهيَّةِ والرُّبوبيَّة، ولا حقَّ له فيهما؛ لقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ هذا في الألوهيَّةِ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ وهذا في الرُّبوبيَّة، وكذلك غيرُه من الرسلِ وغيرُه من الناسِ، وبهذا نَعرِفُ ضلالَ أولئك القومِ الذين يدَّعون أنَّ أولياءَهم هم الذين يُدبِّرون الكونَ، وهم الذين يُصرِّفونَه، وأنَّهم على ضَلالٍ مبينٍ [1429] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/200). .
8- قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ذكَر العِبادةَ ثمَّ ذكَر الرُّبوبيَّة؛ إشارةً إلى أنَّ الربوبيَّة تستلزمُ الأُلوهيَّةَ، أي: إنَّ توحيدَ الرُّبوبيَّةِ يستلزمُ توحيدَ الألوهيَّة، فمَن أقرَّ للهِ عزَّ وجلَّ بالرُّبوبيَّة لزِمَه أن يُقرَّ بالعبادةِ؛ لأنَّ الربَّ يجبُ أن يكونَ معبودًا؛ لأنَّ له الأمرَ وله الحُكم، فإذا كان كذلك يجبُ أن يُعبَدَ كما شرَع [1430] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/196). .
9- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ أنَّ عِقابَ الفُسَّاقِ لا يكون مخلَّدًا؛ لأنَّه تعالى جعَل أعظمَ أنواعِ الوعيدِ والتهديدِ في حقِّ المشركينَ، وهو أنَّ الله تعالى حرَّم عليهم الجنَّةَ ومأواهم النَّار، وأنَّه ليس لهم ناصرٌ يَنصرُهم، ولا شافعٌ يَشفَعُ لهم، فلو كان حالُ الفُسَّاقِ من المؤمنين كذلك لَمَا بقِي لتهديدِ المشركين على شِركهم بهذا الوعيدِ فائدةٌ [1431] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/458). .
10- أنَّه لا مأوى للخَلقِ إلَّا أحدُ أمرين: إمَّا الجنَّة، وإمَّا النار، ليس هناك شيءٌ وسطٌ؛ لقولِه: فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [1432] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/201). .
11- لَمَّا كان المنعُ مِن دار السُّعداءِ مُفهِمًا لكونه في دارِ الأشقياء، صرَّحَ به فقال: وَمَأْوَاهُ، أي: محلُّ سُكناه النَّارُ، ولَمَّا جرَتْ عادةُ الدنيا بأنَّ مَن نزَلَ به ضيمٌ يَسعى في الخَلاصِ منه بأنصارِه وأعوانِه، نفَى ذلك سبحانه مُظهِرًا للوصفِ المقتضي لشَقائِهم تعليلًا وتعميمًا، فقال: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لا بفِداءٍ ولا بشفاعةٍ [1433] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/249). .
12- الإشارةُ إلى أنَّ الشِّركَ ظلمٌ؛ لقوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ وقد جاءَ ذلك صريحًا في القرآنِ الكريم، فقال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [1434] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/203). [لقمان: 13].
13- فائدةُ جمْعِ الأنصارِ في قوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ- مع كونِ النَّكِرة المفردةِ تُفيدُ العمومَ في سِياقِ النَّفيِ- هي التَّنبيهُ على كونِ النَّصارى كانوا يتَّكِلونَ على كثيرٍ مِن الرُّسلِ والقِدِّيسينَ؛ إذ كانتْ وثنيةُ الشَّفاعةِ قدْ فشَتْ فيهم، وإنْ لم تكُن من أصلِ دِينِهم [1435] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/400). .
14- أنَّ الظالِمينَ لا ناصِرَ لهم؛ لقوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، و(مِن) هنا حرفُ جرٍّ جاء لإفادةِ العمومِ والتوكيد؛ فإنْ قال قائل: كيفَ يَستقيمُ هذا النفيُ المؤكَّد مع أنَّ الكفَّارَ قد يُنصَرون، والمشركين قدْ يُنصَرون؟ الجواب: أنَّ هذا نصرٌ مؤقَّتٌ؛ ليبتليَ اللهُ به المؤمنين، وليس نصرًا دائمًا؛ قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: 51]، وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: 166]، وقال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: 38]، ولا يُمكِن أنْ يتناصرَ الكفَّارُ في دفْعِ العذاب عنهم يومَ القِيامة، وحينئذٍ فلا إشكالَ [1436] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/203). .
15- أَبطلَ اللهُ قولهم: إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ بقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وهذا خبرٌ مِن أصدقِ المخبِرينَ، خبَرٌ مؤكَّد بحَرفِ الجرِّ الزائدِ وبالحَصْر، وطريقُ الحصرِ النفيُ والإثبات، وهذا الحصرُ مؤكَّد بـ«من» الزائدة، وكلُّ الحروفِ الزائدة مؤكِّدة [1437] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/249)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/401)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/205). .
16- إثباتُ عدْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّه لا يُعذِّبُ إلَّا مَن استمرَّ على كُفرِه ومعصيتِه؛ لقوله: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [1438] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/209). .
17- التَّحذيرُ البليغُ من الاستمرارِ على الكفرِ والشِّركِ، وأنَّ مَن استمرَّ عليه فله العذابُ الأليمُ؛ لقولِه: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [1439] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/209). .
18- في قوله: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ بعد قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.... عَذَابٌ أَلِيمٌ بيانُ لُطفِ اللهِ تعالى بعِبادِه؛ حيث صدَّر دَعوتَهم إلى التوبةِ بالعَرضِ الذي هو غايةُ اللُّطفِ واللِّين؛ فمع هذه الفِريةِ العُظمَى والوقوعِ في جنابِ اللهِ جلَّ وعلا بهذا الأمْرِ الهائلِ العظيمِ، فاللهُ مع هذا يَستعطِفُهم ويَتلطَّفُ بهم للتوبةِ أحسنَ استعطافٍ وألْطفَه [1440] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/418)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/340- 341). .
19- في قولِه تعالى: ... وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ استدلالٌ على فسادِ قولِ النصارى بألوهيَّة عيسى وأُمِّه، وبيانُه مِن وجهين: الأوَّل: أنَّ عيسى عليه السلامُ له أمٌّ، وكلُّ مَن له أُمٌّ فقدْ حَدَث بعدَ أنْ لم يكُنْ، وكلُّ من كان كذلك كان مخلوقًا لا إلهًا، والثاني: أنَّ عيسى وأمَّه كانا محتاجَيْنِ إلى الطَّعامِ، والإلهُ الحقُّ غنيٌّ عن جميعِ الأشياء [1441] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/409، 410). .
20- ممَّا يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا أنَّ الهوى لا يكاد يُذكَرُ إلَّا في موضعِ الشرِّ، فلا يكاد يُقال: فلان يَهوى الخيرَ، إنَّما يُقال: يريدُ الخيرَ ويُحبُّه، وقيل: سُمِّيَ الهوى هوًى؛ لأنَّه يَهوِي بصاحبِه إلى النَّارِ [1442] ينظر: ((تفسير الشربيني)) للبقاعي (1/390). .
21- قولُه: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا فيه الردُّ على الجبْريَّةِ الذين قالوا: إنَّ ضلالَ الإنسانِ لا يُنسَبُ إليه، وإنَّه مَجبورٌ عليه، ولا اختيارَ له فيه؛ لأنَّ الآيةَ صريحةٌ بأنهم ضلُّوا وأضلُّوا [1443] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/232). .
22- إثباتُ الأسبابِ؛ لقوله: وَأَضَلُّوا فإنَّ هذا إضلالٌ ليس عن قوَّةٍ وإجبارٍ وإكراهٍ، لكنَّه عن سببٍ، يُزيِّنون به الباطلَ حتى يُضلُّوا به غيرَهم [1444] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/233). .
23- أنَّ الدِّينَ الصَّحيحَ وسَطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه؛ لقوله: وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، أي: عن مُستقِيمِ السَّبيلِ، الذي ليس فيه غُلوٌّ ولا تفريطٌ [1445] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/233). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ استئنافٌ ابتدائيٌّ، وفيه: شروعٌ في تفصيلِ قَبائحِ النَّصارى، وإبطالِ أقوالهم الفاسدةِ بعدَ تفصيلِ قبائحِ اليهودِ [1446] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/65)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/280). .
2- قوله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ على القَوْلِ بأنَّ هذه الجملةَ حِكاية لكلامٍ صدَر من عيسى عليه السَّلام، فتكون تعليلًا للأمْر بعبادَةِ الله، ووقوع إنَّ في مِثل هذا المقامِ تُغني غَناءَ فاءِ التفريعِ، وتُفيد التَّعليل، وفي حكايتِه تَعريضٌ بأنَّ قولَهم ذلك قد أوْقَعهم في الشِّرْكِ، وإنْ كانوا يظنُّون أنَّهم اجتنبوه؛ حذرًا من الوقوعِ فيما حذَّر منه المَسيحُ؛ لأنَّ الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أرادوا الاتِّحادَ باللهِ، وأنَّه هو هو. وعلى القول بأنَّ الجملةَ من كلامِ اللهِ تعالى فهو تذييلٌ لإثباتِ كُفْرِهم، وزيادةُ تنبيهٍ على بُطلانِ معتقدِهم، وتعريضٌ بهم بأنَّهم قد أشْركوا باللهِ مِن حيثُ أرادوا التوحيدَ، والضمير المقترن بـ(إنَّ) ضميرُ الشَّأنِ يدلُّ على العِناية بالخبرِ الواردِ بعدَه [1447] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/280- 281). .
3- قوله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ: خبَرٌ، المرادُ منه الوعيدُ والتهديدُ، وهذا مِن بابِ التَّحذيرِ؛ فالجُملةُ هنا استئنافيَّةٌ للتَّحذيرِ [1448] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/329)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/197). .
- وفيه: إظهارُ الاسمِ الجَليلِ اللَّهُ في مقامِ الإضمارِ؛ لتهويلِ الأمرِ، وتربيةِ المهابةِ [1449] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/66). .
4- قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ:
- قوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ فيه: تأكيدٌ أنَّه لا يكونُ إلهٌ في الوُجودِ مستحِقٌّ للعبادَةِ إلَّا إلهٌ واحدٌ مَوصوفٌ بالوحدانيَّة، مُتعالٍ عن قَبول الشَّرِكةِ، وأكَّد ذلك بزيادةِ مِن الاستغراقيَّة التي تُؤكِّد عمومَ النَّفْي [1450] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/330). ، وحَصْرِ إلهيَّتِه- بأداتَيِ الحصْرِ (ما) و(إلَّا)- في صِفة الوحدانيَّة؛ فانتفى التثليثُ المحكيُّ عنهم [1451] ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/663)، ((تفسير أبي حيان)) (4/330)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/282- 283). .
- وعبَّر بالمضارعِ في قولِه: يَنْتَهُوا؛ لأنَّه المناسِبُ للانتهاءِ؛ إذ الانتهاءُ إنَّما يكونُ عن شيءٍ مستمرٍّ، وناسَب التعبيرُ بالماضي في قولِه قَالُوا مع قولِه لَقَدْ كَفَرَ؛ لأنَّ الكُفرَ حصَلَ بقولِهم ذلك ابتداءً من الزَّمنِ الماضي [1452] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/283). .
- وأكَّد الوعيدَ بلامِ القَسَم في قَوْلِه: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ...؛ ردًّا لاعتقادِهم أنَّهم لا تَمسُّهم النارُ؛ لأنَّ صَلْبَ عيسى كان كفَّارةً عن خَطايا بني آدَمَ [1453] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/283). .
- وفي قوله: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إقامةُ الظَّاهرِ مقامَ المضمَرِ- حيثُ لم يقُلْ: (وليمسنَّهم)- وفائدتُه: تكريرُ الشَّهادةِ عليهم بالكُفرِ في قولِه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا...، وفيه فائدةٌ أخرى، وهي: الإعلامُ أنَّهم بمكانٍ مِن الكُفرِ، أي: ليمسنَّ الذين كَفروا من النَّصارى خاصَّةً نوعٌ شديدُ الألمِ من العَذابِ [1454] ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/663)، ((تفسير القاسمي)) (4/214)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/282- 283). .
5- قوله: أَفَلَا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ الاستفهامُ فيه؛ قيل: معناهُ الإنكارُ والتعجُّبُ مِن إصرارِهم؛ كيفَ لا يَتوبونَ ويَستغفِرون مِن هذه المَقالةِ الشَّنعاءِ؟! والإنكارُ هنا إنكارٌ للواقِعِ منهم لا إنكارُ الوقوعِ؛ فمدارُ الإنكارِ والتعجُّبِ عَدَمُ الانتهاءِ، وعَدمُ التَّوبةِ معًا. وقيل: معنى هذا الاستفهامِ الأمرُ والتَّحضيضُ؛ لأنَّ المفهومَ مِن الصِّيغةِ طَلبُ التَّوبةِ والحثُّ عليها، فمعناه: تُوبوا إلى اللهِ واستغفِرُوه مِن ذَنبِكم [1455] ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/664)، ((تفسير أبي حيان)) (4/331)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/377)، ((تفسير أبي السعود)) (3/67). .
6- قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ جملةٌ حاليَّةٌ مِن فاعِل يَسْتَغْفِرُونَهُ، وهي مؤكِّدةٌ للإنكارِ والتعجُّبِ من إصْرارِهم على الكُفرِ، وعدمِ مُسارعتِهم إلى الاستغفارِ، أي: والحالُ أنَّه تعالى مبالِغٌ في المغفرةِ، فيَغفرُ لهم عندَ استغفارِهم، ويَمنحُهم من فضلِه؛ فكيف لا تُوجَدُ التوبةُ مِن هذا الذَّنبِ، وطَلبُ المغفرةِ، والمسؤولُ منه ذلك مُتَّصفٌ بالغُفرانِ التامِّ، والرحمةِ الواسعةِ لهؤلاء وغيرِهم [1456] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/331)، ((تفسير أبي السعود)) (3/67)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/284). ؟!
7- قوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ استئنافٌ لتبيانِ وصْفِ المسيحِ في نَفْسِ الأمرِ، ووصْفِ أمِّه؛ زيادةً في إبطالِ مُعتقَدِ النصارى إلهيَّةَ المسيحِ، وإلهيةَ أمِّه [1457] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/285). .
8- قوله: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ جاءَ قولُه: صِدِّيقَةٌ على بِناءٍ مِن أبنيةِ المبالَغةِ (فِعِّيل)؛ للدَّلالةِ على مُبالغَتِها في الصِّدْقِ والتَّصديقِ [1458] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/332)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/286). .
9- قوله: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ قِيل: فيه كنايةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ كنَّى عن قَضاءِ الحاجةِ بأكْلِ الطَّعامِ، وقصَدَ مِن ذلك أنَّهما- صلواتُ اللهِ عليهما- بَشَرٌ، فاكتفَى بذِكرِ أكْلِ الطَّعامِ عن كلِّ هذا؛ لأنَّهما منه مُسبَّبانِ؛ إذ لا بدَّ للآكلِ منهما، لكن استُقبِح في المخاطَبِ ذِكرُ الغائطِ فكنَّى به عنه؛ تهذيبًا وتصوُّنًا، وهذا مِن غريبِ الكناياتِ في اللُّغة العربيَّة، وفيها أيضًا تشنيعٌ وبشاعةٌ على مَن اتَّخذهما آلهةً [1459] ينظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (2/304- 305)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/534- 535). . وقيل: بلْ هو على حَقيقتِه، ويَكفِي حاجتُهما إلى الطعامِ دَلالةً على بشريَّتِهما؛ إذ هذه الحاجةُ من أقوى الدلائلِ على أنَّه ليس بإلهٍ؛ فلا حاجةَ إلى الكنايةِ [1460] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/409- 410)، ((تفسير أبي حيان)) (4/333). .
10- قوله: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
- الجُملة استئنافٌ للتعجُّب مِن حالِ الذين ادَّعَوُا الإلهيَّةَ لعيسى عليه السلامُ [1461] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/287). .
- والتكريرُ في قوله: ثُمَّ انْظُرْ بعد قوله: انْظُرْ؛ للدَّلالةِ على الاهتمامِ بالنَّظر والتدبُّر، وإن اختلفتِ النَّظرتانِ؛ فالأُولى متعلِّقة بكيفيَّةِ إيضاحِ اللهِ لخَلْقِه الآياتِ، والثانية متعلِّقةٌ بانصرافِهم عنها، وصُدوفِهم عن التأمُّلِ في مراميها وأهدافِها؛ إذ تكريرُ الأمرِ بالنظرِ للمبالغةِ في التعجُّب، وثُمَّ لإظهارِ ما بين العجبينِ من التفاوتِ، أي: إنَّ بيانَنا للآياتِ أمرٌ بديعٌ في بابه، بالغٌ لأقاصي الغاياتِ القاصية من التحقيق والإيضاح، وإعراضَهم عنها- مع انتفاءِ ما يُصحِّحه بالمرَّةِ، وتعاضُد ما يُوجِب قَبولَها- أعجبُ وأبدعُ [1462] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/68)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/535). .
11- قوله: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فيه: استفهامٌ غرضُه التوبيخُ والإنكارُ؛ فإنَّه لَمَّا بيَّن تعالى انتفاءَ الإلهيَّة عن عيسى، وكان قدْ توعَّدَهم، ثمَّ استدعاهم للتوبةِ وطلَبِ الغفرانِ- أنكرَ عليهم، ووبَّخهم من وجهٍ آخر، وهو عجزُه وعدمُ اقتدارِه على دفْع أيِّ ضررٍ، وجَلْب أيِّ نفعٍ، وأنَّ مَن كان لا يدفَعُ عن نفْسِه حريٌّ ألَّا يدفعَ عنكم [1463] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/334). .
- وتقديمُ قولِه تعالى: مِنْ دُونِ اللَّهِ على قولِه تعالى: مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا؛ للاهتمامِ بالمقدَّم، والتشويقِ إلى المؤخَّر، والاسمُ الموصول مَا عبارةٌ عن عيسى عليه السلام، وإيثارُه على كلمة مَنْ؛ لتحقيقِ ما هو المرادُ من كونِه بمعزلٍ من الألوهيَّة رأسًا ببيانِ انتظامِه عليه السَّلام في سِلْكِ الأشياءِ التي لا قُدرةَ لها على شيءٍ أصلًا، وهو عليه السَّلامُ وإنْ كان يملِك ذلك بتمليكِه تعالى إيَّاه، لكنَّه لا يملكُه مِن ذاتِه، ولا يملك مِثلَ ما يضرُّ به اللهُ تعالى من البلايا والمصائِبِ، وما ينفعُ به من الصحَّةِ والسَّعةِ [1464] ينظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/139)، ((تفسير أبي السعود)) (3/68). .
- وتقديمُ الضَّرِّ على النَّفع في قولِه: ضَرًّا وَلَا نَفْعًا من بابِ تقديمِ الأهمِّ؛ لأنَّ التحرُّزَ عنه أهمُّ من تحرِّي النفعِ، ولأنَّ أدْنى درجاتِ التأثيرِ دفْعُ الشرِّ، ثم جلْبُ الخيرِ [1465] ينظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/138)، ((تفسير أبي السعود)) (3/68). .
12- قوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ حالٌ من فاعل أَتَعْبُدُونَ وفيه تأكيدٌ للإنكار والتوبيخ، وتقريرٌ للإلزامِ والتَّبكيت، والرَّابط هو الواو، أي: تُشركون بالله تعالى ما لا يَقدِرُ على شيءٍ مِن ضرِّكم ونَفْعِكم، والحالُ أنَّ الله تعالى هو المختصُّ بالإحاطةِ التامَّة بجميعِ المسموعاتِ والمعلوماتِ، التي مِن جُملتها ما أنتُم عليه من الأقوالِ الباطِلَة، والعقائدِ الزائغَةِ، والأعمالِ السيِّئة، وبالقُدرة الباهِرة على جميعِ المقدوراتِ، التي مِن جُملتها مضارُّكم ومنافعُكم في الدُّنيا والآخرة [1466] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/68). .
13- قوله: قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ
- فيه تلوينُ الخِطاب وتَوجيهٌ له إلى أهلِ الكتابِ بطَريقِ الالتفاتِ على لِسانِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدَ إبطالِ مسالكهم؛ للمبالغةِ في زَجْرِهم عمَّا سلَكوه مِن المسلك الباطِلِ، وإرشادِهم إلى الطَّريقِ الحقِّ الذي يُرضي اللهَ تعالى [1467] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/68). .
- وتَنكيرُ قَوْمٍ تحقيرًا لهم [1468] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/336). .
- وفيه تَكرارُ وصْفِ أهلِ الكتابِ بالضَّلالِ؛ وأنَّهم ضلُّوا قديمًا في دِينِهم مِن قَبلِ مجيءِ الإسلامِ، وأضلُّوا كثيرًا مِن أتْباعِهم، ثمَّ أكَّد ذلك بتَكرار قولِه: وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وأنَّهم ضلُّوا بعد ذلك عن الإسلامِ [1469] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/335)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/290).   .