موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (19-25)

ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ

غريب الكلمات:


أَيَّانَ: أي: متى، أو: أيُّ حينٍ أو وقتٍ، وهو سُؤالٌ عن زمَانٍ، وقيل: أصلُه: أيُّ أوانٍ، أي: أيُّ وقتٍ، فحُذِف الألفُ ثم جُعل الواوُ ياءً فأُدغِم فصار أيَّان [247] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 60)، ((المفردات)) للراغب (ص: 103)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 369)، ((تفسير القرطبي)) (10/94)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213). .
لَا جَرَمَ: أي: حقًّا، وأصلُ (جرم): يدُلُّ على قَطعٍ [248]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 202)، ((تفسير ابن جرير)) (8/44)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 498)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/445)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 161)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 260). .
أَسَاطِيرُ: أي: أباطيلُ وتُرَّهات؛ جمعُ أُسطورةٍ، وهي: ما سُطِرَ مِن أخبارِ الأوَّلينَ وكَذِبِهم [249]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 37)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 57)، ((المفردات)) للراغب (ص: 409)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 94)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 116). .
يَزِرُونَ: أي: يَحمِلونَ، والوِزرُ: الثِّقلُ المُثقِلُ للظَّهرِ، وأصلُ (وزر): يدُلُّ على الثِّقلِ في الشَّيءِ [250] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/108)، ((الغريبين)) للهروي (6/1994)، ((البسيط)) للواحدي (8/91)، ((المفردات)) للراغب (ص: 867). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
لَا جَرَمَ: كلمةُ جزمٍ ويقينٍ جَرَت مجرى المَثَل. وفي هذا التَّركيبِ أقوالٌ: أحدها: أنَّ لَا جَرَمَ بمعنى (لا بُدَّ ولا محالةَ)، فـ (لا) نافيةٌ للجِنسِ، و(جَرَم) اسمُها مبنيٌّ على الفَتحِ في محلِّ نَصبٍ، والمصدرُ المؤوَّلُ من أنَّ ومعمولَيها في محلِّ جَرٍّ بحَرفِ جَرٍّ محذوفٍ، فيصيرُ المعنى: لا بدَّ مِن علمِ اللهِ سِرَّهم وعَلانيَتَهم، ولا محالةَ فيه. الثاني: أنَّ لَا جَرَمَ كلمةٌ واحِدةٌ مرَكَّبةٌ تركيبَ خَمسةَ عشَرَ، وبعدَ التَّركيبِ صار معناها معنى فعلٍ، وهو (حَقَّ) ، والمصدرُ المؤوَّلُ من أنَّ ومعمولَيها فاعِلٌ لمَجموعِ لَا جَرَمَ لتأويلِه بالفعلِ (حقَّ)، وقيل: مُؤَوَّلٌ بمصدرٍ قائمٍ مقامَه، وهو (حَقًّا)، فيصيرُ المعنى: حَقَّ عِلمُ اللهِ سِرَّهم وعلانيَتَهم. الثالث: أنَّ (لا) نافيةٌ لكلامٍ سابقٍ مُقَدَّرٍ، والوقفُ على (لا) تامٌّ، ثم قال: (جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ...)، أي: حَقَّ وثبَتَ عِلمُه، وعليه فالمصدرُ المؤَوَّلُ مِن أنَّ ومَعمولَيها في محلِّ رَفعٍ فاعِلٌ لـ جَرَمَ. وقيل غيرُ ذلك [251] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/357-358)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/693)، ((شرح الرضي على الكافية)) (4/347)، ((الجنى الداني في حروف المعاني)) للمرادي (ص: 413)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/303)، ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: 314). .

المعنى الإجمالي:


يقول تعالى: واللهُ- سُبحانَه- يعلَمُ ما تُخفُونَه في أنفُسِكم- أيُّها النَّاسُ- وما تُظهِرونَه، وسيُجازيكم عليه يومَ القيامةِ، والأصنامُ التي يعبُدُها المُشرِكونَ لا تَخلُقُ شَيئًا بل هي مَخلوقةٌ، فكيف يَعبُدونَها مِن دونِ الله؟ هي جميعًا جماداتٌ لا حياةَ فيها، ولا تدري متى يبعَثُها اللهُ. إلهُكم المُستحِقُّ للعبادةِ إلهٌ واحِدٌ، فالكافِرون الذين لا يُؤمِنون بالآخِرةِ وما فيها مِن ثوابٍ وعِقابٍ، قلوبُهم جاحِدةٌ لنِعَمِ اللهِ ولوحدانيَّتِه سُبحانَه وقدرتِه، وهم مُتكَبِّرونَ عن قَبولِ الحَقِّ. حقًّا أنَّ اللهَ يعلَمُ ما يُخفيه المُشرِكون مِن إنكارِ الحَقِّ وما يُظهِرونه مِن الكُفرِ والعِصيانِ، وسيُجازيهم على ذلك، إنَّه عزَّ وجَلَّ لا يُحِبُّ المُستكبِرينَ. وإذا قيل لهؤلاء المُشرِكينَ: ما الذي أنزل الله على النبيِّ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قالوا كَذِبًا وزُورًا: ما نزل عليه شَيءٌ، وإنَّما هذا القُرآنُ قَصَصُ السَّابقينَ وأباطيلُهم؛ ليَحمِلوا آثامَهم كامِلةً يومَ القيامةِ ويَحمِلوا بعضَ آثامِ الذين أضَلُّوهم بغيرِ عِلمٍ. ألا بئسَ ما يَحمِلونَه مِن ذُنوبٍ ثِقالٍ!

تفسير الآيات:


وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الكُفَّارَ كانوا- مع اشتِغالِهم بعبادةِ غَيرِ اللهِ تعالى- يُسِرُّونَ ضُروبًا مِن الكُفرِ في مكايدِ الرَّسولِ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- فجُعِلَ هذا زَجرًا لهم عنها [252] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/195). .
وأيضًا فإنَّه تعالى زيَّفَ في الآيةِ الأولى عِبادةَ الأصنامِ؛ بسبَبِ أنَّه لا قُدرةَ لها على الخَلقِ والإنعامِ، وزَيَّفَ في هذه الآيةِ أيضًا عبادتَها؛ بسبَبِ أنَّ الإلهَ يجِبُ أن يكونَ عالِمًا بالسِّرِّ والعَلانِيةِ، وهذه الأصنامُ جَماداتٌ لا مَعرِفةَ لها بشيءٍ أصلًا، فكيف تَحسُنُ عبادتُها [253] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/195). ؟!
وأيضًا فإنَّها عَطفٌ على جُملةِ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [النحل: 17]؛ فبعدَ أن أثبتَ أنَّ الله منفَرِدٌ بصِفةِ الخَلقِ دُونَ غَيرِه بالأدلَّةِ العديدةِ، ثمَّ باستنتاجِ ذلك بقَولِه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ، انتقل هنا إلى إثباتِ أنَّه مُنفَرِدٌ بعُمومِ العِلمِ [254] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/124). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا جرت العادةُ بأنَّ المكفورَ إحسانُه يُبادِرُ إلى قَطعِه عند عِلمِه بالكُفرِ، فكان ربَّما توهَّمَ مُتوَهِّمٌ أنَّ سبَبَ مُواترةِ الإحسانِ عدمُ العِلمِ بالكُفرانِ، أو عدَمُ العِلمِ بكُفرانٍ لا يدخُلُ تحت المَغفرةِ- قال مهدِّدًا مُبرِزًا للضَّميرِ بالاسمِ الأعظَمِ الذي بُنِيَت عليه السُّورةُ؛ للفَصلِ بالفَرقِ بين الخالقِ وغَيرِه، ولئلَّا يُتوهَّمَ تقيُّدُ التهديدِ بحيثيَّةِ المغفرةِ؛ إيماءً إلى أنَّ ذلك نتيجةُ ما مضَى [255] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/130-131). :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19).
أي: واللهُ يعلَمُ- أيُّها النَّاسُ- الذي تُخفُونَه في أنفُسِكم، ويعلَمُ الذي تُظهِرونَه أمامَ الآخرينَ مِن الأقوالِ والأفعالِ، فيُحصِيها عليكم ويُجازيكم بها يومَ القيامةِ؛ إنْ خَيرًا فخيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ [256] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/196)، ((تفسير القرطبي)) (10/93)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564). .
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أثبت اللهُ تعالى لنَفسِه كمالَ القُدرةِ، وتمامَ العِلمِ، وأنَّه المُنفَرِدُ بالخَلقِ؛ شرعَ يُقيمُ الأدلَّةَ على بُعدِ ما يُشرِكونَه به مِن الآلهةِ، بسَلبِ تلك الصِّفاتِ [257] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/131). .
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20).
أي: والأصنامُ التي يعبُدُها المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ لا تستطيعُ أن تخلُقَ شَيئًا، بل هي مخلوقةٌ، فكيف يكون إلهًا ما كان مخلوقًا لا يَملِكُ نَفعًا ولا ضَرًّا [258] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/196)، ((تفسير القرطبي)) (10/94)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/126). ؟!
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان مِن المخلوقاتِ الميِّتُ والحَيُّ، وكان الميِّتُ أبعَدَ شَيءٍ عن صِفةِ الإلهِ؛ نفَى عن الأصنامِ الحياةَ- بعدَ أن نفَى القُدرةَ والعِلمَ- المُستلزِمِ لأن يكونَ عَبَدتُها أشرَفَ منها، المُستلزِمِ لأنَّهم بخُضوعِهم لها في غايةِ السَّفَهِ [259] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/132). .
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ.
أي: الأصنامُ التي يعبُدُها المُشرِكونَ جَماداتٌ لا أرواحَ فيها، فلا تسمَعُ ولا تُبصِرُ ولا تَعقِلُ شيئًا، فكيف تُتَّخَذُ هذه آلِهةً [260] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/196)، ((تفسير القرطبي)) (10/94)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564). ؟
وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
أي: وما تدري هذه الأصنامُ متى يَبعَثُها اللهُ، فكيف يُرتجَى عندَ هذه نفعٌ أو ثوابٌ وجزاءٌ [261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/197)، ((تفسير القرطبي)) (10/94)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564). قال الرازي: (الضَّميرُ في قوله: وَمَا يَشْعُرُونَ عائدٌ إلى الأصنامِ، وفي الضميرِ في قوله: يُبْعَثُونَ قولان: أحدُهما: أنَّه عائدٌ إلى العابدينَ للأصنامِ، يعني: أنَّ الأصنامَ لا يشعرون متى تُبعَثُ عبَدتُهم، وفيه تهكُّمٌ بالمشركينَ وأنَّ آلهتَهم لا يعلمونَ وقتَ بَعثِهم، فكيف يكونُ لهم وقتُ جزاءٍ منهم على عبادتِهم؟! والثاني: أنَّه عائدٌ إلى الأصنامِ، يعني: أنَّ هذه الأصنامَ لا تعرِفُ متى يبعَثُها اللهُ تعالى). ((تفسير الرازي)) (20/196). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/187). وممن قال بالقولِ الأولِ: الزمخشري، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/600)، ((تفسير الشوكاني)) (3/187). وممن قال بالقولِ الثاني: ابنُ جريرٍ، والواحدي، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/197)، ((الوسيط)) للواحدي (3/59)، ((تفسير القاسمي)) (6/361). وقيل: المعنى: وما يدري الكفارُ متى يُبعثونَ. وممن قال بذلك: القرطبي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/94)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/126).  ؟
كما قال تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: 65].
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الله تعالى لَمَّا زيَّفَ- فيما تقَدَّمَ- طريقةَ عبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ، وبيَّنَ فسادَ مَذهَبِهم بالدَّلائِلِ القاهرةِ؛ قال: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، ثمَّ ذكَر تعالى ما لأجلِه أصرَّ الكفارُ على القولِ بالشركِ، وإنكارِ التوحيدِ [262] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/196). .
وأيضًا فإنَّ اللهُ تعالى لَمَّا ذكر ما اتَّصَفَت به آلِهةُ المُشرِكينَ بما يُنافي الألوهيَّةَ؛ أخبَرَ تعالى أنَّ إلهَ العالَمِ هو واحِدٌ، وأنَّ الذين لا يُؤمِنونَ بالجَزاءِ بعد وُضوحِ بُطلانِ أن تكونَ الإلهيَّةُ لِغَيرِه، بل له وَحدَه؛ هم مُستَمِرُّونَ على شِركِهم، مُنكِرونَ وحدانيَّتَه، مُستَكبِرونَ عن الإقرارِ بها؛ لاعتقادِهم الإلهيَّةَ لأصنامِهم [263] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/518). .
وأيضًا فهو استئنافُ نتيجةٍ لحاصلِ المُحاجَّةِ الماضيةِ، أي: قد ثبت بما تقَدَّمَ إبطالُ إلهيَّةِ غيرِ الله، فثبَت أنَّ لكم إلهًا واحدًا لا شريكَ له [264] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/127). .
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ.
أي: مَعبودُكم- أيُّها النَّاسُ- الذي يستحِقُّ عبادتَكم دونَ سائِرِ الأشياءِ، مَعبودٌ واحِدٌ؛ فلا تُشرِكوا به شيئًا [265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/197)، ((تفسير القرطبي)) (10/95)، ((تفسير ابن كثير)) (4/565). .
فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ.
أي: فالذين لا يُؤمِنونَ بيومِ القيامةِ والجنَّةِ والنَّارِ، قُلوبُهم تُنكِرُ ما أخبَرَ به مِن قُدرتِه وعَظَمتِه ونِعَمِه، وتُنكِرُ إفرادَ اللهِ بالعبادةِ، وأنَّ الألوهيَّةَ لا تَصلُحُ لِغَيرِه، وهم مُمتَنِعونَ كِبرًا عن قَبولِ الحَقِّ، والانقيادِ إليه [266] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/197)، ((الوسيط)) للواحدي (3/59)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/555)، ((تفسير القرطبي)) (10/95)، ((تفسير ابن كثير)) (4/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438). .
كما قال تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 4-5].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: 45].
وقال سُبحانه: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات: 35].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60].
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23).
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
أي: حقًّا أنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّه المُشرِكونَ في قُلوبِهم مِن إنكارِهم للحَقِّ، واعتقادِهم بالباطِلِ، ويعلَمُ حَقًّا ما يُعلِنونَه مِن الكُفرِ والمعاصي، وسيُجازيهم على أعمالِهم الظَّاهِرةِ والباطنةِ [267] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/198)، ((الوسيط)) للواحدي (3/59)، ((تفسير القرطبي)) (10/95)، ((تفسير ابن كثير)) (4/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438). .
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان في قَولِه تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ معنى التَّهديدِ؛ لأنَّ المرادَ: فلَيُجازيَنَّهم على دِقِّ ذلك وَجِلِّه مِن غَيرِ أن يَغفِرَ منه شَيئًا، كما يأتي التَّصريحُ به في قَولِه: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً [النحل: 25]- علَّلَ هذا المعنى بقَولِه [268] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/135). :
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ.
أي: إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُستكبِرينَ عن تَوحيدِه، وإفرادِه بالعبادةِ، فهو يُبغِضُهم وسيُعاقِبُهم [269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/198)، ((تفسير الشوكاني)) (3/188)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438). .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بالغَ في تقريرِ دلائِلِ التَّوحيدِ، وأوردَ الدَّلائِلَ القاهِرةَ في إبطالِ مذاهِبِ عَبدةِ الأصنامِ؛ ذكَرَ بعد ذلك شُبُهاتِ مُنكِري النبُوَّةِ مع الجوابِ عنها [270] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/197). .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ.
أي: وإذا قيلَ لهَؤلاء المُشرِكينَ: ما الذي أنزَلَه ربُّكم مِن الوحيِ على نبيِّه مُحمَّدٍ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/198)، ((الوسيط)) للواحدي (3/60)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438). ؟
قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
أي: قال المُشرِكونَ: لم يَنزِلْ عليه شيءٌ، وهذا القُرآنُ الذي يزعُمُ محمَّدٌ أنَّ الله أنزَلَه عليه، هو ما سَطَره الأقدَمونَ في كُتُبِهم من الأكاذيبِ والأباطيلِ والقِصَص التي يتناقَلُها النَّاسُ جِيلًا بعد جِيلٍ [272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/198،199)، ((الوسيط)) للواحدي (3/60)، ((تفسير ابن كثير)) (4/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/362).
كما قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: 31].
وقال سُبحانه: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: 5].
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25).
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أي: لِيحمِلوا ذُنوبَهم كامِلةً يومَ القيامةِ [273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/199)، ((تفسير ابن عطية)) (3/387)، ((تفسير الشوكاني)) (3/188). قال ابنُ عطية: (واللامُ في قولِه: لِيَحْمِلُوا يحتملُ أن تكونَ لامَ العاقبةِ؛ لأنَّهم لم يقصِدوا بقولِهم: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ليحْمِلوا الأوزارَ. ويحتملُ أن تكونَ صريحَ لامِ «كي»، على معنَى: قدَّر هذا. ويحتملُ أن تكونَ لامَ الأمرِ، على معنى الحتمِ عليهم بذلك، والصغارِ الموجبِ لهم). ((تفسير ابن عطية)) (3/387). وقال الشنقيطي: (واللامُ في قَولِه لِيَحْمِلُوا تتعلقُ بمحذوفٍ دلَّ المقامُ عليه، أي: قدَّرْنا عليهم أن يقولوا في القرآن: أساطيرُ الأوَّلين؛ ليَحمِلوا أوزارَهم). ((أضواء البيان)) (2/363). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/565). وقال الشوكاني: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً أي: قالوا هذه المقالةَ لكي يَحْمِلوا أوزارَهم كاملةً، لم يُكَفَّرْ منها شيءٌ؛ لعدمِ إسلامِهم الَّذي هو سببٌ لتكفيرِ الذُّنوبِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/188). وقيل: اللامُ في قَولِه تعالى: لِيَحْمِلُوا: لامُ العاقبةِ، أي: قالوا ذلك القولَ، فكانت عاقبتُه أنَّهم يحمِلونَ أوزارَهم. وممَّن نصَّ على أنَّ اللامَ هنا للعاقبةِ: الواحدي، وابنُ الجوزي، والرازي، والرسعني، والقاسمي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/60)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/555)، ((تفسير الرازي)) (20/197)، ((تفسير الرسعني)) (4/20)،  ((تفسير القاسمي)) (6/362)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/132). .
وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
أي: ولِيحملَ المُشرِكونَ المَتبوعونَ أيضًا بعضَ [274] ممَّن ذهب إلى أنَّ (من) هنا للتبعيضِ: ابنُ عطية، وابنُ تيمية، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/387)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/726-727)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/363). قال ابن تيميَّة: (فقولُه: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ هي الأوزارُ الحاصلةُ لضَلالِ الأتباعِ، وهي حاصلةٌ مِن جهةِ الآمِرِ، ومن جهة المأمورِ الممتَثِلِ، فالقُدرتان مُشتركتانِ في حصولِ ذلك الضَّلالِ؛ فلهذا كان على هذا بعضُه، وعلى هذا بعضُه، إلَّا أنَّ كلَّ بعضٍ مِن هذينِ البعضينِ هو مِثلُ وِزرِ عاملٍ كاملٍ، كما دلت عليه سائرُ النُّصوصِ، مثل قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «من دعا إلى الضَّلالةِ، كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ»). ((مجموع الفتاوى)) (10/726-727). قال الألوسي: (فـ «مِن» تبعيضيَّةٌ؛ لأنَّ مُقابلتَه لقولِه تعالى: كَامِلَةً يعَيِّنُ ذلك، والمرادُ بهذا البَعضِ حِصَّةُ التسَبُّبِ؛ فالمضَلُّ والضالُّ شريكانِ: هذا يُضِلُّه، وهذا يُطاوِعُه، فيتحاملانِ الوِزرَ، وللضالِّ أوزارٌ غيرُ ذلك، وليست تلك محمولةً). ((تفسير الألوسي)) (7/365). وقيلَ: «مِن» هنا لبيانِ الجنسِ. وممن اختار هذا القولَ: الواحدي، والقرطبي. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/44)، ((تفسير القرطبي)) (10/96). قال الواحدي: (و«مِنْ» في قوله: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ليست للتبعيضِ؛ لأنَّها لو كانت للتبعيضِ لخفَّ عن الأتباعِ بعضُ أوزارِهم بحَملِ الرُّؤساءِ ذلك، ولكنَّها للجِنسِ، أي: ليحملوا مِن جنسِ أوزارِ الأتباع، وإنما ذلك لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مِن غيرِ أن يَنقُصَ من أوزارِهم شيءٌ»، ولو جعلنا المحمولَ من أوزارِ الأتباع نقَصَت أوزارُهم؛ فليس يأتي التابعُ بجنسٍ مِن الذنبِ في ضلالتِه إلَّا وعلى المتبوعِ مثلُ ذلك، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فإنَّ عليه مثلَ أوزارِ مَن اتَّبَعه»). ((البسيط)) (13/44). ذُنوبِ أتباعِهم الذين يُضِلُّونَهم فيقلدونهم بغيرِ عِلمٍ [275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/199)، ((تفسير ابن كثير)) (4/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438). قال أبو السعود: (بِغَيْرِ عِلْمٍ حالٌ من الفاعلِ، أي: يضلُّونَهم غيرَ عالمينَ بأنَّ ما يَدْعونَ إليه طريقُ الضَّلالِ... أو حالٌ من المفعول، أي: يُضِلُّونَ مَن لا يعلمُ أنَّهم ضُلَّالٌ. وفائدة التقييدِ بها: الإشعارُ بأنَّ مَكرَهم لا يَروجُ عند ذي لُبٍّ، وإنَّما يتَّبِعُهم الأغبياءُ والجَهَلةُ، والتنبيهُ على أنَّ جَهلَهم ذلك لا يكونُ عُذرًا؛ إذ كان يجِبُ عليهم أن يبحَثوا ويُميِّزوا بين المُحِقِّ الحقيقِ بالاتِّباعِ وبين المُبطِل). ((تفسير أبي السعود)) (5/107). وممن قال بالمعنى الأول: الواحدي، وابنُ الجوزي، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/60)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 603)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/555)، ((تفسير الرازي)) (20/197)، ((تفسير القرطبي)) (10/96)، ((تفسير أبي حيان)) (6/520)، ((تفسير الشوكاني)) (3/188). وممن قال بالمعنى الثاني: الزمخشري، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/601)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/133). .
كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: 12-13].
وعن أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن دعا إلى هُدًى، كان له مِن الأجرِ مِثلُ أجُورِ مَن تَبِعَه، لا يَنقُصُ ذلك مِن أجورِهم شَيئًا، ومَن دعا إلى ضَلالةٍ، كان عليه مِن الإثمِ مِثلُ آثامِ مَن تَبِعَه، لا يَنقُصُ ذلك مِن آثامِهم شَيئًا ) ) [276] رواه مسلم (2674). .
أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ.
أي: ألا بِئسَ ما يحمِلُه المُشرِكونَ على ظُهورِهم مِن الذُّنوبِ الثَّقيلةِ [277] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/199)، ((الوسيط)) للواحدي (3/60)، ((تفسير السعدي)) (ص: 438). .
كما قال تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام: 31].

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ المعنى: أنَّ الذين يُؤمِنونَ بالآخرةِ، ويَرغَبونَ في الفَوزِ بالثَّوابِ الدَّائمِ، ويخافونَ الوُقوعَ في العِقابِ الدَّائمِ؛ إذا سَمِعوا الدَّلائِلَ والتَّرغيبَ والتَّرهيبَ، خافوا العِقابَ فتأمَّلوا وتفَكَّروا فيما يَسمَعونَه؛ فلا جرَمَ ينتَفِعونَ بسَماعِ الدَّلائِلِ، ويَرجِعونَ مِن الباطِلِ إلى الحَقِّ، أمَّا الذين لا يُؤمِنونَ بالآخرةِ ويُنكِرونَها، فإنَّهم لا يَرغَبونَ في حُصولِ الثَّوابِ، ولا يَرهَبونَ مِن الوقوعِ في العِقابِ، فيَبقَونَ مُنكِرينَ لكُلِّ كلامٍ يُخالِفُ قَولَهم، ويَستَكبِرونَ عن الرُّجوعِ إلى قَولِ غَيرِهم، فلا جرَمَ يَبقَونَ مُصِرِّينَ على ما كانوا عليه مِن الجَهلِ والضَّلالِ [278] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/196). .
2- كثيرًا ما يكونُ الكِبْرُ مانِعًا مِن قَبولِ الحَقِّ؛ قال تعالى: فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [279] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (5/53). .
3- قَولُه تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ قال العُلماءُ: (كُلُّ ذَنبٍ يُمكِنُ التسَتُّرُ منه وإخفاؤُه إلَّا الكِبْرَ؛ فإنَّه فِسقٌ يَلزَمُه الإعلانُ، وهو أصلُ العِصيانِ كُلِّه) [280] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/95). .
4- قَولُ الله تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عامٌّ في الكافرينَ والمُؤمِنينَ، يأخُذُ كُلُّ واحِدٍ منهم بقِسطِه [281] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/519). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ فيه سُؤالٌ: أليس أنَّ قَولَه تعالى في أوَّلِ الآيةِ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ يدُلُّ على أنَّ هذه الأصنامَ لا تخلُقُ شَيئًا، وقولَه هاهنا: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا يدُلُّ على نفسِ هذا المعنى، فكان هذا مَحضَ التَّكريرِ؟
الجوابُ: أنَّ المذكورَ في أوَّلِ الآيةِ أنَّهم لا يَخلُقونَ شَيئًا، والمذكورَ هاهنا أنَّهم لا يخلُقونَ شَيئًا، وأنَّهم مَخلوقونَ لِغَيرِهم، فكان هذا زيادةً في المعنى، وكأنَّه تعالى بدأ بشَرحِ نَقصِهم في ذَواتِهم وصِفاتِهم؛ فبيَّنَ أوَّلًا أنَّها لا تخلُقُ شَيئًا، ثمَّ ثانيًا أنَّها كما لا تَخلُقُ غَيرَها فهي مخلوقةٌ لِغَيرِها [282] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/195). ، وأيضًا فقولُه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ لبيانِ المستحقِّ للعبادةِ، وأمَّا قولُه: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا فلبيانِ عجزِ هذه الأصنامِ وضعفِها.
2- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ أنَّ الجَمادَ يُسَمَّى مَيِّتًا، وإن كان غيرَ قابِلٍ للحياةِ؛ فإنَّ اللهَ في هذه الآيةِ سَمَّى الأصنامَ أمواتًا، وهي حِجارةٌ [283] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/22). .
3- قال الله تعالى: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ قيل: فيه دليلٌ على أنَّ الأصنام تُجعَلُ فيها الحياةُ، وتُبعَثُ يومَ القيامةِ حتَّى تتبَرَّأَ مِن عابديها، وذلك على اعتبارِ أنَّ قولَه: وَمَا يَشْعُرُونَ يعني به هذه الأصنامَ [285] يُنظر: ((تفسير الخازن)) (3/72). . وقيل: إنَّما عبَّر عنها كما عبَّر عن الآدميينَ؛ لأنَّهم زعموا أنَّها تعقلُ عنهم، وتعلمُ وتشفعُ لهم عندَ الله تعالى، فجرَى خطابُهم على ذلك [286]  يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/94). .
4- قال الله تعالى: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ نفَى عنهم مُطلَقَ الشُّعورِ الذي هو أعمُّ مِن العِلمِ، فيَنتفي كلُّ ما هو أخَصُّ منه [287] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/133). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وصَفَهم بأنَّهم لا يُؤمِنونَ بالآخِرةِ؛ مُبالغةً في نِسبةِ الكُفرِ إليهم؛ إذ عَدَمُ التَّصديقِ بالجَزاءِ في الآخِرةِ يتضَمَّنُ التَّكذيبَ باللهِ تعالى وبالبَعثِ؛ إذ مَن آمَنَ بالبَعثِ يَستحيلُ أن يُكَذِّبَ بالله عَزَّ وجَلَّ [288] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/518). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أي: أنَّه تعالى لا يُخفِّفُ مِن عقابِهم شَيئًا، بل يُوصِلُ ذلك العِقابَ بكُلِّيَّتِه إليهم. وهذا يدُلُّ على أنَّه تعالى قد يُسقِطُ بعضَ العِقابِ عن المُؤمِنينَ؛ إذ لو كان هذا المعنى حاصِلًا في حَقِّ الكُلِّ، لم يكُنْ لتَخصيصِ هؤلاء الكُفَّارِ بهذا التَّكميلِ معنًى [289] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/197). .
7- في قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ دليلٌ على أنَّ مَن أَفْتَى بغير علمٍ فَعُمِلَ بفتواه؛ كان إِثْمُ العاملِ عليه [290] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/53). .
8- قال الله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فلم يُكفَّرْ عنهم شَيءٌ مِن ذُنوبِهم بما يُصيبُهم في الدُّنيا مِن نَكبةٍ وبَليَّةٍ، كما يُكَفَّرُ عن المُؤمِنينَ [291] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/60). .
9- قَولُ اللهِ تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ لا يُعارِضُه قَولُه تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164]؛ فمعناه: وِزْرًا لا مَدخَلَ لها فيه، ولا تعَلُّقَ له بها بتسبُّبٍ ولا غَيرِه، ونظيرُ هاتينِ الآيتينِ سُؤالًا وجَوابًا، قَولُه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [292] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:304). قال الشنقيطي: (فإن قيل: ما وجهُ تحمُّلِهم بعضَ أوزارِ غَيرِهم المنصوصِ عليه بقَولِه: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ الآية، وقولِه: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ الآية، مع أنَّ اللهَ يقولُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، ويقولُ جلَّ وعلا: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا، ويقولُ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ؟ فالجوابُ- والله تعالى أعلمُ- أنَّ رؤساءَ الضَّلالِ وقادتَه تحمَّلوا وِزرَينِ: أحدُهما: وِزرُ ضلالِهم في أنفُسِهم. والثاني: وِزرُ إضلالِهم غيرَهم؛ لأنَّ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فعليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِل بها، لا يَنقُصُ ذلك من أوزارِهم شَيئًا، وإنما أُخِذَ بعَمَلِ غيرِه؛ لأنَّه هو الذي سَنَّه وتسَبَّب فيه، فعوقِبَ عليه من هذه الجهةِ؛ لأنَّه مِن فِعلِه، فصار غيرَ مُنافٍ لِقَولِه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ الآية). ((أضواء البيان)) (2/363-364). [العنكبوت: 12- 13].
10- في قَولِه تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ تحذيرٌ للذي يُحدِثُ البِدعةَ؛ أنَّه قد يَتهاوَنُ بها لِخفَّةِ أمرِها في أوَّلِ الأمرِ، ولا يَشعرُ بما يترتَّبُ عليها مِن المفسَدةِ، وهو أن يَلحقَه إثمُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه، ولو لم يكُنْ هو عَمِلَ بها، بل لِكَونِه كان الأصلَ في إحداثِها [293] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (13/302). .
11- في قَولِه تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ دَلالةٌ على أنَّ ما تَوَلَّدَ عن فِعلِ العبدِ يَحصُلُ له منه ثوابٌ وعِقابٌ وإنْ لم يَقصِدْه [294] يُنظر: ((جامع المسائل لابن تيمية)) (4/269). ؛ فاللهُ سُبحانَه يُعاقِبُ على الأسبابِ المحَرَّمة وعلى ما تولَّدَ منها، كما يُثيبُ على الأسبابِ المأمورِ بها وعلى ما يتولَّدُ منها؛ ولذا كان من دعا إلى بِدعةٍ وضلالةٍ فعليه مِن الوِزرِ مِثلُ أوزارِ مَن اتَّبَعه؛ لأنَّ اتِّباعَهم له تولَّدَ عن فِعلِه؛ ولذلك كان على ابنِ آدَمَ القاتِلِ لأخيه كِفلٌ مِن ذنبِ كُلِّ قاتلٍ إلى يومِ القيامةِ، وقد قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وقال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [295] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 68). [العنكبوت: 13].
12- قَولُه تعالى: بِغَيْرِ عِلْمٍ يدُلُّ على أنَّ الكافِرَ غَيرُ مَعذورٍ بعد إبلاغِ الرُّسُلِ المؤَيَّدِ بالمُعجِزاتِ، الذي لا لبْسَ معه في الحَقِّ، ولو كان يَظُنُّ أنَّ كُفرَه هُدًى؛ لأنَّه ما منَعَه من معرفةِ الحَقِّ مع ظُهورِه إلَّا شِدَّةُ التعَصُّبِ للكُفرِ؛ كما قال تعالى: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف: 30]، وقَوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103- 104] ، وقَوله: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [296] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/364-365). [الزمر: 47].

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
- قولُه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ فيه تَقديمُ السِّرِّ على العلَنِ؛ لتَحقيقِ المُساواةِ بين عِلمَيه المُتعلِّقَينِ بهما على أبلَغِ وَجهٍ، كأنَّ عِلمَه تَعالى بالسِّرِّ أقدَمُ منه بالعلَنِ، أو لأنَّ كلَّ شَيءٍ يُعْلَنُ فهو قبلَ ذلك مُضمَرٌ في القلبِ، فتعلُّقُ علمِه تَعالى بحالتِه الأُولى أقدَمُ مِن تعلُّقِه بحالتِه الثَّانيةِ [297] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/105). .
- وفي قولِه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ تَعريضٌ بالتَّهديدِ والوعيدِ بأنَّ اللهَ مُحاسِبُهم على كُفرِهم، وفيه إعلامٌ بأنَّ أصنامَهم بخلافِ ذلك، كما دَلَّ عليه تَقديمُ المُسنَدِ إليه وَاللَّهُ على الخبرِ الفعليِّ يَعْلَمُ؛ فإنَّه يفيدُ القصرَ لرَدِّ دعوى الشَّركةِ [298] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/125). .
2- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
- شُروعٌ في تَحقيقِ كونِ الأصنامِ بمَعزِلٍ مِن استحقاقِ العِبادةِ، وتَوضيحِه بحيث لا يَبْقَى فيه شائبةُ رَيبٍ بتعديدِ أوصافِها وأحوالِها المُنافيةِ لذلك مُنافاةً ظاهرةً، وتلك الأحوالُ وإنْ كانت غَنيَّةً عن البَيانِ لكنَّها شُرِحَت للتَّنبيهِ على كَمالِ حَماقةِ عَبَدَتِها، وأنَّهم لا يعرِفونَ ذلك إلَّا بالتَّصريحِ، أي: والآلهةُ الَّذين يعبُدُهم الكُفَّارُ [299] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/105). .
- والمقصودُ من هذه الجُملةِ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ... التَّصريحُ بما اسْتُفِيدَ ضِمنًا ممَّا قبلَها، وهو نَفيُ الخالِقيَّةِ، ونفيُ العلمِ عن الأصنامِ؛ فالخبرُ الأوَّلُ- وهو جُملةُ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا- اسْتُفِيدَ من جُملةِ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ، وعُطِفَ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ارتقاءً في الاستدلالِ على انتفاءِ إلهيَّتِها، والخبرُ الثَّاني- وهو جُملةُ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ- تَصريحٌ بما اسْتُفِيدَ من جُملةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ بطَريقةِ نَفيِ الشَّيءِ بنَفيِ مَلزومِه، وهي طريقةُ الكِنايةِ الَّتي هي كذِكْرِ الشَّيءِ بدَليلِه [300] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/125). .
- وبِناءُ الفعلِ يُخْلَقُونَ للمفعولِ؛ لتَحقيقِ التَّضادِّ والمُقابَلةِ بينَ ما أُثِبتَ لهم، وبينَ ما نُفِيَ عنهم مِن وَصفَيِ المخلوقيَّةِ والخالقيَّةِ، وللإيذانِ بعدَمِ الافتقارِ إلى بَيانِ الفاعلِ؛ لظُهورِ اختصاصِ الفعلِ بفاعلِه جَلَّ جلالُه. ويجوزُ أنْ يُجعَلَ الخلقُ الثَّاني عبارةً عن النَّحتِ والتَّصويرِ؛ رِعايةً للمُشاكَلَةِ بينه وبين الأوَّلِ، ومُبالغةً في كونِها مَصنوعةً لعَبَدَتِها وأعجَزَ عنهم، وإيذانًا بكَمالِ رَكاكةِ عُقولِهم حيث أشْرَكوا بخالقِهم مَخلوقَهم.
- ولأنَّ إثباتَ المخلوقيَّةِ لهم غيرُ مُستَدْعٍ لنَفيِ الحياةِ عنهم لِمَا أنَّ بعضَ المخلوقينَ أحياءٌ، فقد صُرِّحَ بذلك، فقيل: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ [301] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/105- 106). .
3- قوله تعالى: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
- قولُه: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، جُملةُ غَيْرُ أَحْيَاءٍ تأكيدٌ لمَضمونِ جُملةِ أَمْوَاتٌ؛ للدَّلالةِ على عَراقةِ وَصفِ الموتِ فيهم بأنَّه ليس فيهم شَائبةُ حياةٍ؛ لأنَّهم حِجارةٌ [302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/126). ، وفيه احتراسٌ [303] الاحتراس: هو التحرُّزُ مِن الشيءِ، والتحفُّظُ منه، وهو نوعٌ مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو أن يكونَ الكلامُ محتملًا لشيءٍ بعيدٍ، فيُؤتَى بكلامٍ يَدفعُ ذلك الاحتمالَ. أو: الإتيانُ في كلامٍ يُوهِمُ خلافَ المقصودِ بما يَدْفَعُ ذلك الوهمَ، ويُسمِّيه البعضُ التَّكميلَ. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/64)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/251)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 49). ؛ إذ قد وصَفَ الأصنامَ بـ غَيْرُ أَحْيَاءٍ بعدَ قولِه: أَمْوَاتٌ؛ لأنَّ الأصنامَ أمواتٌ لا يَعْقُبُ موتَها حياةٌ؛ احترازًا عن أمواتٍ يعقُبُ موتَها حياةٌ؛ كالنُّطَفِ، والبَيضِ، والأجسادِ الميتةِ، وذلك أبلغُ في موتِها، كأنَّه قال: أمواتٌ في الحالِ، غيرُ أحياءٍ في المآلِ [304] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/517). ويُنظر أيضًا: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/303). .
- وجُملةُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إدماجٌ [305] الإدماجُ لُغةً: الإدخالُ؛ يُقال: أدْمَجَ الشيءَ في ثَوبٍ، إذا لَفَّه فيه. واصطلاحًا: أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرَضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعل المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لمعنًى- مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ، وقيل: أُدمِجتِ المبالغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ- وهي الوقتُ الذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). ؛ لإثباتِ البعثِ عَقِبَ الكلامِ على إثباتِ الوَحدانيَّةِ للهِ تَعالى؛ لأنَّ هذينِ هما أصلُ إبطالِ عَقيدةِ المُشركينَ، وتَمهيدٌ لوَجهِ التَّلازُمِ بين إنكارِ البعثِ وبين إنكارِ التَّوحيدِ في قولِه تعالى: فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [306] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/126). .
- وقولُه أيضًا: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ فيه تَهكُّمٌ بالمُشركينَ، وأنَّ آلهتَهم لا يَعْلمون وقتَ بَعثِهم؛ فكيف يكونُ لهم وقتُ جزاءٍ منهم على عِبادتِهم [307] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/600). ؟! وهو أيضًا على طَريقةِ التَّهكُّمِ بهم؛ لأنَّ شُعورَ الجمادِ بالأُمورِ الظَّاهرةِ بَديهيُّ الاستحالةِ عند كلِّ أحدٍ؛ فكيف بما لا يعلَمُه إلَّا العليمُ الخبيرُ [308] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/106). ؟! وهذا على أحدِ أوجهِ التأويلِ.
4- قوله تعالى: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
- قولُه: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ فَذلَكةٌ لِمَا سبَق، وإعادةٌ لأمْرِ الأُلوهيَّةِ مُجمَلًا بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليها مُفصَّلًا؛ والمعنى: قد ثبَتَ بالدَّلائلِ الدالَّةِ على أنَّ الإلهيَّةَ مُختصَّةٌ باللهِ تعالى، وأنَّه واحدٌ متفرِّدٌ بالألوهيَّة، وهو المعبودُ الحقُّ، وإذا كان كذلك؛ فمِن حَقِّه أنْ يَختَصَّ بالعبادةِ، وأنْ لا تُنكَرَ إلهيتُه، وهؤلاء عكَسوا واستمرُّوا على شِركِهم، وقلوبُهم منكرةٌ للوحدانيَّة [309] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/223)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (9/101)، ((تفسير أبي السعود)) (5/106). .
- وفي قولِه: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيث عَرِيَت الجُملةُ عن المُؤكِّدِ؛ لكون ما مَضى قبلَ هذا الموضعِ كافيًا في إبطالِ إنكارِ المُشركينَ الوَحدانيَّةَ؛ تَنزيلًا لحالِ المُشركينَ بعدما سَمِعوا من الأدلَّةِ مَنزلةَ مَن لا يُظَنُّ به أنَّه يتردَّدُ في ذلك، بخلافِ قولِه تعالى في سُورةِ الصَّافاتِ: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: 4]؛ لأنَّ ذلك ابتداءُ كلامٍ لم يتقدَّمْه دليلٌ [310] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/127). .
- قولُه: فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ بيانٌ لِمَا اقْتَضى إصرارَهم بعدَ وُضوحِ الحقِّ، وذلك عدَمُ إيمانِهم بالآخرةِ- فإنَّ المُؤمنَ بها يكونُ طالبًا للدَّلائلِ، مُتأمِّلًا فيما يسمَعُ، فينتفِعُ به، والكافرُ بها يكونُ حالُه بالعكسِ- وإنكارُ قُلوبِهم ما لا يُعْرَفُ إلَّا بالبُرهانِ اتِّباعًا للأسلافِ، ورُكونًا إلى المألوفِ؛ فإنَّه يُنافي النَّظرَ- والاستكبارُ عن اتِّباعِ الرَّسولِ وتَصديقِه، والالتفاتِ إلى قولِه، والأوَّلُ- يعني: الذين لا يُؤمِنونَ بالآخرةِ- هو العُمدةُ في البابِ؛ ولذلك رُتِّبَ عليه ثُبوتُ الآخرينِ- يعني: إنكارَ قُلوبِهم واستكبارَهم [311] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/223-224). .
- والتَّعبيرُ عن المُشركينَ بالموصولِ وصِلَتِه فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ؛ لأنَّهم قد عُرِفُوا بمَضمونِ الصِّلةِ، واشْتُهِرُوا بها اشتهارَ لَمْزٍ وتَنقيصٍ عندَ المُؤمنينَ، وللإيماءِ إلى أنَّ لهذه الصِّلةِ ارتباطًا باستمرارِهم على العِنادِ؛ لأنَّ انتفاءَ إيمانِهم بالبعثِ والحسابِ قد جرَّأَهم على نَبذِ دَعوةِ الإسلامِ ظِهْريًّا، فلم يتوقَّعوا مُؤاخذةً على نَبذِها- على تَقديرِ أنَّها حقٌّ- فيَنْظروا في دَلائلِ أحقِّيَّتِها، مع أنَّهم يُؤمِنون باللهِ، ولكنَّهم لا يُؤمِنون بأنَّه أعَدَّ للنَّاسِ يومَ جزاءٍ على أعمالِهم [312] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/128). .
- قولُه: قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ، أي: جاحدةٌ بما هو واقعٌ، اسْتُعْمِلَ الإنكارُ في جَحدِ الأمرِ الواقعِ؛ لأنَّه ضِدُّ الإقرارِ، فحُذِفَ مُتعلِّقُ مُنْكِرَةٌ؛ لدَلالةِ المقامِ عليه، أي: مُنكِرةٌ للوَحدانيَّةِ [313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/128). .
- وعُبِّرَ بالجُملةِ الاسميَّةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ؛ للدَّلالةِ على أنَّ الإنكارَ ثابتٌ لهم دائمٌ لاستمرارِهم على الإنكارِ بعد ما تبيَّنَ من الأدلَّةِ، وذلك يفيدُ أنَّ الإنكارَ صار لهم سَجِيَّةً، وتمكَّنَ مِن نُفوسِهم؛ لأنَّهم ضَرُوا به- أي: اعتادُوه واجتَرؤوا عليه- من حيث إنَّهم لا يُؤمِنون بالآخرةِ، فاعتادوا عدَمَ التَّبصُّرِ في العواقبِ. وكذلك جُملةُ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ بُنِيَت على الاسميَّةِ؛ للدَّلالةِ على تمكُّنِ الاستكبارِ منهم [314] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/128). .
- وفي قولِه: وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيث بُنِيَت على الاسميَّةِ؛ لما سبَق، وقد خُولِفَ ذلك في آيةِ سُورةِ الفُرقانِ، حيث قال تعالى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [الفرقان: 21]؛ ووَجْهُ ذلك: أنَّ تلك الآيةَ لم تتقدَّمْها دَلائلُ على الوَحدانيَّةِ مِثلُ الدَّلائلِ المذكورةِ في هذه الآيةِ في سُورةِ النَّحلِ [315] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/128). .
5- قوله تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
- جُملةُ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ خبرٌ مُستعمَلٌ كنايةً عن الوعيدِ بالمُؤاخذةِ بما يُخْفونَ وما يُظهِرون من الإنكارِ والاستكبارِ وغيرِهما، مُؤاخذةَ عِقابٍ وانتقامٍ؛ فلذلك عقَّبَ بجُملةِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ الواقعةِ موقعَ التَّعليلِ والتَّذييلِ لها؛ لأنَّ الَّذي لا يُحِبُّ فِعلًا وهو قادرٌ يُجازي فاعلَه بالسُّوءِ [316] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/129). .
- قولُه: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ تَعليلٌ لِمَا تضمَّنَه الكلامُ من الوعيدِ، أي: لا يُحِبُّ المُستكبِرين عن التَّوحيدِ، أو عن الآياتِ الدَّالَّةِ عليه، أو لا يحِبُّ جِنسَ المُستكبرينَ؛ فكيف بمَن استكبَرَ عمَّا ذُكِرَ [317] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/106). ؟!
- والتَّعريفُ في الْمُسْتَكْبِرِينَ للاستغراقِ؛ لأنَّ شأنَ التَّذييلِ العمومُ، ويشمَلُ هؤلاء المُتحدَّثَ عنهم؛ فيكونُ إثباتُ العِقابِ لهم كإثباتِ الشَّيءِ بدَليلِه [318] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/129). .
6- قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
- قولُه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ذِكْرُ فعْلِ القولِ قِيلَ يَقْتضي صُدورَه عن قائلٍ يسأَلُهم عن أمرٍ حدَثَ بينهم، وليس على سبيلِ الفرضِ، وأنَّهم يُجيبونَ بما ذُكِرَ؛ مَكرًا بالدِّينِ، وتظاهُرًا بمظهَرِ النَّاصحينَ للمُسترشِدين المُستنصِحين، بقرينةِ قولِه تعالى: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وإِذَا ظرْفٌ مُضمَّنٌ معنى الشَّرطِ، وهذا الشَّرطُ يُؤذِنَ بتكرُّرِ هذينِ القولَينِ [319] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/130). .
- وفي قولِه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيث قال بعدَه: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا؛ فرفَعَ الأوَّلَ أَسَاطِيرُ؛ لأنَّهم أنْكَروا إنزالَ القُرآنِ، فعَدَلوا عن الجوابِ، فقالوا: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. ونصَبَ الثَّانيَ خَيْرًا من كلامِ المُتَّقينَ، وهم مُقِرُّون بالوحيِ والإنزالِ، فقالوا: خَيْرًا، أي: أنزَلَ خيرًا؛ فيكونُ الجوابُ مُطابِقًا [320] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 158-159). .
7- قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
- عُبِّرَ بصِيغَةِ الاستقبالِ يُضِلُّونَهُمْ؛ للدَّلالةِ على استمرارِ الإضلالِ، أو باعتبارِ حالِ قولِهم لا حالِ الحمْلِ [321] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/107). .