موسوعة التفسير

سورةُ الصَّافَّاتِ
الآيات (35-49)

ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ

غَريبُ الكَلِماتِ:

 مَعِينٍ: أي: ماءٍ ظاهِرٍ جارٍ، وأصلُ (معن): يدُلُّ على سُهولةٍ في جَرَيانٍ أو غيرِ ذلك [250] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/56)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 240)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/335)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 250)، ((تفسير القرطبي)) (12/127)، ((تفسير ابن كثير)) (5/477). واختلفوا في مَعِينٍ هل على وزنِ فَعيلٍ، والميمُ فيها أصليَّةٌ مِن المَعْنِ، أو على وزنِ مفعولٍ مِن العَينِ والميمُ فيها زائدةٌ، نحو مَبيعٍ ومَكيلٍ؛ فقيل: سُمِّيَت بمَعِينٍ: إمَّا مِن ظُهورِها للعَينِ، يُقالُ: عانَ الماءُ: إذا ظَهَر جارِيًا، أو لشِدَّةِ جَريِها؛ مِن الإمعانِ في السَّيرِ، أو لكَثرتِها؛ مِنَ المَعْنِ: وهو الكثيرُ، وسُمِّيَ الماعونُ؛ لكثرةِ الانتفاعِ به، ويُقالُ: مَشرَبٌ مَمعونٌ: لا يكادُ يَنقَطِعُ. وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (15/599)، ((تفسير الرازي)) (26/332)، ((تفسير ابن جزي)) (2/191)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/230). .
غَوْلٌ: الغولُ: اسمٌ عامٌّ في الأذَى والضَّيرِ، فمنه صُداعُ الرَّأسِ، ومنه وجعُ البطنِ إلى غيرِ ذلك، والغَولُ: فَسادٌ يَلحَقُ في خَفاءٍ، وأصلُه: يدُلُّ على أخذٍ مِن حيثُ لا يُدرَى [251] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (19/532)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 352)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/402)، ((المفردات)) للراغب (ص: 619)، ((تفسير القرطبي)) (15/78). .
يُنْزَفُونَ: أي: لا يَسكَرونَ، ولا تَذْهَبُ عُقولُهم، والنَّزيفُ: السَّكرانُ، وأصلُ (نزف): يدُلُّ على نَفادِ شَيءٍ وانقِطاعٍ [252] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (19/535)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 536)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/416)، ((تفسير القرطبي)) (15/79)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/427). .
قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ: أي: حابِساتُ الأبصارِ على أزواجِهنَّ، وأصلُ (قصر): يدُلُّ على الحَبسِ [253] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 371)، ((تفسير ابن جرير)) (19/538)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 378)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/97)، ((تفسير القرطبي)) (15/80)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 352). .
عِينٌ: أي: واسِعاتُ العُيونِ، الواحِدةُ عَيناءُ، وأصلُ (عين): يدُلُّ على حاسَّةِ البَصَرِ [254] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 371)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 346)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/199)، ((تفسير القرطبي)) (15/80)، ((تفسير ابن كثير)) (7/14)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 352). .
بَيْضٌ مَكْنُونٌ: أي: بَيضٌ مَصونٌ، شُبِّهْنَ ببَيضِ النَّعامِ، تَكُنُّه النَّعامةُ بالرِّيشِ مِن الرِّيحِ والغُبارِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ المرأةَ النَّاعِمةَ في ضِيائِها وحُسنِها وصَفوةِ النِّعمةِ عليها بالبَيضةِ، وأصلُ (كنن): يدُلُّ على سَترٍ وصَونٍ [255] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 126)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/123)، ((التفسير البسيط)) للواحدي (19/51)، ((تفسير القرطبي)) (15/80)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 252). .

المعنى الإجماليُّ:

يُبيِّنُ الله تعالى الأسبابَ الَّتي أدَّت بالمشركينَ إلى هذا المصيرِ، فيقولُ: إنَّ أولئك المُشركين كانوا إذا قيلَ لهم في الدُّنيا: قُولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يَتكبَّرونَ عن قَولِها، ويقولونَ: أنَقولُ ذلك ونَترُكُ عبادةَ آلهتِنا؛ اتِّباعًا لقولِ شاعرٍ مَجنونٍ؟!
ويَرُدُّ الله تعالى عليهم، فيقولُ: ليس الأمرُ كما زعموا، بل جاءهم محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالقُرآنِ مِن عندِ اللهِ، وصدَّق مَن كان قَبْلَه مِن المُرسَلينَ، فكانت بَعثتُه تصديقًا لهم.
ويُقرِّرُ الله تعالى جزاءَهم على قبيحِ أعمالِهم، فيقولُ: إنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- لَذائِقو العذابِ المُوجِعِ، وما تُجزَونَ إلَّا جزاءَ عَمَلِكم.
ثمَّ يُبيِّنُ الله تعالى حُسنَ عاقبةِ المؤمنينِ، فيقولُ: لكنْ عبادُ اللهِ الَّذين اصطفاهم اللهُ تعالى، وأخلَصَهم لطاعتِه؛ فأولئك لهم عَطاءٌ معلومٌ: فَواكِهُ، وهم مع ذلك مُكرَمونَ في جنَّاتِ النَّعيمِ مُتقابِلينَ على السُّرُرِ، فوُجوهُهم مُتقابِلةٌ لا مُتدابِرةٌ. يُطافُ عليهم بخَمرٍ تجرى في أنهارِ الجنَّةِ، بيضاءِ اللَّونِ، لذيذةِ الطَّعمِ والرَّائحةِ عندَ الشَّاربينَ، ليس فيها أذًى أو فسادٌ يُصيبُ شارِبيها، ولا هُمْ بسَبَبِ شُربِها تَذهَبُ عُقولُهم، كما هو الحالُ في خَمرِ الدُّنيا.
وعندَهم نِساءٌ قَصَرْنَ أبصارَهنَّ على أزواجِهنَّ لا يَمُدُّونَها إلى غيرِهم؛ لشِدَّةِ مَحبَّتِهنَّ لهم، ومِن صفاتِهنَّ أنَّهن واسِعاتُ العُيونِ، كأنَّهنَّ بَيضُ النَّعامِ المَصونِ؛ في صفاءِ البَشَرةِ، ونقاءِ الجَسَدِ.

تَفسيرُ الآياتِ:

إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى يُبَيِّنُ أنَّ المُشرِكينَ إنَّما وقَعوا في ذلك العَذابِ؛ لأنَّهم كانوا مُكَذِّبينَ بالتَّوحيدِ وبالنُبُوَّةِ [256] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/331). ، فعَلَّل تَعذيبَه لهم بقَولِه [257] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/225). :
إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35).
أي: إنَّ المُشرِكينَ كانوا دائِمًا إذا قِيلَ لهم في الدُّنيا: قُولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يَتكبَّرونَ عن قَولِ ذلك، ولا يَستَجيبونَ لِمَن دعاهم إليه [258] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/528)، ((تفسير القرطبي)) (15/75)، ((تفسير ابن كثير)) (7/11)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/225، 226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 702)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/312)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 78، 79). .
كما قال تعالى: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا [غافر: 12].
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أخبَرَ أنَّ المُشرِكينَ استَكبَروا على توحيدِ الإلهِ؛ أتْبَعَه الإخبارَ بأنَّهم تكَلَّموا في رَسولِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بما لا يَرضاه [259] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/226). .
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36).
أي: ويَقولونَ: أنقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ونَترُكُ عِبادةَ آلهتِنا؛ اتِّباعًا لِقَولِ شاعرٍ مَجنونٍ [260] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/528)، ((تفسير القرطبي)) (15/76)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 702)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/108). ؟!
بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37).
أي: ليس الأمرُ كما يَزعُمونَ مِن أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم شاعِرٌ مَجنونٌ، وإنَّما هو نَبيٌّ جاء بالقُرآنِ مِن عندِ اللهِ، وفيه الأمرُ بتوحيدِ اللهِ؛ وأنَّه صَدَّقَ المُرسَلينَ الَّذين كانوا قَبْلَه، وأخبَروا بمَجيئِه، فكانت بَعثتُه تَصديقًا لهم، وشَهِدَ هو بنُبوَّتِهم، وأخبَرَ بمِثلِ ما أَخبَروا به مِنَ التَّوحيدِ وغَيرِه مِن الحَقِّ [261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/529)، ((تفسير القرطبي)) (15/76)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/350، 351)، ((هداية الحيارى)) لابن القيم (2/525)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 702)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 80، 81). .
كما قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: 3].
وقال سُبحانَه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81].
إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا وَصَل المُشرِكونَ إلى هذا الحَدِّ مِن الطُّغيانِ، والزُّورِ الظَّاهِرِ والبُهتانِ؛ تشَوَّف السَّامِعُ إلى جَزائِهم، فاستأنَفَ الإخبارَ بذلك [262] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/227). .
وأيضًا لَمَّا كان قَولُ المُشرِكينَ السَّابِقُ: إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصافات: 31] قَولًا صادِرًا منهم، يحتمِلُ أن يكونَ صِدقًا أو غَيرَه؛ أخبَرَ تعالى بالقَولِ الفَصلِ الَّذي لا يحتَمِلُ غيرَ الصِّدقِ واليَقينِ، وهو الخبَرُ الصَّادِرُ منه تعالى، فقال [263] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 702). :
إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38).
أي: إنَّكم لَذائِقو العذابِ المُؤلِمِ المُوجِعِ؛ بسَبَبِ شِركِكم وتَكذيبِكم [264] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/529)، ((تفسير الشوكاني)) (4/450)، ((تفسير السعدي)) (ص: 702). .
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا وَصَف اللهُ تعالى عذابَ المُشرِكينَ بأنَّه أليمٌ؛ عَطَف عليه إخبارَهم بأنَّ ذلك المِقدارَ لا حَيفَ عليهم فيه؛ لأنَّه على وِفاقِ أعمالِهم الَّتي كانوا يَعمَلونَها في الدُّنيا مِن آثارِ الشِّركِ [265] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/109). .
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39).
أي: وما تُجزَونَ إلَّا الَّذي كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا، فلا يَظلِمُكم اللهُ بتَعذيبِكم على ما لم تَعمَلوا [266] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/529)، ((تفسير ابن عطية)) (4/471)، ((تفسير الشوكاني)) (4/450)، ((تفسير السعدي)) (ص: 702). .
كما قال تعالى: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: 90].
وقال سُبحانَه: فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: 54].
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا وَصَف اللهُ تعالى أحوالَ المتكَبِّرينَ عن قَبولِ التَّوحيدِ، المُصِرِّينَ على إنكارِ النُّبُوَّةِ؛ أردَفَه بذِكرِ حالِ المُخلَصينَ في كيفيَّةِ الثَّوابِ [267] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/332). .
وأيضًا لَمَّا كان الخِطابُ في الآيةِ السَّابقةِ لَفظُه عامًّا، والمرادُ به المُشرِكونَ؛ استثنَى تعالى المؤمِنينَ، فقال [268] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 702). :
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40).
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ الْمُخْلَصِينَ بفَتحِ اللَّامِ، اسمُ مَفعولٍ مِن أخلَصَ، بمعنى: أنَّ اللهَ تعالى أخلَصَهم، فصاروا مُخلَصينَ [269] قرأ بها نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحمزةُ، والكِسائيُّ، وأبو جعفرٍ، وخلَفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/295). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 194)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 359). .
2- قِراءةُ الْمُخْلِصِينَ بكَسرِ اللَّامِ، اسمُ فاعلٍ مِن أخلَصَ، بمعنى: أنَّهم أخلَصوا لله دِينَهم وأعمالَهم مِنَ الشِّركِ والرِّياءِ [270] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/295). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (14/68)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 194)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 358). .
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40).
أي: لكنْ [271] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/191). عبادُ اللهِ الَّذين أخلَصَهم اللهُ لطاعتِه، واختارَهم لخاصَّةِ رَحمتِه؛ فإنَّهم لا يَذوقونَ العَذابَ، ويَتجاوَزُ اللهُ تعالى عن سيِّئاتِهم إن كان لهم سيِّئاتٌ، ويُثيبُهم اللهُ تعالى بأعمالِهم الصَّالحةِ أضعافًا مُضاعَفةً [272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/529)، ((تفسير الكرماني)) (2/974)، ((تفسير القرطبي)) (15/76)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/228، 229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 702). .
أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41).
أي: أولئك المخلَصونَ مِن عبادِ اللهِ: لهم عَطاءٌ غيرُ مَجهولٍ [273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/530)، ((تفسير القرطبي)) (15/77)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/111). قال ابن الجوزي: (قولُه تعالى: أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فيه قَولانِ؛ أحدُهما: أنَّه الجنَّةُ. قاله قَتادةُ. والثَّاني: أنَّه الرِّزقُ في الجنَّةِ. قاله السُّدِّيُّ، فعلى هذا في معنى مَعْلُومٌ قولانِ؛ أحدُهما: أنَّه بمِقدارِ الغَداةِ والعَشيِّ. قاله ابنُ السَّائبِ. والثَّاني: أنَّهم حينَ يَشتَهونهُ يُؤْتَونَ به. قاله مُقاتلٌ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/540). ممَّن اختار القَولَ الأوَّلَ: أنَّ المرادَ الرِّزقُ في الجنَّةِ، أي: أنَّه معلومُ الوقتِ، أي: بمِقدارِ الغَداةِ والعَشيِّ، كما قال تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 62]: السمعانيُّ، والبغوي، والثعلبي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/398)، ((تفسير البغوي)) (4/31)، ((تفسير الثعلبي)) (8/143). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (26/332). وممَّن اختار أنَّ معنى مَعْلُومٌ أي: حينَ يَشتَهونهُ يُؤتَونَ به، فلا يتخلَّفُ عن ميعادِه، ولا يَنتظِرُه أهلُه: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/606)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/111). وذهب البِقاعي وابنُ عثيمينَ إلى العُمومِ؛ فهو مَعلومٌ وَقتُه، ومَعلومٌ نَوعُه، وغيرُ ذلك ممَّا يتعلَّقُ به. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 94، 95). قال ابن عطيَّة: (وقولُه تعالى: مَعْلُومٌ معناه: عندَهم، فقد قَرَّتْ عيونُهم بعِلمِ ما يَستَدِرُّ عليهم مِنَ الرِّزقِ، وبأنَّ شهواتِهم تأتيهم لحينِها، وإلَّا فلو كان ذلك معلومًا عندَ الله تعالى فقط لَما تخصَّص أهلُ الجنَّةِ بشَيءٍ). ((تفسير ابن عطية)) (4/471). .
كما قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: 25].
فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّ للمُؤمِنينَ رِزقًا؛ بيَّن ذلك الرِّزقَ ما هو، فقال [274] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/332). :
فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42).
أي: لهم فَواكِهُ مُتنوِّعةٌ يَتنعَّمونَ بها ويَتلذَّذونَ، وهم مع ما أعطاهم اللهُ مِنَ الرِّزقِ يُكرَمونَ دائِمًا بأنواعِ الكَراماتِ، فيُعَظَّمونَ ولا يُحتقَرونَ ولا يُهانُونَ [275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/530)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/111)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 96). قال المظهري: (فواكِهُ: جمعُ فاكِهةٍ، بَدَلٌ أو بيانٌ للرِّزقِ، وهي ما يُقصَدُ به التَّلَذُّذُ دونَ التَّغَذِّي، والقُوتُ ما يُقصَدُ به التَّغذِّي دونَ التَّلذُّذِ، والرِّزقُ يَعُمُّهما). ((التفسير المظهري)) (8/115). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/530)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 95). .
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى مأكولَهم، وَصَف تعالى مَساكِنَهم [276] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/332). .
وأيضا لَمَّا كان الإكرامُ لا يَتِمُّ إلَّا مع طِيبِ المُقامِ، قال [277] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/229). :
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43).
أي: يُنعَّمُ عِبادُ اللهِ ويُكرَمونَ في جَنَّاتٍ ليس فيها إلَّا النَّعيمُ الحِسِّيُّ والمَعنويُّ؛ فلا بُؤسَ فيها ولا شَقاءَ [278] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/530)، ((تفسير القرطبي)) (15/77)، ((تفسير البيضاوي)) (5/9)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 97). .
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان التَّلَذُّذُ لا يَكمُلُ إلَّا مع الأحبابِ، وكانت عادةُ الملوكِ الاختِصاصَ بالمحَلِّ الأعلى؛ بيَّنَ أنَّهم كُلَّهم مُلوكٌ، فقال [279] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/229). :
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44).
أي: يُقابِلُ أصحابُ الجنَّةِ بَعضُهم بَعضًا وهم على السُّرُرِ في غايةِ الرَّاحةِ والطُّمأنينةِ وصَفاءِ القُلوبِ، يَتحابُّونَ فيما بيْنَهم، ويَأنَسونَ باجتِماعِهم، ويُنَعَّمونَ بنَظَرِ بَعضِهم إلى بَعضٍ [280] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/530)، ((تفسير ابن كثير)) (7/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/112). .
كما قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: 45 - 47].
وقال سُبحانَه: مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ [الطور: 20].
وقال عزَّ وجَلَّ: فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: 13].
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا شَرَح اللهُ تعالى صِفةَ المأكَلِ والمَسكَنِ؛ ذكَرَ بَعدَه صِفةَ الشَّرابِ [281] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/332). ، فقال:
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45).
أي: تُدارُ عليهم في مجالِسِهم خمرٌ مِن أنهارِ الخَمرِ الجاريةِ [282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/531)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/303)، ((تفسير القرطبي)) (15/77، 78)، ((تفسير ابن كثير)) (7/13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/112). ويقالُ للزُّجاجةِ فيها الخَمْرُ: كأسٌ، وتُسمَّى الخمرُ نفْسُها كأسًا. يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (6/384). .
كما قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة: 17، 18].
بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46).
أي: بَيضاءِ اللَّونِ [283] قيل: المرادُ: لَونُ الخَمرِ نَفْسِها. وممَّن قال بهذا القولِ: ابنُ كثير، والبِقاعي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/13)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 108). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: الحسنُ. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/31). وقيل: المرادُ: كأسُ الخَمرِ، أي: كأسٌ بَيضاءُ اللَّونِ. وممَّن ذهَب إلى هذا القولِ: ابنُ جريرٍ، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/531)، ((تفسير القرطبي)) (15/78). ، طَعمُها طَيِّبٌ يَتلذَّذُ بها شارِبوها [284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/531، 532)، ((تفسير ابن كثير)) (7/13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/113). .
لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان قد أثبَت لخَمرِ الجنَّةِ الكَمالَ؛ نفَى عنها النَّقصَ، فقال [285] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/231). :
لَا فِيهَا غَوْلٌ.
أي: ليس في خَمرِ الجنَّةِ أيُّ أذًى أو فَسادٌ يُصيبُ شارِبيها؛ مِن وَجعِ بَطنٍ، وصُداعِ رأسٍ، أو غيرِ ذلك مِن الأمراضِ والآلامِ [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/532، 534)، ((تفسير القرطبي)) (15/78)، ((تفسير ابن كثير)) (7/13)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/231)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/113)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 109). قال ابن جرير: (لا أذًى فيها، ولا مَكْروهٌ على شارِبيها؛ في جِسْمٍ، ولا عقلٍ، ولا غيرِ ذلك). ((تفسير ابن جرير)) (19/535). .
كما قال تعالى: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا [الواقعة: 19].
وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ يُنْزِفُونَ بكَسرِ الزَّايِ، قيل: بمعنى: لا يَنفَدُ شَرابُهم. وقيل: لا يَسكَرونَ [287] قرأ بها حمزةُ، والكِسائيُّ، وخَلَفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/357). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/318)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 302)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 608). .
2- قِراءةُ يُنْزَفُونَ بفَتحِ الزَّايِ، أي: لا تَزولُ عُقولُهم إذا شَرِبوها [288] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/357). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/318)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 302)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 609). .
وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ.
أي: ولا تَزولُ عُقولُ أهلِ الجنَّةِ؛ بسَبَبِ شُربِهم الخَمرَ، فهم لا يَسكَرونَ بشُربِها [289] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/535)، ((تفسير القرطبي)) (15/78)، ((تفسير ابن كثير)) (7/13)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/231)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص:  109). قال النَّحَّاسُ: (أصلُ نَزَفَ: نَقَص، والمعنى: لا يَلحَقُهم نُقصانٌ بسُكْرٍ ولا غَيرِه؛ فنفَى اللهُ جلَّ وعَزَّ عنهم السُّكْرَ؛ لِما فيه مِن الباطلِ والسَّفَهِ). ((معاني القرآن)) (6/25). .
وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى صِفةَ مَشروبِ أهلِ الجنَّةِ؛ ذكَرَ عَقيبَه صِفةَ مَنكوحِهم [290] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/333). ، فقال:
وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48).
أي: وعندَ عِبادِ اللهِ المُخلَصينَ في الجنَّةِ نِساءٌ قد قصَرْنَ أطرافَهنَّ على أزواجِهنَّ؛ فلا يَنظُرْنَ إلى غَيرِهم مِنَ الرِّجالِ، ولا يُرِدْنَ غيرَ أزواجِهنَّ، ومِن صِفاتِهنَّ أنَّ عُيونَهنَّ حِسانٌ واسِعاتٌ [291] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/537، 538)، ((تفسير الماوردي)) (5/48)، ((تفسير القرطبي)) (15/80)، ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 220)، ((تفسير ابن كثير)) (7/13، 14)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/232)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/114)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/313)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 109). قال ابنُ عاشور: (قاصِراتُ الطَّرْفِ، أي: حابِساتٌ أنظارَهنَّ؛ حياءً وغُنْجًا). ((تفسير ابن عاشور)) (23/114). وقال السَّعدي: (قاصِراتُ الطَّرْفِ: إمَّا أنَّها قَصَرت طَرْفَها على زَوجِها؛ لعِفَّتِها وعدَمِ مُجاوزتِه لغَيرِه، ولجمالِ زَوجِها وكمالِه؛ بحيث لا تَطلُبُ في الجنَّةِ سِواه، ولا تَرغَبُ إلَّا به؛ وإمَّا لأنَّها قَصَرت طَرْفَ زَوجِها عليها، وذلك يدُلُّ على كمالِها وجمالِها الفائِقِ الَّذي أوجَبَ لزَوجِها أن يَقصُرَ طَرْفَه عليها، وقَصْرُ الطَّرْفِ أيضًا يدُلُّ على قَصرِ النَّفْسِ والمحبَّةِ عليها، وكِلا المعنيَينِ مُحتملٌ، وكِلاهما صحيحٌ، وكُلُّ هذا يدُلُّ على جمالِ الرِّجالِ والنِّساءِ في الجنَّةِ، ومحبَّةِ بَعضِهم بَعضًا محبَّةً لا يَطمَحُ إلى غيرِه، وشِدَّةِ عِفَّتِهم كُلِّهم، وأنَّه لا حَسَدَ فيها ولا تَباغُضَ ولا تَشاحُنَ؛ وذلك لانتفاءِ أسبابِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 703). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/541). وقال ابنُ عثيمين: (وكِلا المعنيينِ صَحيحٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 110). وممَّن جمَعَ بيْن كِلا القولَينِ: البِقاعي، فقال: (أي: لا تَطرِفُ واحِدةٌ مِنهنَّ إلى غيرِ زَوجِها، ولا يَدَعُه تناهي حُسنِها وفَرطُ جمالِها يَطرِفُ إلى غَيرِها). ((نظم الدرر)) (16/232). وقال ابنُ القيِّم: (وقيل: قصَرْنَ طَرْفَ أزواجِهنِّ، فلا يَدَعُهم حُسنُهنَّ وجمالُهنَّ أن يَنظُروا إلى غَيرِهنَّ. وهذا صحيحٌ مِن جهةِ المعنى، وأمَّا مِن جهةِ اللَّفظِ فقاصِراتٌ: صِفةٌ مُضافةٌ إلى الفاعلِ لِحِسانِ الوُجوهِ، وأصلُه قاصِرٌ طَرْفُهنَّ، أي: ليس بطامِحٍ مُتَعدٍّ). ((حادي الأرواح)) (ص: 220). .
كما قال اللهُ تعالى: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: 56].
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49).
أي: كأنَّ نِساءَ أهلِ الجنَّةِ كالبَيضِ المَصونِ المَحفوظِ [292] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/539، 541)، ((تفسير القرطبي)) (15/80)، ((تفسير ابن كثير)) (7/14)، ((تفسير السعدي)) (ص: 703). اختلف المفَسِّرون في المرادِ بالبَيضِ المكنونِ؛ فقيل بأنَّه: بَيضُ النَّعامِ الَّذي تَكُنُّه بالرِّيشِ مِن الرِّيحِ والغُبارِ ونحوِ ذلك، وأنَّ لونَها أبيضُ في صُفرةٍ، وأنَّه أحسَنُ ألوانِ النِّساءِ، وأنَّ العَرَبَ تُشَبِّهُ المرأةَ النَّاعِمةَ في بياضِها وحُسنِ لَونِها ببَيضةِ النَّعامةِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: الواحديُّ، والبيضاوي، والبِقاعي، والشوكاني، وابن عاشور. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/525)، ((تفسير البيضاوي)) (5/10)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/232)، ((تفسير الشوكاني)) (4/452)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/114). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: زَيدُ بنُ أسلَمَ، وابنُ زَيدٍ، والحسَنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/540)، ((تفسير الثعلبي)) (8/144)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/89). قال ابنُ عاشور: (البَيضُ المكنونُ: هو بَيضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيضَه في حُفَرٍ في الرَّملِ، ويَفرُشُ لها مِن دَقيقِ رِيشِه... فيكونُ البَيضُ شَديدَ لَمعانِ اللَّونِ، وهو أبيضُ مَشوبٌ بياضُه بصُفرةٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/114). وقيل: هو بَياضُ البَيضِ الَّذي في داخِلِ القِشرِ قبل أن تَمَسَّه يَدٌ أو غيرُها، وليس المرادُ بها القِشرةَ العُليا؛ فإنَّ الطَّائِرَ يمَسُّها، والأيديَ تُباشِرُها، والعُشَّ يَلْقاها. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/541)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 111). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والسُّدِّيُّ، وقَتادةُ، وعطاءٌ الخُراسانيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/540)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/89). قال ابنُ عثيمين: (لِرِقَّتِهنَّ وبَياضِهنَّ ونُعومةِ المَلمَسِ كأنَّها البَيضُ، أي: البياضُ الَّذي في البَيضِ، وهو مكنونٌ بقِشرِه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 111). وقيل: المرادُ أنَّهنَّ كاللُّؤلؤِ المكنونِ، كما قال تعالى: وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: 22، 23]. وممَّن رُوِيَ عنه ذلك: ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/541). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:

1- في قَولِه تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وُجوبُ الخُضوعِ لِمَا تَقتَضيه هذه الكَلِمةُ؛ لأنَّ اللهَ ساقَها في القَومِ المُستَكبِرينَ عنها مَساقَ الذَّمِّ، وعلى هذا فمَن قَبِلَها وخَضَع لها فقد نَفَى عن نفْسِه الذَّمَّ، وقام بما يَجِبُ عليه [293] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 84). . فتَحَقُّقُ التَّوحيدِ لا يكونُ إلَّا بالانقيادِ؛ فإذا عَلِمْتَ واعتقَدْتَ ولم تَنقَدْ، لم تُحَقِّقِ التَّوحيدَ [294] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/91). .
2- في قَولِه تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ كمالُ أدَبِ أهلِ الجنَّةِ؛ حيث كانوا يَتقابَلونَ بحيثُ لا يَقْفُو أحدُهم الآخَرَ، بل كلُّهم يَكونونَ مُستقبِلًا بَعضُهم بَعضًا، وهذا لا شَكَّ أنَّه مِن كمالِ الأدبِ، والأدبُ كما أنَّه حَسَنٌ في أهلِ الجنَّةِ فهو حَسَنٌ في أهلِ الدُّنيا أيضًا؛ قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]، ولا شَكَّ أنَّ الإنسانَ إذا كان مُؤَدَّبًا كان محبوبًا عندَ النَّاسِ؛ فالجفاءُ وعَدَمُ المبالاةِ بالنَّاسِ خُلُقٌ ذَميمٌ [295] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 105). .
3- مِن صفاتِ المرأةِ الجَميلةِ كَونُها قاصِرةَ الطَّرفِ؛ قال الله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [296] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/313). ، فامتَدحَ نِساءَ الجنَّةِ بكَونِهنَّ قاصِراتِ الطَّرفِ على أزواجِهنَّ، لا يَنظُرْنَ إلى غَيرِ أزواجِهنَّ، فنَظرُ المرأةِ إلى غيرِ زوجِها فِتنةٌ، ويَتفَرَّعُ على ذلك أنَّ على الإنسانِ أنْ يُراعِيَ زوجتَه في هذا البابِ، بحيثُ يَمنَعُها مِن التَّطَلُّعِ إلى غيرِه، سواءٌ كان هذا التَّطَلُّعُ إلى الرَّجُلِ مُباشَرةً، أو بواسطةِ الوَسائلِ الإعلاميَّةِ، ويَتَفَرَّعُ على هذه الفائدةِ أيضًا: أنْ يَمنَعَها مِن الخُروجِ إلى الأسواقِ إلَّا لحاجةٍ؛ لأنَّ المرأةَ إذا خرَجَتْ إلى الأسواقِ ورَأَتِ النَّاسَ فرُبَّما تُعجَبُ بأحَدِهم، ويَتَعلَّقُ قلبُها به فتَعزِفُ عن زَوجِها، ويَضعُفُ حبُّها له، ورُبَّما تُبغِضُه [297] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 113). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:

1- قَولُ الله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ الضَّميرُ في قَولِه: إِنَّهُمْ عائِدٌ إلى المذكورِ السَّابِقِ، وهو قَولُه: بِالْمُجْرِمِينَ، في قوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ، وهذا يدُلُّ على أنَّ لَفظَ (المُجرِم) المُطلَقَ: مختَصٌّ في القرآنِ بالكافِرِ [298] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/331). .
2- في قَولِه تعالى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أنَّه لا يَجوزُ صَرفُ شَيءٍ مِن أنواعِ العبادةِ لغَيرِ اللهِ؛ لا صلاةً ولا نَذرًا، ولا سُجودًا ولا ركوعًا، ولا حَجًّا، كلُّه يجبُ أنْ يُصرَفَ لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه هو المعبودُ حقًّا [299] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 84). .
3- أنَّ هؤلاء المُستَكبِرِين لم يَكْفِهم الاستِكبارُ عن الحقِّ حتَّى قَدَحوا فيمَن جاء بالحَقِّ؛ يُؤخَذُ مِن قَولِهم: أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، فلم يَكْفِهم أنْ تَركوا الحَقَّ حتَّى هاجَموا وقَدَحوا فيمَن جاء به، وقد وُرِثَتْ هذه الطَّريقةُ -أي: القَدحُ بمَن جاء بالحَقِّ-؛ فأهلُ البِدَعِ يُسَمُّونَ أهلَ السُّنَّةِ بكُلِّ عَيبٍ ووَصفٍ قَبيحٍ؛ سَمَّوهم المُشبِّهةَ، والمُجَسِّمةَ، والحَشوِيَّةَ، والغُثاءَ، والنَّوابِتَ، والعامَّةَ... وما أشْبَهَ ذلك مِن الكَلِماتِ الَّتي تُفيدُ القَدْحَ، ولكِنْ جَعَلَ اللهُ سُبحانَه وتعالى لكلِّ نبيٍّ عَدُوًّا مِن المجرِمينَ، ولِكُلِّ مُتَّبِعِ نَبيٍّ عَدُوًّا مِن المجرِمينَ؛ فوَرِثَ هؤلاء الأصفياءُ صَفوةَ الخَلْقِ، وهم الرُّسُلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَرِثَ هؤلاء الأشقياءُ أشقَى الخَلْقِ الَّذين يَقدَحُون في الرُّسُلِ [300] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 85، 86). .
4- قَولُ الله تعالى: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ يعني: صَدَّقَهم في مَجيئِهم بالتَّوحيدِ، ونَفيِ الشَّريكِ، وهذا تَنبيهٌ على أنَّ القَولَ بالتَّوحيدِ دِينٌ لكُلِّ الأنبياءِ [301] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/331). .
5- في قَولِه تعالى: وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الإشارةُ إلى أنَّ الرُّسُلَ السَّابقِين أخبَروا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمجيئُه صلَّى الله عليه وسلَّم تصديقٌ لِما أخْبَروا به مِن أنَّه سيُبعَثُ، وآخِرُهم عيسى عليه السَّلامُ، قال لقومِه: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [302] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 81، 88). [الصف: 6].
6- في قَولِه تعالى: وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ إشارةٌ إلى أنَّه لو لم يَظْهَرْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ سائرِ الأنبياءِ، فظُهورُ نُبوَّتِه تصديقٌ لشَهادتِهم، وشَهادةٌ لهم بالصِّدقِ، فإرسالُه مِن آياتِ الأنبياءِ قبْلَه؛ فإنَّ المُرسَلينَ بَشَّروا به، وأخبَروا بمجيئِه، فمجيئُه هو نفْسُ صِدْقِ خَبَرِه، فكأنَّ مجيئَه تصديقٌ لهم؛ إذْ هو تأويلُ ما أخبَروا به، ولا تنافيَ بيْنَ هذا وبينَ القولِ الآخَرِ: «أنَّ تصديقَه المُرسَلينَ بشَهادتِه بصِدقِهم، وإيمانِه بهم»، فإنَّه صَدَّقَهم بقولِه وبمجيئِه؛ فشَهِدَ بصِدْقِهم بنفْسِ مجيئِه؛ وشَهِدَ بصِدْقِهم بقولِه، فعادةُ اللهِ في رُسُلِه أنَّ السَّابقَ يُبَشِّرُ باللَّاحقِ؛ واللَّاحقَ يُصَدِّقُ السَّابقَ، فلو لم يَظْهَرْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولو لم يُبْعَثْ؛ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الأنبياءِ قبْلَه [303] يُنظر: ((هداية الحيارى)) لابن القيم (2/525). !
7- قَولُ الله تعالى: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أي: أنَّ ما دعاكم إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن التَّوحيدِ: قد دَعَت إليه الرُّسُلُ مِن قَبْلِه، وهذا احتِجاجٌ بالنَّقلِ عَقِبَ الاحتِجاج ِبأدِلَّةِ النَّظَرِ [304] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/108). .
8- في قَولِه تعالى: وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أنَّه يَجِبُ علينا أنْ نُصَدِّقَ مَن سَبَقَ مِن الرُّسُلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لأنَّ نبيَّنا صلَّى الله عليه وسلَّم صَدَّقَ المُرسَلينَ، فيَجِبُ علينا نحن أنْ نُصَدِّقَ؛ لأنَّه يَجِبُ على المأمومِ مُتابَعةُ الإمامِ، فإمامُنا مُحمَّدٌ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، فيجبُ علينا أنْ نَتَّبِعَه [305] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 88). .
9- قَولُ الله تعالى: إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيه دَليلٌ على أنَّ الكُفَّارَ مُجازَونَ على أعمالِهم السَّيِّئةِ مِن الأقوالِ والأعمالِ؛ كتَمجيدِ آلهتِهم، والدُّعاءِ لها، وتكذيبِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأذاه وأذى المؤمِنينَ، وقَولِهم في أصنامِهم أنَّهم شُفَعاءُ عندَ اللهِ، وفي الملائِكةِ أنَّهم بَناتُ اللهِ، ومِن قَتلِ الأنفُسِ، والغارةِ على الأموالِ، ووَأْدِ البناتِ، والزِّنا؛ فإنَّ ذلك كُلَّه ممَّا يَزيدُهم عذابًا، وهو يؤيِّدُ قَولَ الَّذين ذَهَبوا إلى أنَّ الكُفَّارَ مُخاطَبونَ بفُروعِ الشَّريعةِ، وأنَّ ذلك واقِعٌ [306] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/109). .
10- في قَولِه تعالى: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ عُبِّرَ عن الجَزاءِ بالعَمَلِ، والفائِدةُ في ذلك أمْرانِ:
الأمرُ الأوَّلُ: أنْ يُعلَمَ بأنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، فكما تَدينُ تُدانُ، فإذا عُبِّرَ عن الجزاءِ بالعَمَلِ فإنَّ هذا معناه أو مُقتَضاه أنَّ هذا الجزاءَ بقَدرِ العَمَلِ.
الأمرُ الثَّاني: قُوَّةُ التَّوبيخِ لهؤلاء؛ لأنَّ الجزاءَ إذا كان مِن فِعلِ غَيرِهم فإذا عُبِّرَ عنه بالجزاءِ فإنَّه يكونُ أهْوَنَ بَعضَ الشَّيءِ، لكِنْ إذا عُبِّرَ بالعَمَلِ عن الجزاءِ صار أشَدَّ في التَّوبيخِ، كأنَّه يُقالُ لهم: هذا فِعلُكم أنتم بأنفُسِكم؛ ولهذا عُبِّرَ عن الجَزاءِ بالعَمَلِ [307] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 91). .
11- في قَولِه تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أنَّ عِبادَ اللهِ عزَّ وجلَّ يَنقَسِمونَ إلى قِسمَينِ: عِبادٍ مُخلَصينَ، وعِبادٍ غَيرِ مخلَصينَ؛ فالعِبادُ بمعنى: عُبوديَّةِ القَدَرِ، هؤلاءِ غيرُ مُخلَصِينَ، بل هم كالأنعامِ -بل هم أضَلُّ-، وأمَّا العِبادُ للهِ تَعَبُّدَ شَرْعٍ فإنَّ هؤلاء هم المُخلَصونَ [308] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 102). .
12- أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَمُنُّ على مَن يَشاءُ فيُخلِصُهم لِنَفْسِه حتَّى لا يَكونوا عَبيدًا لِغَيرِه؛ يُؤخَذُ مِن قَولِه تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، وهذا أبلَغُ مِن «المُخلِصينَ»، وإنْ كان لكلٍّ مِنهما مَزِيَّةٌ، ولكنَّ المُخْلَصَ الَّذي أخلَصَه اللهُ عزَّ وجلَّ لِنَفْسِه، فلم يكُنْ له إرادةٌ سِوى ربِّه، هذا أبلَغُ [309] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 102). .
13- قَولُ الله تعالى: مُكْرَمُونَ بناه للمَفعولِ؛ إشارةً إلى أنَّ وُجودَ إكرامِهم مِن كُلِّ شَيءٍ: أمرٌ حَتمٌ لا يكونُ غَيرُه أصلًا [310] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/229). .
14- في قَولِه تعالى: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أنَّ الجنَّةَ أصنافٌ وأنواعٌ، ولكِنَّها تَشترِكُ كُلُّها في أنَّها جنَّاتُ نَعيمٍ [311] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 104). .
15- قال تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، فإنَّ مُقابَلةَ وُجوهِهم تَدُلُّ على تقابُلِ قُلوبِهم، وتأدُّبِ بَعضِهم مع بَعضٍ؛ فلم يَستدبِرْه أو يَجعَلْه إلى جانِبِه، بل مِن كَمالِ السُّرورِ والأدَبِ ما دَلَّ عليه ذلك التَّقابُلُ [312] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 703). . وأيضًا هذا أتَمُّ للأُنسِ؛ لأنَّ فيه أُنسَ الاجتِماعِ، وأُنسَ نَظَرِ بَعضِهم إلى بَعضٍ؛ فإنَّ رُؤيةَ الحَبيبِ والصَّديقِ تُؤنِسُ النَّفْسَ [313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/112). .
16- قال الله تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ السُّرُرُ: جَمعُ سَريرٍ، وهو ككُرسيٍّ واسِعٍ يُمكِنُ الاضطِجاعُ عليه، وكان الجُلوسُ على السَّريرِ مِن شِعارِ الملوكِ وأضرابِهم، وذلك جلوسُ أهلِ النَّعيمِ؛ لأنَّ الجالِسَ على السَّريرِ لا يجِدُ مَلَلًا؛ لأنَّه يُغَيِّرُ جِلسَتَه كيف تتيسَّرُ له [314] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/112). .
17- في قَولِه تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ سَعَةُ مَحَلَّاتِ أهلِ الجنَّةِ؛ لِكَونِهم مُتقابِلينَ على السُّرُرِ؛ لأنَّ التَّقابُلَ يؤدِّي إلى سَعةِ المكانِ، لا سيَّما مع كَثرتِهم [315] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 105). .
18- في قَولِه تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ راحةُ أهلِ الجنَّةِ؛ حيث كانوا مُتَفرِّغينَ على السُّرُرِ، يَتحدَّثُ بعضُهم إلى بَعضٍ، ويَأنَسُ بعضُهم إلى بَعضٍ على وَجهِ التَّقابُلِ [316] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 107). .

بلاغةُ الآياتِ:

1- قولُه تعالَى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
- استئنافٌ بَيانيٌّ أفاد تَعليلَ جَزائِهم، وبَيانَ إجرامِهم بذِكرِ ما كانوا عليه مِن التَّكبُّرِ عن الاعترافِ بالوَحدانيَّةِ للهِ، ومِن وَصفِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما هو مُنزَّهٌ عنه وَصْفًا يَرْمُون به إلى تَكذيبِه فيما جاء به، فحَرْفُ (إنَّ) هنا ليس للتَّأكيدِ؛ لأنَّ كَونَهم كذلك ممَّا لا مُنازِعَ فيه، وإنَّما هو للاهتمامِ بالخبَرِ؛ فلذلك تُفِيدُ التَّعليلَ والرَّبطَ، وتُغْني غَناءَ فاءِ التَّفريعِ [317] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/107)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/261). .
- وذُكِرَ فِعلُ الكونِ كَانُوا؛ لِيَدُلَّ على أنَّ ما تَضمَّنَه الخبَرُ وَصفٌ مُتمكِّنٌ منهم، فهو غيرُ مُنقطِعٍ، ولا همْ حائِدونَ عنه [318] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/107). .
- وفاعلُ القولِ المَبْنيِّ فِعلُه للنَّائبِ هو النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فحُذِفَ للعِلمِ به [319] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/107). .
- الاستكبارُ: شِدَّةُ الكِبْرِ، فالسِّينُ والتَّاءُ للمُبالَغةِ، أي: يَتعاظَمون عن أنْ يَقبَلوا ذلك مِن رجُلٍ مِثلِهم، ولك أنْ تَجعَلَ السِّينَ والتَّاءَ للطَّلبِ، أي: إظهارِ التَّكبُّرِ، أي: يَبْدو عليهم التَّكبُّرُ والاشمئزازُ مِن هذا القولِ [320] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/107). .
2- قولُه تعالَى: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ
- أتَوا بالنَّفيِ على وَجهِ الاستِفهامِ الإنكاريِّ؛ إظهارًا لِكَونِ ما يَدْعوهم إليه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمْرٌ مُنكَرٌ لا يُطمَعُ في قَبولِهم إيَّاهُ؛ تَحذيرًا لِمَن يَسمَعُ مَقالتَهم مِن أنْ يَجولَ في خاطِرِه تَأمُّلٌ في قَولِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وقَوَّوا هذا التَّحذيرَ بجَعْلِ حَرْفِ الإنكارِ مُسلَّطًا على الجُملةِ المُؤكَّدةِ بحَرْفِ التَّوكيدِ؛ للدَّلالةِ على أنَّهم إذا أتَوا ما أنْكَروه كانوا قد تَحقَّقَ تَرْكُهم آلهتَهم، تَنزيلًا لِبَعضِ المخاطَبينَ مَنزلةَ مَن يَشُكُّ في أنَّ الإيمانَ بتَوحيدِ الإلهِ يُفْضي إلى تَرْكِ آلهتِهم؛ لِيَسُدُّوا على المخاطَبينَ مَنافذَ التَّردُّدِ أنْ يَتطرَّقَ منها إلى خَواطِرِهم [321] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/107، 108). .
3- قولُه تعالَى: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ اعتِراضٌ في آخِرِ الاعتراضِ، قُصِدَت منه المُبادرةُ بتَنزيهِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عمَّا قالوه، وبَلْ إضرابُ إبطالٍ لِقَولِهم: لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصَّافَّات: 36]، وبإثباتِ صِفَتِه الحقِّ لِبَيانِ حقيقةِ ما جاء به. وفي وَصفِ ما جاء به أنَّه الحقُّ ما يَكْفي لِنَفيِ أنْ يكونَ شاعرًا ومَجنونًا؛ فإنَّ المشركينَ ما أرادوا بوَصفِه بشاعرٍ أو مَجنونٍ إلَّا التَّنفيرَ مِنِ اتِّباعِه، فمَثَّلوه بالشَّاعرِ مِن قَبيلةٍ يَهْجو أعداءَ قَبيلتِه، أو بالمجنونِ يقولُ ما لا يَقولُه عُقلاءُ قَومِه؛ فكان قولُه تعالى: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ مُثبِتًا لكونِ الرَّسولِ على غيرِ ما وَصَفوه إثباتًا بالبَيِّنةِ، وأُتبِعَ ذلك بتَذكيرِهم بأنَّه ما جاء إلَّا بمِثلِ ما جاءت به الرُّسلُ مِن قَبْلِه، فكان الإنصافُ أنْ يُلحِقوه بالفريقِ الَّذي شابَهَهم، دونَ فَريقِ الشُّعراءِ أو المجانينِ [322] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/108). .
4- قولُه تعالَى: إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
- مِن كلامِ اللهِ يومَ القيامةِ الموجَّهِ إلى المشرِكينَ عقِبَ تَساؤُلِهم وتَحاوُرِهم، فيَكونُ ما بيْن هذا وبيْن مُحاوَرتِهم المُنْتهيةِ بقولِهم: إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ [الصَّافَّات: 32] اعتراضًا، أي: فلمَّا انتهَوا مِن تَحاوُرِهم خُوطِبوا بما يَقطَعُ طَمَعَهم في قَبولِ تَنصُّلِ كِلا الفريقينِ مِن تَبِعاتِ الفريقِ الآخَرِ؛ لِيَزْدادوا تَحقُّقًا مِن العذابِ الَّذي عَلِموه مِن قَولِهم: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصَّافَّات: 31]، وهذا ما تَقْتَضيهِ دَلالةُ اسمِ الفاعلِ في قولِه: لَذَائِقُو الْعَذَابِ؛ لأنَّ اسمَ الفاعلِ حقيقةٌ في الحالِ، أي: حالِ التَّلبُّسِ؛ فإنَّه لَمَّا قِيل لهم هذا كانوا مُشرِفينَ على الوُقوعِ في العذابِ، وذلك زمَنُ حالٍ في العُرْفِ العربيِّ [323] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/109). .
- في قولِه: إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الْتِفاتٌ مِن الغَيبةِ إلى الخِطابِ؛ لِمُجابَهتِهم بإظهارِ كَمالِ الغضَبِ، وأنَّه بلَغَ أقْصى آمادِه وحُدودِه [324] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/190)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/267). .
5- قولُه تعالَى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استِثناءٌ مُنقطِعٌ مِن ضَميرِ (ذَائِقُو)، وما بيْنَهما اعتراضٌ، جِيءَ به؛ مُسارعةً إلى تَحقيقِ الحقِّ ببَيانِ أنَّ ذَوقَهم العذابَ ليس إلَّا مِن جِهَتِهِم، لا مِن جِهَةِ غيرِهم أصْلًا [325] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/190). .
- وهذا الاستثناءُ المُنقطِعُ في مَعنى الاستدراكِ، وهذا الاستدراكُ تَعقيبٌ على قَولِه: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الصَّافَّات: 33]؛ فإنَّ حالَ عِبادِ اللهِ المخلَصينَ تامُّ الضِّدِّيَّةِ لحالِ الَّذين ظَلَموا، وليس يَلزَمُ في الاستدراكِ أنْ يكونَ رَفْعَ تَوهُّمٍ، وإنَّما ذلك غالِبٌ [326] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/110). .
- وذِكرُ المؤمنينَ بوَصفِ العُبوديَّةِ المضافةِ للهِ تعالى عِبَادَ اللَّهِ، تَنويهٌ بهم وتَقريبٌ [327] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/110). ؛ ففيه شَرَفُ القائمِينَ بأمرِ اللهِ تعالى، ولا شَكَّ أنَّه فَخرٌ للإنسانِ أن يُنسَبَ إلى عبادةِ اللهِ [328] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 102). .
- والمُخلَصينَ: صِفةُ مَدْحٍ؛ لأنَّ كَونَهم عِبادَ اللهِ يَلزَمُ منه أنْ يَكونوا مُخلَصينَ [329] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/100). .
6- قولُه تعالَى: أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ استئنافٌ مُبيِّنٌ لِمَا أفادهُ الاستِثناءُ إجمالًا بَيانًا تَفْصيليًّا [330] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/190). .
- والإشارةُ إلى عِبادِ اللهِ بـ أُولَئِكَ قُصِدَ منها التَّنبيهُ على أنَّهم استَحقُّوا ما بعدَ اسمِ الإشارةِ لِأجْلِ ما أُثبِتَ لهم مِن صِفَةِ الإخلاصِ، وذلك مِن مُقتضياتِ تَعريفِ المسنَدِ إليه بالإشارةِ، وما في اسمِ الإشارةِ مِن مَعنى البُعدِ مع قُرْبِ العهدِ بالمُشارِ إليه؛ للإشعارِ بعُلوِّ طَبقتِهم، وبُعدِ مَنْزلَتِهم في الفضلِ [331] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/190)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/111). .
- وقولُه: مَعْلُومٌ فيه إيجازٌ؛ فقد نابَتْ هذه الكلمةُ عن الأوقاتِ والمُدَدِ، واندرَجَت فيها العَشايا والأصائلُ والبُكَرُ، كما نابَتْ عن الطُّعومِ المُتفاوِتةِ والرَّوائحِ المُتبايِنةِ الَّتي تَختلِفُ في المَظهرِ، وتَتَّفِقُ في طِيبِها [332] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/268). .
7- قولُه تعالَى: فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ
- قولُه: فَوَاكِهُ فُسِّرَ الرِّزقُ المعلومُ بالفواكهِ، وهي كلُّ ما يُتلذَّذُ به ولا يُتقوَّتُ لحِفْظِ الصِّحَّةِ، وتَخصيصُها بالذِّكرِ؛ لأنَّهم مُسْتغنُون عن حِفظِ الصِّحَّةِ بالأقواتِ، بأنَّهم أجسامٌ مُحكمةٌ مَخلوقةٌ للأبَدِ، فكلُّ ما يَأكُلُونه يَأكُلونه على سَبيلِ التَّلذُّذِ. وقيل: المقصودُ مِن ذِكرِ الفاكهةِ التَّنبيهُ بالأدْنى على الأعلَى، يعني: لَمَّا كانت الفاكهةُ حاضرةً أبدًا، كان الإدامُ أَولى بالحضورِ [333] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/42)، ((تفسير البيضاوي)) (5/9)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/142)، ((تفسير أبي حيان)) (9/100)، ((تفسير أبي السعود)) (7/190). .
- قولُه: وَهُمْ مُكْرَمُونَ عطْفٌ على لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ، أي: يُعامَلون بالحَفاوةِ والبهجةِ؛ فإنَّه وسَّطَ في أثناءِ وَصفِ ما أُعِدَّ لهم مِن النَّعيمِ الجُسمانيِّ أنَّ لهم نَعيمَ الكرامةِ، وهو أهمُّ؛ لأنَّ به انتعاشَ النَّفْسِ، مع ما في ذلك مِن خُلوصِ النِّعمةِ ممَّن يُكَدِّرُها؛ وذلك لأنَّ الإحسانَ قد يكونُ غيرَ مُقترِنٍ بمدْحٍ وتَعظيمٍ ولا بأذًى، وهو الغالبُ، وقد يكونُ مُقترِنًا بأذًى، وذلك يُكدِّرُ مِن صَفْوِه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: 264]، فإذا كان الإحسانُ مع عِباراتِ الكرامةِ وحُسنِ التَّلقِّي فذلك الثَّوابُ. وهو كالتَّكميلِ للكلامِ السَّابقِ، أو أنَّه كالتَّذييلِ [334] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/42)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/143)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/111، 112). . فلَمَّا ذكَرَ الأكلَ؛ بيَّنَ أنَّ ذلك الأكلَ حاصِلٌ مع الإكرامِ والتَّعظيمِ؛ لأنَّ الأكلَ الخاليَ عن التَّعظيمِ يَليقُ بالبَهائِمِ [335] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/332). . فقَولُه تعالى: وَهُمْ مُكْرَمُونَ تَتميمٌ بَليغٌ للنَّعيمِ؛ لأنَّه رُبَّ مَرزوقٍ غَيرُ مُكرَمٍ، وذلك أعظَمُ التَّنكيدِ [336] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/471). .
8- قولُه تعالَى: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
- قولُه: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي: في جنَّاتٍ ليس فيها إلَّا النَّعيمُ، وهو ظرْفٌ أو حالٌ مِن المُسْتَكنِّ في مُكْرَمُونَ، أو خبَرٌ ثانٍ لـ أُولَئِكَ [337] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/9)، ((تفسير أبي السعود)) (7/190). .
9- قولُه تعالَى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
- قولُه: يُطَافُ عَلَيْهِمْ إمَّا استئنافٌ لبيانِ ما يكونُ لهم في مجالسِ أنسِهم، أو حالٌ مِن الضميرِ في مُتَقَابِلِينَ أو في أحدِ الجارَّينِ، وجُوِّز كونُه صفةُ لـ مُكْرَمُونَ [338] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/191)، ((تفسير الألوسي)) (12/84). .
- ووُصِفَ الخمرُ بأنَّه مِنْ مَعِينٍ؛ لأنَّه يَجْري في الجنَّةِ في أنهارٍ كما يَجْري الماءُ في الدُّنيا، أو للإشعارِ بأنَّ ما يكونُ لهمْ بمَنزلةِ الشَّرابِ جامعٌ لِمَا يُطلَبُ مِن أنواعِ الأشربةِ؛ لِكَمالِ اللَّذَّةِ [339] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/42)، ((تفسير البيضاوي)) (5/10)، ((تفسير أبي السعود)) (7/191). .
- والمَعينُ بوَزنِ فَعيلٍ، مِثالُ مُبالَغةٍ مِن المَعْنِ، وهو الإبعادُ في الفِعلِ؛ شُبِّهَ جَرْيُه بالإبعادِ في المشْيِ [340] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/113). . وذلك على قولٍ.
- ووُصِفتْ الكأسُ بالمصدرِ في قولِه: لَذَّةٍ؛ للمُبالَغةِ، بجَعلِها نفْسَ اللَّذَّةِ، فالوصفُ بالمصدرِ أبلغُ مِن الوصفِ بالمشتقِّ مِن المصدرِ، كاسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ، فـقولُك: (فلانٌ عدلٌ) أبلغُ مِن: (فلانٌ عادلٌ). وجُوِّز أن تكونَ لَذَّةٍ تأنيثَ (لذٍّ) بمعنى لذيذٍ، أو على حذفٍ، أي: ذاتِ لَذَّةٍ [341] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/101)، ((تفسير الألوسي)) (12/85)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 108). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (4/42)، ((تفسير البيضاوي)) (5/10)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/144)، ((تفسير أبي السعود)) (7/191). وقال ابن عاشور: (يقالُ: لَذَّه ولَذَّ به، والمصدرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذةُ... ويُقالُ: شَيءٌ لَذٌّ، أي: لذيذٌ، فهو وصفٌ بالمصدرِ، فإذا جاء بهاءِ التَّأنيثِ كما في هذه الآيةِ فهو الاسمُ لا مَحالةَ؛ لأنَّ المصدرَ الوصفَ لا يُؤَنَّثُ بتأنيثِ مَوصوفِه، يقالُ: امرأةٌ عَدْلٌ، ولا يُقالُ: امرأةٌ عَدْلةٌ. ووصْفُ الكأسِ بها كالوصفِ بالمصدرِ يُفيدُ المُبالَغةَ في تمكُّنِ الوصفِ، فقولُه تعالى: لَذَّةٍ هو أقصَى ما يؤدِّي شِدَّةَ الالتِذاذِ بكلمةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه عُدِل به عن الوصفِ الأصليِّ لقصدِ المُبالَغةِ، وعُدِل عن المصدرِ إلى الاسمِ لِمَا في المصدرِ مِن معنَى الاشتقاقِ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/113). .
- وفي قولِه تعالى: لِلشَّارِبِينَ دونَ (لهم): إشارةٌ إلى أنَّها يَلتَذُّ بها الشَّاربُ كائنًا مَن كان [342] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (12/85). ، فهو مِن بابِ التَّوكيدِ، يعني أنَّهم في حالِ شُربِهم إيَّاها يَتلذَّذون بها [343] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 108). .
10- قولُه تعالَى: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ
- قولُه: لَا فِيهَا غَوْلٌ تَقديمُ الظَّرفِ المسنَدِ فِيهَا على المُسنَدِ إليه غَوْلٌ؛ لإفادةِ التَّخصيصِ، أي: هو مُنتَفٍ عن خمْرِ الجنَّةِ فقطْ دونَ ما يُعرَفُ مِن خمْرِ الدُّنيا، فهو قَصرُ قلْبٍ [344] تقدم تعريفه (ص: 52). . ووُقوعُ غَوْلٌ -وهو نَكِرةٌ- بعْدَ (لا) النَّافيةِ، أفاد انتفاءَ هذا الجنْسِ مِن أصْلِه [345] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/113، 114). .
- قولُه: وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ قُدِّمَ المُسنَدُ إليه هُمْ على المُسنَدِ يُنْزَفُونَ، والمسنَدُ فِعلٌ؛ لِيُفِيدَ التَّقديمُ تَخصيصَ المُسنَدِ إليه بالخبَرِ الفِعليِّ، أي: بخِلافِ شارِبي الخمْرِ مِن أهلِ الدُّنيا [346] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/114). .
- وفي الآيةِ إيجازٌ بليغٌ؛ فقدْ جَمَعَت هاتانِ الكلمتانِ غَوْلٌ ويُنْزَفُونَ جميعَ عُيوبِ خمْرِ أهلِ النَّاسِ الَّتي حُرِّمَت بسَببِها، والمعنى: لا فيها فَسادٌ قَطُّ مِن أنواعِ الفسادِ الَّتي تكونُ في شُرْبِ الخمْرِ؛ مِن مَغْصٍ، أو صُداعٍ، أو خُـمارٍ [347] الخُمارُ: بَقيَّةُ السُّكْرِ، أو: ما أصابك مِن ألمِها وصُداعِها وأذاها. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 97)، ((لسان العرب)) لابن منظور (4/255). ، أو عَرْبدةٍ، أو لَغوٍ، أو تأْثيمٍ، أو غيرِ ذلك، ولا همْ يَسْكَرون، وهو أعظَمُ مَفاسدِها؛ فأفْرَزَه وأفرَدَه بالذِّكرِ [348] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/43)، ((تفسير أبي السعود)) (7/191)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/113)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/268). .
11- قولُه تعالَى: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
- ذِكرُ (عِندَ) لإفادةِ أنَّهنَّ مُلابِساتٌ لهم في مَجالسِهم الَّتي تُدارُ عليهم فيها كأْسُ الجنَّةِ، وكان حُضورُ الجواري مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكمِّلاتِ الأُنسِ والطَّرَبِ عندَ سادةِ العرَبِ [349] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/114). .
- وفي الآيةِ تَشبيهٌ مُرسَلٌ؛ فالمرادُ بالبَيضِ هنا بَيضُ النَّعامِ، والمَكنونُ مِن كَنَنْتُه، أي: جعَلْتُه في كِنٍّ، والنِّساءُ يُشَبَّهْنَ بالبَيضِ مِن ثلاثةِ أوجُهٍ؛ أحدُها: بالصِّحَّةِ والسَّلامةِ عن الطَّمثِ. والثَّاني: في الصِّيانةِ والسَّترِ؛ لأنَّ الطَّائرَ يَصُونُ بَيضَه ويُحصِّنُه. والثَّالثُ: في صَفاءِ اللَّونِ ونَقائِه؛ لأنَّ البيضَ يكونُ صافيَ اللَّونِ نَقِيَّه إذا كان تحتَ الطَّائرِ. وقيل: هو تَشبيهٌ عامٌّ؛ شبَّهَ جُملةَ المرأةِ بجُملةِ البَيضةِ، أراد بذلك تَناسُبَ أجزاءِ المرأةِ، وأنَّ كلَّ جُزءٍ منها نِسبتُه في الجودةِ إلى نَوعِه نِسبةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوعِه؛ فنِسبةُ شَعرِها إلى عَينِها مُستويةٌ؛ إذ هما غايةٌ في نَوعِها، والبَيضةُ أشدُّ الأشياءِ تَناسُبَ أجزاءٍ؛ لأنَّها مِن حيث حُسْنُها في النَّظرِ واحدٌ [350] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/43)، ((تفسير البيضاوي)) (5/10)، ((تفسير أبي حيان)) (9/101، 102)، ((تفسير أبي السعود)) (7/191)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/269). .
- وفي الآياتِ السَّابِقةِ ترتيبٌ حسَنٌ؛ فقدْ ذكَرَ أوَّلًا: الرِّزقَ رِزْقٌ مَعْلُومٌ، وهو ما يَتلذَّذُ به الأجسامُ. وثانيًا: الإكرامَ وَهُمْ مُكْرَمُونَ، وهو ما يَتلذَّذُ به النُّفوسُ -ورِزقٌ بإهانةٍ تَنكيدٌ-. ثمَّ ذكَرَ المحلَّ الَّذي هُمْ فيه فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثمَّ أشْرَفَ المحلِّ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، وبه لَذَّةُ التَّآنُسِ بأنَّ بعضَهم يُقابِلَ بعضًا، وهو أتَمُّ السُّرورِ وآنَسُه. ثمَّ المشروبَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، وأنَّهم لا يَتناوَلونَ ذلك بأنفُسِهم، بلْ يُطافُ عليهم بالكؤوسِ. ثمَّ وصَفَ ما يُطافُ عليهم به مِن الطِّيبِ، وانتفاءِ المفاسدِ. ثمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسمانيَّةِ، وختَمَ بها كما بَدأَ باللَّذَّةِ الجُسمانيَّةِ مِن الرِّزقِ -وهي أبلَغُ الملاذِّ- وهي التَّآنُسُ بالنِّساءِ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ، وأُرِيدَ تَتميمُ معنى تلك النِّعمةِ؛ فألْقَى في خَلَدِهم تَذَكُّرَ ما كانوا عليه في الدُّنيا مع القَرينِ السُّوءِ الَّذي كاد أنْ يُفوِّتَ عليهمْ هذا النَّعيمَ المُقِيمَ؛ لِيَزيدَ غِبْطَتَهم وتَبجُّحَهم، وإليه الإشارةُ بقولِه: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [351] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/147)، ((تفسير أبي حيان)) (9/100). [الصَّافَّات: 57].