موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (261- 265)

ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ

غريب الكلمات:


أَذًى: ما يُكره ويُغتمُّ به، ولا يُقَرُّ عليه [2539] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 51)، ((المفردات)) للراغب (ص: 71)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .
وَمَغْفِرَةٌ: سَترٌ لخَلَّة المسلم وفاقته، وترْك أذيَّته؛ فأصْل الغَفْر: السَّتر، والوقاية [2540] يُنظر: ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 38)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/385)، ((المفردات)) للراغب (ص: 609). .
رِئَاءَ النَّاسِ: مراءاةً للناس، أي: فِعل الشَّيء ليراه الناس، وأصْله من الرُّؤية [2541] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/473)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 139)، ((المفردات)) للراغب (ص: 375). .
صَفْوَانٍ: كالصَّفا حَجَر أَمْلس، وهو اسمُ واحدٍ معناه جمعٌ، واحدتُه صَفوانة؛ وأصل الصَّفاء: خُلُوص الشَّيء من الشَّوب، ومنه قيل: الصَّفا، للحجارة الصافية [2542] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 298)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/292)، ((المفردات)) للراغب (ص: 487- 488)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 115). .
وَابِلٌ: المطر الثَّقيل، أو المطر الشَّديد [2543] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 97)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/82)، ((المفردات)) للراغب (ص: 852)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 38)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 115). .
صَلْدًا: صلبًا يابسًا أملسَ، وهو الحجر الصُّلب الذي لا يُنبِت؛ فأصْل الصَّلد: الصَّلابة واليُبْس [2544] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 97)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 298)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/303)، ((المفردات)) للراغب (ص: 490)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 38)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 115). .
رَبْوَةٍ: المكان المرتفِع من الأرض، وأصْل الرَّبو: العُلُوُّ والزِّيادة والنَّماء [2545] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 240)، ((المفردات)) للراغب (ص: 340)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 242). .
فَطَلٌّ: الطَّلُّ: أضعفُ المَطر، وأصْل الطلِّ: غَضاضةُ الشَّيء، وحُسْنه ونَضْرته؛ سُمِّي أضعفُ المَطَر به؛ لأنَّه يُحسِّن الأرضَ [2546] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 97)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/406) و(4/427)، ((المفردات)) للراغب (ص: 522)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 38)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 116). .

المعنى الإجمالي:


يَضرِب اللهُ المَثَلَ في مضاعفة الحسنات للمُنفِقين في أوجه الخير، بمن بذَر بَذْرةً في أرض طيِّبة، فأَخرجتِ الحبَّةُ سَبْعَ سَنابلَ، في السُّنبلةِ الواحِدة مِئةُ حبَّة، فكان أنْ تَضاعفتِ الحبَّةُ إلى سَبْعمِئة حبَّة، والله يُضاعِف لمن يشاء؛ لأنَّه واسعُ الفَضْل، عليمٌ بمن يَستحِقُّ المضاعفة ممن لا يَستَحِقُّها، ثم يُبيِّن الله تعالى أنَّ الذين يَبذُلون أموالَهم في أوجهِ الخيرِ ومرادهم رضا الله تعالى، ثم لا يُلحِقون ما بذَلوه منًّا على مَن أنفقوا عليهم ولا أذًى، فهؤلاء لهم أجرَهم عند الله، ولهم كذلك ألَّا يخافوا فيما يُستقبَل ولا يحزنون على ما مضى.
ثم يُخبِر تعالى أنَّ ردَّ السَّائل بالقول الحَسَن، والدعاء الطَّيِّب له، وغير ذلك من الأقوال التي تُدخِل السُّرورَ على قلبه، وكذلك سَتْر حالته بالمسامحة، والتَّغاضي عمَّا قد يَصدُر من السائل ممَّا لا ينبغي أنْ يَصدُر منه، أفضل مَن أنْ يُقدِّم له صدقةً مصحوبة بالأذِيَّة والإساءة، والله سبحانه غنيٌّ، وهو حليمٌ لا يُعاجِل بالعقوبة مع قُدْرته عليه.
ثم يَنهَى اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين أن يُحبِطوا أجرَ ما بذلوه من صدقاتٍ إذا صدر منهم منٌّ أو أذًى نحو المتصدَّق عليه، فتُشْبِه حالُهم حينها حالَ المُنافِقِ الذي يُنفِق مالَه من أجْل أن يرى النَّاسُ صنيعَه؛ ليُثْنوا عليه بذلك، وهم لا يعرفون حقيقةَ الأمر، وهو أنَّه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخِر، فلا يَطمَع في الحصول على ثوابٍ جزاءً لعَمَله، فقَلْب هذا المُنافقِ في صَلابته وقسوته، وعدم انتفاعه بما يُنفِقه- لعدم إيمانه، وانتفاء إخلاصه- يُشْبِه الحجرَ الأملس يَعْلوه ترابٌ، يَحسَب مَن رآه أنه صالحٌ للإنبات، فيُصيبه مطرٌ غزيرٌ فيذهب بما على الحجر من التراب، فيَتركه صُلبًا كما كان من قبلُ، لا أمل في إنباته، والله تعالى لا يُوفِّق الكافرين لقَبُول الحقِّ.
ثمَّ ضرَب الله سبحانه مثلًا لمَن يَبذُلون أموالَهم في وجوه البِرِّ والخير دون منٍّ أو أذًى، وإنَّما مقصودهم أنْ ينالوا مرضاةَ الله تعالى، وقد بذَلوا أموالَهم مِن تلقاء أنفسهم، ولم يَحمِلهم على ذلك أحدٌ، أو أنفقوا وهم مُوقِنون بوعد الله تعالى على إثابته للمُنفِقين، فمَثَل نفقةِ هؤلاء كبُستانٍ كثير الشَّجر والظِّلال، بمكانٍ مرتفع من الأرض، فكان أكثرَ خُصوبةً، وأفضل نِتاجًا، وسَقْيه إنما هو من السَّماء، فإمَّا أنْ يُصيبه مطرٌ غزيرٌ، فيتضاعَف ما يُنتِجه من ثمر، أو يُصيبه مطرٌ خفيف، فيكفيه أيضًا ليؤتي ثمارَه مضاعفةً؛ بسبب كَرَم المَنْبتِ، وطيب المَغْرس، وكذا الحال مع نفقة المؤمن؛ فإنَّ الله يُضاعِفها قلَّتْ أو كَثرتْ، ما دام أنها بُذِلتِ ابتغاءَ رِضوان الله، والله تعالى يرى كلَّ ما يعمله النَّاسُ، لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالهم.

تفسير الآيات:


مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر قصَّة المارِّ على قرية وقصَّة إبراهيم، وكانا مِن أدلِّ دليل على البَعْث، ذكَر ما ينتفع به يوم البعث، وما يجد جدواه هناك، وهو الإنفاق في سبيله، كما أَعقَب قصَّة الذين خرجوا مِن ديارهم وهم أُلُوفٌ حَذَرَ الموت بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، وكما أَعقَب قَتْلَ داود عليه السَّلامُ جالوتَ، وقوله: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ، فكذلك أَعقَب هنا ذِكْر الإحياء والإماتة بذِكْر النَّفقة في سبيله؛ لأنَّ ثمرة النفقة في سبيله إنما تَظهر حقيقةً يومَ البَعْث: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: 30]، واستدعاء النَّفقة في سبيل الله مُذكِّرٌ بالبَعْث؛ لأنَّه لو لم يعتقد وجوده، لَمَا كان يُنفَق في سبيل الله [2547] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/652). .
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ.
أي: شبَّه الله سبحانه في هذا المَثَل المنفِقَ بالبَاذِر، والنَّفقةَ في سبيله بالبَذْرة؛ فإنَّ مَن يُنفِق في أوجه الخير والبِرِّ ابتغاءَ مَرْضات الله تعالى- ومن ذلك النَّفقة في الجهاد في سبيله- كالذي غيَّب في أرضٍ طيِّبة زكيَّة بَذرةً صالحةً للنُّمو، فأخرجتْ سَبْع سنابل، وقد اشتملت كلُّ واحدة منها على مِئة حَبَّة، فكانت النتيجة سبعَمِئة حبَّة، خرجت من حبَّة واحدة، فكذلك النَّفقة الطَّيِّبة يُنمِّيها الله عزَّ وجلَّ لبَاذِلها، ويُضاعِف له أجرَها سبعمِئة مرَّة [2548] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/651)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 364)، ((تفسير ابن كثير (1/691)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/308، 309). .
عن عُقْبة بن عمرٍو رضي الله عنه، قال: (جاء رَجلٌ بناقةٍ مَخطُومة، فقال: هذه في سبيل اللهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((لك بها يومَ القيامةِ سَبعُمئةِ ناقةٍ، كلُّها مَخطومة [2549] مخطومة: أى: فيها خِطام، وهو قريب من الزمام، وخِطام البعير أن يُؤخَذ حبل من ليف أو شَعر أو كَتَّان، فيُجعل في أحد طرفيه حلقةٌ ثم يشدُّ فيه الطَّرف الآخر حتى يصيرَ كالحلقة، ثم يُقاد البعير ثم يثنى على مخطمه. وأمَّا الذي يُجعل في الأنف دقيقًا، فهو الزمام. ينظر: ((شرح النووي على مسلم)) (13 /38)، ((النهاية)) لابن الأثير (2 /120). ٌ)) [2550] رواه مسلم (1892). .
وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ؛ الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعمئةِ ضِعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّهُ لي، وأنا أَجزي بهِ ...)) الحديث [2551] رواه مسلم (1151). .
وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ.
أي: إنَّ الله تعالى يُضاعِف هذه المضاعفةَ إلى السَّبعمئة، أو إلى أكثرَ من ذلك، بحسَب مشيئته، وذلك وَفْق ما تَقتضيه حِكمتُه، فإنَّ المنفِقين يتفاوتون إيمانًا وإخلاصًا لله تعالى، وتتفاوت نفقاتُهم كذلك بحسَب حِلِّها ونَفْعها، وشدَّة الحاجة إليها [2552] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/653، 654)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 364)، ((تفسير ابن كثير)) (1/693)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113، 956)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/609)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/309). .
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إِنَّ اللهَ كتب الحسناتِ والسيِّئاتِ، ثُمَّ بيَّنَ ذلِكَ، فمَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فلمْ يَعملْها، كَتبَها اللهُ عندَهُ حسَنَةً كامِلَةً، وإنْ همَّ بِها فعَمِلَها كتَبها اللهُ عزَّ وجلَّ عندَه عشرَ حسنَاتٍ إلى سَبعِمِئَةِ ضعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرَةٍ، وإنْ همَّ بسيِّئَةٍ فلمْ يَعملْها، كَتبَها اللهُ عندَهَ حسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللهُ سيئَةً واحِدَةً، وفِي روايَةٍ وزادَ: ومَحاها اللهُ، ولَا يَهْلِكُ علَى اللهِ إلَّا هالِكٌ )) [2553] رواه البخاري (6491)، ومسلم (131) واللفظ له. .
 وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
أي: إنَّ الله تعالى واسعُ الفضل والعطاء؛ ولذا يُضاعِف لمن يشاء هذه المضاعفة أو يَزيد عليها، فلا يَستبعِدنَّ أحدٌ ذلك الأجرَ الكريمَ، أو يتوهَّم أنَّ فيه مُبالَغةً؛ فإنَّ الله تعالى لا يَتعاظمه شيءٌ، ولا يَنقُصه العطاءُ مهما عَظُم، ولكن لا ينبغي أن يُظَنَّ أنَّ سَعَة عطائه سبحانه تقتضي حصولَ تلك الأجور لكلِّ مُنفِق؛ فإنَّه عليمٌ بمن هو أهلٌ لهذا الأجر، ومَن لا يَستَحِقُّه، فإنَّ سَعَة كَرَمه تعالى لا تُناقِض حِكمتَه، بل يَضعُ فضلَه مواضعَه [2554] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/654)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 364)، ((تفسير ابن كثير)) (1/693)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113). .
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا عَظَّم أمرَ الإنفاق في سبيل الله، ورتَّب عليه الثواب المضاعف، أَتْبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلُها حتى يبقَى ذلك الثوابُ، ومنها تَرْكُ المنِّ والأذى [2555] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/40). ، فقال:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى.
أي: إنَّ الذي يَبذُل أموالَه في أوجه الخير، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، ثم لا يَمتنُّ على مَن أَنفَق عليه، سواء بقلبه، أو بلسانه كأنْ يُخبِره بأنَّه تفضَّل عليه بمنحه شيئًا، وأنَّه مَدين له لِقاء معروفه، ولا يقول أو يفعل أيضًا مكروهًا للمُنفَق عليه يُنافي ما قدَّمه له من إحسان، فذلك محظورٌ لِمَا فيه من تَكبُّر المُنفِق واستعلائه، واستعباد المُنفَق عليه، وكسْر قلبِه وإذلاله، بل على المُعطي في سبيل الله تعالى أنْ يشهد دائمًا أنَّ المتفضِّل والمُنعِم حقيقةً هو الله تعالى وحده، وعليه أنْ يتفكَّر أيضًا في أنَّ أجْره على الله تعالى بأضعافِ ما أَعطى، فأيُّ حقٍّ بقي له على الآخذ المُحتاج حتى يَمتنَّ عليه، أو يؤذيه بصنائع معروفه [2556] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/655)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 365)، ((تفسير ابن كثير)) (1/693)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/313). ؟
عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ يومَ القِيامةِ: المَنَّان الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مِنَّةً، والمُنَفِّق سِلْعتَه بالحَلِف الفاجِر، والمُسبِل إزارَه)). وفي روايةٍ: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا يَنظُر إليهم، ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ )) [2557] رواه مسلم (106). .
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أي: إنَّ هؤلاء الذين يُنفِقون أموالَهم في سبيل الله تعالى بلا منٍّ ولا أذًى، يَستحِقُّون- وحْدَهم دون غيرهم من المنفقين- ثوابًا وجزاءً من الله تعالى وحده، قد تَكفَّل به الكريم مُقابِلَ صنيعهم هذا، فهو مُوفِّيه إيَّاهم لا محالة، ولهم مع ذلك أيضًا ألَّا يَخافوا من المستقبل ومِن ذلك، عدَم خوفهم عند مَقدَمهم على الله تعالى حين فِراقِهم للدُّنيا، ولا في أهوال القيامة، فلا يَنالُهم فيها مكروهٌ، ولا يُصيبهم فيها عقابٌ، ولا يحزنون أيضًا على ما مضى، ومن ذلك ما يُخلِّفونه وراءهم في الدنيا من أموالٍ وبنينَ عَقِب موتهم؛ لأنَّهم قد صاروا إلى ما هو خيرٌ لهم من ذلك، فحصَلتْ لهم بذلك الخيراتُ، واندفعت عنهم الشرورُ والسيئات [2558] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/657)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 366)، ((تفسير ابن كثير)) (1/693)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/313-314). .
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263).
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى.
أي: إنَّ تقديم الإحسان للسَّائلِ حاجةً، عَبْر إسدائه قولًا معروفًا تَعرِفه القلوبُ ولا تُنكِره، بردِّه بالقول الجميل والدُّعاء الطَّيِّب له، وغير ذلك ممَّا يُدخِل السُّرورَ على قلبه، أو تقديم الإحسانِ إليه بسَتْر سوء حالته، أو بمسامحته وتَجاوُزِه عمَّا لا ينبغي أنْ يَصدُر من السائل من قول أو فِعْل، كما لو وجَد منه بعضَ الجَفوةِ أو الغِلْظة بسبب ردِّه، وعدم تلبية حاجته، فالقول المعروف والمغفرة أفضلُ مُطلَقًا من تقديم يدِ العون للمحتاج، بمساعدةٍ مصحوبة بأذِيَّته والإساءة إليه [2559] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/657-658)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 367)، ((تفسير ابن كثير)) (1/693)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/316). .
وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا تناولت الآياتُ قبلها الإنفاقَ والحثَّ عليه، وبيانَ ما يُجتنب فيه من المنِّ وإتْباعه بالأذى، ختَم الله تعالى هذه الآيةَ بقوله: وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ؛ لأنَّ الله غنيٌّ عن هذه الصَّدقات، فضلًا عن التي فيها منٌّ أو أذًى، ولكمال غِناه يخلِف هذا الإنفاق، وحليمٌ على مَن عصَى بالمنِّ بالصدقة؛ فهي من كبائر الذُّنوب [2560] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين: الفاتحة-البقرة)) (3/318). ؛ لذا قال:
وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.
أي: إنَّ الله تعالى غنيٌّ عن خَلْقه، وعمَّا يتصدَّقون به؛ فلن يَنالَه شيءٌ من صدقاتِهم، وإنما نفْعُها عائدٌ عليهم؛ فكيف يمنُّ أحدٌ بصدقته، ويؤذِي بها عبادَ الله تعالى، مع غِنى الله تعالى عنها؟ وهو مع هذا حليمٌ سبحانه، لا يُعاجِلُ هذا المانَّ بالعقوبة مع قُدْرته على ذلك، بل يعفو عنه ويَصفَح، أو يُمهِله ليتوب إليه [2561] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/658)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 367)، ((تفسير ابن كثير)) (1/693)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/316، 317). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا شرَط في الإنفاق أنْ لا يُتْبَع بمنٍّ ولا أذًى، لم يَكتفِ بذلك حتى جعَل المنَّ والأذى مُبطِلًا للصَّدقة، ونهى عن الإبطال بهما؛ ليُقوِّي اجتنابَ المؤمن لهما؛ ولذلك ناداهم بوصْف الإيمان، ولَمَّا جرى ذِكْر المنِّ والأذى مرَّتين، أعادهما هنا بالألف واللام [2562] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/662). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
أي: يُحذِّر اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين، من حُبُوط أجرِ ما يَبذُلونه صدقةً في سبيله سبحانه، إنْ صدَر منهم منٌّ أو أذًى على آخِذ الصَّدقة، فيكون حالُهم حينئذٍ موافِقًا لحال المنافِق الذي يَبذُل مالَه لأجل الله تعالى في ظاهرِ الأمر، بينما ينوي في باطِنِه أن يُرِيَ النَّاسَ صَنيعَه؛ ليَحمَدوه ويُثْنوا به عليه، وهم لا يُدركِون في واقع الأمر، حقيقةَ أنَّه لا يؤمن بالله تعالى ولا بالآخرة، فلا يَطمَع في نيل ما فيها من ثواب لِقاء ما يُقدِّمه في الدنيا من معروف [2563] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/658-659)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 367-368)، ((تفسير ابن كثير)) (1/694)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/318-320). .
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا.
أي: إنَّ قلب هذا المنافق الذي يُنفق مالَه رياءً، غيرَ مؤمن بالله ولا باليوم الآخِر، حالُه في صلابته وشِدَّته، وعدم الانتفاع به- لعدم إيمانه وإخلاصِه لله تعالى- تُشبِهُ حالَ حجر أملس، ونفقة هذا المنافق تُشبه ترابًا يعلو هذا الحجرَ، فهو مستندٌ إليه، يَظنُّ مَن يراه أنه أرضٌ طيِّبة صالحة للإنبات، مثلما يظنُّ مَن يشاهد ظاهرَ حال المنافق أنَّ صدقته مبنيَّة على أساس من الإيمان والإخلاص لله عزَّ وجلَّ، فتُثمر له حسناتٍ، وشبَّه الله تعالى تعرُّض التراب لمطرٍ غزيرٍ شديد الوقع، بالمانع الذي أبطل صدقتَه، وذهب بأثرها تمامًا. وكما أصبح الحجر في نهاية الأمر، صلبًا كما عُهِد من قبلُ، وخاليًا لا شيءَ عليه من ترابٍ، ولم يبقَ أملٌ في إنبات نبات، فكذلك صدقات هذا المنافِق تَذهب هباءً، لا تُثمر شيئًا من الحسنات وزيادة الإيمان؛ لأنَّه لا أصل لها تُؤسَّس عليه، ولا لها مقصدٌ طيِّب تنتهي إليه، فكل ما قدَّمه مضمحل.
فإذا كان يومُ القيامة، وجاء وقتُ حصاد الزَّرع وتلقِّي أجور العاملين، وظنُّوا أنهم سيَنتفعون بما قدَّموه، لم يجدوا شيئًا يحصدُونه، ولا أجرًا يتلقَّوْنه، فقد اضمحلَّ ما قدَّموه كلُّه؛ لأنَّه لم يكُن لله تعالى، فلا تكونوا- أيُّها المؤمنون- كهؤلاء المنافقين، فتُبطلوا أجورَ صدقاتكم بمنِّكم وأذاكم على مَن تصدَّقتم عليه [2564] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/660-663)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 367-368)، ((تفسير ابن كثير)) (1/694)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113، 957)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/320-321). .
وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُوفِّق الكفارَ لقَبُول الحقِّ وإصابته في نَفَقاتهم وغيرها؛ فلأنَّهم للباطل مُؤثِرون، تَركَهم في ضلالتهم يَعمَهون، قد انصَرفوا عن طريق الحقِّ إلى طُرُق الغواية، فصرَف الله عزَّ وجلَّ قلوبَهم عن الهداية [2565] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/662)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/321). .
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى مَثَلَ المنفِق الذي يكون مانًّا ومؤذيًا؛ ذكَر مَثَلَ المُنفِق الذي لا يكون كذلك [2566] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/48). ، فقال:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
أي: ضرب الله تعالى مثلًا لصِنفٍ آخرَ من المنفِقين، وهم الذين يُنفِقون أموالَهم صدقةً في أوجه الخير والبِرِّ التي يُحبُّها الله تعالى، كالجهاد في سبيله؛ دون منٍّ أو أذًى، وإنَّما طلبًا لنيل رِضوان الله عزَّ وجلَّ، وقد أَقدَموا صادِقين على البذل من جِهة أنفسهم، لم يَحمِلهم أحدٌ على القيام بذلك، فأنفقوا بعزائمَ قويَّة، مُتحقِّقين ومُوقِنين بوعد الله تعالى على إثابته المنفقين، فلا يَتقاعَسون أو يتردَّدون في الإنفاق، ولا يَشُكُّون بوعْد الله سبحانه على الثَّواب [2567] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/662)، ((تفسير السعدي)) (ص: 113)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/321). قال ابن القيِّم: (هذا مَثَل الذي مصدر نفقته على الإخلاص والصدق؛ فإنَّ ابتغاءَ مرضاته سبحانه هو الإخلاص، والتثبيت من النفس هو الصِّدق فى البذل، فإنَّ المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان، إنْ نجا منهما كان مَثَله ما ذكَره فى هذه الآية: إحداهما: طلبُه بنفقته مَحمدةً أو ثناءً، أو غرضًا من أغراضه الدنيوية، وهذا حال أكثرُ المنفقين. والآفة الثانية: ضَعْف نفْسه بالبذل وتقاعُسها وتردُّدها؛ هل يفعل أم لا؟ فالآفة الأولى تزولُ بابتغاءِ مرضاة الله، والآفة الثانية تزولُ بالتثبيت؛ فإنَّ تثبيت النفس تَشجيعُها وتقويتها، والإقدام بها على البذل) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 369). .
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ.
أي: إنَّ نفقة أولئك المنفقين المخلِصين الصادقين، المصدِّقين بوعد ربِّ العالمين، تُشْبِه بُستانًا غزيرَ الأشجار والظِّلال، تُغطِّي ما فيه من كَثْرتها، وهو على مكانٍ مُرتفِع من الأرض فكان خصيبًا جدًّا؛ لأنَّه لَمَّا ارتَفع عن مجرى المسايل والأودية كانتْ أرضه أغلظَ، فكان أحسنَ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، كما أنَّه بارتفاعه يكون مُعرَّضًا أكثرَ للأهوية والرياح، وبائنًا للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فيكون أنضج ثمرًا وأطيبه وأحسنه وأكثره كذلك، وسَقْيه إنَّما يأتي من السَّماء، فإمَّا أنْ يتعرَّض لمطرٍ غزير، فيتضاعف إنتاجُ ثمرِه مرَّتين، الأصل ومثله معه، أو يُصيبه مطرٌ خفيف، كالرَّذاذ، فإنَّه يَكفيه ليُؤتي ثمارَه مضاعفةً؛ بسبب كَرَم مَنْبته وطِيب مَغرَسه، فهذه الجنَّة لا يُعدَم منها حصولُ الخير بحالٍ من الأحوال.
فكذلك المؤمن المنفِق يُضاعِفُ الله تعالى صدقتَه قلَّت أو كَثُرت، فلا تَبور أبدًا، فإذا كان قصدُه مرضاة الله عزَّ وجلَّ والتثبيت من نفسه، فهي زاكيةٌ عند الله تعالى، وناميةٌ في جميع الأحوال [2568] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/672-679)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيِّم (ص: 369-370)، ((تفسير ابن كثير)) (1/695)، ((تفسير السعدي)) (ص: 114)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/326-327). .
وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
أي: إنَّ ما تَعمَلونه- أيُّها النَّاس- من الإنفاق وغيره، هو بمَرْأًى مِن الله تعالى، لا يَخْفى عليه، فإنَّه يرى ويعلم مَن المُنفِق منكم بالمنِّ والأذى، ومَن المُنفِق ابتغاءَ مرضاة الله، وتثبيتًا من نفسه، فيُحصي عليكم ذلك وغيرَه من أعمالكم، حتى يُجازيكم عليها، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر [2569] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/679)، ((تفسير السعدي)) (ص: 114)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/327). .

الفوائِد التربويَّة:


1- الإشارة إلى ضرورة الإخلاص لله في العمل؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ، وأن يَقصِدوا بعِمَلهم وجهَ الله عزَّ وجلَّ [2570] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/310). .
2- أنَّ ثوابَ الله، وفضْلَه أكثرُ من عَمَلِ العاملِ؛ لأنَّه لو عُومِل العاملُ بالعدل لكانت الحسنة بمِثْلها، لكنَّ الله يُعامِله بالفضل والزِّيادة، فتكون الحبَّة الواحدة سبعمئة حبَّة، بل أَزيدَ؛ لقوله تعالى: وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2571] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/311). ، ممَّا يَزيد رجاءَ العبدِ في ربِّه.
3- الحثُّ والتَّرغيب في الإنفاق في سبيل الله؛ لقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.... [2572] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/312). .
4- أنَّ مَن أَتْبَع نفقتَه منًّا أو أذًى، فإنَّه لا أجْرَ له؛ لقوله تعالى: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ فإذا أَتْبَع منًّا، أو أذى بطَل أجرُه، كما هو صريحُ قولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [2573] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/314). .
5- لقَبُول الصَّدقة شروطٌ سابقة، ومُبطِلاتٌ لاحِقة؛ أمَّا الشُّروط السابقة: فالإخلاص لله تعالى، والمتابَعة، وأمَّا المبطِلات اللَّاحقة: فالمنُّ، والأذى [2574] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/314). .
6- في قوله تعالى: قَولٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ، حثٌّ على المغفرة لمَن أساء إليكَ؛ إلا إذا كانت المغفرة تؤدي إلى مفسدةٍ معتبَرة أو كانت راجحةً على مصلحة؛ لقوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ [الشورى: 40] [2576] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/317). .
7- أنَّ الأعمال الصَّالحة تَتفاضَل، ويَلزَم مِن تَفاضُلها تَفاضُلُ العاملِ، وزيادة الإيمان، أو نُقْصانه؛ كما في قوله: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ... [2577] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/317). .
8- في قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، دلالةٌ على أنَّ الواجب أن نَقصِد بأعمالنا أمرين: أولهما: ابتغاء رِضوانه لذاته تعبُّدًا له، وثانيهما: تزكية أنفسنا وتطهيرها من الشَّوائب التي تَعُوقها عن الكمال، كالبخل والمُبالَغة في حبِّ المال، على أنَّ هذا وسيلة لذاك، وفائدة كلٍّ من الأمرين عائدةٌ علينا، والله غنيٌّ عن العالَمين [2578] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (3/57). .
9- أنَّ المنَّ والأذى بالصَّدقة مُنافٍ لكمال الإيمان؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، كأنَّه يقول: (إنَّ مقتضى إيمانِكم ألَّا تفعلوا ذلك؛ وإذا فعلتُموه صار مُنافيًا لهذا الوَصْف، ومنافيًا لكماله) [2579] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/322). .
10- أنَّ مَن راءى النَّاس بإنفاقه، ففي إيمانه بالله وباليوم الآخر نَقْص؛ لقوله تعالى: وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [2580] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/322). .
11- بيان ما للنيَّة من تأثير في قَبُول الأعمال واشتراط الإخلاص؛ لقوله تعالى: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ [2581] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/328). .
12- بيان أنَّ تثبيتَ الإنسان لنفسه عند الصدقة ولعَمَلِه، واطمئنانه به من أسباب قَبُوله؛ لقوله تعالى: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لأنَّ الإنسان الذي لا يعمل إلَّا كارهًا فيه خَصْلة من خِصال المنافقين؛ كما قال تعالى: وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [2582] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/329). [التوبة: 54].
13- فضْلُ الإنفاق على وجه التثبيت من النَّفْس؛ لأنَّه يَندفِع بدافع نفسي؛ لا بتوصية من غيره، أو نصيحة؛ لقوله تعالى: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [2583] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/329). .

الفوائد العلمية واللَّطائف:


1- ضَرْب الأمثال؛ لأنَّ ذلك أقربُ إلى الفَهْم كما في قوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ...، وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ... [2584] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/309، 322). .
2- الإشارةُ إلى اشتراط مُوافَقة العمل للشَّرع؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ؛ لأنَّ فِي للظَّرفيَّة، والسبيل: بمعنى الطريق، وطريق الله: شَرْعه؛ والمعنى: أنَّ هذا الإنفاق لا يَخرُج عن شريعةِ الله؛ والإنفاق الذي يكون مُوافِقًا للشَّرع هو ما ذَكَره بقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [2585] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/310). [الفرقان: 67].
3- إثبات المِلكيَّة للإنسان؛ لقوله تعالى: أَمْوَالَهُمْ؛ فإنَّ الإضافة هنا تُفيد المَلكيَّة [2586] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/311). .
4- إثبات الصِّفات الفعليَّة- التي تتعلَّق بمشيئة الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: يُضَاعِفُ؛ و(المُضَاعَفَةُ) فِعْل [2587] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/311). .
5- أنَّ الله له السُّلطانُ المطلَق في خَلْقه؛ ولا أحد يَعترِض عليه؛ لقوله تعالى: يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [2588] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/312). .
6- إنَّما كان المنُّ بالصَّدقة مُفسِدًا لها؛ لأنَّ المِنَّةَ لله تعالى وحده، والإحسانُ كلُّه لله، فالعبد لا يَمُنُّ بنعمة الله وإحسانه وفضْله وهو ليس منه، وأيضًا فإنَّ المانَّ مستعبِدٌ لمن يمنُّ عليه، والذُّل والاستعباد لا ينبغي إلَّا لله عزَّ وجلَّ [2589] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 113). .
7- قوله: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ: خصَّ الصَّدقةَ بالنِّهي إذ كان المنُّ فيها أعظمَ وأشنعَ [2590] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/662). .
8- إثباتُ كون القياس دليلًا صحيحًا؛ وَجْه ذلك: التمثيل، والتَّشْبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنَّه دليل على القياس؛ لأنَّ المقصود به نَقْل حُكْم هذا المُشبَّه به إلى المُشبَّه، وهذه قاعدة [2591] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/323، 329). .
9- الإشارة إلى تَحسُّر الذين يُنفِقون أموالَهم رياءً عند احتياجهم إلى العمل، وعَجْزهم عنه؛ لقوله تعالى: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا؛ وعجز الإنسانِ عن الشيء بعد محاولة القُدْرة عليه- أشدُّ حسرةً من عَدَمه بالكليَّة [2592] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/324). .
10- أنَّ المنافق كافِر؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2593] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/324). .
11- أنَّه لا إنفاقَ نافع إلَّا ما كان مملوكًا للإنسان؛ لقوله تعالى: أَمْوَالَهُمْ؛ فلو أَنْفَق مالَ غيره لم يُقْبَل منه إلا أن يكون بإذن من الشَّارع، أو المالك [2594] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/327). .
12- أنَّ الإنفاق لا يُفيد إلَّا إذا كان على وَفْق الشَّريعة؛ لقوله تعالى: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ [2595] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/328). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
في هذا التمثيل تصويرٌ للأضعاف كأنَّها حاضرةٌ بين يدَي الناظر [2596] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/310-311)، ((تفسير البيضاوي)) (1/157-158)، ((تفسير أبي السعود)) (1/257). .
وفي الآية من محاسن البلاغة: الإيجازُ بالحَذْف على طريقة الاحتِباك، حيث حذَف من كلِّ جُملةٍ ما دلَّ عليه في الجملة الأخرى، والتَّقدير: مَثَل الذين يُنفِقون ونفقتهم كمَثَل حبَّة وزارِعها، فذِكْر المنفِق أولًا دليلٌ على حذْف الزارع ثانيًا، وذِكْر الحَبَّة ثانيًا دليلٌ على حذْف النَّفقة أولًا [2597] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/310- 311)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/75-76)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/578-579). .
وهذا المثَل يتضمَّن التَّحريض على الإنفاق في سبيل الله، وشبَّه الإنفاق بالزَّرع؛ لأنَّ الزَّرع لا يَنقطِع [2598] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/652). .
وفيها حذفٌ إمَّا من جانب المشبَّه أو المشبَّه به؛ لتحصيل المناسَبة، أي: وتلك الحبَّة أُلقيتْ في الأرض، ثم أَنْبتتْ سَبْعَ سنابل، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ، أي: أنبتتْ ساقًا انشعب سَبْعَ شُعَبٍ، خرج من كلِّ شُعْبة سُنبلةٌ فيها مئة حبَّة، فصارت الحبَّة سبعَمئة حبَّة بمضاعفة الله لها، وهذا المَثَل أبلغُ في النفوس من ذِكْر عدد السَّبعمئة؛ فإنَّ هذا فيه إشارة إلى أنَّ الأعمال الصَّالحة يُنمِّيها الله عزَّ وجلَّ لأصحابها كما يُنمِّي الزَّرعَ لمَن بَذَره في الأرض الطَّيِّبة [2599] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/654)، ((تفسير القاسمي)) (2/201-202) .
وحذَف ذلك كلَّه إيجازًا؛ لظهور أنَّ الحبَّة لا تُنْبِت ذلك إلَّا كذلك، فهو مَن تشبيه المعقول بالمحسوس، والمشبَّه به هيئة معلومة، وجعَل أصلَ التمثيل في التضعيف حبَّة؛ لأنَّ تضعيفها مِن ذاتها لا بشيء يُزاد عليها، وحَسُن ذِكْر المضاعفة في حسنة الإنفاق في سبيل الله بأنْ يكونَ سبعمئة؛ لأنَّ المُضاعَفة تُنسَب إلى أصلٍ واحد [2600] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3 /41) .
2- قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ جُمْلة مُستأنِفة؛ جيء بها لبيان كيفيَّة الإنفاق الذي بيَّن فضْلَه بالتَّمثيل المذكور [2601] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/258). ، وأعاد الَّذِينَ؛ إظهارًا للاهتمام بهذه الصِّلة [2602] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/42). .
قوله: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا عبَّر بـ ثُمَّ [2603] (ثُمّ)-في الأصل -: تُشعِر بتراخي المعطوف بها عن المعطوف عليه في الزمان، وبُعْد ما بينهما، والزمخشريُّ يحملها على التفاوت في المراتِب والتباعُد بينهما، حيث لا يمكنه حملُها على التراخي في الزمان لسياق يأبى ذلك. كهذه الآية. والحاصل: أنَّها استعيرت من تباعُد الأزمنة لتباعُد المرتبة. ينظر ((تفسير الزمخشري - مع حاشية ابن المنير)) (1/336)، ((تفسير القاسمي)) (2/203). ؛ لإظهار التفاوت بين الإنفاق وبين ترْك المنِّ والأذى، ولإظهار عُلُوِّ رُتْبة المعطوف [2604] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/311-312)، ((تفسير الرازي)) (7/42)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/583)، ((تفسير أبي السعود)) (1/258)، ((تفسير القاسمي)) (2/203-204)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/405). . ويُحتَمَل أنْ تكون ثُمَّ للدَّلالة على دوام الفِعل المعطوف بها، وإرخاء الطول في استصحابِه [2605] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/203-204). .
مَنًّا وَلَا أَذًى إنَّما قدَّم المنَّ لكَثْرة وقوعه، وتوسيط كلمة لَا؛ للدَّلالة على شُمول النَّفي؛ لإتْبَاع كلِّ واحد منهما [2606] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/258). .
في قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أُخرج المبتدأ والخبر فيهما مَخرَج الشيء الثَّابت المُستَقِر الذي لا يكاد خبرُه يحتاج إلى تعليقِ استحقاقٍ بوقوع ما قبله، بخلاف ما إذا دخلتِ الفاءُ؛ فإنَّها مُشْعِرةٌ بترتُّب الخبر على المبتدأ، واستِحقاقه به [2607] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/659)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/582-583). .
وتَخْلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببيَّة ما قبلها لِمَا بعدها؛ للإيذان بأنَّ ترتيب الأجرِ على ما ذُكِر من الإنفاق، وتَرْك إتباعِ الصَّدقة بالمنِّ والأذى - أَمرٌ بيِّنٌ لا يحتاج إلى التَّصريح بالسَّببيَّة [2608] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/203-204). .
- في قوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا...: تكرير لا تنبيه على أنَّ انتفاءَ كلٍّ منهما شَرْطٌ لحصول الأجر لَهُمْ، ولم يَقْرِنْه بالفاء؛ إعلامًا بأنَّه ابتداءُ عطاء مِن الله؛ تفخيمًا لمقداره وتعظيمًا لشأنه، حيث لم يجعله مسبَّبًا عن إنفاقهم [2609] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/77). .
3- قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
تنكير قَوْلٌ مَعْرُوفٌ للتَّقليل، أي: أَقَلُّ قول معروف خيرٌ مِن صدقة يَتْبَعُها أذًى، والمراد به القولُ الحسن، وهو ضدُّ الأذى [2610] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/47). .
في قوله: يَتْبَعُهَا أَذًى؛لم يُعِد ذِكْرَ المنِّ فيقول: يَتْبَعُها منٌّ وأذى؛ لأنَّ الأذى يشمل المنَّ وغيره، وإنما ذُكِر بالتنصيص في قوله: لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى؛ لكثرة وقوعه من المُتصدِّقين، وعُسْر تَحفُّظهم منه؛ ولذلك قُدِّم على الأذى [2611] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (585) .
4- قول الله سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فيه تعريض بأنَّ الرياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفَّار، ولا بُدَّ للمؤمن أنْ يتجنَّبها [2612] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/204-205). .
وفيه من بلاغة القرآن: النَّهي عن المنِّ، والأذى بالصَّدقة بهذه الصِّيغة التي تُوجِب النُّفور؛ وهي: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ، فإنَّها أشدُّ وقعًا مِن (لا تَمنُّوا، ولا تُؤذوا بالصَّدقة) [2613] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/321). . ولأنَّه لَمَّا كانت النُّفوس مُولَعةً بذِكْر ما يَصدُر عنها من الإحسان للتمدُّح والفَخْر، وكان ذلك مطيَّة الرِّياء، وطريق المنِّ والإيذاء، لا سيما إذا آنس المتصدِّق تقصيرًا في شُكْره على صدقتِه أو احتقارًا لها، فإنَّه لا يكاد يَملِك حينئذ نفسَه ويَكُفُّها عن المنِّ أو الأذى-كان مِن الهُدى القويم ومقتضى البَلاغة أن يُؤتَى في النَّهي عن المنِّ والأذى والرِّياء بعبارات مختلفة؛ لأجل التأثير في التنفير عن ذلك، والحَمْل على تَرْكه [2614] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (3/54). .
قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ الكاف في قوله: كَالَّذِي فيه قولان الأول: أنَّه مُتعلِّق بمحذوف، والتَّقدير: لا تُبْطِلوا صدقاتِكم بالمنِّ والأذى كإبطال الذي يُنفِق مالَه رئاء الناس، فبيَّن تعالى أنَّ المنَّ والأذى يُبطِلان الصَّدقة، كما أنَّ النِّفاق والرِّياء يُبطِلانها. والقول الثاني: أنْ يكون الكاف في محل النَّصب على الحال، أي: لا تُبطِلوا صدقاتِكم مماثِلِين الذي يُنفِق مالَه رئاء الناس [2615] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/46-47). .
قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ الغرض مِن هذا التَّشبيه تَفظيعُ المشبَّه به [2616] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/48-49). .
قوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا فيه تشبيه تمثيليٌّ، فقد شبَّه إنفاقَ الأموال رئاء الناس بالتُّرابِ الذي يُوضَع على الصَّخر الأملس، يأتي عليه الوابلُ من المطر، فيَذْروه ويَذْهب به، ولا يترك له أثرًا. فأذهب عائدَ نفقته كما أذهب بَذْرَ الحارثِ على الصَّفوانِ وابلُ المطرِ، الذي شأنه أن يُصلِح البَذْرَ، هذا على القول بأنَّ الضمير في قوله: فَمَثَلُهُ عائد على كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ؛ لقُرْبه منه ولإفراده، فهو مثل، وتَشْبيه للمُنافِق يُري النَّاسَ أنَّ له أعمالًا كما يُرى التُّرابُ على هذا الصَّفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّت وبطَلتْ، كما أذهب الوابلُ ما كان على الصَّفوان من التراب.
ويحتمل أن يكون الضَّمير في: فَمَثَلُهُ عائدًا على المانِّ المؤذي، فيكون شُبِّه بشيئين: أحدهما: بالذي يُنفِق مالَه رئاء النَّاس، والثاني: بصَفوان عليه تُراب، ويكون قد عدَل من خِطاب إلى غَيبة، ومن جمْع إلى إفراد، فيكون فيه التفات [2617] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (7/43-44)، ((تفسير أبي حيان))، (2/663-664)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/586)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/80-81)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/48-49)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/411). .
في قوله: صَفْوَانٍ عبَّر بصيغة (فَعْلان) للمُبالغة في وصْف الحجارة المُلْس الصُّلبة، التي لا تَقبَل انصداعَها بالنَّبات [2618] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/79). .
قوله: وَاللهُ لًا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ تذييل مُقرِّر ومؤكِّد لمضمون ما قبْلَه [2619] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/259)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/50). ، وهي خبرٌ فيه تعريضٌ بأنَّ الرِّئاء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صِفات الكفَّار، ولا بدَّ للمؤمن أن يتجنَّب عنها [2620] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/158)، ((تفسير أبي السعود)) (1/259)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/50). .
5- قوله:وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ... خبرٌ مرادُه التَّحريضُ على تكرير الإنفاق [2621] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/51-52). .
وفيه تَشْبيه تَمثيليٌّ، جاءت صُور التشبيه فيه مِن مُتعدِّد؛ فقد شبَّه إنفاقَ الأموالِ الخالصَ من الرِّياء في سبيل الله، وابتغاء مَرضاتِه، بالبُستانِ الوريف الظِّلال، فوق رَبوةٍ عالية، يَكْفيها القليلُ من المطر؛ لتَرْبوَ وتَهتزّ،َ وتَمرُع وتَخصَب [2622] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/670)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/411). .
ووَجْه الشَّبه هو الهيئة الحاصِلة من مجموع أشياء تَكامَل بها تضعيفُ المنفعةِ، والهيئة المُشبَّهة هي النَّفقة التي حُفَّ بها طَلَبُ رِضا الله والتصديق بوعده، فضُوعِفت أضعافًا كثيرة، أو دونها في الكَثْرة، والهيئة المُشبَّهة بها هي هيأة الجنَّة الطَّيِّبة المكان التي جاءها المطر، فزكا ثَمرُها وتَزايد، فأكملتِ الثمرةَ، أو أصابها طَلٌّ فكانت دون ذلك، وقد حصل من تَمثيلِ حالِ الذين يُنفِقون أموالَهم في سبيل الله بحَبَّة ثم بجنَّة، جِناسٌ مُصحَّف [2623] الجناس المصحَّف مِن أنواع الجناس، ويسمى أيضًا جناس الخط: وهو تشابُه اللفظين في الكتابة مع الاختلاف في نقط الحروف، مثل: جنة وحبة، و(يَسْقي) و(يشفي) في قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 79، 80]. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (5/1757)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (2/497). بين (حبة وجنة) [2624] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/52). .
تخصيص الْجَنَّة بأنَّها في رَبوة؛ لأنَّ أشجار الرُّبى تكون أحسن منظرًا، وأزكى ثمرًا، فكان لهذا القيد فائدتان: إحداهما: قوة وَجْه الشَّبَه كما أفاده قول ضِعْفين، والثانية: تَحسين المُشبَّه به، الراجع إلى تحسين المُشبَّه في تَخيُّل السامع [2625] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/313)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/52). .
وقوله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ فيه من البلاغة وحُسُن التَّعليم: تبيينُ المعقول بالمحسوس؛ وهذا لأنَّه يُقرِّب المعقولَ إلى أذهان النَّاس [2626] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/329). .
عطف قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ على قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ؛ لزِيادة بيان ما بين المرتَبتَين من البَون، وتأكيدًا للثَّناء على المنفقين بإخلاص، وتَفنُّنًا في التَّمثيل؛ فإنَّه قد مثَّله فيما سلف بحَبَّة أنبتت سبع سَنابل، ومثَّله فيما سلف تمثيلًا غير كثير الترَّكيب؛ لتَحصُل السرعةُ بتخيُّل مضاعفة الثَّواب، فلَمَّا مُثِّل حالَ المنفِق رئاءً بالتَّمثيل الذي مضى، أُعيد تمثيلُ حال المنفِق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حُسْن التخيُّل؛ فإنَّ الأمثال تُبهِج السَّامع كلَّما كانت أكثرَ تركيبًا. وضُمِّنتِ الهيأة المشبَّه بها أحوالًا حَسَنة تُكسِبها حُسْنًا؛ ليَسْري ذلك التحسينُ إلى المُشبَّه، وهذا من جملة مقاصد التَّشبيه [2627] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/50). .
قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ... فيه إيجاز بالحَذْف؛ إذ لا بدَّ من تقدير مُضاف هنا كما تَقدَّم: إمَّا مِن جانب المُشبَّه أو المُشبَّه به، أي: ومَثَل نفقةِ الذين إلخ، أو كمَثَل غارِس جَنَّة... إلخ؛ رعاية للتَّناسُب [2628] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/205-206). .
وفي التَّشبيه وجهان: أحدهما أنَّه مُركَّب، والتَّشبيه لحال النَّفقة بحال الجنَّة بالرَّبوة في كونها زاكية مُتكثِّرة المنافع عند الله كيفما كانت الحال [2629] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/205-206). ، والثاني: أنَّ تشبيهَ حالهم بحال الجنَّة على الرَّبوة في أنَّ نَفقتهم- كَثُرتْ أو قلَّت- زاكية زائدة في حُسْن حالهم [2630] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/205-206). .
كما أنَّ الجنَّة يُضعِّف أُكلَها قويُّ المطرِ وضعيفُه، وهذا أيضًا تشبيه مُركَّب، إلَّا أنَّه لُوحظ الشَّبه فيما بين المفردات، وحاصله: أنَّ حالهم في اتِّباع القِلَّة والكثرة: تضعيف الأجر، كحال الجنَّة في إنتاج الوابل والطَّلِّ: تضعيف ثِمارها [2631] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/205-206). .
لَمَّا ضرب مَثَلَ مَن أنفق مالَه رئاء النَّاس وهو غير مؤمن، ذكَر ضدَّه بتمثيل محسوس للذِّهن وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ، حتى يتصوَّر السامعُ تفاوتَ ما بين الضِّدين، وهذا مِن بديع أساليب فصاحة القرآن. ولَمَّا وصَف صاحبَ النَّفقة بوصفين، قابَل ذلك هنا بوصفين، فقوله: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ مُقَابِلٌ لقوله: رِئاء النَّاس [2632] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/665-666). وقوله: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مُقابِل لقوله: وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ لأنَّ المُراد بالتَّثبيت تَوطين النَّفْس على المحافظة عليه وتَرْك ما يُفسِده، ولا يكون إلَّا عن يقين بالآخرة [2633] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/665-666). .
6- قوله: ضِعْفَيْنِ يحتمل أنْ يكون ممَّا لا يُزاد به شَفْع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يُقصَد به التَّكثير، وكأنَّه قيل: فآتت أُكلَها ضِعْفين، ضِعفًا بعد ضِعف، أي: أضعافًا كثيرة، وهذا أبلغُ في التَّشبيه للنَّفقة بالجنَّة؛ لأنَّ الحسنة لا يكون لها ثوابُ حسنتينِ، بل جاء: تُضاعَف أضعافًا كثيرة، وعَشْرَ أمثالِها، وسبعمئة وأزيد [2634] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/669). .
7- قوله: تَعْلَمُونَ فيه التفاتٌ من الغَيبة إلى الخِطاب الباعِث على فِعلِ الإنفاق الخالِص لوجه الله، والزَّاجِر عن الرِّياء والسُّمعة [2635] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/671)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/592)-وهذا على قراءة الجمهور بتاء الخطاب. .