موسوعة التفسير

سورةُ الفُرقانِ
الآيات (63-67)

ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ

غريب الكلمات:


هَوْنًا: أي: بالرِّفْقِ والسَّكينةِ والوَقارِ، وأصلُ (هون): يدُلُّ على سُكونٍ أو سَكينةٍ أو ذُلٍّ [934] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 315)، ((تفسير ابن جرير)) (9/412) و(17/489)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 494)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/21)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 265)، ((تفسير القرطبي)) (13/69)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 964). .
سَلَامًا: أي: سَدادًا مِن القَولِ ومَعروفًا، وأصلُ (سلم): يدُلُّ على صِحَّةٍ وعافيةٍ [935] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 315)، ((تفسير ابن جرير)) (17/493)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/90)، ((المفردات)) للراغب (ص: 422)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 265). .
غَرَامًا: أي: دائِمًا لازِمًا، وأصلُ (غرم): يدُلُّ على مُلازَمةٍ [936] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 315)، ((تفسير ابن جرير)) (17/495)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 351)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/419)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 265). .
وَمُقَامًا: أي: إقامةً، ويُعبَّرُ بالإقامةِ عن الدَّوامِ، وأصلُ (قوم): يدُلُّ على انتِصابٍ أو عَزمٍ [937] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/496)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 693). .
يَقْتُرُوا: يُضَيِّقوا ويَبخَلوا، والقَتْرُ: تقليلُ النَّفَقةِ، وأصلُ (قتر): يدُلُّ على تجميعٍ وتَضييقٍ [938] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/497)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/55)، ((المفردات)) للراغب (ص: 655)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 265)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 158). .
قَوَامًا: أي: وسَطًا وعَدلًا، والقَوامُ هو الشَّيءُ بينَ الشَّيئيْنِ [939] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/503، 504)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 265)، ((تفسير القرطبي)) (13/74)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 728). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى مبيِّنًا صفاتِ عِبادِه المؤمنينَ: وعِبادُ الرَّحمنِ هم الذين يَمشونَ على الأرضِ بسَكينةٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وإذا خاطَبَهم السُّفَهاءُ بالسَّيِّئِ مِن القَولِ لم يُقابِلوهم بالمِثْلِ، بل قابَلوهم بالقَولِ الطيِّب،ِ وهم الذين يُصَلُّون لله في اللَّيلِ ساجِدينَ وقائِمينَ، والذين يقولونَ خَوفًا مِن عِقابِ رَبِّهم: ربَّنا أبعِدْ عنَّا عذابَ جهنَّمَ؛ إنَّ عذابَها كان مُهلِكًا ومُلازِمًا لأهلِ النَّارِ لا يُفارِقُهم، إنَّها قَبُحَت مَنزِلًا ومُقامًا لِمن يُقيمُ فيها.
 والذين إذا أنفَقوا لم يُبذِّروا ولم يُضيِّقوا ويَبخَلوا، وكان إنفاقُهم وسَطًا بيْن الإسرافِ والتَّقتيرِ.

تفسير الآيات:


وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تجاهَلَ المشرِكون الرحمنَ، واستكبَروا عن السجودِ له؛ عَرَّفَهم القرآنُ بالرحمنِ: بخَلْقِه، وتدبيرِه وإنعامِه -كما مضى في الآياتِ المتقدمةِ- ثم عَرَّفَهم بعِبادِه الذين عَرَفوه بذلك فآمنوا به وخضَعوا له، بما اشتملتْ عليه هذه الآياتُ مِن صفاتِهم، وكما كانت مخلوقاتُ الله المذكورةُ سابقًا دالَّةً عليه، ومعَرِّفةً به، بما فيها مِن آثارِ قدرتِه وآثارِ رحمتِه، كذلك كان عِبادُه المذكورون أدِلَّةً عليه ومعَرِّفين به؛ بأقوالهم وأفعالِهم، وهَديِهم وسلوكِهم، ومَظاهِرِ آثارِ رحمةِ الله عليهم، فذكَروا بعْدَ ذلك تلك المخلوقاتِ، وذُكِرت هي قبلَهم؛ لأنها كانت أدِلَّةً لهم، والدليلُ سابقٌ على المستدِلِّ سَبْقَ المُستفادِ منه على المستفيدِ [940] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 192). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ سبحانه التذكُّرَ والشُّكرَ في اللَّيلِ والنهارِ في الآيةِ المتقدِّمةِ؛ ذَكَرَ صفاتِ المتذكِّرينَ الشاكرينَ، وما أثمَرَه لهم تَذكُّرُهم وشُكرُهم؛ ترغيبًا في التذكُّرِ والشُّكرِ [941] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 193). .
وأيضًا لَمَّا وَصَفَ الله سُبحانه الكُفَّارَ في هذه السُّورةِ بما وَصَفَهم به مِن الفَظاظةِ والغِلظةِ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعداوتِهم له، ومُظاهَرتِهم على خالِقِهم، ونحوِ ذلك مِن جلافتِهم، وخَتَمَ بالتذكُّرِ والشُّكرِ، وكان التقديرُ: فعِبَادُ الشَّيطانِ لا يتذكَّرون ولا يشكُرون؛ لِما لهم مِن القسوةِ- عَطَفَ على هذا المُقَدَّرِ أضْدادَهم، واصفًا لهم بأضْدادِ أوصافِهم، مُبَشِّرًا لهم بضِدِّ جزائِهم، فقال تعالى [942] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/420). :
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
أي: وعِبادُ الرَّحمنِ هم الذين يَمشون بحِلْمٍ وسَكينةٍ، ووَقارٍ وتواضُعٍ، ورِفقٍ ولينٍ، مِن غَيرِ مَرَحٍ وتكبُّرٍ وتجبُّرٍ، وسَعيٍ للإفسادِ وارتكابِ المعاصي [943] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/489)، ((تفسير ابن عطية)) (4/218)، ((تفسير القرطبي)) (13/68)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/565)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/310)، ((تفسير ابن كثير)) (6/121)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/68). قال ابن كثير: (المرادُ بالهَونِ هاهنا السَّكينةُ والوقارُ، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا أتيتُمُ الصَّلاةَ فلا تأتُوها وأنتم تَسْعَونَ، وأْتُوها وعليكم السَّكينةُ، فما أدركتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا»[البخاري (635)، ومسلم (603)]). ((تفسير ابن كثير)) (6/121، 122). ويُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/161). وقال ابنُ جُزي: (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، أي: رِفقًا ولِينًا بحِلمٍ ووقارٍ، ويحتمِلُ أن يكون ذلك وَصْفَ مَشيِهم على الأرضِ، أو وصْفَ أخلاقِهم في جميعِ أحوالِهم، وعبَّرَ بالمَشيِ على الأرضِ عن جميعِ تصَرُّفِهم مدَّةَ حياتِهم). ((تفسير ابن جزي)) (2/86). وقال ابن عاشور: (ظاهِرُ قَولِه يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا أنَّه مدحٌ لمِشْيةٍ بالأرجُلِ، وهو الذي حمَل عليه جمهورُ المفسِّرينَ... [و] تقييدُ المشيِ بأنَّه على الأرضِ؛ لِيَكونَ في وَصفِه بالهَونِ ما يقتضي أنَّهم يَمشون كذلك اختيارًا، وليس ذلك عندَ المشيِ في الصُّعُداتِ أو على الجنادِلِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/68). وقيل: إنَّ قولَه: يَمْشُونَ عبارةٌ عن تصرُّفاتِهم في معاشرةِ النَّاسِ، وأنَّه ذكَر مِن ذلك المعظمَ، لاسيَّما وفي ذلك الانتقالِ في الأرضِ معاشرةُ الناسِ وخلطتُهم. وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ عطية، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/218)، ((تفسير القرطبي)) (13/68). وقال ابن عثيمين: (ثمَّ إنَّ هذا المَشيَ، هل هو المشيُ الحِسِّيُّ، أو يعُمُّ المشيَ الحسِّيَّ والمعنويَّ؟ الجوابُ: يَعُمُّهما جميعًا، حتَّى المشيَ المعنويَّ؛ بدليلِ قولِه عزَّ وجلَّ: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وهذا مِن هَونِ المشيِ المعنويِّ؛ أنَّهم إذا خاطَبَهم الجاهلون لا يتسَرَّعون فيقابلونَه بمِثلِ جَهلِه، ولكِنَّهم يقولون: سلامًا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 271). .
كما قال تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء: 37].
وقال سُبحانَه: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [لقمان: 18، 19].
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
أنَّها بيانٌ لحالِ عِبادِ الرحمنِ في المُعامَلةِ مع غَيرِهم إِثْرَ بَيانِ حالِهم في أنفُسِهم [944] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/228). .
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
أي: وإذا خاطَبَ السُّفَهاءُ عِبادَ الرَّحمنِ بما يَكرَهونَه، أجابوهم بقَولٍ سَدادٍ وصَوابٍ، ويَعفُون عنهم ويَصفَحون، فيَسْلَمون مِن الإثمِ، ومِن مُقابَلةِ جَهلِهم بالإساءةِ إليهم، ومِن تطاوُلِهم في أذيَّتِهم [945] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/493)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/74)، ((تفسير القرطبي)) (13/69)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/158)، ((تفسير ابن كثير)) (6/122)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 271). قال ابنُ باديس: (سَلَامًا ... مفعولٌ مطلقٌ، والتقديرُ: قالوا قولًا سلامًا، أي: ذا سلامٍ، فيشملُ كلَّ قولٍ فيه سلامةٌ مِن الأذَى والمكروهِ؛ كسلام عليكم، ويغفرُ الله لكم، وسامحكم الله، ونحو ذلك. أو... مفعولٌ به، أي: قالوا هذا اللفظَ سَلَامًا نفْسَه). ((تفسير ابن باديس)) (ص: 195). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المعنى: رَدُّوا معروفًا، وأجابوا بالسَّدادِ مِن الخِطابِ، ولم يقولوا إلَّا خيرًا: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ جرير، والسمرقنديُّ، والواحديُّ، وابنُ جُزي، والنسفيُّ، والخازنُ، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/240)، ((تفسير ابن جرير)) (17/493)، ((تفسير السمرقندي)) (2/544)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 783)، ((تفسير ابن جزي)) (2/86)، ((تفسير النسفي)) (2/547)، ((تفسير الخازن)) (3/318)، ((تفسير ابن كثير)) (6/122). قال السعدي: (قَالُوا سَلَامًا أي: خاطَبوهم خِطابًا يَسْلَمون فيه مِنَ الإثمِ، ويَسلَمون مِن مُقابَلةِ الجاهلِ بجَهلِه. وهذا مدحٌ لهم بالحِلمِ الكثيرِ، ومُقابَلةِ المُسيءِ بالإحسانِ، والعفوِ عن الجاهلِ، ورَزانةِ العقلِ الذي أوصَلَهم إلى هذه الحالِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 586). وممَّن اختار أنَّهم قالُوا هذا اللَّفظَ -أي: سلامًا-: ابنُ عطية، والثعالبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/218)، ((تفسير الثعالبي)) (4/217). وقال القاسمي: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا أي: إذا خاطَبَهم السُّفهاءُ بالقولِ السَّيِّئِ لم يُقابِلوهم بمِثلِه، بل قالوا كلامًا فيه سلامٌ مِن الإيذاءِ والإثمِ؛ سواء كان بصيغةِ السلام، كقولهم: «سلامٌ عليكم»، أو غيرِها ممَّا فيه لُطفٌ في القولِ، أو عفوٌ أو صفحٌ، وكَظمٌ للغَيظِ). ((تفسير القاسمي)) (7/436). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ معنى سَلَامًا أي: تسلُّمًا منكم لا نُجاهِلُكم، ومُتاركةً لا خَيرَ بيْننا ولا شَرَّ: المُبَرِّدُ، والزجَّاجُ، والزمخشريُّ، وأبو السعود، والشربيني. يُنظر: ((المقتضب)) للمبرِّد (3/219)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/74)، ((تفسير الزمخشري)) (3/291)، ((تفسير أبي السعود)) (6/228)، ((تفسير الشربيني)) (2/672). وقال ابنُ عاشور: («السَّلامُ» يجوزُ أن يكونَ مصدرًا بمعنى السَّلامةِ، أي: لا خيرَ بيْننا ولا شرَّ؛ فنحن مُسلَّمون منكم. ويجوزُ أن يكونَ مرادًا به لفظُ التحيَّةِ، فيكونَ مُستعمَلًا في لازِمِه، وهو المتاركةُ؛ لأنَّ أصلَ استعمالِ لفظِ السَّلامِ في التحيَّةِ أنَّه يؤْذِنُ بالتأمينِ، أي: عدَمِ الإهاجةِ. والتأمينُ: أوَّلُ ما يَلقَى به المرءُ مَن يريدُ إكرامَه؛ فتكون الآيةُ في معنى قَولِه: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55]). ((تفسير ابن عاشور)) (19/69). .
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر سُبحانَه وصْفَهم بالنَّهارِ مِن وَجهَينِ؛ أحدُهما: ترْكُ الإيذاءِ، بقَولِه: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، والثَّاني: تحمُّلُ الإيذاءِ، بقولِه: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا؛ شرَحَ صِفتَهم في اللَّيلِ [946] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (14/564). .
وأيضًا لَمَّا ذَكَرَ سُبحانه فيما تقدَّمَ سلوكَهم مع الخَلقِ؛ ذَكَر في هذه الآيةِ سلوكَهم في القيامِ بعبادةِ الحقِّ، وفيما تَقَدَّمَ بيانُ حالِهم عندَ اختلاطِهم بالعِبادِ، وفي هذه بيانُ حالِهم عندَ تَفرُّدِهم لربِّ العبادِ [947] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 198). .
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا.
أي: وعِبادُ الرَّحمنِ هُمُ الذين يُصَلُّونَ في اللَّيلِ مُخلِصينَ لرَبِّهم، وهم في ذلك بيْنَ سُجودٍ وقِيامٍ [948] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/495)، ((تفسير ابن كثير)) (6/123)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/70). قال الزجاج: (كلُّ مَن أدركه اللَّيلُ فقد بات يبيتُ، نام أو لم ينَمْ... إنَّما المَبيتُ إدراكُ اللَّيلِ). ((معاني القرآن)) (4/75). .
كما قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة: 16].
وقال سُبحانَه: أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: 16 - 18].
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ سبحانه حُسنَ سلوكِهم مع الخَلقِ، واجتهادَهم في عبادةِ الحقِّ؛ ذَكَر خَوفَهم مِن ربِّهم، واعتمادَهم عليه في نجاتِهم، وعدَمَ اعتزازِهم بأعمالِهم، فهُم يَأتون ما يَأتون مِن مَحاسِنِ الأعمالِ، ولا يَعتمدون إلَّا على الكبيرِ المُتعالِ [949] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 200). .
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ.
أي: والذين يقولونَ خَوفًا وحَذَرًا مِن عَذابِ اللهِ: ربَّنا ادفَعْ عنَّا عذابَ جَهنَّمَ، بتَوفيقِنا للطَّاعاتِ، واجتِنابِ المعاصي، وتَكفيرِ السَّيِّئاتِ [950] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/495)، ((تفسير القرطبي)) (13/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/70). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج: 26 - 28].
إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا.
أي: إنَّ عذابَ جهنَّمَ مُلازِمٌ لأهلِ النَّارِ لا يُفارِقُهم، مُهلِكٌ لهم [951] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/80)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 315)، ((تفسير ابن جرير)) (17/495)، ((تفسير الزمخشري)) (3/292)، ((تفسير القرطبي)) (13/72)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/74). قال ابن الجوزي: (قولُه تعالى: كَانَ غَرَامًا فيه خمسةُ أقوالٍ تتقارَبُ معانيها: أحدُها: دائمًا،... والثاني: موجِعًا، رواه الضحَّاكُ عن ابنِ عبَّاسٍ. والثالث: مُلِحًّا، قاله ابنُ السائبِ، وقال ابنُ جُرَيج: لا يفارِقُ. والرابعُ: هلاكًا، قاله أبو عُبَيدة. والخامسُ: أنَّ الغَرامَ في اللُّغةِ: أشَدُّ العذابِ... قاله الزجَّاجُ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/327). ويُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/80)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/75). ممَّن اختار في الجملةِ أن غَرَامًا أي: ملازمًا كملازَمةِ الغَريمِ لغريمِه، مُلِحًّا، لازمًا، دائمًا، لا يفارِقُ صاحبَه: مقاتلُ بن سليمان، والسمرقنديُّ، والثعلبيُّ، والسمعانيُّ، وابنُ عطية، والقرطبيُّ، والبيضاويُّ، والسمين الحلبيُّ، وابنُ كثير، وجلالُ الدينِ المحليُّ، والسعديُّ، والشنقيطيُّ، وابنُ عثيمينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/240)، ((تفسير السمرقندي)) (2/545)، ((تفسير الثعلبي)) (7/146)، ((تفسير السمعاني)) (4/30)، ((تفسير ابن عطية)) (4/219)، ((تفسير القرطبي)) (13/72)، ((تفسير البيضاوي)) (4/130)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/499)، ((تفسير ابن كثير)) (6/123)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/74)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 276). وممَّن اختار أنَّ غَرَامًا أي: هلاكًا وخسرانًا مُلِحًّا لازمًا: الزمخشريُّ، والرازيُّ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/292)، ((تفسير الرازي)) (24/481). وقال ابن جرير: (غَرَامًا مُلِحًّا دائمًا لازمًا، غيرَ مفارقٍ مَن عُذِّب به مِن الكفَّارِ، ومُهلِكًا له). ((تفسير ابن جرير)) (17/495). قال ابن عاشور: (وجملة: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا يجوزُ أن تكونَ حكايةً مِن كلامِ القائلينَ، ويجوزُ أن تكونَ مِن كلامِ اللهِ تعالى مُعترضةً بيْن اسمَيِ الموصولِ. وعلى كلٍّ فهي تعليلٌ لسؤالِ صَرْفِ عذابِها عنهم. والغرامُ: الهلاكُ المُلِحُّ الدَّائِمُ، وغلَبَ إطلاقُه على الشرِّ المستمِرِّ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/71). .
كما قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة: 37].
وقال سُبحانَه: مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: 97].
وقال عزَّ وجلَّ: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان: 77].
إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا.
أي: إنَّ جَهنَّمَ قَبُحَت مَنزِلًا يَستقِرُّ فيه أهلُها، وبِئسَت موضِعَ إقامةٍ يَمكُثونَ فيها [952] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/496)، ((تفسير أبي حيان)) (8/128)، ((تفسير ابن كثير)) (6/123)، ((البحر المديد)) لابن عجيبة (4/116)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 200). قال أبو حيان: (والظَّاهرُ أن التَّعليلينِ غيرُ مترادفينِ؛ ذكرَ أوَّلًا لُزومَ عذابِها، وثانيًا مَساءةَ مكانِها، وهما متغايرانِ، وإن كان يلزمُ مِن لزومِ العذابِ في مكانٍ ذَمُّ ذلك المكانِ. وقيل: هما مترادِفان، والظَّاهِرُ أنَّه مِن كلامِ الداعينَ وحكايةٌ لقولِهم. وقيل: هو مِن كلامِ الله). ((تفسير أبي حيان)) (8/128). وقال ابن عاشور: (جملة: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا يجوزُ أن تكونَ حِكايةً لكلامِ القائلينَ؛ فتكونَ تعليلًا ثانيًا مؤكِّدًا لتعليلِهم الأوَّلِ، وأن تكونَ مِن جانب الله تعالى دونَ التي قبْلَها؛ فتكونَ تأييدًا لتعليلِ القائلينَ، وأن تكونَ مِن كلامِ الله مع التي قبْلَها؛ فتكونَ تكريرًا للاعتراضِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/71). ويُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/500)، ((تفسير أبي السعود)) (6/229). .
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ تعالى أفعالَهم وأقوالَهم؛ أتبَعَ ذلك بذِكرِ إنفاقِهم [953] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/673). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ سُبحانَه أفعالَهم وأقوالَهم فيما بيْنهم وبيْن الخلْقِ والخالقِ؛ ذكَرَ أحوالَهم في أموالهم نظرًا إلى قول الكفرةِ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ [الفرقان: 8]، وهدايةً إلى طريق الغنى؛ لأنَّه ما عالَ مَنِ اقتصدَ، فقال [954] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/423). :
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا.
أي: والذين إذا أنفَقوا أموالَهم على أنفُسِهم وأهليهم وغَيرِهم، لم يُجاوِزوا الحَدَّ في إنفاقِها فيُبَذِّروا، ولم يُقصِّروا في النَّفَقةِ عن قَدرِ الحاجةِ فيَبخَلوا [955] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/497، 501)، ((تفسير ابن عطية)) (4/220)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/133، 134)، ((تفسير ابن كثير)) (6/123، 124)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/71)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/75، 76). قال ابن عطية: (الوجهُ أن يُقالَ: إنَّ النَّفَقةَ في المعصيةِ أمرٌ قد حظَرت الشريعةُ قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مالِ الغيرِ، وهؤلاء الموصوفون منزَّهون عن ذلك، وإنَّما التأديبُ بهذه الآيةِ هو في نفقةِ الطاعاتِ وفي المباحات، فأدَبُ الشَّرعِ فيها ألَّا يُفَرِّطَ الإنسانُ حتى يضيِّعَ حَقًّا آخَرَ أو عيالًا ونحوَ هذا، وألَّا يضَيِّقَ أيضًا ويقتِّرَ حتى يُجيعَ العيال، ويُفرِطَ في الشُّحِّ). ((تفسير ابن عطية)) (4/220). وقال السعدي: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا النفقاتِ الواجبةَ والمستحبَّةَ لَمْ يُسْرِفُوا بأن يَزيدوا على الحدِّ فيَدخلوا في قسمِ التبذيرِ، وإهمالِ الحقوقِ الواجبةِ، وَلَمْ يَقْتُرُوا فيدخلوا في بابِ البخلِ والشُّحِّ). ((تفسير السعدي)) (ص: 586). وقال ابن عاشور: (أُريدَ بالإنفاقِ هنا الإنفاقُ غيرُ الواجبِ، وذلك إنفاقُ المرءِ على أهلِ بيتِه وأصحابِه؛ لأنَّ الإنفاقَ الواجِبَ لا يُذَمُّ الإسرافُ فيه، والإنفاقَ الحرامَ لا يُحمَدُ مُطلقًا بَلْهَ أن يُذَمَّ الإقتارُ فيه، على أنَّ في قولِه: إِذَا أَنْفَقُوا إشعارًا بأنَّهم اختاروا أن يُنفِقوا ولم يكُنْ واجِبًا عليهم. والإسرافُ: تجاوُزُ الحَدِّ الذي يقتضيه الإنفاقُ بحسَبِ حالِ المنفِقِ وحالِ المنفَقِ عليه). ((تفسير ابن عاشور)) (19/71). وقال الشنقيطي: (واعلَمْ أنَّ أظهَرَ الأقوالِ في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ اللهَ مدَحَ عبادَه الصالحينَ بتوسُّطِهم في إنفاقِهم، فلا يجاوِزون الحدَّ بالإسرافِ في الإنفاق، ولا يَقتُرون، أي: لا يُضَيِّقون فيَبخَلون بإنفاقِ القَدرِ اللازمِ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: الإسرافُ في الآيةِ: الإنفاقُ في الحرامِ والباطِلِ، والإقتارُ: منعُ الحقِّ الواجبِ. وهذا المعنى وإن كان حقًّا فالأظهرُ في الآيةِ هو القَولُ الأوَّلُ... والظَّاهِرُ أنَّ التوسُّطَ في الإنفاقِ الذي مدَحَهم به شامِلٌ لإنفاقِهم على أهليهم، وإنفاقِهم المالَ في أوجُه الخيرِ). ((أضواء البيان)) (6/75، 76). وذكَر ابنُ عثيمين أنَّ الإنفاقَ شامِلٌ للإنفاقِ على العيالِ والإنفاقِ في سبيلِ الله، وفي الزَّكَواتِ والصَّدَقات، والإنفاقِ في وجوهِ الخيرِ، وفي كُلِّ ما يكونُ إنفاقًا، قال: (لأنَّه لم يبيِّنِ المتعَلَّقَ، لم يقُلِ اللهُ: «أنفَقوا على عيالِهم»، بل أطلَق؛ فيشمَلُ كُلَّ ما أنفقوه؛ على العيالِ وعلى غيرِهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 279، 280). .
كما قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31].
وقال سُبحانَه: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء: 26، 27].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 29].
وعن عمَّارِ بنِ ياسرٍ رَضِيَ الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال في دعائه: ((وأسألُك القَصدَ [956] أي: الاقتِصادَ والتوسُّطَ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/1735). في الفَقرِ والغِنى)) [957] أخرجه النسائي (1305) واللفظ له، وأحمد (18325)، وابن حبَّان في ((صحيحه)) (1971). وثَّق رجالَ إسنادِه الشوكانيُّ في ((نيل الأوطار)) (2/333)، وصَحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن النسائي)) (1305). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((كُلوا واشرَبوا وتصَدَّقوا والبَسُوا، في غيرِ مَخِيلةٍ [958] مَخِيلةٍ: أي: كِبرٍ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/93). ، ولا سَرَفٍ)) [959] أخرجه البخاريُّ معلَّقًا بصيغة الجزم قبلَ حديث (5783)، وأخرجه موصولًا النَّسائيُّ (2559) واللفظ له، وابن ماجه (3605)، وأحمد (6695). حسَّنه ابنُ حجر في ((الأمالي المطلقة)) (32)، وصحَّحه الهيتميُّ المكِّيُّ في ((الزواجر)) (2/35)، والصنعانيُّ في ((سبل السلام)) (4/272). .
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا.
أي: وكان إنفاقُهم مُعتَدِلًا وسَطًا بيْنَ الإسرافِ والتَّقتيرِ [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/502 - 504)، ((تفسير ابن كثير)) (6/124)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/424)، ((تفسير السعدي)) (ص: 586)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/72)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/75، 76). قال ابنُ عطية: (القَوامُ، أي: المعتَدِلُ، والقَوامُ في كلِّ واحدٍ بحسَبِ عيالِه وحاِله، وخِفَّةِ ظَهرِه، وصَبرِه وجَلَدِه على الكَسبِ، أو ضِدِّ هذه الخصالِ، وخيرُ الأمورِ أوسَطُها). ((تفسير ابن عطية)) (4/220). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا قال: عَلَى الْأَرْضِ تذكيرًا بما هم منه وما يَصيرون إليه، وحثًّا على السَّعيِ في معالي الأخلاقِ للترَقِّي عنه [961] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/420). .
2- في قَولِه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا استِحبابُ الرِّفْقِ في المَشيِ، وكراهيةُ العُنفِ والاضْطِرابِ، ومِن العُنفِ الضَّربُ بالرِّجلِ والخَفقُ بالنَّعلِ، فإذا كانا بعُجْبٍ وخُيَلاءَ فهو حرامٌ [962] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 195). . والمَشيُ الهَونُ مخالِفٌ لمَشْيِ المتجبِّرينَ المُعجَبين بنفوسِهم وقوَّتِهم. وهذا الهَونُ ناشئٌ عن التواضُعِ لله تعالى، والتخَلُّقِ بآدابِ النفْسِ العاليةِ، وزوالِ بطَرِ أهلِ الجاهليَّةِ، فكانت هذه المِشيةُ مِن خلالِ الذين آمنوا على الضِّدِّ مِن مَشيِ أهلِ الجاهليَّةِ... والتخَلُّقُ بهذا الخُلقِ مَظهرٌ مِن مَظاهِرِ التخَلُّقِ بالرَّحمةِ المناسِبِ لعبادِ الرَّحمنِ؛ لأنَّ الرَّحمةَ ضِدُّ الشِّدَّةِ، فالهَونُ يناسِبُ ماهيَّتَها، وفيه سلامةٌ مِن صَدمِ المارِّينَ [963] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/68). .
3- قال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ليس مِن الهَونِ في المَشيِ التثاقُلُ والتماوُتُ فيه [964] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 195). ؛ تَصَنُّعًا ورياءً، فقد كان سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا مشَى كأنَّما يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ [965] أخرجه الترمذي (3637)، وأحمد (746) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ)، وصحَّح إسنادَه الحاكمُ في ((المستدرك)) (4194)، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (2/107)، وصحَّحه البَغَويُّ في ((شرح السنة)) (6/376)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3637)، وحسَّن الحديثَ لغيرِه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (746). وقوله: يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ أي: مِن مَوضِعٍ مُنحَدِرٍ، والمعنى: يمشي مشيًا قويًّا سريعًا. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/3)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (9/3704). ، وقد كَرِه بعضُ السَّلَفِ المشيَ بتَضعُّفٍ وتصَنُّعٍ، حتى رُوِيَ عن عُمَرَ أنَّه رأى شابًّا يَمشي رُوَيدًا، فقال: ما بالُك؟! أأنت مَريضٌ؟ قال: لا يا أميرَ المؤمِنينَ، فعلاه بالدِّرَّةِ، وأمَرَه أن يَمشيَ بقُوَّةٍ [966] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/121، 122). .
4- في قَولِه تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا الإغضاءُ عنِ الجاهلِ، ومُقابَلةُ كلمتِه السيِّئةِ بالكلامِ الحسنَِ، وكراهةُ مجاراتِه في خِطابِه ومُماثَلتِه، وإذا كان في ذلك فِتنةٌ أو مَفسَدةٌ محقَّقةٌ كان حرامًا [967] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 195). .
5- قال الله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا اشتمَلت الآيةُ على بيانِ الأدبِ في معاملةِ الجاهلينَ مِن أفرادِ النَّاسِ، سواءٌ أكانوا مسلمينَ أم غيرَهم، وما اشتملت عليه مِن الأدبِ قد جاء في آياتٍ كثيرةٍ، مِثلُ قَولِه تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199]، وقَولِه تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55]؛ فهو أدبٌ مشروعٌ مؤكَّدٌ، وحُكمٌ دائمٌ محكَمٌ، وهو في معاملاتِ الأفرادِ كما ترى، فلا ينافي ما شُرِعَ مِن الحربِ عندَ وجودِ أسبابِها، وتوفُّرِ شروطِها بينَ الأُمَمِ والجماعاتِ، وهي مِن الأمورِ العامَّةِ كما ترى [968] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 196). ثم قال بعد ذلك: (فبطَلَ قولُ مَن زعمَ أنَّ هذه الآيةَ بالنِّسبةِ لغيرِ المسلمِ مَنسوخةٌ بآيةِ السيفِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ ثابتٌ حُكمُها في حالٍ، وآيةَ السيفِ ثابتٌ حُكمُها في حالٍ أخرى؛ فلا تَنْسَخُ إحداهما الأخرى، وما أكثرَ ما قُتِلَتْ أحكامٌ بآيةِ السيفِ هذه، وهي عندَ التحقيقِ غيرُ معارِضةٍ لها؛ لمُبايَنةِ حالِها لحالِها). .
6- قَولُه تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا استُدِلَّ به على جَوازِ أنْ يُسَلَّمَ على الجاهلِ إذا كان كافرًا، كما قال إبراهيمُ لأبيه: سَلَامٌ عَلَيْكَ [مريم: 47]، وقد قال اللهُ تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ [الممتحنة: 4] ولم يَستثْنِ إلَّا قولَه لأبيه: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: 4]، وهو سلامُ مُوادَعةٍ ومُتارَكةٍ؛ لا سلامُ تحيَّةٍ وكرامةٍ [969] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 197). وذلك بِناءً على الوجهِ الثاني في الآيةِ، وهو أنَّه يقولُ للجاهلِ هذا اللَّفظَ نفْسَه سَلَامًا، على أنَّه مفعولٌ به. ويُنظر المصدر السابق أيضًا (ص: 195). قال ابنُ عثيمين: (وليس المرادُ سَلَامًا يعني: السلامُ عليكم، كما يظُنُّ بعضُ العامَّةِ؛ ولذلك تسلَّط الفعلُ عليها فنصَبها، ولو كان المرادُ بالسلامِ الجملةَ السلاميَّةَ لقال: «قالوا: سلامٌ»). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 272). وقال السمين: (ورَجَّح سيبويه أنَّ المرادَ بالسَّلام السَّلامةُ لا التسليمُ؛ لأنَّ المؤمنين لم يُؤْمَروا قَطُّ بالتسليمِ على الكفرة، وإنما أُمِروا بالمُسالَمةِ). ((الدر المصون)) (ص: 3716). ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
7- قال الله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا القولُ السَّلامُ مَحمودٌ ومطلوبٌ في كلِّ حالٍ، وإنما خُصَّتْ حالةُ الخِطابِ بالجاهلِ؛ لأنَّها الحالةُ التي تَثورُ فيها ثائِرةُ الغضَبِ بما يكونُ مِن سَفَهِه ومهاترتِه، فعلى المؤمنِ أن يكونَ حاضِرَ البالِ بهذه الآيةِ عندَما تسوقُ إليه الأقدارُ جاهلًا فيُخاطبُه بما لا يُرضيه؛ حتى يَسلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكسِرَ مِن شِرَّتِه، فيَسلَمَ له عِرْضُه ومروءتُه ودينُه، ويَسلَمَ ذلك الجاهلُ أيضًا مِن اللَّجاجِ في الشَّرِّ والتمادي فيه، فيكونُ المؤمِنُ بقولِه «السَّلام» وتأدُّبِه بأدبِ القرآنِ قد حَصَّلَ السَّلامةَ للجَميعِ [970] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 197). .
8- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا التَّحريضُ على قيامِ اللَّيلِ [971] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 198). .
9- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا المُرادُ مِن قولِهم ذلك: فزَعُهم منها، ووَجَلُهم الشديدُ المُستتبِعُ لِتَمسُّكِهم بالتَّقوى، واعتِصامِهم بالسَّببِ الأقوى، لا مجرَّدُ قلقلةِ اللِّسانِ، بلا تأثُّرٍ مِن الجَنانِ؛ فإنَّهم لم يَبتَهلوا إلى المولى ويَتعَوَّذوا به مِن سَعيرِها، إلَّا لعِلمِهم بسوءِ حالِها. ومُقتضى العلمِ بالشَّيءِ إيفاؤُه حقَّه، والعملُ بموجَبِه [972] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (7/437). .
10- قال الله تعالى: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا إنَّ جهنَّمَ هي أقبَحُ مُستقَرٍّ، وأقبَحُ مُقامٍ، وإنَّ الدنيا هي مَطيَّةُ الآخرةِ، فمَن ساء مُستقَرُّه ومُقامُه في الدنيا، ساء كذلك مُستقَرُّه ومُقامُه في الآخرةِ، وإنَّ مُلازَمةَ العذابِ في الآخرةِ على قَدْرِ مُلازمةِ المعاصي في الدُّنيا؛ فمَن لازَمَها بالكفرِ ومات عليه دامتْ له تلك الملازَمةُ، ومَن لازَمَها بالإصرارِ على الكبائرِ كانت له على حسَبِ تلك الملازمةِ؛ فعلى العاقلِ أن يُحسنَ مَقَرَّه ومُقامَه، وأن يَجتنبَ كلَّ موطنٍ تَلحَقُه فيه المَلامةُ، وأن يَجتنبَ مجالسَ السُّوءِ والبدعةِ، ويلازِمَ مجالسَ الطاعةِ والسُّنَّةِ، وأن يُسرعَ بالتوبةِ مفارِقًا الذنوبَ، وألَّا يُصِرَّ على شَيءٍ مِن القبائحِ والعُيوبِ، وأن يكونَ سريعَ الرُّجوعِ إلى اللهِ، ولو عَظُمَ ذَنبُه وبَلْواه؛ فاللهُ يحِبُّ التوَّابينَ، ويَغفِرُ للأوَّابينَ [973] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 201). .
11- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ذمُّ الإسرافِ والإقتارِ في النَّفَقةِ، ومدحُ التوسُّطِ [974] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 198). ، فلَمَّا كان المالُ هو أعزَّ شيءٍ في هذه الدنيا، وهو أعظَمُ سببٍ لِنَيلِ مُبتغياتِها؛ وُصِفوا بأنَّهم في تصرُّفاتِهم فيه على أكمَلِ حالٍ، وهي حالةُ العَدلِ التي أثمرَتْها لهم الصَّلاةُ؛ فلا يُمسِكونَه عن حقٍّ، ولا يَبذُلونَه في باطلٍ [975] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 216). ، وكان التوسُّطُ في الإنفاقِ هو حالَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان مُقتَصِدًا في حالِ فَقرِه وغِناهُ؛ فإن كان فقيرًا لم يقتِّرْ خوفًا مِن نَفادِ الرِّزقِ، ولم يُسرِفْ فيَحمِل ما لا طاقةَ له به، كما أدَّب اللهُ تعالى نبيَّه بذلك في قَولِه تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 29]، وإن كان غنيًّا لم يحمِلْه غِناهُ على السَّرَفِ والطُّغيانِ، بل يكونُ مقتَصِدًا أيضًا، وإن كان المؤمِنُ في حالِ غِناهُ يَزيدُ على نفَقتِه في حالِ فَقرِه، كما قال بعضُ السَّلَفِ: (إنَّ المؤمِنَ يأخُذُ عن الله أدبًا حَسَنًا؛ إذا وسَّع الله عليه وسَّعَ على نفْسِه، وإذا ضيَّقَ عليه ضَيَّق على نفْسِه، ثمَّ تلا قَولَه تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7]). لكِنْ يكونُ في حال غِناهُ مقتَصِدًا غيرَ مُسرِفٍ، كما يفعلَهُ أكثَرُ أهلِ الغنى الذين يُخرِجُهم الغِنى إلى الطُّغيانِ، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى [976] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/167، 168). [العلق: 6، 7].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا فأثنَى على عِبادِه بالإعراضِ عن الجاهلينَ ومُتارَكتِهم، وهذا ممَّا يدُلُّ على قُبحِ الجَهلِ عندَه عزَّ وجَلَّ، وبُغضِه للجَهلِ وأهلِه، وهو كذلك عندَ النَّاسِ؛ فإنَّ كُلَّ أحدٍ يتبرَّأُ منه، وإن كان فيه [977] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/53). .
2- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا بيانُ أنَّ هؤلاء يُطيلون القيامَ والسُّجودَ، فما دام بياتُهم على هذا الوَصفِ فمعناه أنَّهم يُطيلون القيامَ والسُّجودَ [978] يُنظر: ((اللقاء الشهري)) لابن عثيمين (اللقاء رقْم: 59). .
3- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا دليلٌ على أنَّ البيتوتةَ هو ضِدُّ الظُّلولِ بالنَّهارِ، لا أنَّه النومُ، وكيف يكونُ نومًا وهو يقولُ: «سُجَّدًا وقيامًا» [979] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/513) وسبَق نحوُه مِن كلامِ الزَّجَّاجِ. ؟!
4- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ زعَم قَومٌ أنَّ أكمَلَ أحوالِ العابدِ أن يعبُدَ اللهَ تعالى لا طمعًا في جنَّتِه، ولا خوفًا مِن نارِه! وهذه الآيةُ وغيرُها ردٌّ قاطعٌ عليهم، ومثلُها قولُ إبراهيمَ -عليه وعلى آلِه الصلاةُ والسلامُ: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: 82]، وفي نصوصٍ لا تُحصى كَثرةً، وزعموا أنَّ كمالَ التعظيمِ لله ينافيه أن تكونَ العبادةُ معها خوفٌ مِن عقابِه، أو طمَعٌ في ثوابِه! وأخطؤوا فيما زعموا؛ فإنَّ العبادةَ مَبْناها الخضوعُ والذُّلُّ والافتقارُ، والشعورُ بالحاجةِ والاضْطِرارِ، وإظهارُ العبدِ هذه العبوديةَ بأتمِّها، ومِن أتمِّ مَظهرٍ لها أن يخافَ ويطمَعَ، كما يذِلُّ ويخضَعُ؛ ففي إظهارِ كَمالِ نَقصِ العبوديَّةِ القيامُ بحَقِّ الإجلالِ والتعظيمِ للربوبيَّةِ؛ ولهذا كان الأنبياءُ -عليهم وآلِهم الصلاةُ والسلامُ- هم أشَدَّ الخلقِ تعظيمًا لله، وأكثَرُهم خوفًا مِن الله، وتعوُّذًا مِن عذابِ الله، وسؤالًا لِما عندَ الله، وكفَى بهم حُجَّةً وقدوةً!
وإنَّ هذه المقالةَ تكادُ تُفضي إلى طرحِ الرجاءِ والخَوفِ، وعليهما مبنى الأعمالِ؛ لِما فيهما مِن ظهورِ العبوديَّةِ بالذُّلِّ والاحتياجِ، ومِثلُ هذه المقالةِ إنما يجُرُّ إليها الغُلوُّ وقلَّةُ الفقهِ في الدينِ، وفي الكتابِ والسُّنةِ، وما كان عليه هَدْيُ السابقينَ الأوَّلينَ [980] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 201). .
5- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا دليلٌ على أنَّ الدُّعاءَ عبادةٌ يُثابُ عليه الدَّاعي، ألَا ترى أنَّ اللهَ تعالى جعَلَه في جملةِ ما مدَحَ به عِبادَه في هذا المدحِ؟! ويؤيِّدُه قولُه تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60]؛ فسَمَّاه عبادةً [981] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/514). .
6- هذه الآيةُ الكريمةُ -التي هي قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ... الآيةَ- بيَّنَت أحدَ رُكنَي ما يسمَّى الآنَ بالاقتِصادِ، وإيضاحُ ذلك أنَّه لا خِلافَ بيْن العُقَلاءِ أنَّ جميعَ مسائِلِ الاقتصادِ على كَثرتِها واختِلافِ أنواعِها راجِعةٌ بالتَّقسيمِ الأوَّلِ إلى أصلَينِ لا ثالثَ لهما؛ الأوَّلُ منهما: اكتِسابُ المال. والثَّاني منهما: صَرفُه في مَصارِفِه [982] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/76). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا
- قولُه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا كَلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لبيانِ أوصافِ خُلَّصِ عِبادِ الرَّحمنِ وأحوالِهمُ الدُّنيويَّةِ والأُخرويَّةِ بعْدَ بيانِ حالِ النَّافِرينَ عن عبادتِه والسُّجودِ له [983] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/228). . وقيل: إنَّه عطْفُ جُملةٍ على جملةٍ؛ فالجملةُ المعطوفةُ هي: (عِبَادُ الرَّحْمَنِ) إلخ، والجملةُ المَعطوفُ عليها جُملةُ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ... [الفرقان: 62]؛ فبِمُناسَبةِ ذِكرِ مَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ تُخُلِّصَ إلى خِصالِ المؤْمنينَ أتْباعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى تَستكمِلَ السُّورةُ أغراضَ التَّنويهِ بالقُرآنِ ومَن جاءَ به ومَنِ اتَّبَعوه. وهذا مِن أبدَعِ التَّخلُّصِ؛ إذْ كان مُفاجئًا للسَّامعِ، مُطمِعًا أنَّه استِطرادٌ عارِضٌ كسَوابقِه؛ حتَّى يُفاجِئَه ما يؤْذِنُ بالخِتامِ، وهو: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ... الآيةَ [984] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/66، 67). [الفرقان: 77].
- وقيل: وُصِلَتِ الجُملةُ بما قبْلَها بالواوِ؛ لاشتِراكِهما في القَصدِ، وهو التَّعريفُ بالرَّحمنِ وبعِبادِه [985] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 193، 194). .
- قولُه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ... أضافَهم إلى الرَّحمنِ؛ تَخصيصًا وتَشريفًا وتَفضيلًا وتَقريبًا، أو لأنَّهمُ الرَّاسِخونَ في عِبادتِه، على أنَّ (عِبَاد) جَمعُ عابدٍ، كتاجِرٍ وتِجَارٍ. وفيه تَعريضٌ بأُولِئكَ المُتجاهِلينَ المُتكبِّرينَ المُبعَدِينَ [986] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/291)، ((تفسير البيضاوي)) (4/130)، ((تفسير أبي حيان)) (8/125)، ((تفسير أبي السعود)) (6/228)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 194). . وأضافهم إلى وَصفِ الرَّحمةِ الأبلَغِ الذي أنكرَه أولئك؛ تبشيرًا لهم [987] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/420). ، وإشارةً إلى أنَّهم إنَّما وصَلوا إلى هذه الحالِ بسببِ رحمتِه [988] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 586). ، فعبادتُهم للهِ كانت مِن مقتضياتِ رحمتِه، ومِن ناحيةٍ أُخرَى أنَّهم يَرجونَ بهذه العبادةِ رحمةَ ربِّهم، لا يرجونَ بذلك دُنيا، ولا دفْعَ مَذمَّةٍ عنهم، وإنَّما يرجون بهذا رحمةَ الله [989] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 270). . ثمَّ وصفَهم بضِدِّ ما وَصَف به المتكبِّرين عن السُّجودِ؛ إشارةً إلى أنَّهم تخلَّقوا مِن هذه الصِّفةِ التي أُضيفوا إليها بأمرٍ كبيرٍ، فقال: الَّذِينَ يَمْشُونَ [990] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/420). .
- وأيضًا في تَعريفِ القرآنِ لعِبادِ الرَّحمنِ بعْدَ تَعريفِه بالرَّحمنِ: تَشريفٌ كَبيرٌ لهم، وتَبكيتٌ لأولئك المُتجاهِلين المُتكبِّرين [991] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 193). .
- قولُه: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا هَوْنًا حالٌ، أو صِفةٌ للمَشيِ، بمعنَى: هَيِّنِينَ. أو: مَشْيًا هَيِّنًا، إلَّا أنَّ في وضعِ المَصدرِ مَوضِعَ الصِّفةِ مُبالَغةً [992] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/291). .
- وإذا كان المرادُ مِن عِبادِ الرَّحمنِ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ كان الخَبرُ في قَولِه: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا إلى آخِرِ المَعطوفاتِ، وكان قَولُه الآتي: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان: 75] استِئنافًا لبَيانِ كَونِهم أَحْرياءَ بما بعْدَ اسمِ الإشارةِ. وإذا كان المرادُ مِن عِبادِ الرَّحمنِ جميعَ المؤْمنينَ المتَّصِفينَ بمَضمونِ تلك الصِّلاتِ؛ كانتْ تلك المَوصولاتُ وصِلاتُها نُعوتًا لـ عِبَادُ الرَّحْمَنِ، وكان الخبرُ اسمَ الإشارةِ في قَولِه: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [الفرقان: 75] إلخ [993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/66، 67). .
- قولُه: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا تركيبٌ كِنائيٌّ، أُرِيدَ به معناهُ، ولازِمُ معناهُ؛ فهم يَمْشُون هيِّنِينَ برِفْقٍ وتثبُّتٍ، لا يَضْرِبون بأقدامِهم ولا يَخفِقون بنِعالِهم أشَرًا وبطَرًا، هذا أصْلُ المعنى، وهو مُرادٌ. ومُرادٌ أيضًا لازِمُه؛ وهو: سُهولتُهم، وتواضُعُهم، وعدَمُ تكبُّرِهم، ورِفْقُهم في الأمورِ، وبُعدُهم عن الإفسادِ. ومُرادٌ لازمٌ آخَرُ أيضًا: وهو سَيْرُهم في الحياةِ، وتصرُّفُهم في جميعِ الأمورِ، ومُعامَلتُهم للنَّاسِ، فإذا كانوا أهْلَ رِفْقٍ وسُهولةٍ في مِشيَتِهم في الأرضِ، فكذلك هم أهْلُ رِفْقٍ وسُهولةٍ في الأمورِ الأخرى ممَّا ذكَرْنا؛ لأنَّ الرِّفقَ والسُّهولةَ خُلُقٌ فيهم، فكما هو في المشْيِ هو في غيرِه. وكانتِ الصِّلةُ بالمُضارِعِ؛ لِيُفِيدَ التَّجدُّدَ؛ فإنَّ المشْيَ في الأرضِ ضَروريٌّ للإنسانِ [994] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 194). .
- وفي الإطنابِ بصِفاتِهمُ الطَّيِّبةِ تَعريضٌ بأنَّ الَّذين أبَوُا السُّجودَ للرَّحمنِ وزادَهُم نُفورًا هُم على الضِّدِّ مِن تِلك المَحامِدِ؛ تعَريضًا تُشعِرُ به إضافةُ (عِبَاد) إلى (الرَّحْمَنِ) [995] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/67). .
- قولُه: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ذِكْرُهم بصِفةِ الجاهِلينَ دُونَ غَيرِها ممَّا هو أشَدُّ مَذَمَّةً -مِثلَ الكافِرينَ-؛ لأنَّ هذا الوَصفَ يُشعِرُ بأنَّ الخِطابَ الصَّادرَ منهم خِطابُ الجَهالةِ والجَفْوةِ [996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/69). .
- ولأجْلِ المناسَبةِ بيْن الصِّيغتَينِ -يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا- عُطِفَتْ هذه الجُملةُ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا على الصِّلةِ الأُولى، ولم يُكرَّرِ اسمُ المَوصولِ كما كُرِّر في الصِّفاتِ بعْدَها [997] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/70). ؛ فقولُهم للجاهلينَ: (سَلامًا) مِن مُقْتضى هَوْنِهم ورِفْقِهم؛ فلذلك قُرِنَ به، وعُطِفَ عليه [998] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 193). .
- وكان المعطوفُ على الصِّلةِ -الَّذِينَ يَمْشُونَ- بصُورةِ الشَّرطِ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ؛ لأنَّ خِطابَ الجاهلينَ لهم ليس ممَّا يكونُ دائمًا. وكان التَّعليقُ بـ (إذا)؛ لأنَّ مُخاطَبةَ الجاهلينَ لهم بالسُّوءِ أمْرٌ مُحقَّقٌ. ومتى سلِمَ أهْلُ العلْمِ والدِّينِ مِن الجاهلينَ؟! ولم يَذكُرْ ما يُخاطِبُهم به الجاهلونَ؛ للعلْمِ بأنَّ خِطابَ الجاهلِ -أي: السَّفيهِ- لا يكونُ إلَّا سوءًا ممَّا يُمْلِيه عليه جهْلُه وسفَهُه [999] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 194، 195). .
2- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا بيانٌ لحالِهم في مُعامَلتِهم مع ربِّهم [1000] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/228). .
- وإعادةُ لفْظُ الموصولِ الَّذِينَ؛ لتأكيدِ أنَّهم يُعرَفون بهذه الصِّلةِ، ولاستقلالِ الحالةِ الثَّانيةِ عن الأُولى [1001] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/70)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 198). .
- وتَخصيصُ البَيْتوتةِ؛ لأنَّ العبادةَ باللَّيلِ أَبعَدُ عنِ الرِّياءِ [1002] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/130). .
- وقُدِّمَ الجارُّ لِرَبِّهِمْ؛ لِيُفِيدَ تَخصيصَ عِبادتِهم بربِّهم، ويُفِيدَ الكلامُ عِبادتَهم وإخلاصَهم [1003] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 198). ، وأنَّهم لا يقومون رياءً ولا سُمعةً، وإنما يقومون لله وحْدَه [1004] يُنظر: ((اللقاء الشهري)) لابن عثيمين (اللقاء رقْم: 59). .
- قولُه: سُجَّدًا وَقِيَامًا قُدِّم السُّجودُ وإنْ كان مُتأخِّرًا في الفِعلِ؛ لأجْلِ مُناسَبةِ الفَواصلِ، مع الإشارةِ إلى الاهتِمامِ بالسُّجودِ، وأيضًا لفَضلِ السُّجودِ؛ لأنَّ السُّجودَ أقرَبُ أحوالِ العَبدِ للربِّ، وأَقرَبُ ما يَكونُ العبدُ فيها مِنَ اللهِ وهو ساجِدٌ [1005] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/130)، ((تفسير أبي حيان)) (8/127)، ((تفسير أبي السعود)) (6/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/70)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 198). .
- وأيضًا لَمَّا كان السُّجودُ أشَدَّ أركانِ الصَّلاةِ تقريبًا إلى اللهِ، لكَونِه أَنْهى الخُضوعِ مع أنَّه الَّذي أَباهُ الجاهِلونَ؛ قدَّمَه لذلك، فقال: سُجَّدًا، وأَتْبَعَه ما هو تِلْوُه في المَشقَّةِ تحقيقًا، فقال: وَقِيَامًا [1006] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/422). .
- وفي الإطنابُ في التَّعبيرِ عنِ الصَّلاةِ برُكْنَيْها في قولِه: سُجَّدًا وَقِيَامًا: تَنويهٌ بكِلَيْهِما [1007] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/70). .
- ولم يَذكُرِ اللهُ الرُّكوعَ، ولم يَذكُرِ القُعودَ؛ لأنَّ القيامَ أَشرَفُ ما في الصَّلاةِ مِن حيث ذِكْرُه، أي: مِن حيث الذِّكرُ الَّذي هو القُرآنُ، والسُّجودُ أَشرَفُ ما في الصَّلاةِ مِن حيث الحالُ والهَيْئةُ، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((أَقرَبُ ما يَكونُ العبدُ مِن ربِّه وهو ساجدٌ )) [1008] أخرجه مسلم (482) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فذَكَر القيامَ لشَرَفِه بذِكرِه، أي: بما يُقالُ فيه، وذَكَر السُّجودَ لشَرَفِه بهَيْئتِه؛ فدَلَّ لذلك على أنَّ هذا أَفضَلُ حالاتِ الصَّلاةِ، وهو كذلك [1009] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 274، 275). .
3- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا عَقَّبَ وصْفَهم بإحياءِ اللَّيلِ ساجِدينَ وقائِمينَ بذِكرِ دَعوتِهم هذه؛ إيذانًا بأنَّهم مع اجتِهادِهم خائِفونَ مُبتهِلونَ إلى اللهِ في صَرفِ العذابِ عنهم؛ لعدَمِ اعتِدادِهم بأعمالِهم ووُثوقِهم على استِمرارِ أحوالِهم، كقَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [1010] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/292)، ((تفسير البيضاوي)) (4/130)، ((تفسير أبي حيان)) (8/128)، ((تفسير أبي السعود)) (6/229). [المؤمنون: 60].
- والتَّعليلانِ: قيل: يَصِحُّ أن يَكونَا مُتَداخِلَينِ -أي: يكونَ قَولُه: إِنَّ عَذَابَهَا تَعليلًا لقَولِه: اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ، وقَولُه: إِنَّهَا سَاءَتْ تَعليلًا لقَولِه: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا- أو مُترادِفَينِ؛ أي: يَكونَا تَعليلَينِ لقَولِه: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ [1011] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/292)، ((تفسير البيضاوي)) (4/130)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/285، 286)، ((تفسير أبي حيان)) (8/128). .
- وجُملةُ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا تَعليلٌ للجُملةِ الدُّعائيَّةِ، وفُصِلَت عنها لكَمالِ الانقطاعِ بيْنهما، وجُملةُ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا مُؤكِّدةٌ لمَضمونِ الجُملةِ قبْلَها مع اختلافٍ في المعنى؛ فإنَّ ما أفادَتْه الأُولى مِن فَداحةِ عَذابِها ومُلازَمتِه، أكَّدتْه الثَّانيةُ بما أفادَتهُ مِن مُقامِه ومُستقَرِّها، ففُصِلَت عنها؛ لِمَا بيْنهما مِن كَمالِ الاتِّصالِ، نَظِيرُ: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2]. والتَّأكيدُ فيها بـ (إنَّ)؛ لأنَّه قد لُوِّحَ وأُشِيرَ في الكلامِ السَّابقِ إلى هذا الخبرِ، وشأْنُ السَّامعِ لهذا أنْ يَستشرِفَ له استشرافَ المُتردِّدِ الطَّالبِ، فيُنزَّلُ مَنزِلةَ المُتردِّدِ، فيُؤكَّدُ له الخبرُ. ووجْهُ التَّلويحِ بهذا الخبرِ: أنَّه لمَّا سُئِلَ صرْفَ عذابِ جهنَّمَ، كان هذا مُشيرًا إلى قُبْحِ هذا العذابِ وشِدَّتِه. فهذا نظيرُ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [1012] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 200). [هود: 37].
- وقيل: يَجوزُ أن تكونَ جُملةُ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا حِكايةً لكلامِ القائِلينَ؛ فتكونَ تعليلًا ثانيًا مؤكِّدًا لتَعليلِهمُ الأوَّلِ. وأن تَكونَ مِن جانبِ اللهِ تعالى دُونَ الَّتي قَبْلَها؛ فتكونَ تأييدًا لتَعليلِ القائِلينَ. وأنْ تكونَ مِن كلامِ اللهِ مع الَّتي قَبلَها؛ فتكونَ تَكريرًا للاعتِراضِ [1013] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/292)، ((تفسير البيضاوي)) (4/130)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/285، 286)، ((تفسير أبي حيان)) (8/128)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/71). .
- قولُه: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إشارةٌ إلى كَونِها مَضرَّةً خالِصةً عن شَوائِبِ النَّفعِ. وقوله: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا إشارةٌ إلى كَونِها دائمةً [1014] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/286). .
- ويَظهَرُ أنَّ قَولَه: وَمُقَامً مَعطوفٌ على سبيلِ التَّوكيدِ؛ لأنَّ الاستِقرارَ والإقامةَ كأنَّهما مُترادِفانِ [1015] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/128). .
4- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
- أفادَ قَولُه: إِذَا أَنْفَقُوا أنَّ الإنفاقَ مِن خِصالِهم؛ فكأنَّه قال: والَّذين يُنفِقونَ، وإذا أَنفَقوا... إلخ [1016] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/71). .
- قولُه: وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا قَوَامًا حالٌ مُؤكِّدةٌ، فلو قيل: (وكان بيْن ذلك) لكان كافيًا، ولكنْ أكَّدَ بـ قَوَامًا؛ لِمَا فيه مِن صَريحِ اللَّفظِ المُفهِمِ للعَدْلِ. والإنفاقُ يكونُ ولا يكونُ، والشَّأنُ أنْ يكونَ؛ ولهذا عُلِّقَ، وكان التَّعليقُ بـ (إذا). وقدَّمَ نفْيَ السَّرَفِ على نفْيِ التَّقتيرِ؛ لأنَّ الإسرافَ شرُّهما؛ ففيه مُجاوَزةُ الحدودِ، وضَياعُ المالِ، وفي التَّقتيرِ مَفسدَتُه مع بقاءِ المالِ، فيُنفِقُه في الخَيرِ، وقد يَبْقى لغيرِه فيَنتفِعُ به [1017] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 217). .