موسوعة التفسير

سُورةُ السَّجْدةِ
الآيات (15-17)

ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ

غَريبُ الكَلِماتِ:


خَرُّوا: الخُرورُ والخَرُّ: السُّقوطُ مِن عُلُوٍّ إلى الأرضِ، وخرَّ: سقَط على وَجهِه، وأصلُ (خَرَّ): هو اضْطِرابٌ، وسُقوطٌ مع صوتٍ [200] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 211)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/149)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/109)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/56). .
تَتَجَافَى: أي: ترتَفِعُ وتَتنحَّى عن الفِراشِ، وأصلُ (جفو): يدُلُّ على نبوِّ (أي: ارتفاعِ أو تنحِّي) الشَّيءِ عن الشَّيءِ [201] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 345)، ((تفسير ابن جرير)) (18/608)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 153)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/465)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 296)، ((تفسير القرطبي)) (14/99)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 338). .
الْمَضَاجِعِ: جمْع مَضْجَعٍ، وهو موضِعُ الضُّجوعِ والنَّومِ، وأصلُ (ضجع): اللُّصوقُ بالأرضِ على جَنْبٍ [202] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /390)، ((تفسير القرطبي)) (14/99)، ((المصباح المنير)) للفيومي (2/358). .
قُرَّةِ أَعْيُنٍ: أي: ما تَلَذُّه وتَشتَهيه، وهي مأخوذةٌ مِن القُرِّ، أي: البَردِ، يُقالُ: قَرَّتْ عينُه، أي: بَرَدَت، فقد قيل: دَمعُ الفَرَحِ بارِدٌ، بخِلافِ دَمعِ الحُزنِ، وقيلَ: مأخوذةٌ مِنَ القَرارِ، والمعنى: أعطاهم اللهُ ما تَسكُنُ به أعينُهم فلا تطمَحُ إلى غَيرِه [203] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/7)، ((المفردات)) للراغب (ص: 663)، ((تفسير ابن عطية)) (4/362)، ((تفسير القرطبي)) (13/82). .

المَعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مبيِّنًا أحوالَ المؤمنينَ الصادقينَ، وما أعدَّ لهم مِن ثوابٍ: إنَّما يُؤمِنُ بآياتِ اللهِ الَّذين إذا ذُكِّرُوا بها خَرُّوا إلى الأرضِ ساقِطينَ على وُجوهِهم سُجَّدًا؛ خُضوعًا لرَبِّهم، وإقرارًا بعُبوديَّتِه سُبحانَه، ونزَّهوا اللهَ تعالى في سُجودِهم عن كُلِّ النَّقائِصِ والعُيوبِ، وهم لا يَستكبِرونَ.
تَتباعَدُ جُنوبُهم عن فُرُشِهم، ويَتركُونَ النَّومَ لِمُناجاةِ رَبِّهم؛ خَوفًا مِن عذابِه، وطَمَعًا في ثوابِه، ويُنفِقونَ مِمَّا رَزَقهم اللهُ تعالى، فلا يَعلَمُ أيُّ أحدٍ ما أخفَى اللهُ لأولئك المؤمِنينَ مِمَّا تَقَرُّ به أعينُهم مِنَ النَّعيمِ؛ ثوابًا لهم بما كانوا يَعمَلونَه مِنَ الصَّالحاتِ.

تَفسيرُ الآياتِ:


إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى الكافِرينَ بآياتِه، وما أعَدَّ لهم مِنَ العذابِ؛ ذكَرَ المؤمِنينَ بها ووصْفَهم، وما أعَدَّ لهم مِنَ الثَّوابِ [204] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .
وأيضًا لَمَّا كان قَولُه تعالى: بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قد أشار إلى أنَّ الحامِلَ لهم على الكُفرِ الكِبْرُ، وذكَرَ سُبحانَه أنَّه قَسَّم النَّاسَ قِسْمَينِ لأجْلِ الدَّارَينِ: تشَوَّفَت النَّفْسُ إلى ذِكرِ علامةِ أهلِ الإيمانِ، كما ذُكِرَتْ علامةُ أهلِ الكُفرانِ؛ فقال تعالى [205] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/253، 254). :
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا.
أي: إنَّما يُؤمِنُ بآياتِ اللهِ [206] قيل: المرادُ بها هنا: القرآنُ. وممَّن ذهب إلى ذلك: مقاتلُ بنُ سُليمانَ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/450)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/227). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (18/607). وقيل: المرادُ: العُمومُ، فتَشملُ الآياتِ الكونيَّةَ، وتَشملُ الآياتِ الشَّرعيَّةَ على سبيلِ العُمومِ حتَّى فيما سبَق. وممَّن ذهَب إلى هذا المعنى: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 78). الَّذين إذا ذُكِّروا بها بادَروا إلى إظهارِ التَّذَلُّلِ والخُضوعِ لله، فهَوَوا إلى الأرضِ ساقِطينَ على وُجوهِهم سُجَّدًا؛ تَعظيمًا وخُضوعًا لرَبِّهم، وإقرارًا بعُبوديَّتِه سُبحانَه [207] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/607)، ((الوسيط)) للواحدي (3/452)، ((تفسير ابن كثير)) (6/363)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/254)، ((تفسير السعدي)) (ص: 655)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/227، 228). قال البقاعي: (خَرُّوا سُجَّدًا أي: بادَروا إلى السُّجودِ مُبادرةَ مَن كأنَّه سَقَط مِن غيرِ قَصدٍ، خُضَّعًا للهِ مِن شِدَّةِ تواضُعِهم وخَشيتِهم وإخباتِهم له، خُضوعًا ثابتًا دائمًا). ((نظم الدرر)) (15/254). .
كما قال تعالى: قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: 107 - 109].
وقال سُبحانَه: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58].
وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.
أي: ونزَّهوا اللهَ تعالى في سُجودِهم عن جَميعِ النَّقائِصِ والعُيوبِ، تنزيهًا مُتلبِّسًا بحَمدِه، وإثباتِ صِفاتِ كَمالِه [208] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/607، 608)، ((تفسير القرطبي)) (14/99)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/254)، ((تفسير الشوكاني)) (4/292). .
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ في رُكوعِه وسُجودِه: ((سُبحانَك اللَّهُمَّ رَبَّنا وبحَمدِك، اللَّهُمَّ اغفِرْ لي )) [209] رواه البخاري (794) واللفظ له، ومسلم (484). .
وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
أي: يَسجُدونَ للهِ، ويُسَبِّحونَ بحَمدِه، والحالُ أنَّهم لا يَستَكبِرونَ [210] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/608)، ((تفسير ابن كثير)) (6/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 655)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة السجدة)) (ص: 80). قيل: لا يَستكبِرونَ عن السُّجودِ والتَّسبيحِ. وممَّن قال بهذا: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/608). واقتصَر مقاتلُ بنُ سُليمانَ على السُّجودِ. يُنظر ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/451). وقيل: لا يَستَكبِرونَ عن آياتِ رَبِّهم، فهم يتَّبِعونَها، ويَنقادونَ إليها. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16).
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا.
أي: تَرتَفِعُ وتَتباعَدُ جُنوبُ هؤلاءِ المؤمِنينَ مُتنَحِّيةً عن فُرُشِهم، فيَهجُرونَ النَّومَ لِمُناجاةِ اللهِ تعالى في اللَّيلِ؛ خَوفًا مِن غَضَبِه وسَخَطِه وعَذابِه، وطَمَعًا في رِضاهُ ورَحمتِه ومَغفِرتِه وثَوابِه [211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/608، 609)، ((تفسير القرطبي)) (14/99 - 101)، ((تفسير ابن كثير)) (6/363)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/255، 256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 655)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/228، 229). قيل: المقصودُ هنا: قيامُ اللَّيلِ. وقد مال إليه ابنُ جرير، وذهب إليه ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/613، 614)، ((تفسير ابن كثير)) (6/363). ويُنظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص: 655)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/229). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: الحسنُ، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وأبو العاليةِ، وقَتادةُ، وابنُ زَيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/612)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/440). وقيل: يَشملُ ذلك كلَّ مَن ترَك النَّومَ باللَّيلِ لذِكرِ الله ودعائِه، فيَدخُلُ فيه مَن صلَّى بيْن العِشاءينِ، ومَنِ انتظَر صلاةَ العِشاءِ فلمْ يَنَمْ حتَّى يُصَلِّيَها، لا سيَّما مع حاجتِه إلى النَّومِ، ومُجاهَدةِ نفْسِه على تَركِه لأداءِ الفريضةِ، ويَدخُلُ فيه مَن نام ثمَّ قام مِن نَومِه باللَّيلِ لِلتَّهَجُّدِ، ورُبَّما دخل فيه مَن ترَك النَّومَ عندَ طُلوعِ الفَجرِ، وقام إلى أداءِ صلاةِ الصُّبحِ، لا سيَّما مع غَلَبةِ النَّومِ عليه. قاله: ابن رجب. يُنظر: ((جامع العلوم والحِكَم)) (2/142، 143). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (18/613). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، والضَّحَّاكُ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/612). وقيل: تَجافي الجَنبِ: هو أن يُصلِّيَ الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبحَ في جماعةٍ. وممَّن استحسَنَ هذا المعنى: القرطبيُّ، وقال: (العادةُ أنَّ مَن حافَظَ على هذه الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقتِ يقومُ سَحَرًا يَتوضَّأُ ويُصَلِّي، ويَذكُرُ اللهَ عزَّ وجلَّ إلى أن يَطلُعَ الفَجرُ، فقد حصل التَّجافي أوَّلَ اللَّيلِ وآخِرَه، يؤيِّدُ هذا ما رواه مُسلِمٌ [656] مِن حديثِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: «مَن صلَّى العِشاءَ في جماعةٍ فكأنَّما قام نِصفَ اللَّيلِ، ومَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ فكأنَّما قام اللَّيلَ كُلَّه»). ((تفسير القرطبي)) (14/101). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: أبو الدَّرْداءِ، والضَّحَّاكُ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/441). .
كما قال تعالى: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: 90].
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ إيثارَهم التَّقرُّبَ إلى اللهِ على حُظوظِ لَذَّاتِهم الجَسديَّةِ؛ ذكَرَ معه إيثارَهم إيَّاهُ على ما به نَوالُ لَذَّاتٍ أُخرى، وهو المالُ؛ إذ يُنفِقون منه ما لو أبْقَوه لَكان مَجلبةَ راحةٍ لهم، فقال [212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/229). :
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
أي: ومِمَّا رزَقَهم ربُّهم يُنفِقونَ في سَبيلِه سُبحانَه [213] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/608)، ((تفسير ابن كثير)) (6/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ جَزاءَ المُستَكبِرينَ، فتشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جزاءِ المتواضِعينَ؛ أشار إلى جزائِهم بفاءِ السَّبَبِ؛ إشارةً إلى أنَّه هو الذي وفَّقَهم لهذه الأعمالِ برَحمتِه، وجعَلَها سَبَبًا إلى دُخولِ جَنَّتِه، ولو شاء لَكان غيرُ ذلك [214] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/256، 257). .
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.
أي: فلا يَعلَمُ أيُّ أحَدٍ [215] قيل: يَدخُلُ في هذا العُمومِ: الملائِكةُ. وممَّن صرَّح بذلك: الزمخشريُّ، وابنُ تيميَّةَ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/512)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/280). وقيل: المرادُ: أصحابُ النُّفوسِ البَشَريَّةِ. وممَّن ذهب إلى هذا: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/229، 230). ما أخفَى اللهُ لأولئكَ المؤمِنينَ مِنَ النَّعيمِ العَظيمِ في الجنَّةِ، مِمَّا تَقَرُّ به أعينُهم [216] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/616)، ((تفسير الزمخشري)) (3/512)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/280)، ((تفسير ابن كثير)) (6/365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((قال اللهُ: أعدَدْتُ لِعِباديَ الصَّالحينَ ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ؛ فاقرَؤوا إن شِئتُم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)) [217] رواه البخاري (3244) واللفظ له، ومسلم (2824). .
وعنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((سأل موسى رَبَّه: ما أدنى أهلِ الجنَّةِ مَنزِلةً؟ قال: هو رجُلٌ يَجيءُ بعدَ ما أُدخِلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، فيُقالُ له: ادخُلِ الجنَّةَ، فيَقولُ: أيْ رَبِّ، كيف وقد نزَلَ النَّاسُ مَنازِلَهم، وأَخَذوا أَخَذاتِهم [218] أخَذوا أَخَذاتِهم: هو ما أخَذوه مِن كرامةِ مَولاهم وحصَّلوه، أو يكون معناه: قصَدوا منازلَهم. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (3/46). ؟! فيُقالُ له: أتَرَضْى أن يكونَ لك مِثلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِن مُلوكِ الدُّنيا؟ فيَقولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فيقولُ: لك ذلك، ومِثلُه ومِثلُه ومِثلُه ومِثلُه، فقال في الخامِسةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فيقولُ: هذا لك وعَشَرةُ أمثالِه، ولك ما اشتَهَت نَفْسُك، ولَذَّتْ عَينُك! فيقولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قال: رَبِّ، فأعلاهم مَنزِلةً؟ قال: أولئك الَّذين أرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرامَتَهم بيَدِي، وخَتَمتُ عليها، فلَمْ تَرَ عَينٌ، ولم تَسمَعْ أُذُنٌ، ولم يَخطُرْ على قَلبِ بَشَرٍ، قال: ومِصْداقُه في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [219] رواه مسلم (189). .
جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أي: أعدَّ اللهُ لهم ذلك النَّعيمَ العظيمَ في الجنَّةِ؛ ثَوابًا لهم على أعمالِهم الصَّالحةِ الَّتي كانوا يَعمَلونَها في الدُّنيا [220] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/616)، ((تفسير ابن عطية)) (4/363)، ((تفسير الشوكاني)) (4/293). .
كما قال تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 43].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قال الله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ أنَّ التَّعصُّبَ في التَّقليدِ ليس مِن طَريقِ المؤمِنينَ؛ لِقَولِه: وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، ويُوجَدُ في المتعَصِّبينَ في التَّقليدِ مَن يَستكبِرُ عن الحَقِّ؛ إذا عُرِضَ عليه أبَى [221] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 82). .
2- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ فيه أنَّ الَّذي يؤمِنُ إيمانًا حَقيقيًّا: يُوجَدُ منه شواهِدُ الإيمانِ، وهم: الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بآياتِ رَبِّهم فتُلِيَت عليهم آياتُ القُرآنِ، وأتَتْهم النَّصائِحُ على أيدي رُسلِ اللهِ، ودُعُوا إلى التَّذَكُّرِ: سَمِعوها فقَبِلوها، وانقادوا وخَرُّوا سُجَّدًا أي: خاضِعينَ لها خُضوعَ ذِكرٍ لله، وفَرَحٍ بمَعرفتِه، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ لا بقُلوبِهم ولا بأبدانِهم فيمتَنِعونَ مِن الانقيادِ لها، بل مُتواضِعون لها، قد تلَقَّوها بالقَبولِ والتَّسليمِ، وقابَلوها بالانشِراحِ والتَّسليمِ، وتوصَّلوا بها إلى مَرضاةِ الرَّبِّ الرَّحيمِ، واهتَدَوا بها إلى الصِّراطِ المُستقيمِ [222] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .
3- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا ... الاستِدلالُ بالقَرائِنِ والأحوالِ على حَقيقةِ الشَّيءِ، وهذه مُفيدةٌ غايةَ الفائِدةِ للقُضاةِ [223] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 81). .
4- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا أنَّ مِن عَلامةِ المؤمِنِ انقيادَه للمَواعِظِ [224] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 82). .
5- في قَولِه تعالى: وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ أنَّ مِن صِفاتِ المؤمنِ التَّواضُعَ للحقِّ وللخَلْقِ [225] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 82). .
6- قال الله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا في قَولِه: خَوْفًا وَطَمَعًا أنَّه ينبغي للدَّاعِي وللعاملِ العابدِ أنْ يكونَ دعاؤُه وعبادتُه بيْنَ الخَوفِ والرَّجاءِ [226] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 87). .
7- قَولُ الله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ لَمَّا كانت العِبادةُ تَقطَعُ عن التَّوسُّعِ في الدُّنيا، فرُبَّما دَعَت نَفْسُ العابدِ إلى التَّمَسُّكِ بما في يَدِه؛ خَوفًا مِن نَقصِ العبادةِ عن الحاجةِ؛ لِتَشوُّشِ الفِكرِ والحَركةِ لِطَلَبِ الرِّزقِ: حثَّ على الإنفاقِ منه؛ اعتمادًا على الخلَّاقِ الرَّزَّاقِ الَّذي ضَمِنَ الخَلَفَ؛ لِيَكونوا بما ضَمِنَ لهم أوثَقَ منهم بما عِندَهم، وإيذانًا بأنَّ الصَّلاةَ سَبَبٌ للبَرَكةِ في الرِّزقِ [227] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/256). . وأيضًا فقد يَنشَطُ العبدُ في العبادةِ البدنيَّةِ، لكنَّه يَبخَلُ فلا يَجودُ بنفقةٍ؛ لذا أثنَى الله تعالى على مَن جمَع بينَ الأمرينِ.
8- تأمَّلْ في قَولِه تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ كيف قابَلَ سُبحانَه ما أخفَوه مِن قيامِ اللَّيلِ، بالجَزاءِ الَّذي أخفاه لهم ممَّا لا تَعْلَمُه نَفْسٌ، وكيف قابَلَ قَلَقَهم وخَوفَهم واضْطِرابَهم على مَضاجِعِهم حينَ يقومون إلى صَلاةِ اللَّيلِ، بِقُرَّةِ الأعيُنِ في الجَنَّةِ [228] يُنظر: ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) لابن القيم (ص: 278). ! قال الحَسَنُ البَصريُّ: (أخفى قَومٌ عَمَلَهم، فأخفَى اللهُ لهم ما لم تَرَ عَينٌ، ولم يَخطُرْ على قَلبِ بَشَرٍ) [229] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/365). ، فكما صَلَّوا في اللَّيلِ ودَعَوا وأخفَوُا العَمَلَ، جازاهم مِن جِنسِ عَمَلِهم؛ فأخفَى أجْرَهم [230] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قال الله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا هذه الآيةُ أوردَ عليها بعضُ العُلَماءِ إشكالًا، وقال: هل لكُلِّ مَن ذُكِّرَ بآياتِ اللهِ أن يَسجُدَ؟ فإذا قُرِئَ عليه آيةٌ سَجَد، أو إذا ما وعَظْتَه بمَوعظةٍ سَجَد؟
والجوابُ عن هذه الآيةِ: قال بَعضُهم: المرادُ بـ خَرُّوا: سَجَدوا في موضِعِ السُّجودِ، يعني: خَرُّوا سُجَّدًا؛ إذا مَرَّت بهم آياتُ سَجدةٍ سجَدوا، أمَّا إذا ذُكِّروا بآياتِ رَبِّهم بدونِ أن تَمُرَّ بهم آياتُ سَجدةٍ فإنَّهم لا يَسجُدونَ.
ولكِنَّ الصَّوابَ خِلافُ ذلك؛ فالصَّوابُ أنَّ المعنى: الَّذين إذا ذُكِّروا بها انقادوا لها، وخَضَعوا لها، ولا يلزَمُ مِن ذلك أن يكونَ السُّجودُ مُباشِرًا للتَّذكيرِ؛ فقَولُه تعالى: الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا يعني: حتَّى في المُستقبَلِ؛ فلا يلزَمُ أن يكونَ جوابُ الشَّرطِ مُباشِرًا له [231] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 79). .
وأيضًا فهذه الآيةُ وإن تناوَلَت سُجودَ التِّلاوةِ فتَناوُلُها لِسُجودِ الصَّلاةِ أعظَمُ؛ فإنَّ احتياجَ الإنسانِ إلى هذا السُّجودِ أعظَمُ على كُلِّ حالٍ؛ فقد جَعَل الخُرورَ إلى السُّجودِ مِمَّا لا يَحصُلُ الإيمانُ إلَّا به [232] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (23/79). ، فقَولُه: بِآَيَاتِنَا ليس يعني بها آياتِ السُّجودِ فقط، بل جميعَ القُرآنِ، فلا بُدَّ أن يكونَ إذا ذُكِّرَ بجَميعِ آياتِ القُرآنِ يَخِرُّ ساجِدًا، وهذا حالُ المصَلِّي؛ فإنَّه يُذكَّرُ بآياتِ اللهِ بقراءةِ الإمامِ، والإمامُ يُذكَّرُ بقراءةِ نَفْسِه، فلا يكونون مُؤمِنينَ حتَّى يخِرُّوا سُجَّدًا، وهو سُجودُهم في الصَّلاةِ، وهو سُجودٌ مُرَتَّبٌ، ينتَقِلونَ أوَّلًا إلى الرُّكوعِ، ثمَّ إلى السُّجودِ، والسُّجودُ مَثْنى كما بَيَّنه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ليَجتَمِعَ فيه خُرورانِ: خرورٌ مِن قيامٍ، وهو السَّجدةُ الأولى، وخرورٌ مِن قُعودٍ، وهو السَّجدةُ الثَّانيةُ [233] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (23/141). .
2- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ دَلالةٌ على أنَّ السُّجودَ مِن الإيمانِ -وهو رَدٌّ على المُرجئةِ، فإنْ كانت السَّجدةُ فرضًا كانت جزءًا مِن أجزاءِ فَرْضِه؛ وإنْ كانت تَطَوُّعًا فهي مِن أجزاءِ نَوافلِه [234] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/634). .
3- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا فيه سُؤالٌ: كيف قال ذلك مع أنَّ المؤمِنينَ ليسُوا مُنحَصِرينَ فيمَنِ اتَّصَف بهذه الصِّفةِ، ولا أنَّ هذه الصِّفةَ شَرطٌ في تحقُّقِ الإيمانِ؟
الجوابُ مِن وَجهَينِ:
=الوجهُ الأوَّلُ:!= المرادُ بـ ذُكِّرُوا: وُعِظوا، وبالسُّجودِ: الخُشوعُ والخُضوعُ، والتَّواضُعُ في قَبولِ الموعِظةِ، وذلك شَرطٌ في تحقُّقِ الإيمانِ.
=الوجهُ الثَّاني:!= أنَّ المرادَ بالمؤمِنِ: الكامِلُ إيمانًا [235] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 454). .
4- قَولُه تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ استُدِلَّ به على كُفْرِ تاركِ الصَّلاةِ، ووجْهُ الاستِدلالِ بالآيةِ أنَّه سُبحانَه نفَى الإيمانَ عمَّن إذا ذُكِّرُوا بآياتِ اللهِ لم يَخِرُّوا سُجَّدًا مُسَبِّحِيْنَ بحَمْدِ ربِّهم -ومِن أَعْظَمِ التَّذكيرِ بآياتِ الله التَّذكيرُ بآيات الصلاةِ-؛ فمَن ذُكِّرَ بها ولم يَتذَكَّرْ، ولم يُصَلِّ؛ لم يُؤمِنْ بها! لأنَّه سُبحانَه خَصَّ المؤمنينَ بها بأنَّهم أهلُ السُّجودِ، وهذا مِن أحسَنِ الاستِدلالِ وأقْرَبِه؛ فلمْ يؤمِنْ بقولِه تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: 110] إلَّا مَنِ التزمَ إقامتَها [236] يُنظر: ((الصلاة وأحكام تاركها)) لابن القيم (ص: 49). .
5- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ دَلالةٌ على أنَّ الإيمانَ المُطلَقَ مُستَلزِمٌ للأعمالِ؛ فنفى سُبحانَه الإيمانَ عن غيرِ هؤلاء؛ فمَن كان إذا ذُكِّرَ بالقُرآنِ لا يَفعَلُ ما فَرَضَه اللهُ عليه مِن السُّجودِ، لم يكُنْ مِن المؤمِنينَ [237] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/160). !
6- في قَولِه تعالى: وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ الجَمعُ بيْنَ انتِفاءِ العَيبِ والنَّقصِ عن اللهِ تعالى مع ثُبوتِ الكَمالِ له، ففي التَّسبيحِ تَنزيهٌ، وفي الحَمدِ كَمالٌ [238] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 82). .
7- في قَولِه تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أنَّ في الجنةِ مِن قُرَّةِ العَينِ في المأكولِ والملبوسِ والمنكوحِ والمسكنِ ما لا يَخطُرُ على البالِ؛ لأنَّ كلَّ هذه الأربعةِ تَقَرُّ بها العَينُ [239] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 90). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ استِئنافٌ مَسوقٌ لِتَقريرِ عَدمِ استِحقاقِ المجرمينَ لإيتاءِ الهُدى، والإشعارِ بعَدمِ إيمانِهم لو أُوتُوه بتَعيينِ مَن يَستحِقُّه بطَريقِ القصْرِ، كأنَّه قِيل: إنَّكم لا تُؤمِنون بآياتِنا، ولا تَعمَلونَ بمُوجَبِها عمَلًا صالحًا، ولو رَجَعْناكم إلى الدُّنيا كما تَدَّعون [240] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/84)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/227). .
- قولُه: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا أفادَتْ (إنَّما) قَصرًا إضافيًّا، أي: يُؤمِنُ بآياتِ اللهِ الَّذين إذا ذُكِّروا بها تَذكيرًا بما سبَقَ لهم سَماعُه، لم يَتريَّثوا عن إظهارِ الخُضوعِ للهِ، دُونَ الَّذين قالوا: أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10]، وهذا تَأييسٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن إيمانِهم، وتَعريضٌ بهم بأنَّهم لا يَنفَعون المُسلمينَ بإيمانِهم، ولا يَغِيظونَهم بالتَّصلُّبِ في الكُفرِ [241] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/227). .
- وأُوثِرَت صِيغةُ المُضارِعِ يُؤْمِنُ؛ لِمَا تُشعِرُ به مِن أنَّهم يَتجدَّدون في الإيمانِ، ويَزْدادونَ يَقينًا وَقتًا فَوَقتًا؛ وإلَّا فإنَّ المؤمنينَ قد حصَلَ إيمانُهم فيما مَضى؛ ففِعلُ المُضِيِّ آثَرُ بحِكايةِ حالِهم في الكلامِ المُتداوَلِ لولا هذه الخُصوصيَّةُ؛ ولهذا عُرِّفوا بالمَوصوليَّةِ والصِّلةِ الدَّالِّ مَعناها على أنَّهم راسِخونَ في الإيمانِ، فعُبِّرَ عن إبلاغِهم آياتِ القُرآنِ وتِلاوتِها على أسماعِهم، بالتَّذكيرِ المُقتضِي أنَّ ما تَتضمَّنُه الآياتُ حَقائقُ مُقرَّرةٌ عِندَهم، لا يُفادُونَ بها فائدةً لم تكُنْ حاصِلةً في نُفوسِهم، ولكنَّها تكسِبُهم تَذكيرًا؛ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [242] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/227). [الذاريات: 55].
- قولُه: إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا دلَّتِ الجُملةُ الشَّرطيَّةُ على اتِّصالِ تَعلُّقِ حُصولِ الجوابِ بحُصولِ الشَّرطِ وتَلازُمِهما [243] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/228). .
- قولُه: وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ التَّعرُّضُ لِعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ بطَريقِ الالْتِفاتِ، مع الإضافةِ إلى ضَميرِهم؛ للإشعارِ بعِلَّةِ التَّسبيحِ والتَّحميدِ، وبأنَّهم يَفعَلونهما بمُلاحَظةِ رُبوبيَّتِه تعالى لهم [244] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/84). .
- قولُه: وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ جِيءَ في نَفْيِ التَّكبُّرِ عنهم بالمُسنَدِ الفِعليِّ يَسْتَكْبِرُونَ؛ لإفادةِ اختِصاصِهم بذلك، أي: دُونَ المُشرِكين الَّذين كان الكِبْرُ خُلُقَهم؛ فهم لا يَرضَون لأنفُسِهم بالانقيادِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منهم، وقالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [245] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/228). [الفرقان: 21].
2- قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
- جُملةُ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ مُستأْنَفةٌ لِبَيانِ بَقيَّةِ مَحاسنِهم، وهم المُتهجِّدونَ [246] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/84). . وقيل: حالٌ مِن المَوصولِ، أي: الَّذين إذا ذُكِّروا بها خَرُّوا، ومَن حالُهم تَتجافَى جُنوبُهم عن المَضاجعِ، أو استئنافٌ، وجِيءَ بالمُضارِعِ؛ لإفادةِ تكرُّرِ ذلك وتَجدُّدِه منهم في أجزاءٍ كثيرةٍ مِن الأوقاتِ المُعَدَّةِ للاضْطِجاعِ، وهي الأوقاتُ الَّتي الشَّأنُ فيها النَّومُ [247] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/228). .
- و(أل) في الْمَضَاجِعِ عِوَضٌ عن المُضافِ إليه، أي: عن مَضاجعِهم، كقولِه تعالى: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 41]. وهذا تَعريضٌ بالمُشركينَ؛ إذ يَمْضُون ليلَهم بالنَّومِ، لا يَصرِفُه عنهم تَفكُّرٌ، بلْ يَسقُطون كما تَسقُطُ الأنعامُ [248] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/229). .
- وذكَر الطَّمعَ الَّذي هو الرَّجاءُ؛ لأنَّ الدُّعاءَ مَبْنيٌّ عليه؛ فإنَّ الدَّاعيَ ما لم يَطمَعْ في سُؤالِه ومَطلوبِه لم تَتحرَّكْ نفْسُه لطَلبهِ، إذ طلَبُ ما لا يُطمَعُ فيه مُمتنعٌ [249] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/12). .
وقيل: عبَّرَ بـ (طَمَعًا) دونَ الرَّجاءِ؛ إشارةً إلى أنَّهم -لشِدَّةِ مَعرفتِهم بنقائِصِهم- لا يَعُدُّونَ أعمالَهم شَيئًا، بل يَطلُبونَ فَضْلَه بغيرِ سَبَبٍ، وإذا كانوا يَرجُونَ رَحمتَه بغيرِ سَبَبٍ، فهم مع السَّببِ أرجى، فهم لا يَيْأَسونَ مِن رَوْحِه [250] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/256). .
- قَولُه: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ لم يَذكُرْ قَيْدَ النَّفَقةِ، ولا المُنفَقَ عليه؛ لِيَدُلَّ على العُمومِ، فإنَّه يَدخُلُ فيه النَّفَقةُ الواجِبةُ، كالزَّكواتِ، والكفَّاراتِ، ونَفَقةِ الزَّوجاتِ والأقارِبِ؛ والنَّفَقةُ المُستحَبَّةُ في وُجوهِ الخَيرِ، والنَّفَقةُ والإحسانُ الماليُّ خَيرٌ مُطلَقًا؛ سواءٌ وافَقَ غَنيًّا أو فقيرًا، قريبًا أو بعيدًا، ولكِنَّ الأجرَ يَتفاوَتُ بتَفاوُتِ النَّفعِ، فهذا عَمَلُهم [251] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 655). .
3- قوله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- الفاءُ في قولِه: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ رابِطةٌ لِلَّاحقةِ بالسَّابقةِ، مُرتِّبةٌ لها عليها تَرتُّبَ الفاءِ في قولِه تعالى: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ، وكان الأصلُ: تَتجافَى جُنوبُهم عن المَضاجِعِ، يَدْعون ربَّهم خوفًا وطمَعًا، وممَّا رَزقْناهم يُنفِقون، فلا يَعلَمون ما أُخفِيَ لهم، فيَجزِيهم اللهُ الجزاءَ الأَوفَى؛ بشَهادةِ قولِه: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؛ فوَضَعَ النَّفْسَ مَوضعَ الضَّميرِ، ونكَّرَها تَنكيرَ تَفخيمٍ، لو وُصِفَتْ بكلِّ وَصفٍ ما بلَغَ هذا المَبلَغَ، ثمَّ رُوعِيَت المُناسَبةُ في قولِه: مَا أُخْفِيَ لَهُمْ؛ حيثُ أُبْهِمَ الجزاءُ، ولم يُعيَّنِ الفاعلُ؛ تَعظيمًا له [252] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/349). ، فالإبهامُ يَدُلُّ على التَّفخيمِ، وفي ذلك دَلالةٌ على عِظَمِ نَعيمِ الجنَّةِ [253] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة السجدة)) (ص: 90). ؛ لِيَذهَبَ الفِكرُ في المَخفيِّ كُلَّ مَذهَبٍ. وقيل: بُني للمَفعولِ؛ للعِلمِ بأنَّه اللهُ تعالى الَّذي أخْفَوا نوافِلَ أعمالِهم لأجْلِه [254] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/257). .
- قولُه: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ (نفْسٌ) نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفيِ؛ فيَعُمُّ جَميعَ الأنفُسِ ممَّا ادَّخَرَ اللهُ تعالى لأولئك، وأخفاهُ مِن جَميعِ خَلائقِه ممَّا تَقَرُّ به أعيُنُهم، لا يَعلَمُه إلَّا هو، وهذه عِدَةٌ عظيمةٌ لا تَبلَغُ الأفهامُ كُنْهَها، بلْ ولا تَفاصيلَها، ولا مَطمَحَ وراءَها [255] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/512)، ((تفسير أبي حيان)) (8/438). .
- وعبَّرَ عن تلك النِّعمِ بـ مَا أُخْفِيَ؛ لأنَّها مُغَيَّبةٌ لا تُدرَكُ إلَّا في عالَمِ الخُلودِ [256] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/230). .
- في قَولِه: أُخْفِيَ لَهُمْ بلامِ التَّمليكِ: زيادةُ إكرامٍ؛ لأنَّ مَن قال لِغَيرِه: (اسكُنْ هذه الدَّارَ) يكونُ ذلك محمولًا على العارِيَّةِ، وله استِردادُه؛ وإذا قال: (هذه الدَّارُ لك) يكونُ ذلك محمولًا على نِسبةِ المِلْكيَّةِ إليه، وليس له استِردادُه بحُكمِ قَولِه [257] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/148). .