موسوعة التفسير

سورةُ الأنْبياءِ
الآيتان (89-90)

ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ

غريب الكلمات:


رَغَبًا وَرَهَبًا: أي: راغِبينَ في الجنَّةِ، وخائِفينَ مِن النَّارِ، وأصلُ (رغب): يدُلُّ على طَلَبٍ لِشَيءٍ. وأصلُ (رهب): يدُلُّ على خَوفٍ [902] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/415) (2/447)، ((البسيط)) للواحدي (15/181). .

المعنى الإجمالي:


يَقولُ اللهُ تعالى: واذكُرْ -يا محمَّدُ- زكريَّا حين دعا رَبَّه قائِلًا: رَبِّ، لا تترُكْني وَحيدًا لا عَقِبَ لي، وهَبْ لي وارِثًا يقومُ بأمرِ الدِّينِ في النَّاسِ مِن بَعدي، وأنت خَيرُ الباقينَ وخَيرُ مَن يخلُفُني بخيرٍ. فاستجَبْنا له دُعاءَه، ووهَبْنا له ولَدًا اسمُه يَحيى، وجعَلْنا زوجَتَه وَلُودًا صالحةً للحَملِ والولادةِ؛ إنَّ زكريَّا وزَوجَه ويحيَى كانوا يُبادِرونَ إلى فِعلِ الطَّاعاتِ وكُلِّ خَيرٍ، ويَدْعُونَنا راغِبينَ فيما عِندَنا، خائِفينَ مِن عذابِنا، وكانوا لنا خاضِعينَ مُتواضِعينَ.

تفسير الآيتين:


وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان حاصِلُ أمرِ يونُسَ عليه السَّلامُ أنَّه خَرَج مِن بَطنٍ لم يُعهَدِ الخُروجُ مِن مِثلِه، عَطَف عليه قِصَّةَ زكريَّا عليه السَّلامُ في هِبَتِه له ولَدًا مِن بَطنٍ لم يُعهَدِ الحَملُ مِن مِثلِه، في العُقمِ واليَأسِ [903] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/468). .
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا.
أي: واذكُرْ -يا محمَّدُ- زكريَّا حينَ نادَى رَبَّه، فقال: رَبِّ، لا تترُكْني وَحيدًا بلا وَلَدٍ [904] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/387، 388)، ((تفسير القرطبي)) (11/336)، ((تفسير ابن كثير)) (5/370)، ((تفسير القاسمي)) (7/219)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530). ونسب الماوردي هذا القولَ المذكورَ إلى الجمهورِ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/468). .
كما قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: 2 - 6].
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ.
أي: فارزُقْني وارِثًا مِن نَسلي يَقومُ بالدِّينِ مِن بَعدي، وأنت خيرُ الباقينَ بعدَ مَوتِ العبادِ، وخَيرُ مَن يخلُفُني بخَيرٍ، وأنا أعلمُ أنَّك لن تُضَيِّعَ دينَك، ولكِنْ لا تَقطَعْ فَضيلةَ القيامِ بأمرِ الدِّينِ وهِبةِ العِلمِ والحِكمةِ عَن عَقِبي [905] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/388)، ((تفسير القرطبي)) (11/336)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/468، 469)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530). قال الرازي: (أمَّا قولُه: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ففيه وجهانِ: أحدُهما: أنَّه عليه السَّلامُ إنَّما ذَكَره في جملةِ دعائِه على وجهِ الثَّناءِ على ربِّه؛ ليكشِفَ عن علمِه بأنَّ مآلَ الأمورِ إلى اللَّه تعالَى. والثَّاني: كأنَّه عليه السَّلامُ قالَ: إنْ لم ترزُقْني مَن يرثُني فلا أُبالي؛ فإنَّكَ خيرُ وارثٍ). ((تفسير الرازي)) (22/182). .
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90).
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى.
أي: فاستَجَبْنا لزكريَّا دُعاءَه، ورَزَقْناه ولَدًا اسمُه يحيى [906] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/388)، ((تفسير الشربيني)) (2/528)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530). .
كما قال تعالى: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [مريم: 7].
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ.
أي: وأصلَحْنا لزكريَّا امرأتَه العقيمَ، فجعَلْناها وَلودًا صالِحةً للحَملِ [907] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/388)، ((تفسير القرطبي)) (11/336)، ((تفسير ابن كثير)) (5/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/136). نسَب الواحدي القولَ بأنَّ المرادَ بإصلاحِ زوجِه أنَّها كانت عاقِرًا فجَعَلها اللَّهُ وَلودًا- نسبه إلى أكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (15/179). قال الشنقيطي: (فهذا الإصلاحُ هو كونُها صارت تَلِدُ بعد أن كانت عقيمًا. وقَولُ مَن قال: إنَّ إصلاحَها المذكورَ هو جَعلُها حَسَنةَ الخُلُقِ بعد أن كانت سَيِّئةَ الخُلُقِ: لا ينافي ما ذُكِرَ؛ لجوازِ أن يجمَعَ له بين الأمرينِ فيها، مع أنَّ كونَ الإصلاحِ هو جَعْلَها ولودًا بعد العُقمِ هو ظاهِرُ السِّياقِ، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، ومجاهدٍ، وغَيرِهم. والقَولُ الثَّاني يُروى عن عطاءٍ). ((أضواء البيان)) (3/366). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/336)، ((تفسير الشوكاني)) (3/502). وممن اختار الجمعَ بين القولين السابقين: ابن جرير، والسمرقندي، والعُليمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/389)، ((تفسير السمرقندي)) (2/440)، ((تفسير العليمي)) (4/388). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الشوكاني)) (3/502). قال ابن جرير: (والصوابُ مِنَ القَولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّ اللهَ أصلَحَ لزكريَّا زَوجَه، كما أخبَرَ تعالى ذِكرُه، بأن جعَلَها وَلُودًا حَسَنةَ الخُلُقِ؛ لأنَّ كُلَّ ذلك من معاني إصلاحِه إيَّاها، ولم يَخْصُصِ اللهُ جلَّ ثناؤه بذلك بَعضًا دونَ بَعضٍ في كتابِه، ولا على لِسانِ رَسولِه، ولا وضَعَ على خصوصِ ذلك دَلالةً؛ فهو على العُمومِ  ما لم يأتِ ما يَجِبُ التَّسليمُ له بأنَّ ذلك مرادٌ به بعضٌ دونَ بَعضٍ). ((تفسير ابن جرير)) (16/389). .
إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ.
أي: إنَّ زكريَّا وزَوجَه ويحيَى كانوا يُبادِرونَ إلى فِعلِ الطَّاعاتِ، وما يُقرِّبُهم إلينا [908] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/389)، ((تفسير ابن كثير)) (5/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530). .
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا.
أي: وكانوا يَدْعُوننا [909] قيل: المرادُ بالدُّعاءِ هنا: المسألةُ. وممن ذهَب إلى هذا المعنى: القرطبي، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/336)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/137). وقيل: المراد بالدُّعاءِ في هذا الموضع: العبادةُ. وممن قال بذلك: ابنُ جرير، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/389). قال ابنُ جرير: (وعنى بالدُّعاءِ في هذا الموضِعِ: العِبادةَ، كما قال: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [مريم: 48]). ((تفسير ابن جرير)) (16/389). وممن جمَع بينَ معنيَيِ الدُعاءِ: ابنُ عُثيمين. فقال: (في هذه الآيةِ الكريمة وصَفَ اللهُ تعالى الخُلَّصَ من عبادِه بأنَّهم يَدْعُونَ الله تعالى رغَبًا ورَهَبًا مع الخُشوعِ له، والدُّعاءُ هنا شامِلٌ لدُعاء العبادةِ ودُعاءِ المسألة). ((شرح ثلاثة الأصول)) (ص: 60). وقال ابنُ عطية: (المعنى أنَّهم يَدْعون في وقتِ تعبُّدِهم، وهم بحالِ رغبةٍ ورجاءٍ، ورهبةٍ وخوفٍ في حالٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الرغبةَ والرهبةَ متلازمان). ((تفسير ابن عطية)) (4/98). ؛ رَغبةً منهم في ثوابِ اللهِ ورَحمتِه، ورَهبةً مِن عذابِه وغَضَبِه [910] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 530)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/137). .
وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ.
أي: وكانوا لنا مُتواضِعينَ خاضِعينَ، مُتذَلِّلينَ لا يَستكبِرونَ عن عبادتِنا ودُعائِنا، قد انكَسَرت قلوبُهم لله، وسكَنَت عن الالتِفاتِ إلى غَيرِه [911] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/390)، ((جامع المسائل)) لابن تيمية (5/164)، ((تفسير ابن كثير)) (5/370)، ((فتح الباري)) لابن رجب (6/367)، ((تفسير السعدي)) (ص: 530). قال ابنُ القيِّم: (الخشوعُ في أصلِ اللُّغةِ: الانخِفاضُ، والذُّلُّ، والسُّكونُ... وأجمع العارِفونَ على أنَّ الخُشوعَ محَلُّه القلبُ، وثَمَرتُه على الجوارِحِ، وهي تُظهِرُه). ((مدارج السالكين)) (1/516، 517). .

الفوائد التربوية :


1- قَولُ الله تعالى: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ بَعدَما كانت عاقِرًا، لا يَصلُحُ رَحِمُها للوِلادةِ، فأصلَحَ اللهُ رَحِمَها للحَملِ؛ لأجْلِ نَبيِّه زكريَّا، وهذا من فوائدِ الجَليسِ والقَرينِ الصَّالحِ؛ أنَّه مُبارَكٌ على قَرينِه [912] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 530). .
2- قال تعالى: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا فهُم يَدْعونَ الله رغبةً فيما عندَه، وطَمَعًا في ثوابِه، معَ خوفِهم مِن عقابِه وآثارِ ذُنوبِهم، والمؤمِنُ ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخَوفِ والرَّجاءِ، ويُغَلِّب الرَّجاءَ في جانِبِ الطَّاعةِ لِيَنشطَ عليها ويؤَمِّلَ قَبولَها، ويُغَلِّب الخَوفَ إذا هَمَّ بالمعصيةِ لِيَهرَبَ منها، وينجوَ مِن عِقابِها [913]  يُنظر: ((شرح ثلاثة الأصول)) لابن عثيمين (ص: 60). .
3- الدِّينُ كُلُّه رَغبةٌ ورَهبةٌ؛ فالمؤمِنُ هو الرَّاغِبُ الرَّاهِبُ، قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا، وفي الدُّعاءِ عند النَّومِ: ((اللهُمَّ أسلَمْتُ نَفسي إليك، ووجَّهتُ وَجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأتُ ظَهري إليك؛ رَغبةً ورَهبةً إليك )) [914] أخرجه البخاري (7488) واللفظ له، ومسلم (2710)  من حديث البَراء بن عازبٍ رضي الله عنهما. ، فلا تجِدُ المؤمِنَ أبدًا إلَّا راغِبًا وراهِبًا، والرَّغبةُ والرَّهبةُ لا تقومُ إلَّا على ساقِ الصَّبرِ؛ فرَهبتُه تَحمِلُه على الصَّبرِ، ورَغبتُه تقودُه إلى الشُّكرِ [915]  يُنظر: ((عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)) لابن القيم (ص: 109). .
4- مِن أنواعِ العِباداتِ التي يَظهَرُ فيها الذُّلُّ والخُشوعُ لله عزَّ وجَلَّ: الدُّعاءُ؛ قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ، فمِمَّا يَظهَرُ فيه الذُّلُّ مِنَ الدُّعاءِ: رَفْعُ اليَدينِ، وافتقارُ القَلبِ في الدُّعاءِ، وانكِسارُه لله عزَّ وجَلَّ، واستِشعارُه شِدَّةَ الفاقةِ إليه والحاجةِ، وإظهارُ الذُّلِّ باللِّسانِ في نَفسِ السُّؤالِ، والدُّعاءُ والإلحاحُ فيه [916] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/306). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ يدُلُّ على أنَّ (الواو) لا تُفيدُ التَّرتيبَ؛ لأنَّ إصلاحَ الزَّوجِ مُقَدَّمٌ على هِبةِ الوَلَدِ، مع أنَّه تعالى أخَّرَه في اللَّفظِ [917] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/182). .
2- كان أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِي اللهُ عنه يقولُ في خُطبتِه: (أمَّا بَعدُ، فإنِّي أُوصيكم بتَقوى اللهِ، وأن تُثْنوا عليه بما هو أهلُه، وأن تَخلِطوا الرَّغبةَ بالرَّهبةِ، وتَجمَعوا الإلحافَ بالمسألةِ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أثنى على زكريَّا وأهلِ بَيتِه، فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [918] أخرجه ابن أبي شيبة (13/258) (35572)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (1/35)، والحاكم (3447) وصحَّح إسناده. .
3- الصُّوفيَّةُ بَعضُهم أو كثيرٌ منهم يُبالِغونَ في تعظيمِ مَقامِ المحبَّةِ، ولا يُعَظِّمونَ مَقامَ الرَّجاءِ والخَوفِ، بل ربَّما استَنقَصوا مقامَ الرَّجاءِ والخَوفِ، وهذا من أغلاطِهم، كما يُروى عن بَعضِهم قَولُه: (أنا لا أعبدُ اللهَ حُبًّا ورَغبَةً في جنَّتِه، ولا خَوفًا مِن نارِه)! بمعنى: أنَّه لا يَعبُدُه إلَّا بدافِعِ الحبِّ فقط، وهذا غَلَطٌ؛ فالله تعالى أمَرَ بخَوفِه ورجائِه، وأثنى على أوليائِه بالخَوفِ والرَّجاءِ، فقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [919] يُنظر: ((شرح كلمة الإخلاص)) لابن رجب (ص: 89). .

بلاغة الآيتين:


1- قولُه تعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ
- جُملةُ: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا مُبيِّنةٌ لجُملةِ: نَادَى رَبَّهُ، وأطلَقَ الفَرْدَ على مَن لا ولَدَ له؛ تَشبيهًا له بالمُنفرِدِ الَّذي لا قَرينَ له، فشَبَّهَ مَن لا ولَدَ له بالفَرْدِ؛ لأنَّ الولَدَ يُصَيِّرُ أباهُ كالشَّفعِ؛ لأنَّه كجُزءٍ منه [920] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/135). .
- قولُه: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ثَناءٌ لتَمهيدِ الإجابةِ، أي: أنت الوارِثُ الحقُّ؛ فاقْضِ عليَّ مِن صِفَتِك العَلِيَّةِ شيئًا، ودَلَّ ذِكْرُ ذلك على أنَّه سأَلَ الولَدَ لأجْلِ أنْ يَرِثَه كما في آيةِ سُورةِ (مَريمَ): يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ [مريم: 6]، وحُذِفَت هاتِه الجُملةُ؛ لدَلالةِ المَحْكيِّ هنا عليها [921] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/135). .
2- قوله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ
- قولُه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ تَعليلٌ لِمَا فُصِّلَ مِن فُنونِ إحسانِه تعالى المُتعلِّقةِ بالأنبياءِ المَذْكورينَ، أي: كانوا يُبادِرونَ في وُجوهِ الخيراتِ مع ثَباتِهم واستقرارِهم في أصْلِ الخيرِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ كَلمةِ (فِي) على كَلمةِ (إلى) المُشعِرةِ بخِلافِ المقصودِ، مِن كَونِهم خارِجينَ عن أصْلِ الخَيراتِ مُتوجِّهينَ إليها [922] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/396)، ((تفسير أبي السعود)) (6/83)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/136). .
- وحَرْفُ التَّأكيدِ (إنَّ) في قولِه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ مُفِيدٌ مَعنى التَّعليلِ والتَّسبُّبِ، وأفاد فِعْلُ الكَونِ أنَّ ذلك كان دأْبَهم وهِجِّيراهم [923] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/136). .
- قولُه: رَغَبًا وَرَهَبًا وَصْفٌ لمَصدرِ (يَدْعُونَنَا)؛ لبَيانِ نَوعِ الدُّعاءِ بما هو أعَمُّ في جِنْسِه، أو يُقدَّرُ مُضافٌ، أي: ذَوي رغَبٍ ورهَبٍ؛ فيكونُ مِن إقامةِ المُضافِ إليه مُقامَه، فأخَذَ إعرابَه [924] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/137). .
- وذكَرَ فِعْلَ الكَونِ أيضًا في قولِه تعالى: وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ؛ لإفادةِ أنَّ ذلك كان دأْبَهم وهِجِّيراهم [925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/137). .