موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (26-31)

ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ

غريب الكلمات:


تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا: التَّبذيرُ: الإسرافُ في النفقةِ، وتفريقُها في غيرِ ما أحلَّ الله عزَّ وجلَّ، ويُقالُ لكلِّ مضيِّعٍ مالَه، والتَّبذيرُ: التَّفريقُ، يُقالُ: بَذرتُ الأرض، أي: فرَّقْت البذرَ فيها، أي: الحبَّ، وأصلُ (بذر): هو نَثْرُ الشَّيءِ وتفريقُه [402] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 163)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/216)، ((المفردات)) للراغب (ص: 113)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 212).   .
مَغْلُولَةً: أي: مُمْسَكةً مَقبوضةً، كأنَّها بالمنعِ مَشدودةٌ بالغُلِّ: وهو القَيدُ يُجعَلُ في العُنُقِ [403] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 144)، ((المفردات)) للراغب (ص: 610)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 84)، ((المصباح المنير)) للفيومي (2/452)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/407).   .
مَحْسُورًا: أي: مُنقَطِعًا عن النَّفَقةِ والتصَرُّفِ، لِذَهابِ ما يَقوى به، وانحِسارِه عنه، ومنه البَعيرُ الحَسيرُ: الذي قد حَسَره السَّفَرُ، أي: ذهَبَ بلَحمِه وقُوَّتِه، فلا انبِعاثَ به، وأصلُ (حسر): يدُلُّ على كَشفِ الشَّيءِ وذَهابِه [404] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/576)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 419)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/61)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 203)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/407).   .
وَيَقْدِرُ: أي: يُضَيِّقُ، وأصلُ (قدر): يدُلُّ على مَبلغِ الشَّيءِ ونِهايتِه، كأنَّما جُعِلَ رِزقُه بقَدْرٍ يَسيرٍ [405] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 466)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/62)، ((المفردات)) للراغب (ص: 659)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 297).   .
إِمْلَاقٍ: أي: فَقرٍ، وتجَرُّدٍ عن المالِ، وأصلُ (ملق): يدلُّ على تَجَرُّدٍ ومَلاسةٍ، كأنَّه بإنفاقِه لم يَبقَ له إلَّا المَلَقاتُ، وهي الحِجارةُ العِظامُ المُلْسُ التي لا يتعَلَّقُ بها شَيءٌ [406] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/658)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 103)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/351)، ((المخصص)) لابن سيده (3/453)، ((فتح القدير)) للشوكاني (3/264).   .
خِطْئًا: أي: إثمًا وخَطيئةً، يُقالُ: خَطِئ يَخطَأُ خِطْئًا مِثلُ أثِمَ يأثَمُ إثمًا: إذا تعَمَّد الخَطأَ، وأخطأَ: إذا لم يتعَمَّدْ، فالخِطْءُ: ما تُعمِّدَ، والخَطَأ: ما لم يُتعَمَّدْ [407] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/580)، ((المحكم والمحيط الأعظم)) لابن سيده (5/231)، ((البسيط)) للواحدي (13/321)، ((تصحيح التصحيف)) للحريري (ص: 87)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 212).   .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: وأحسِنْ إلى أقربائِك، وأعطِهم حُقوقَهم مِن البِرِّ والصِّلةِ والإحسانِ، وأعْطِ المِسكينَ حقَّه مِن الصدقةِ، والمُسافِرَ المُنقَطِعَ عن أهلِه ومالِه حقَّه مِن الضيافةِ، ولا تُفَرِّقْ أموالَك بإنفاقِها في غَيرِ حَقِّها؛ إنَّ المُنفِقينَ أموالَهم في غيرِ ما شرع اللهُ، هم إخوانُ الشَّياطينِ؛ لاتِّباعِهم إيَّاهم، وكان الشَّيطانُ شديدَ الجُحودِ لنِعَمِ رَبِّه.
ثم يقولُ تعالى: وإن أعرَضْتَ عن إعطاءِ هؤلاء الذين أُمِرْتَ بإعطائِهم؛ لِعَدَمِ وُجودِ ما تُعطيهم منه، راجيًا الرِّزقَ مِن عندِ رَبِّك- فقُلْ لهم قَولًا حَسَنًا جميلًا، كالوعْدِ الجَميلِ بإعطائِهم، والدُّعاءِ لهم بالغِنى وسَعةِ الرِّزقِ.
ثمَّ يرشدُ الله عبادَه إلى كيفيةِ إنفاقِ أموالِهم، والتصرفِ فيها، وأفضلِ الطرقِ في ذلك، فيقولُ: ولا تُمسِكْ يَدَك عن الإنفاقِ في سَبيلِ الخَيرِ بُخلًا، ولا تُسرِفْ في الإنفاقِ، فتُعطيَ فوقَ طاقتِك، فتَقعُدَ مَلومًا، مُنقَطِعًا عن النَّفَقةِ؛ بسَبَبِ ضَياعِ مالِك.
ثمَّ يبيِّنُ سبحانَه أنَّ مرجعَ الأمورِ كلِّها إليه، فهو المعطي، وهو المانعُ، فيقول: إنَّ رَبَّك يُوسِّعُ الرِّزقَ على من يشاءُ، ويُضَيِّقُه على من يشاءُ، وَفْقَ عِلمِه وحِكمَتِه سُبحانَه وتعالى؛ إنَّه خبيرٌ بعبادِه، بصيرٌ بهم.
 ثمَّ يقولُ تعالى: ولا تَقتُلوا -أيُّها الآباءُ- أولادَكم خَوفًا مِن الفَقرِ؛ فإنَّه سُبحانَه يَرزُقُ الأبناءَ كما يَرزُقُ الآباءَ، إنَّ قَتْلَ الأولادِ خَطيئةٌ وذَنبٌ عَظيمٌ.

تفسير الآيات:


وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا حَثَّ اللهُ تعالى على الإحسانِ إلى الوالِدَينِ بالخُصوصِ؛ عمَّ بالأمرِ به لكُلِّ ذي رَحِمٍ وغيرِه [408] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/405).   ؛ فإنَّ القَرابةَ كُلَّها لما كانت مُتَشَعِّبةً عن الأبُوَّةِ؛ فلا جَرَم انتَقَل مِنَ الكَلامِ على حُقوقِ الأبَوَينِ إلى الكَلامِ على حُقوقِ القَرابةِ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/76).   .
وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ.
أي: وأعْطِ القَريبَ -يا مُحمَّدُ [410] قال ابنُ جرير: (خرج ذلك مَخرجَ الخِطابِ لنبيِّ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، والمرادُ بحُكمِه جَميعُ مَن لَزِمَته فرائِضُ اللهِ). ((تفسير ابن جرير)) (14/564).   - حقَّه من الصِّلةِ والعَطفِ والمُواساةِ، والمِسكينَ حَقَّه مِن الصَّدَقةِ، والمُسافِرَ المُنقَطِعَ المُجتازَ بك حَقَّه مِنَ الضِّيافةِ، والإعانةِ على وُصولِه إلى مَقصِدِه [411] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/563-565)، ((تفسير السمرقندي)) (2/308)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/76، 77).   .
وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا رغَّبَ في البَذلِ، وكانت النَّفسُ قَلَّما يكونُ فِعلُها قَوامًا بينَ الإفراطِ والتَّفريطِ؛ أتبَعَ ذلك قَولَه تعالى [412] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/405).   :
وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا.
أي: ولا تُفَرِّقْ أموالَك بإنفاقِها في غَيرِ حَقِّها ومَواضِعِها التي تستَحِقُّ الإنفاقَ فيها، وذلك كالإنفاقِ في مَعصيةِ اللهِ تعالى [413] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/565-568)، ((تفسير أبي السعود)) (5/168)، ((تفسير الألوسي)) (8/61)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/79). قال ابنُ تيميَّةَ: (والتَّبذيرُ قد يكونُ في القَدْرِ: بأن يُعطيَ هؤلاء المُستحقِّينَ فوقَ ما يَصلُحُ، بحيث يَصرِفُ الزَّائِدَ على كفايتِهم إليهم، ويَعدِلُ به عمَّن هو أحوَجُ إليه وأحَقُّ به منهم. وقد يكونُ في الأصلِ: بأن يُعطى المالُ في المنافِعِ المُحَرَّمةِ، كمَهرِ البَغيِّ، وحُلوانِ الكُهَّانِ، فهذا مِن الذُّنوبِ، وذاك من الإسرافِ؛ ولهذا قال المؤمِنونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا [آل عمران: 147]). ((العقود)) (ص: 18-19). وقال أبو السعود: (التبذيرُ تفريقٌ في غير موضِعِه، مأخوذٌ من تفريق حبَّاتٍ وإلقائِها كيفما كان من غير تعهُّدٍ لمواقِعِه، لا عن الإكثارِ في صَرفِه إليهم، وإلَّا لناسبه الإسرافُ الذي هو تجاوُزُ الحَدِّ في صرفِه). ((تفسير أبي السعود)) (5/168). وقال ابن عاشور: (التبذيرُ: تفريقُ المالِ في غير وجهِه، وهو مرادِفُ الإسرافِ، فإنفاقُه في الفسادِ تبذيرٌ، ولو كان المقدارُ قليلًا، وإنفاقُه في المباحِ إذا بلغ حَدَّ السَّرَفِ تبذيرٌ، وإنفاقُه في وجوه البِرِّ والصَّلاحِ ليس بتبذير. وقد قال بعضُهم لمن رآه ينفِقُ في وجوه الخير: لا خيرَ في السَّرَفِ، فأجابه المنفِقُ: لا سَرَفَ في الخيرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/79). وقيل: التبذيرُ: الإنفاقُ في معصيةِ الله. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (6/95)، ((تفسير البغوي)) (3/130)، ((تفسير الخازن)) (3/128). وقال القصاب: (كُلُّ ما حَرَّمَ اللهُ على العبادِ أكْلَه أو شُرْبَه أو فِعْلَه، فأنفَقَ فيه مُنْفِقٌ نفَقةً؛ سُمِّيَ مُبَذِّرًا، صائرًا بها مِن إخوانِ الشَّياطينِ، كَفورًا لِرَبِّه جلَّ وتعالى... والسرفُ وإن كان منهيًّا عنه فليس بتبذيرٍ. إنَّما التبذيرُ: ما يُستعانُ به على المعاصي وحدَها). ((النكت الدالة على البيان)) (2/123). .
كما قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ [النساء: 5].
وقال سُبحانَه: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141].
وعن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّمَ عليكم عُقوقَ الأمَّهاتِ، ووأْدَ البَناتِ، ومنعًا وهاتِ، وكَرِهَ لكم ثلاثًا: قيلَ وقال، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال) ) [414] رواه البخاري (2408)، ومسلم (593) واللفظ له.   .
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27).
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ.
أي: إنَّ المُفَرِّقينَ أموالَهم في غَيرِ حَقِّها ووجْهِها المَشروعِ كانوا إخوانَ الشَّياطينِ؛ لاتِّباعِهم إيَّاهم في التَّبذيرِ والسَّفَهِ ومَعصيةِ اللهِ [415] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/568)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/20)، ((تفسير ابن كثير)) (5/69). قال ابن عاشور: (المعنى: أنَّهم مِن أتباعِ الشَّياطينِ وحُلَفائِهم، كما يُتابِعُ الأخُ أخاه... ومعنى ذلك: أنَّ التبذيرَ يدعو إليه الشَّيطانُ؛ لأنَّه إمَّا إنفاقٌ في الفسادِ، وإمَّا إسرافٌ يَستنزِفُ المالَ في السفاسِفِ واللَّذَّاتِ، فيُعطِّلُ الإنفاقَ في الخيرِ، وكُلُّ ذلك يُرضي الشَّيطانَ، فلا جرَمَ أنْ كان المتَّصِفونَ بالتَّبذيرِ مِن جُندِ الشَّيطانِ وإخوانِه). ((تفسير ابن عاشور)) (15/80، 81). وقال أبو حيان: (وأُخوَّةُ الشياطين كونُهم قرناءهم في الدنيا وفي النار في الآخرةِ، وتدُلُّ هذه الأُخوَّةُ على أنَّ التبذيرَ هو في معصيةِ الله، أو كونهم يطيعونَهم فيما يأمرونَهم به من الإسرافِ في الدنيا). ((تفسير أبي حيان)) (7/40). وقال القرطبي: (إِخْوَانَ يعني أنَّهم في حُكمِهم؛ إذ المبَذِّرُ ساعٍ في إفسادٍ كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسَوِّلُ لهم أنفُسُهم، أو أنهم يُقرَنون بهم غدًا في النار، ثلاثة أقوال). ((تفسير القرطبي)) (10/248). قال الشنقيطي: (وإطلاقُ اسمِ الأخِ على النظير المشابِه معروفٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ؛ فمنه في القرآنِ قَولُه تعالى: وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا [الزخرف: 48]، وقولُه تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء: 27]، وقولُه تعالى: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [الأعراف: 202]. ((أضواء البيان)) (3/415). .
 وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا.
أي: وكان الشَّيطانُ لرَبِّه جَحودًا لنِعَمِه لا يَشكُرُها، فيَترُكُ طاعةَ اللهِ، ويُقبِلُ على مَعصيتِه [416] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/568)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 632)، ((تفسير البغوي)) (3/130)، ((تفسير ابن كثير)) (5/69). وممَّن ذهب إلى أنَّ المرادَ بالكفرِ هنا هو جحودُ نِعَمِ الله تعالى: ابن جرير، والواحدي، والبغوي، وابن كثير. يُنظر: المصادر السابقة. وقال ابن عاشور: (هذا تحذيرٌ شديدٌ مِن أن يفضيَ التبذيرُ بصاحبه إلى الكفرِ تدريجًا؛ بسبَبِ التخَلُّقِ بالطبائع الشيطانية، فيذهبُ يتدهورُ في مهاوي الضلالةِ حتى يبلُغَ به إلى الكفرِ، كما قال تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121]. ويجوز حَملُ الكفر هنا على كُفرِ النعمة، فيكونُ أقربَ درَجاتٍ إلى حالِ التخَلُّقِ بالتبذير؛ لأنَّ التبذير صَرفُ المال في غيرِ ما أمرَ الله به، فهو كفرٌ لنِعمةِ الله بالمال، فالتخَلُّقُ به يُفضي إلى التخَلُّقِ والاعتيادِ لكُفران النِّعَمِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/81). .
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28).
أي: وإنْ تُعرِضْ -يا محمَّدُ- عن إعطاءِ الأقارِبِ والمَساكينِ وأبناءِ السَّبيلِ حُقوقَهم؛ لقِلَّةِ مالِك، وأنتَ تنتَظِرُ رِزقًا مِن عندِ ربِّك؛ تَرْجو أن يُيسِّرَه لك، فلا تُؤيِّسْهم مِن عَطائِك، ولا تُغلِظْ لهم القَولَ، وإنَّما قلْ لهم قولًا ليِّنًا لَطيفًا طيِّبًا تقبَلُه نُفوسُهم، كالاعتِذارِ الحَسَنِ، والوعْدِ الجَميلِ بإعطائِهم، والدُّعاءِ لهم بالرِّزقِ [417] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/569)، ((تفسير القرطبي)) (10/249)، ((تفسير ابن كثير)) (5/69)، ((تفسير ابن جرير)) (15/83)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/86).   .
كما قال تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة: 263].
وقال سُبحانَه: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [الضحى: 10].
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أمَرَ رَسولَه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم بالإنفاقِ في الآيةِ المتقَدِّمةِ، عَلَّمَه في هذه الآيةِ أدَبَ الإنفاقِ [418] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/329).   .
وأيضًا فإنَّ هذا عَودٌ إلى بَيانِ التَّبذيرِ والشُّحِّ، فالجُملةُ عَطفٌ على جُملةِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [419] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/84).   [الإسراء: 26].
وأيضا فإنَّ الله تعالى لَمَّا أمَرَ بالجُودِ الذي هو لازِمُ الكَرَمِ؛ نهى عن البُخلِ الذي هو لازِمُ اللؤمِ، في سياقٍ يُنَفِّرُ منه ومِنَ الإسرافِ، فقال تعالى [420] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/407).   :
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ.
أي: ولا تُمسِكْ يَدَك بُخلًا عن النَّفَقةِ في الخَيرِ كُلَّ الإمساكِ وكأنَّها مُقَيَّدةٌ إلى عُنُقِك، فلا تستطيعُ أن تَمُدَّها لتُعطيَ أحدًا شيئًا من الخَيرِ [421] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/573)، ((البسيط)) للواحدي (13/317)، ((تفسير البغوي)) (3/131)، ((تفسير ابن كثير)) (5/70)، ((تفسير الشربيني))  (2/300). قال الواحدي: (قال صاحب النظم [أبو علي الجرجاني]:... قد يمنَعُ الإنسانُ في مواضِعِ المنع ولا يرجِعُ عليه بلومٍ، فلذلك قال عزَّ وجلَّ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ أي: لا تكنْ ممسِكًا عن البَذلِ عادةً، ولم يُرد ألَّا يمسِكَ عند وقتِ الإمساك، يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ). ((البسيط)) (13/317، 318).   .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَمِعَ رَسولَ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((مَثَلُ البَخيلِ والمُنفِقِ كمَثَلِ رَجُلَينِ عليهما جُبَّتانِ [422] جُبَّتانِ: واحِدُه جُبَّةٌ، وهو ثوبٌ سابِغٌ واسِعُ الكُمَّينِ، مَشقوقُ المُقَدَّم، يُلبَسُ فوقَ الثيابِ. يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (10/273)، ((المعجم الوسيط)) (1/104).   مِن حَديدٍ مِن ثُدِيِّهما إلى تَراقِيهما [423] تَراقِيهما: جمعُ تَرقُوَة: وهما عَظْمانِ مُشرِفان في أعلى الصَّدرِ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (3/37).   ؛ فأمَّا المُنفِقُ فلا يُنفِقُ إلَّا سَبَغَت [424] سَبَغَت: أي: امتَدَّت وغَطَّت. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (3/ 306).   أو وَفَرَت [425] وَفَرَت: أي: كَمَلَت. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (3/37).   على جِلْدِه، حتى تُخفِيَ بَنانَه وتَعفوَ أثَرَه [426] وتعفوَ أثَرَه: أي: تَمحُوَه وتَطمِسَه. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (3/37).   ، وأمَّا البَخيلُ فلا يُريدُ أن يُنفِقَ شَيئًا إلَّا لَزِقَت كُلُّ حَلْقةٍ مَكانَها، فهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعُ )) [427] رواه البخاري (1443) واللفظ له، ومسلم (1021).   .
وعن أسماءَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((انفَحي أو انضِحي [428] النَّفحُ والنَّضحُ: العَطاءُ. ويُطلَقُ النَّضحُ أيضًا على الصبِّ، وهو أبلَغُ مِن النَّفحِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/118).   أو أنْفِقي، ولا تُحصي فيُحصِيَ اللهُ عليك، ولا تُوعِي [429] لا تُوعِي: أي: لا تجمَعي في الوِعاءِ وتَبخلي. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (4/347).   فيُوعِيَ اللهُ عليك )) [430] رواه البخاري (2591)، ومسلم (1029) واللفظ له.   .
وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ.
أي: ولا تَبسُطْ يدَك بالعَطاءِ والإنفاقِ كُلَّ البَسطِ، فتُنفِقَ فَوقَ طاقتِك، وتبقَى بلا مالٍ لَدَيك [431] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/573)، ((تفسير القرطبي)) (10/250)، ((تفسير ابن كثير)) (5/70).   .
فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا.
أي: فتَبقى ملومًا عندَ الله تعالى، وعندَ النَّاسِ، وعندَ نَفسِك، مُنقَطِعًا، لا شيءَ لديك لتُنفِقَه، عاجزًا عن إقامةِ شُؤونِك [432] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/251)، ((تفسير ابن كثير)) (5/70)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/85). قال القُرطبيُّ: (نهى اللهُ سُبحانَه وتعالى عن الإفراطِ في الإنفاقِ، وإخراجِ ما حَوَتْه يدُه من المالِ مَن خِيفَ عليه الحَسرةُ على ما خَرَج مِن يَدِه، فأمَّا من وَثِقَ بموعودِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وجَزيلِ ثوابِه فيما أنفَقَه، فغيرُ مُرادٍ بالآيةِ، والله أعلَمُ). ((تفسير القرطبي)) (10/250). ويُنظر: ((الموافقات)) للشاطبي (3/70-72). وذهب ابنُ جرير، والواحدي، والزمخشري، والبيضاوي، وابنُ جزي إلى أنَّ الملومَ والمحسورَ كلاهما يرجعانِ إلى بسطِ اليدِ بالنفقةِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/573)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 633)، ((تفسير الزمخشري)) (2/662)، ((تفسير البيضاوي)) (3/253)، ((تفسير ابن جزي)) (1/445). قال الزمخشري: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا فتصير ملومًا عندَ الله؛ لأنَّ المسرفَ غيرُ مرضيٍّ عندَه وعندَ الناسِ، يقولُ المحتاجُ: أعطَى فلانًا وحرَمني. ويقولُ المستغني: ما يُحسِنُ تدبيرَ أمرِ المعيشةِ). ((تفسير الزمخشري)) (2/662). وممَّن ذهب إلى أنَّ الملوم يرجعُ إلى قوله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وأنَّ المحسورَ يرجعُ إلى قولِه تعالى: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فالملومُ يرجعُ إلى النهيِ عن الشحِّ، والمحسورُ يرجعُ إلى النهيِ عن التبذيرِ، ممن ذهب إلى ذلك: ابنُ كثير، والشوكاني، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/70)، ((تفسير الشوكاني)) (3/264)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/85). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67].
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان سَبَبُ البُخلِ خَوفَ الفَقرِ، وسَبَبُ البَسطِ مَحبَّةَ إغناءِ المُعطي؛ قال مُسَلِّيًا لرَسولِه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم عَمَّا كان يُرهِقُه من الإضاقةِ عن التَّوسعةِ على مَن يسألُه، بأنَّ ذلك إنَّما هو لِتَربيةِ العِبادِ بما يُصلِحُهم، لا لِهَوانٍ بالمُضَيَّقِ عليه، ولا لإكرامٍ للمُوَسَّعِ عليه [433] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/407).   .
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ.
أي: إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- يُوسِّعُ رِزقَه على مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُضَيِّقُه على مَن يشاءُ منهم، بحَسَبِ حِكمَتِه سُبحانَه [434] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/576)، ((الوسيط)) للواحدي (3/106)، ((تفسير ابن كثير)) (5/71). قال ابن عطية: (المعنى: كنْ أنت -يا محمَّدُ- على ما رُسِمَ لك من الاقتصادِ وإنفاقِ القَوامِ، ولا يهمَّنَّك فَقرُ من تراه كذلك؛ فإنَّه بمرأًى من اللهِ ومَسمعٍ وبمشيئةٍ). ((تفسير ابن عطية)) (3/451).   .
إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا.
أي: لأنَّه خَبيرٌ ببواطِنِ عِبادِه وأحوالِهم وأخبارِهم، بَصيرٌ بظَواهِرِهم وكيفيَّةِ تَدبيرِهم في أرزاقِهم وغَيرِها؛ فهو أعلَمُ بمصالِحِ عبادِه وما يَليقُ بكُلٍّ منهم، فيَعلَمُ مَن يَصلُحُ له الغِنى، ويَعلَمُ مَن يَصلُحُ له الفَقرُ [435] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/576، 577)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 633)، ((تفسير ابن كثير)) (5/71)، ((تفسير الشوكاني)) (3/264)، ((تفسير القاسمي)) (6/458)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/86).   .
كما قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت: 62].
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أتَمَّ سُبحانَه ما أراد مِن الوَصيَّةِ بالأُصولِ وما تَبِعَ ذلك، وختَمَه بما قَرَّرَ مِن أنَّ قَبضَ الرِّزقِ وبَسْطَه، منه مِن غَيرِ أن يَنفَعَ في ذلك حِيلةٌ؛ أوصاهم بالفُروعِ؛ لِكَونِهم في غايةِ الضَّعفِ [436] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/408).   .
وأيضًا لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى في الآيةِ الأُولَى أنَّه هو المُتكَفِّلُ بأرزاقِ العِبادِ، حيثُ قال: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الإسراء: 30]؛ أتبَعَه بِقَولِه [437] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/330).   :
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ.
أي: ولا تَقتُلوا -أيُّها الآباءُ- أولادَكم؛ خَوفًا مِن أن يُصيبَكم الفَقرُ بالإنفاقِ عليهم [438] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/577)، ((تفسير ابن عطية)) (3/451)، ((تفسير ابن كثير)) (5/72). قال ابنُ جرير: (إنَّما قال جلَّ ثَناؤه ذلك للعَرَبِ؛ لأنَّهم كانوا يَقتُلونَ الإناثَ مِن أولادِهم؛ خَوفَ العَيلةِ على أنفُسِهم بالإنفاقِ عليهنَّ). ((تفسير ابن جرير)) (14/577). وقال ابن عاشور: (المراد بالأولاد خصوصُ البناتِ؛ لأنهنَّ اللاتي كانوا يقتلونَهنَّ وأدًا، ولكنْ عبَّرَ عنهن بلفظِ الأولاد في هذه الآية ونظائِرِها؛ لأنَّ البنتَ يُقال لها: ولدٌ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/88). .
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ.
أي: نحن نُعطي أولادَكم -أيُّها الآباءُ- رِزقَهم، ولَستُم الرَّازِقينَ لهم، ونُعطيكم رِزقَكم أيضًا؛ فلا تَخشَوُا الفَقرَ بسَبَبِهم [439] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص (3/260)، ((تفسير السمعاني)) (3/237)، ((تفسير ابن كثير)) (3/362)، ((تفسير أبي السعود)) (5/169).   .
إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا.
أي: إنَّ قتلَ الآباءِ لأولادِهم ذَنبٌ عَظيمٌ [440] يُنظر: ((معاني القرآن)) للأخفش (2/422)، ((تفسير ابن جرير)) (14/579، 580)، ((تفسير ابن كثير)) (5/72). قال القاسمي: (كَانَ خِطْأً كَبِيرًا أي: لإفضائِه إلى تخريبِ العالمِ. وأيُّ خِطْءٍ أكبرُ مِن ذلك؟!). ((تفسير القاسمي)) (6/458). وقال السعدي: (أخبر أنَّ قَتلَهم كان خِطأً كبيرًا أي: من أعظَمِ كبائرِ الذنوبِ لزوالِ الرحمةِ مِن القلبِ والعقوقِ العظيمِ والتجرُّؤِ على قتلِ الأطفالِ الذين لم يجرِ منهم ذنبٌ ولا معصيةٌ). ((تفسير السعدي)) (ص: 457). وقال الشنقيطي: (الخطايا والخطيئات: جمعُ خطيئة، وهي الذنبُ العظيمُ الذي يستحِقُّ صاحِبُه النكالَ، يقال لها: (خطيئة) و (خِطء)، ومنه قوله: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا). ((العذب النمير)) (4/264). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الذَّنبِ أعظَمُ؟ قال: أن تَجعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَك، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: أن تَقتُلَ ولَدَك؛ مِن أجْلِ أن يطعَمَ مَعَك، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: أن تُزانيَ حَليلةَ [441] حَليلةُ جارِك : أي: زَوجَتُه. سُمِّيَت بذلك لكَونِها تحِلُّ له. ((شرح النووي على مسلم)) (2/81).   جارِك )) [442] رواه البخاري (6811) واللفظ له، ومسلم (86).   .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا فيه الأمرُ بصِلةِ الأرحامِ، وإكرامِ المَساكينِ، والغُرَباءِ [443] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 167).   .
2- قال الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا مَنعُ ذي القُربى والمِسكينِ وابنِ السَّبيلِ حَقَّهم، انحرافٌ في جانِبِ الإمساكِ،  والتَّبذيرُ انحرافٌ في جانِبِ البَذلِ،  ورِضا اللهِ فيما بينهما، وقد اتَّفَق شَرْعُ الرَّبِّ تعالى وقَدَرُه على أنَّ خِيارَ الأُمورِ أوساطُها [444] يُنظر: ((الصلاة وأحكام تاركها)) لابن القيم (ص: 159).   .
3- قال الله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، والمرادُ بالأخوةِ المماثلةُ التامةُ، وتجنبُ مماثلةِ الشيطانِ ولو في خصلةٍ واحدةٍ مِن خصالِه واجبٌ، فكيف فيما هو أعمُّ مِن ذلك، كما يدلُّ عليه إطلاقُ المماثلةِ، والإسرافُ في الإنفاقِ من عملِ الشيطانِ، فإذا فعَله أحدٌ مِن بني آدمَ فقد أطاع الشيطانَ، واقتدَى به [445] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/263).   ، فليحذرِ المرءُ مِن عملٍ هو مِن شأنِ إخوانِ الشياطينِ، وليحذرْ أن ينقلبَ مِن إخوانِ الشياطينِ [446] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/81).   .
4- أنَّ الإنسانَ ليس له أنْ يَصْرِفَ المالَ إلَّا فيما ينفَعُه في دينِه أو دُنياه، وما سِوى ذلك سَفَهٌ وتبذيرٌ نهى اللهُ عنه بقَولِه: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، وقال بعضُ السلفِ: (لو أنفقتَ درهمًا في معصيةِ الله كنتَ مبذِّرًا، ولو أنفقتَ ملءَ الأرضِ في طاعةِ الله لم تكنْ مبذِّرًا) [447] يُنظر: ((نظرية العقد)) لابن تيمية (1/18).   .
5- ينبغي على وليِّ الأمْرِ إذا سألَه النَّاسُ ما لا يَصلُحُ بَذْلُه مِن الوِلاياتِ والأموالِ، والمَنافعِ والأجورِ، والشَّفاعةِ في الحُدودِ وغيرِ ذلك، أنْ يُعَوِّضَهم مِن جهةٍ أخرى إنْ أمكَنَ، أو يَرُدَّهم بمَيسورٍ مِن القَولِ -ما لم يُحتَجْ إلى الإغلاظِ-؛ فإنَّ ردَّ السائلِ يُؤلِمُه؛ خُصوصًا مَن يحتاجُ إلى تأليفِه، وقد قال الله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [الضحى: 10]، وقال أيضًا: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إلى قَولِه: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [448] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/365).   ، أي: لطيفًا، برفقٍ ووعدٍ بالجميلِ عندَ سنوحِ الفرصةِ، واعتذارٍ بعدمِ الإمكانِ في الوقتِ الحاضرِ؛ لينقلبوا مطمئنةً خواطرُهم، كما قال تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [449] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   [البقرة: 263].
6- قال الله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا هذا مِن لُطفِ اللهِ تعالى بالعِبادِ؛ أمَرَهم بانتِظارِ الرَّحمةِ والرِّزقِ منه؛ لأنَّ انتظارَ ذلك عِبادةٌ، وكذلك وَعْدُهم بالصَّدقةِ والمَعروفِ عند التيسُّرِ عِبادةٌ حاضِرةٌ؛ لأنَّ الهَمَّ بفِعلِ الحَسَنةِ حَسَنةٌ؛ ولهذا ينبغي للإنسانِ أن يَفعَلَ ما يَقدِرُ عليه مِن الخَيرِ، ويَنويَ فِعلَ ما لم يَقدِرْ عليه؛ لِيُثابَ على ذلك، ولعَلَّ اللهَ يُيَسِّرُ له بسَبَبِ رَجائِه [450] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا فيه الأمرُ بالقَولِ اللَّيِّنِ عندَ عَدَمِ وُجودِ ما يُعطى منه [451] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 167).   ، فالآيةُ تأديبٌ مِنَ اللَّهِ سبحانَه لعبادِه إذا سَأَلهم سائلٌ ما ليسَ عندَهم كيفَ يقولونَ، وبِمَ يَرُدُّونَ، ولقد أحسنَ مَنْ قال:
إِنْ لَا يَكُنْ وَرِقٌ يَوْمًا أجودُ بها
للسَّائِلينَ فإنـِّي لَيـِّنُ العُودِ
لا يَعْدَمُ السائلونَ الخيرَ مِن خُلُقي
إمَّا نَوالي وإمَّا حسنُ مردودي [452] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/264).  

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ قد جمعَت هذه الآيةُ ثلاثَ وصايا مِمَّا أوصى اللهُ به، بقَولِه: وَقَضَى رَبُّكَ... الآيات:
فأمَّا إيتاءُ ذي القُربى فالمقصِدُ منه مُقارِبٌ للمَقصِدِ مِن الإحسانِ للوالدينِ؛ رَعيًا لاتِّحادِ المنبَتِ القَريبِ، وشَدًّا لآصرةِ العشيرةِ التي تتكوَّنُ منها القبيلةُ، وفي ذلك صلاحٌ عَظيمٌ لنِظامِ القبيلةِ وأمنِها وذبِّها عن حَوزتِها.
وأمَّا إيتاءُ المسكينِ فلِمَقصِدِ انتظامِ المجتمعِ بألَّا يكونَ مِن أفرادِه مَن هو في بؤسٍ وشَقاءٍ، على أنَّ ذلك المسكينَ لا يعدو أن يكونَ مِن القبيلةِ في الغالِبِ أقعَدَه العَجزُ عن العَمَلِ، والفَقرُ عن الكفايةِ.
 وأمَّا إيتاءُ ابنِ السَّبيلِ فلإكمالِ نظامِ المجتَمَعِ؛ لأنَّ المارَّ به مِن غيرِ بنيه بحاجةٍ عَظيمةٍ إلى الإيواءِ ليلًا ليقيَه من عوادي الوحوشِ واللُّصوصِ، وإلى الطَّعامِ والدِّفءِ أو التظَلُّلِ؛ وقايةً مِن إضرارِ الجوعِ والقُرِّ أو الحَرِّ [453] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/77).   .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ احتُجَّ بهذه الآيةِ على الحجرِ على المبذرِ، فيجبُ على الإمامِ منعُه منه بالحجرِ والحيلولةِ بينه وبينَ مالِه إلَّا بمقدارِ نفقةِ مثلِه [454] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/40). والحجْرُ على المبذِّرِ والمسرفِ هو مذهبُ الجمهورِ، خلافًا لأبي حنيفةَ. يُنظر: ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (4/194)، (31/286).   .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا الرَّحمةُ هنا هي الرِّزقُ الذي يتأتَّى منه العَطاءُ بقَرينةِ السِّياقِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الرِّزقَ سَبَبٌ للرَّحمةِ؛ لأنَّه إذا أعطاه مُستَحِقَّه أثيبَ عليه [455] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/83).   .
4- قَولُه تعالى: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ فيه إخبارٌ بأنَّ رِزقَ الجَميعِ على اللهِ تعالى، واللهُ سيُسَبِّبُ لهم ما يُنفِقونَ على الأولادِ وعلى أنفُسِهم. وفيه بَيانُ أنَّ اللهَ تعالى سيرزُقُ كُلَّ حيوانٍ خَلَقَه ما دامَت حياتُه باقيةً، وأنَّه إنَّما يَقطَعُ رِزقَه بالمَوتِ، وبَيَّنَ اللهُ تعالى ذلك؛ لئلَّا يتعَدَّى بَعضُهم على بَعضٍ، ولا يَتناوَل مالَ غَيرِه؛ إذ كان اللهُ قد سبَّبَ له مِنَ الرِّزقِ ما يُغنيه عن مالِ غَيرِه [456] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص (3/260).   .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا هذه الآيةُ الكريمةُ دالَّةٌ على أنَّ اللهَ تعالى أرحَمُ بعِبادِه مِنَ الوالِدِ بوَلَدِه؛ لأنَّه ينهى تعالى عن قَتلِ الأولادِ، كما أوصَى بالأولادِ في الميراثِ [457] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/71-72).   .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا فيه النَّهيُ عن قَتلِ الأولادِ مَخافةَ الفَقرِ [458] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 167).   .
7- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ حُجَّةٌ في وجوبِ نَفَقةِ الآباءِ على الأبناءِ؛ إذ لو كانتِ النَّفَقةُ غيرَ واجِبةٍ لهم عليهم، لكان في النَّاسِ مَن تَسمَحُ نَفسُه بتَركِ الإنفاقِ، وكان مع عَدَمِ الإجبارِ عليه آمنًا مِن الإملاقِ، والآيةُ عامَّةُ المَخرَجِ على جَميعِ الآباءِ، فلا تَدُلُّ إلَّا على الوُجوبِ، بل على الإجبارِ مع المَنعِ [459] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/128).   .
8- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ عِظَةٌ للمُغتمِّينَ بكَثرةِ الأولادِ خَشيةَ العَجْزِ عن القِيامِ بنَفَقاتهم ومُؤْناتهم؛ ففي ضَمانِه -تبارك وتعالى- لنَفَقتِهم أمانٌ للمَضمونِ له ما يتَّقيه مِنَ العَجزِ، ويَحذَرُه مِن دُخولِ الفَقرِ عليه بسبَبِ أولادِه، وبِشارةٌ يَسكُنُ إليها المُؤمِنُ، ويَزولُ اضطرابُ قَلبِه بما لا يُخلِفُ ضامِنُه مِن وَعدِه، وإذا كان في حياتِه مَضمونًا له رِزقُ أولادِه وهو قَيِّمُهم، فبعدَ وفاتِه أحْرَى أن تَحسُنَ خِلافةُ ضامِنِه عليهم! وفي ذلك تطييبُ أنفُسِ مَن يتركُ بعده صِغارًا، وسكونُ قلوبِهم إلى من لا يُخلِفُ ميعادًا، ولا يُضَيِّعُ لهالكٍ أولادًا [460] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/128).   .
9- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ دَلالةٌ على أنَّ تحديدَ النَّسْلِ خَوفًا مِن ضِيقِ الرِّزْقِ؛ سُوءُ ظَنٍّ باللهِ تعالى! فاللهُ سُبحانَه وتعالى إذا خَلَقَ خَلْقًا، فلا بُدَّ أنْ يرزُقَه [461] يُنظر: ((الزواج)) لابن عثيمين (ص: 34).   .
10- في قوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ دلالةٌ على أنَّه كلما كَثُرَ الأولادُ انفتحتْ أبوابُ الرزقِ، إلَّا أنَّ كثرةَ الرزقِ بكثرة الأولادِ لها شرطٌ مهمٌّ؛ وهو تقوى اللهِ وصحةُ التوكلِ عليه؛ لقوله سُبحانَه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [462] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (9/2).   [الطلاق: 2، 3].

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا
- قَولُه: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ابتدأ بحَقِّ القريبِ تأكيدًا لحَقِّه، ولأنَّه هو مقتضى طبيعةِ التَّرتيبِ، ولأنَّه إذا سَخَت النفوسُ بإيتاءِ حَقِّ القريبِ ومَرَنت عليه، اعتادت الإيتاءَ وصار مِن مَلَكاتِها، فسهُلَ عليها إيتاءُ كُلِّ حَقٍّ ولو كان لأبعدِ النَّاسِ، إلى غير ذلك [463] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 79).   .
- قولُه: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا فيه ذِكْرُ المفعولِ المُطلَقِ تَبْذِيرًا بعدَ قولِه: وَلَا تُبَذِّرْ؛ لتأكيدِ النَّهيِ، كأنَّه قيلَ: لا تُبذِّرْ، لا تُبذِّرْ، مع ما في المصدرِ من استحضارِ جِنْسِ المَنْهيِّ عنه استحضارًا لِما تُتَصَوَّرُ عليه تلك الحقيقةُ بما فيها من المفاسِدِ [464] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/76).   .
2- قَولُه تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
- قولُه: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ تَعليلٌ؛ للمُبالغةِ في النَّهيِ عن التَّبذيرِ ببيانِ أنَّه يجعَلُ صاحِبَه مَلْزوزًا [465] ملزوزًا: أي: مقَيَّدًا مَشدودًا. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 282).   في قَرَنِ [466] القَرَنُ: الحبلُ. يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/76).   الشَّياطينِ [467] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/168)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/80).   ، وقد زِيدَ تأكيدُ ذلك بلفْظِ كَانُوا المُفيدِ أنَّ تلك الأُخوَّةَ صِفَةٌ راسخةٌ فيهم، وكَفى بحقيقةِ الشَّيطانِ كراهةً في النُّفوسِ واستقباحًا [468] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/80).   .
- وفي الكلامِ إيجازُ حذْفٍ، تقديرُه: ولا تُبذِّرْ تَبذيرًا، فتصيرَ من المُبذِّرينَ؛ إنَّ المُبذِّرينَ كانوا إخوانَ الشَّياطينِ، ثمَّ أكَّدَ التَّحذيرَ بجُملةِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [469] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/81).   .
- قولُه: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا فيه التَّعرُّضُ لوصفِ الرُّبوبيَّةِ؛ للإشعارِ بكمالِ عُتُوِّه؛ فإنَّ كُفرانَ نعمةِ الرَّبِّ -مع كونِ الرُّبوبيَّةِ مِن أقوَى الدَّواعي إلى شُكْرِها- غايةُ الكُفْرانِ، ونِهايةُ الضَّلالِ والطُّغيانِ [470] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/168).   .
3- قَولُه تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا
- قولُه: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا علَّلَ الإعراضَ بطلَبِ الرَّحمةِ، وهي كِنايةٌ عن الرِّزقِ والتَّوسعةِ، وطلَبُ ذلك ناشِئٌ عن فُقدانِ ما يجودُ به ويُؤْتيه مَن سأَلَه، وسمَّى الرِّزقَ رحمةً، فرَدَّهم ردًّا جميلًا، فوضَعَ الابتغاءَ موضِعَ الفقدِ؛ لأنَّ فاقِدَ الرِّزقِ مُبتَغٍ له، فكان الفقدُ سبَبَ الابتغاءِ، والابتغاءُ مُسبَّبًا عنه؛ فوضَعَ المُسبَّبَ مَوضعَ السَّببِ، وكأنَّ المعنى: وإنْ تُعْرِضْ عنهم لإعسارِك، فوضَعَ المُسبَّبَ -وهو ابتغاءُ الرَّحمةِ- موضِعَ السَّببِ، وهو الإعسارُ [471] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/662)، ((تفسير البيضاوي)) (3/253)، ((تفسير أبي حيان)) (7/41)، ((تفسير أبي السعود)) (5/168).   .
- قولُه: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ الإعراضُ هنا كِنايةٌ عن عدَمِ الإيتاءِ؛ لأنَّ الإمساكَ يُلازِمُه الإعراضُ [472] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/81).   .
- قولُه: ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ الرَّحمةُ هنا هي الرِّزقُ الَّذي يتأتَّى منه العطاءُ بقرينةِ السِّياقِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الرِّزقَ سبَبٌ للرَّحمةِ؛ لأنَّه إذا أعطاهُ مُستحِقَّه أُثيبَ عليه، وهذا إدماجٌ [473] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/83). والإدماجُ، لُغةً: الإدخالُ؛ يُقال: أدْمَجَ الشيءَ في ثَوبٍ، إذا لَفَّه فيه. واصطلاحًا: أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعل المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحَمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ، وقيل: أُدمِجتِ المبالغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/339)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427).   .
4- قولُه تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا أتَتْ هذه الآيةُ تَعليمًا بمعرفةِ حقيقةٍ من الحقائقِ الدَّقيقةِ؛ فكانت من الحكمةِ، وجاء نظْمُها على سبيلِ التَّمثيلِ، فصِيغَتِ الحِكمةُ في قالبِ البلاغةِ، وأمَّا البلاغةُ فبتَمْثيلِ الشُّحِّ والإمساكِ بغلِّ اليدِ إلى العُنقِ، وهو تَمثيلٌ لمنْعِ الشَّحيحِ وإعطاءِ المُسرِفِ، وهو مَبنيٌّ على تخيُّلِ اليدِ مصدرًا للبذْلِ والعطاءِ، وتخيُّلِ بسْطِها كذلك، وغلُّها شُحًّا، ومِن ثمَّ قالوا: له يدٌ على فُلانٍ، أي: نعمةٌ وفضْلٌ؛ فجاء التَّمثيلُ في الآيةِ مَبنيًّا على التَّصرُّفِ في ذلك المعنى بتَمثيلِ الَّذي يشُحُّ بالمالِ بالَّذي غُلَّتْ يدُه إلى عُنقِه، أي: شُدَّتْ بالغُلِّ، وهو القيدُ من السَّيرِ يُشَدُّ به يدُ الأسيرِ [474] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/662)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/84-85).   .
5- قَولُه تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
- مَوقعُ هذه الجُملةِ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ موقعُ اعتراضٍ بالتَّعليلِ لِمَا تقدَّمَ من الأمْرِ بإيتاءِ ذي القُربى والمساكينِ، والنَّهيِ عن التَّبذيرِ، وعن الإمساكِ المُفيدِ الأمْرَ بالقصدِ، بأنَّ هذا واجبُ النَّاسِ في أموالِهم وواجِبُهم نحوَ قَرابتِهم وضُعفاءِ عشائرِهم، فعليهم أنْ يَمْتثلوا ما أمَرَهم اللهُ من ذلك. وليس الشُّحُّ بمُبْقٍ مالَ الشَّحيحِ لنفْسِه، ولا التَّبذيرُ بمُغْنٍ مَن يُبذِّرُ فيهم المالَ؛ فإنَّ اللهَ قدَّرَ لكلِّ نفْسٍ رزْقَها [475] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /86).   .
- قولُه: إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا تَعليلٌ لِما سبَقَ، وهو جُملةُ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، أي: هو يفعَلُ ذلك؛ لأنَّه عليمٌ بأحوالِ عِبادِه وما يَليقُ بكلٍّ منهم بحسَبِ ما جُبِلَت عليه نُفوسُهم؛ فلأنَّه يعلَمُ سِرَّهم وعلَنَهم، يعلَمُ مِن مصالِحهم ما يَخْفَى عليهم [476] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/169)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/86).   .
6- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا
- قولُه: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ فيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيث قال في سورةِ (الأنعام): وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام: 151]؛ فاختَلفَ ترتيبُ ذِكْرِ الآباءِ والأبناء في الآية هنا مع ترتيبها في سورةِ (الأنعام)، ووجهُ ذلك: أنَّ هذا التعبيرَ مبنيٌّ على اختلافِ الحالين، ففي آيةِ سورةِ (الأنعامِ) يقول اللهُ تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ -أي: مِن فقرٍ- يعني: إذا كنتم فقراءَ؛ فلا تقتلوا أولادَكم، ثم قال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فبَدأَ بالآباء لأنهم فقراءُ؛ وجَعَلَ رزقَهم قبلَ ذِكْرِ رِزْقِ الأولادِ المقتولين، أمَّا في آيةِ سورةِ (الإسراءِ): وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خشية إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وَإِيَّاكمْ فلِأنَّ الآباءَ القاتلين هنا ليسوا فقراءَ -بل هم أغنياءُ- لكنهم يخشون الفقرَ! فكان الأنسبُ أنْ يُبْدَأَ بذِكْرِ رِزْقِ الأولادِ قبلَ ذِكْرِ رِزْقِ الآباءِ؛ لأنَّ الآباءَ رزقُهم موجودٌ، فقال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [477] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/664)، ((تفسير أبي حيان)) (4/687)، ((تفسير أبي السعود)) (5/169)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/87).   ، وقيل: تَقديمُ ضميرِ الأولادِ على المُخاطبينَ على عكْسِ ما وقَعَ في سُورةِ (الأنعامِ)؛ للإشعارِ بأصالتِهم في إفاضةِ الرِّزقِ، أو لأنَّ الباعثَ على القتْلِ هناك الإملاقُ النَّاجِزُ؛ ولذلك قيل هناك: مِنْ إِمْلَاقٍ [الأنعام: 151] وهاهنا الإملاقُ المُتوقَّعُ؛ ولذلك قيل هنا: خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ؛ فكأنَّه قيل: نرزُقُهم -من غيرِ أنْ يَنتقِصَ من رزْقِكم شَيءٌ، فيَعْتريكم ما تَخْشونَه- وإيَّاكم أيضًا رِزقًا إلى رزقِكم [478] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/169).   .
- قولُه: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ تَعليلٌ للنَّهيِ المذكورِ بإبطالِ مُوجِبِه في زعْمِهم [479] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/169).   .
- قولُه: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا تأكيدٌ للنَّهيِ، وتحذيرٌ من الوُقوعِ في المَنهيِّ. وفعْلُ كَانَ تأكيدٌ للجُملةِ [480] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/88-89).   .