موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (32-35)

ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ

غريب الكلمات:


فَاحِشَةً: أي: فِعلةً مُتناهِيةً في القُبحِ، وأصلُ (فحش): يدلُّ على قُبحٍ في شَيءٍ وشَناعةٍ [481] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1 /361)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4 /478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 626)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 701).   .
لِوَلِيِّهِ: أي: مَن يَلي أمرَه مِنْ وَرَثَتِه إنْ كانُوا مَوْجودينَ، أو مِمَّنْ له سلطانٌ إنْ لم يَكُونوا مَوجودينَ، وكلُّ مَن وَلِي أمرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه، وأصْلُ (ولي): يدلُّ على القُرْب، سواء من حيثُ: المكانُ، أو النِّسبةُ، أو الدِّينُ، أو الصَّداقةُ، أو النُّصرةُ، أو الاعتقادُ [482] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89)، ((تفسير الشوكاني)) (3/266).   .
سُلْطَانًا: أي: تَسَلُّطًا على القاتِل، أو حُجَّةً، وأصْلُ السُّلطانِ: القوَّةُ والقَهرُ، مِنَ التَّسلُّطِ؛ ولذلك سُمِّيَ السُّلطانُ سُلطانًا [483] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 113)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /95)، ((المفردات)) للراغب (ص: 247، 420، 724)، ((تفسير الشوكاني)) (3/266).   .
يَبْلُغَ أَشُدَّهُ: أي: يتناهَى في الثَّبَاتِ إلى حدِّ الرِّجالِ، أو يبلُغ مُنْتَهى شَبابِه وقُوَّتِه، والأَشُدُّ قيل: جمعٌ لا واحدَ له، وقيل: مفردُه شَدٌّ، وأَصْلُ (شدد): يدلُّ على قوَّةٍ في الشَّيءِ [484] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 64)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/180)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 540).   .
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ: أي: المِيزانِ العَدلِ السَّوِيِّ، وأصلُ (قسط) هنا: يدلُّ على العَدلِ [485] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/591)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/85، 86)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 741).   .
تَأْوِيلًا: أي: عاقِبةً، والعاقِبةُ تُسَمَّى تأويلًا؛ لأنَّها مآلٌ، مِن آلَ يَؤولُ أَوْلًا: إذا رجَعَ، وأصلُ (أول): ابتداءُ الأمرِ وانتهاؤُه [486] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((معاني القرآن)) للنحاس (4/155)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/158)، ((المفردات)) للراغب (ص: 99)، ((تفسير ابن عطية)) (3/455).   .

المعنى الإجمالي:


يذكرُ الله تعالى بعضَ النواهي، فيقولُ: ولا تَقربوا -أيُّها النَّاسُ- الزِّنا، وابتَعِدوا عن مُقَدِّماتِه ودواعِيه؛ كي لا تَقَعوا فيه؛ إنَّه كان فِعلًا شديدَ القُبحِ، وبِئسَ الطَّريقُ طَريقُه، ولا تَقتُلوا النَّفسَ التي حَرَّم اللهُ قَتْلَها إلَّا بحَقِّها، كالقِصاصِ أو رَجمِ الزَّاني المُحصَنِ، أو قَتلِ المُرتَدِّ. ومن قُتِل ظُلمًا بغيرِ حَقٍّ، فقد جعَلْنا لوليِّه سلطةً في طلَبِ قَتْلِ قاتِلِه، أو الدِّيةِ، أو العَفوِ، وليسَ لوليِّ المَقتولِ أن يتجاوزَ حَدَّ اللهِ في القِصاصِ، كأن يقتُلَ بالواحِدِ اثنينِ أو أكثَرَ، أو يُمَثِّلَ بالقاتِلِ، أو يقتُلَ غيرَ القاتِلِ؛ إنَّ اللهَ مُعِينٌ وليَّ المَقتولِ على القاتِلِ حتى يأخُذَ منه حَقَّه.
ثمَّ يقولُ تعالى: ولا تقرَبوا أموالَ اليتامى إلَّا بالطَّريقةِ التي هي أحسَنُ لهم، بالمحافظةِ عليها وتثميرِها وتنميتِها، حتى يبلُغَ اليَتيمُ سِنَّ البُلوغِ والرشدِ، ويتمكَّنَ مِن التصَرُّفِ في المالِ، فيُدفَعَ إليه مالُه.
 ثم يأمرُ الله تعالى بالوفاءِ بالعهدِ، فيقول: وأتِمُّوا الوفاءَ بالعُهودِ التي التَزَمتُم بها؛ لأنَّ العُهودَ مسؤولٌ عنها يومَ القيامةِ. وأتِمُّوا الكيلَ ولا تَنقُصوه إذا كِلْتم لِغَيرِكم، وزِنوا للنَّاسِ بالمِيزانِ السَّويِّ الذي لا غِشَّ فيه، إنَّ العَدلَ في الكَيلِ والميزانِ خَيرٌ لكم، وأحسَنُ عاقِبةً في الدُّنيا والآخِرةِ.

تفسير الآيات:


وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا نهى اللهُ تعالى عن قَتلِ الأولادِ، نهى عن التسَبُّبِ في إيجادِه مِن الطَّريقِ غَيرِ المَشروعةِ، فنهى عن قِربانِ الزِّنا، واستلزَمَ ذلك النَّهيَ عن الزِّنا [487] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/43).   .
وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا.
أي: ولا تَدنُوا -أيُّها النَّاسُ- مِن فِعلِ الزِّنا، وابتَعِدوا عن مُقَدِّماتِه ودواعيه [488] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/581)، ((تفسير القرطبي)) (10/253)، ((تفسير ابن كثير)) (5/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   .
إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا.
أي: إنَّه كان ذنبًا عَظيمًا غايةً في القُبحِ؛ في الشَّرعِ، والعَقلِ، والفِطرةِ، وبِئسَ طريقًا طَريقُ الزِّنا؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أنواعٍ مِن المفاسدِ في الدُّنيا [489] قال الخازن: (الزِّنا يشتَمِلُ على أنواعٍ من المفاسِدِ، منها المعصيةُ، وإيجابُ الحدِّ على نفسِه، ومنها اختِلاطُ الأنسابِ، فلا يعرِفُ الرجلُ وَلَدُ مَن هو؟ ولا يقومُ أحدٌ بتربيته، وذلك يوجِبُ ضياع الأولاد، وانقطاعَ النَّسلِ، وذلك يوجِبُ خراب العالم). ((تفسير الخازن)) (3/129). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/332).   ، وإلى العذابِ والخِزيِ في الآخرةِ، فما أسوأَه مِن طَريقٍ [490] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/581)، ((تفسير ابن عطية)) (3/452)، ((تفسير القرطبي)) (10/253)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/8-9)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 151)، ((تفسير ابن كثير)) (5/72)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/90). قال ابنُ القيم: (أخبَر عن غايتِه [أي: الزنا] بأنَّه «سَاءَ سَبِيلًا» فإنَّه سبيلُ هلكةٍ وبوارٍ وافتقارٍ في الدُّنيا، وعذابٍ وخزيٍ ونكالٍ في الآخرةِ). ((الجواب الكافي)) (ص: 151).   !
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا نهى اللهُ تعالى عن قَتلِ الأولادِ، وعن إيجادِهم مِن الطَّريقِ غَيرِ المَشروعةِ، نهى عن قَتلِ النَّفسِ، فانتقَلَ مِن الخاصِّ إلى العامِّ [491] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/44).   .
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.
أي: ولا تَقتُلوا النَّفسَ التي حرَّم اللهُ قتلَها إلَّا إذا استَحقَّتِ القَتلَ شَرعًا [492] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/582)، ((تفسير ابن كثير)) (5/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457). قال الواحديُّ: (قال المفسِّرونَ: حَقُّها الذي تُقتَلُ به: كُفرٌ بعدَ إسلامٍ ، أو زِنًا بعد إحصانٍ، أو قَتلُ نَفسٍ بتعَمُّدٍ). ((البسيط)) (13/323، 324). قال ابنُ جُزيٍّ: (وتتَّصِلُ بهذه الأشياءِ [أي الثلاثةِ السابقةِ] أشياءُ أُخَرُ؛ لأنَّها في معناها، كالحِرابةِ، وتَركِ الصَّلاةِ، ومَنعِ الزَّكاةِ). ((تفسير ابن جزي)) (1/445). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: ((لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلمٍ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ، إلَّا بإحدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ )) [493] رواه البخاري (6878)، ومسلم (1676) واللفظ له.   .
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا.
أي: ومَن قُتِل ظُلمًا بغيرِ حَقٍّ، فقد جعَلْنا لوليِّ [494] قال السَّعدي: (هو أقرَبُ عَصَباتِه ووَرَثتِه إليه). ((تفسير السعدي)) (ص: 457). وقال الألوسي: (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ لمن يلي أمرَه مِن الوارثِ أو السلطانِ عندَ عدمِ الوارثِ، واقتصارُ البعضِ على الأوَّل رعايةً للأغلبِ). ((تفسير الألوسي)) (8/67).   المَقتولِ سُلطةً وتسَلُّطًا على القاتِلِ؛ فهو بالخِيارِ: إن شاء قتَلَه قِصاصًا، وإن شاء أخَذَ الدِّيةَ، وإن شاء عَفا عنه [495] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/583، 584)، ((تفسير القرطبي)) (10/254، 255)، ((تفسير ابن كثير)) (5/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/88). قال ابن عاشور: (والجعلُ مِنْ قولِه: جَعَلْنَا هو الجعلُ التَّشريعيُّ، أي: شَرَعْنا... كما في قولِه تعالَى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا). ((تفسير ابن عاشور)) (5/33). وقال السعدي: (سُلْطَانًا أي: حُجَّةً ظاهِرةً على القِصاصِ مِن القاتِلِ، وجعَلْنا له أيضًا تسلُّطًا قدَريًّا على ذلك، وذلك حين تجتمِعُ الشروطُ الموجِبةُ للقِصاصِ، كالعَمدِ العدوانِ، والمكافأةِ [أي: في الدينِ، والحريةِ، والرقِّ]). ((تفسير السعدي)) (ص: 457). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قال: ((ومَن قُتِلَ له قَتيلٌ، فهو بخَيرِ النَّظَرينِ؛ إما أن يُفدَى، وإمَّا أن يُقِيدَ [496] يُفْدَى: أي: يُعطَى الدِّيةَ. يُقِيدَ: أي: يَقتَصَّ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (4/248).   ) [497] رواه البخاري (2434) واللفظ له، ومسلم (1355).   .
فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا.
أي: فلا يَتَجاوَزْ وَلِيُّ المَقتولِ ما حُدَّ له، فيتعدَّى بقَتلِ غَيرِ القاتِلِ، أو يَقتُل بالواحِدِ اثنَينِ أو أكثَرَ، أو يُمَثِّل بالقاتِلِ؛ إنَّ وَلِيَّ المَقتولِ [498] ممَّن اختار أنَّ الضميرَ في قولِه تعالى: إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا عائدٌ إلى وليِّ المقتول: ابنُ جريرٍ، والقرطبي، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/589)، ((تفسير القرطبي)) (10/256)، ((تفسير ابن كثير)) (5/74). وممن قال مِن السلفِ بهذا القولِ: قتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/588)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/23). قال ابن جرير: (وهي [أي: الهاءُ في إِنَّهُ] إلى ذِكرِه أقرَبُ مِن ذكرِ المقتولِ، وهو المنصورُ أيضًا؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤه قضى في كتابِه المنَزَّل أنْ سلَّطه على قاتِلِ وليِّه وحَكَّمَه فيه بأنْ جعلَ إليه قتْلَه إن شاء، واستبقاءَه على الديةِ إن أحَبَّ، والعفوَ عنه إن رأى، وكفى بذلك نُصرةً له من الله جلَّ ثناؤه). ((تفسير ابن جرير)) (14/589). وقال القُرطبيُّ: (فإن قيل: وكم مِن وليٍّ مَخذولٍ لا يَصِلُ إلى حَقِّه. قُلنا: المَعونةُ تكونُ بظُهورِ الحُجَّةِ تارةً، وباستيفائِها أُخرى، وبمَجموعِهما ثالثةً، فأيُّها كان فهو نَصرٌ مِن اللهِ سُبحانَه وتعالى). ((تفسير القرطبي)) (10/256). وقيل: هو عائدٌ إلى المقتولِ ظلمًا بغيرِ حقٍّ. وممَّن قال بذلك: الزَّجَّاج، ورجَّحه ابنُ عطيَّة، واختاره البقاعي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) (3/238)، ((تفسير ابن عطية)) (3/453)، ((نظم الدرر)) (11/410). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: مجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/589)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/23). قال الزجاج: (فهو منصورٌ في الدنيا والآخرة، فأمَّا نُصرتُه في الدنيا فقَتلُ قاتِلِه، وأما في الآخرة فإجزالُ الثوابِ له، ويُخلَّدُ قاتِلُه في النارِ). ((معاني القرآن وإعرابه)) (3/238). وقال البقاعي: (إِنَّهُ أي: القتيلَ كَانَ مَنْصُورًا في الدُّنيا بما جَبَل الله في الطباعِ مِن فُحشِ القتل، وكراهةِ كُلِّ أحدٍ له، وبُغضِ القاتِلِ والنُّفرةِ منه، والأخذِ على يَدِه، وفي الآخرة بأخذِ حَقِّه منه من غيرِ ظلمٍ ولا غفلةٍ، فمن وثِق بذلك ترك الإسرافَ، فإنَّه لخوفِ الفوتِ أو للتخويفِ مِن العودِ). ((نظم الدرر)) (11/410-411). كان مُعانًا على القاتِلِ بتَسليطِه عليه بالقِصاصِ، أو بأخْذِ الدِّيةِ، أو بالعَفوِ [499] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/585، 588، 589)، ((تفسير القرطبي)) (10/255، 256)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (35/88)، ((تفسير ابن كثير)) (5/73، 74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/87، 88). قال ابن كثير: (قوله: إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا أي: أنَّ الوليَّ منصورٌ على القاتلِ شَرعًا، وغالبًا قَدَرًا). ((تفسير ابن كثير)) (5/74).   .
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى النَّهيَ عن إتلافِ النُّفوسِ؛ أتبَعَه بالنَّهيِ عن إتلافِ الأموالِ؛ لأنَّ أعَزَّ الأشياءِ بعدَ النُّفوسِ الأموالُ، وأحَقُّ النَّاسِ بالنَّهيِ عن إتلافِ أموالِهم هو اليَتيمُ؛ لأنَّه لِصِغَرِه وضَعفِه وكَمالِ عَجزِه يَعظُمُ ضَررُه بإتلافِ مالِه؛ فلهذا السَّبَبِ خَصَّهم اللهُ تعالى بالنَّهيِ عن إتلافِ أموالِهم [500] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/336).   .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا نهى عن الإغارةِ على الأرواحِ، والأبضاعِ التي هي سَبَبُها؛ أتبَعَه النَّهيَ عن نَهبِ ما هو عَديلُها؛ لأنَّ به قِوامَها -وهو الأموالُ- وبدأ بأحَقِّ ذلك بالنَّهيِ؛ لشِدَّةِ الطَّمعِ فيه، لضَعفِ مالِكِه، فقال تعالى [501] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/411).   :
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
أي: ولا تَقْربوا مالَ اليتيمِ إلَّا بالطَّريقةِ التي هي أحسَنُ وأفضَلُ؛ وذلك بإصلاحِه والمُحافظةِ عليه، وتَثميرِه وتَنميتِه [502] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/590)، ((تفسير ابن عطية)) (3/454)، ((تفسير ابن كثير)) (5/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457). قال ابنُ عاشور: (هذا مِن أهَمِّ الوَصايا التي أوصى اللهُ بها في هذه الآياتِ؛ لأنَّ العَرَبَ في الجاهليَّةِ كانوا يَستَحِلُّونَ أموالَ اليتامى؛ لضَعفِهم عن التفَطُّنِ لِمَن يأكُلُ أموالَهم، وقِلَّةِ نَصيرِهم لإيصالِ حُقوقِهم، فحَذَّرَ اللهُ المُسلِمينَ مِن ذلك؛ لإزالةِ ما عسى أن يبقى في نُفوسِهم من أثَرٍ مِن تلك الجاهليَّةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/96).   .
كما قال تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء: 2].
وقال سُبحانَه: وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 6].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10].
وعن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسول الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قال: ((يا أبا ذرٍّ، إنِّي أراك ضعيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لك ما أُحبُّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنينِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتي مٍ [503] قال ابن عثيمين: (نهاه الرَّسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ أن يتولَّى على مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ مالَ اليتيمِ يحتاجُ إلى عنايةٍ، ويحتاجُ إلى رعايةٍ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10]، وأبو ذر ضعيفٌ لا يستطيع أن يرعى هذا المالَ حَقَّ رعايتِه؛ فلهذا قال: «ولا تولَّيَنَّ مالَ يتيم» يعني: لا تكنْ وليًّا عليه، دَعْه لغيرك). ((شرح رياض الصالحين)) (1 /725).   ) [504] رواه مسلم (1826).   .
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.
أي: لا تَقرَبوا مالَ اليتيمِ إلا بالتي هي أحسنُ حتَّى يبلُغَ الحُلُمَ والرُّشدَ، بحيث يَكمُلُ عَقلُه ويتمَكَّنُ مِن تَدبيرِ مالِه، فإذا بلغَ ذلك زالتْ عنه الوِلايةُ، وصار وليَّ نَفسِه، ودُفِعَ إليه مالُه [505] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/590)، ((تفسير الخازن)) (3/129)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457). قال ابنُ جُزَي: (هو البلوغُ مع الرُّشدِ، وليس المقصودُ هنا السِّنَّ وَحدَه، وإنَّما المقصودُ مَعرفتُه بمصالِحِه). ((تفسير ابن جزي)) (1/281).   .
كما قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء: 6].
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ.
أي: وأوفُوا [506] قال أبو السعود: (الإيفاءُ بالعَهدِ والوَفاءُ به: هو القيامُ بمُقتضاه والمحافظةُ عليه، ولا يكادُ يُستعمَلُ إلَّا بالباءِ؛ فَرقًا بينه وبين الإيفاءِ الحِسِّي، كإيفاءِ الكَيلِ والوَزنِ). ((تفسير أبي السعود)) (5/171). وقال الشَّوكاني: (الوفاءُ بالعَهدِ: هو القيامُ بحِفظِه على الوَجهِ الشَّرعيِّ والقانونِ المَرضيِّ، إلَّا إذا دلَّ دَليلٌ خاصٌّ على جوازِ النَّقضِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/269).   -أيُّها النَّاسُ- بالعُهودِ التي عاهَدْتُم اللهَ عليها، وبالعُقودِ التي بينكم [507] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/590)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/238)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/24)، ((تفسير ابن كثير)) (5/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   .
كما قال سُبحانَه: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام: 152].
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1].
إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا .
أي: أوفُوا بالعهودِ؛ لأنَّ اللهَ سيَسألُكم عنها يومَ القيامةِ، ويُجازيكم على الوَفاءِ بها وعَدَمِه؛ فلا تَنقُضوها [508] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/97). قال ابن جُزَيٍّ: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُلًا يَحتَمِلُ وجهينِ: أحدُهما: أن يكونَ بمعنى الطَّلَبِ: أي يُطلَبُ الوَفاءُ به، والثاني: أن يكونَ المعنى: يُسألُ عنه يومَ القيامةِ، هل وفَى به أم لا؟). ((تفسير ابن جزي)) (1/446).   .
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان التَّقديرُ بالكَيلِ أو الوَزنِ مِن جُملةِ الأماناتِ الخَفيَّةِ، كالتصَرُّفِ لليَتيمِ، وكان الائتِمانُ عليه كالمَعهودِ فيه؛ أتبَعَه بقَولِه [509] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/412).   :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ.
أي: وأوفُوا النَّاسَ الكَيلَ إذا كِلْتُم لهم، وأوفُوهم حُقوقَهم -بالعَدلِ- تامَّةً مِن غَيرِ نَقصٍ [510] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/591)، ((تفسير ابن كثير)) (5/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   .
كما قال تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأنعام: 152].
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ.
أي: وزِنوا للنَّاسِ بالمِيزانِ السَّويِّ الذي لا انحِرافَ فيه ولا اعوِجاجَ، ولا غِشَّ ولا خديعةَ [511] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/591)، ((تفسير البيضاوي)) (3/255)، ((تفسير ابن كثير)) (5/74).   .
كما قال تعالى: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: 9].
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.
أي: ذلك الوَفاءُ في الكَيلِ والمِيزانِ خَيرٌ لكم -أيُّها النَّاسُ- مِن التَّطفيفِ، وأحسَنُ عاقِبةً لكم في دُنياكم: بالبَرَكة وانشِراحِ النَّفسِ وغيرِ ذلك، وفي أُخراكم: بالثَّوابِ مِنَ اللهِ تعالى [512] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/592)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/24)، ((تفسير القرطبي)) (10/257)، ((تفسير ابن كثير)) (5/74)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/413)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/99).   .
كما قال تعالى حاكيًا قَولَ شُعَيبٍ عليه السَّلامُ: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [هود: 85- 86].

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ في إسنادِ التَّحريمِ إلى اللهِ بَعثٌ للنُّفوسِ على الخَشيةِ مِن الإقدامِ على المُخالَفةِ، وتنبيهٌ لها على ما يَكُفُّها عن الإقدامِ، وهو استِشعارُ عَظَمةِ اللهِ تعالى [513] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 93).   .        .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا هذا أمرٌ بالعَدلِ، وإيفاءِ المكايِيلِ والموازينِ بالقِسطِ مِن غَيرِ بَخسٍ ولا نَقصٍ. ويُؤخَذُ مِن عُمومِ المعنى النَّهيُ عن كُلِّ غِشٍّ في ثَمَنٍ أو مُثْمَنٍ أو مَعقودٍ عليه، والأمرُ بالنُّصحِ والصِّدقِ في المُعاملةِ [516] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   .
3-  وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا فإيفاءُ الكَيلِ والوَزنِ خَيْرٌ من التطفيفِ فيهما، تفضيلًا لخيرِ الآخرةِ الحاصِلِ مِن ثوابِ الامتِثالِ، على خيرِ الدُّنيا الحاصِلِ مِن الاستِفضالِ الذي يطفِّفُه المطَفِّفُ، وهو أيضًا أفضَلُ منه في الدُّنيا؛ لأنَّ انشراحَ النَّفسِ الحاصِلَ للمَرءِ مِن الإنصافِ في الحَقِّ أفضَلُ مِن الارتباحِ الحاصِلِ له باستِفضالِ شَيءٍ مِن المال، وهو أَحْسَنُ تَأْوِيلًا؛ فالتَّطفيفُ يعودُ على المطَفِّفِ باقتناءِ جزءٍ قليلٍ مِن المالِ، ويُكسِبُه الكراهيةَ والذَّمَّ عند النَّاسِ، وغَضَبَ اللهِ والسُّحتَ في مالِه، مع احتِقارِ نَفسِه في نفسِه؛ والإيفاءُ بعَكسِ ذلك يُكسِبُه مَيلَ النَّاسِ إليه ورِضا اللهِ عنه ورضاه عن نَفسِه والبركةَ في مالِه [517] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/99).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّما أتى تعالى بالقِربانِ تَعظيمًا له؛ لِما فيه مِن المفاسِدِ الجارَّةِ إلى الفِتَنِ؛ بالقَتلِ، وتَضييعِ النَّسَبِ، والتسَبُّبِ في إيجادِ نَفسٍ بالباطِلِ [519] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/301).   ، وأيضًا فالنَّهيُ عن قِربانِه أبلَغُ مِن النَّهيِ عن مُجَرَّدِ فِعلِه؛ لأنَّ ذلك يَشمَلُ النَّهيَ عن جَميعِ مُقَدِّماتِه ودواعيه؛ فإنَّ مَن حامَ حولَ الحِمى يُوشِكُ أن يقَعَ فيه، خصوصًا هذا الأمرَ الذي في كثيرٍ من النُّفوسِ أقوى داعٍ إليه [520] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   . فالنَّهيُ عن قِربانِ الزِّنا نَهيٌ عن جَميعِ الأسبابِ المُوصلةِ إليه، كاللَّمْسِ والنَّظَرِ، فلا يَحِلُّ للمُؤمِنِ أنْ يتمَتَّعَ تمتُّعًا نَفسيًّا أو جِنسيًّا، يعني: سواءٌ كان تَمَتُّعُه بالنَّظَرِ ونَحوِه مُجَرَّدَ راحةٍ نفسيَّةٍ، أو لأجلِ التمَتُّعِ الجنسيِّ والشَّهوةِ، فكلُّ ذلك حَرامٌ، ولا يجوزُ في غيرِ الزَّوجةِ [521] يُنظر: ((الضياء اللامع من الخطب الجوامع)) لابن عثيمين (7/525).   .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا التَّعبيرُ عن الزِّنا بالسَّبيلِ يدُلُّ على كَثرةِ مُتعاطيه بالدَّلالةِ على سَعةِ مَنهَجِه، فالسبيلُ هي الطريقُ الواسعةُ [522] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/410) و(9/180).   .
3- في قَولِه تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ردٌّ على الخوارجِ فيما يَزعُمونَ أنَّ الذُّنوبَ كُلَّها كفرٌ؛ فالله سُبحانَه وتعالى حين أمَرَ بالقَتلِ في انتهاكِ مَحارِمِه جعَلَه حَدًّا لا كُفرًا، فحَرَّمَ القَتلَ بقَولِه: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ثمَّ قال: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ فجَعَلَ السُّلطانَ للوَليِّ لا لِنَفسِه -جلَّ جلالُه- ولو كان كَفَرَ بالقَتلِ؛ لأمَرَ بالقَتلِ، وإنْ لم يُرِدِ الوليُّ قَتْلَه [523] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/484).   .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ يدُلُّ على أنَّه لا يَتجاوَزُ الحَدَّ المَشروعَ له: فلا يَقتُلْ غَيرَ قاتِلِه، ولا يُمَثِّل به حيثُ لمْ يُمَثِّلْ، ولا يَقتُلْه بأسوأَ مِمَّا قَتَل، حتى لو قَتَل بالتَّغريقِ في ماءٍ عَذبٍ لم يُغرِقْه في ماءٍ ملحٍ [524] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 167).   .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا فيه دَليلٌ على أنَّ الحَقَّ في القَتلِ للوَليِّ، فلا يُقتَصُّ إلَّا بإذنِه، وإنْ عفا سقَطَ القِصاصُ [525] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا فيه دَليلٌ على أنَّ وَلِيَّ المَقتولِ يُعينُه اللهُ على القاتِلِ ومَن أعانَه، حتَّى يتمَكَّنَ مِن قَتلِه [526] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 457).   .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا مِن نُكَتِ القرآنِ وبلاغتِه وإعجازِه الخَفيِّ الإتيانُ بلَفظِ (سلطان) هنا، والظَّاهِرُ أنه في معنى المصدَرِ، أي: السُّلطةُ والحَقُّ والصَّالحُ لإرادةِ إقامةِ السُّلطانِ، وهو الإمامُ الذي يأخُذُ الحقوقَ مِن المُعتَدين إلى المعتدى عليهم حين تنتَظِمُ جامعةُ المسلمين بعد الهِجرةِ، ففيه إيماءٌ إلى أنَّ الله سيجعَلُ للمُسلِمين دولةً دائِمةً، ولم يكن للمُسلِمين يومَ نُزولِ الآيةِ سُلطانٌ [527] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/95).   .
8- قَولُه تعالى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا إشارةٌ إلى إبطالِ تولِّي وليِّ المقتولِ قَتلَ القاتِلِ دونَ حُكمٍ مِن السلطانِ؛ لأنَّ ذلك مَظِنَّةٌ للخطأِ في تحقيقِ القاتِلِ، وذريعةٌ لحدوثِ قَتلٍ آخَرَ بالتدافُعِ بين أولياءِ المقتولِ وأهلِ القاتِلِ، ويجرُّ إلى الإسرافِ في القَتلِ الذي ما حدَثَ في زمانِ الجاهليَّةِ إلَّا بمِثلِ هذه الذَّريعةِ [528] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/96).   .
9- قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ قَولُه: وَلَا تَقْرَبُوا أي: فَضْلًا عن أنْ تأكُلوا مالَ اليَتيمِ، فعَبَّرَ بالقِربانِ الذي هو قبلَ الأخذِ؛ تَعظيمًا للمقامِ [529] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/303).   .
10- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ دَليلٌ على جوازِ تَصَرُّفِ الوليِّ في مالِ اليَتيمِ بما عادَ صلاحُه على اليَتيمِ [530] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/136).   .
11- قال اللهُ تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذا حِمايةٌ لأموالِ اليتامى وألَّا تُقْرَبَ إلَّا بالخَصلةِ التي هي أحسَنُ؛ فلا تُقْرَبُ بأيِّ تَصَرُّفٍ إلَّا بما يُرى أنَّه أحسَنُ، فإذا لاحَ للوليِّ تصَرُّفانِ أحدُهما أكثَرُ رِبحًا، فالواجِبُ عليه أنْ يَأخُذَ بما هو أكثَرُ رِبحًا؛ لأنَّه أحسَنُ، والحُسنُ هنا يَشمَلُ: الحُسنَ الدُّنيويَّ، والحُسنَ الدِّينيَّ؛ فإذا لاح تصَرُّفانِ أحدُهما أكثَرُ رِبحًا وفيه رِبًا، والآخرُ أقَلُّ رِبحًا وهو أسلَمُ مِن الرِّبَا؛ فلا بُدَّ مِن تقديمِ الأخيرِ؛ لأنَّ الحُسْنَ الشَّرعيَّ مُقَدَّمٌ على الحُسْنِ الدُّنيويِّ المادِّيِّ [531] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/40).   .
12- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا مُقتَضاه أنَّ كُلَّ عَقدٍ وعَهدٍ جرَى بينَ إنسانَينِ؛ فإنَّه يجِبُ عليهما الوَفاءُ بمقتضى ذلك العَقدِ والعَهدِ، إلَّا إذا دلَّ دَليلٌ مُنفَصِلٌ على أنَّه لا يجِبُ الوفاءُ به، فمُقتضاه الحُكمُ بصِحَّةِ كُلِّ بَيعٍ وقعَ التَّراضي به، وبصِحَّةِ كلِّ شَرِكةٍ وقع التَّراضي بها، إلَّا إذا دلَّ الدليلُ على خلافِ ذلك، ويُؤكَّدُ هذا النَّصُّ بسائِرِ الآياتِ الدالَّةِ على الوَفاءِ بالعُهودِ والعُقودِ، كقَولِه تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [البقرة: 177]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1]، وقَولِه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: 8]، وقَولِه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: 275]، وقَولِه: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: 29]، إلى غيرِ ذلك، وبهذا الطريقِ تصيرُ أبوابُ المعاملاتِ على طولِها وإطنابِها مضبوطةً معلومةً بهذه الآيةِ الواحدةِ [532] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/337).   .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا
- عُطفَ هذا النَّهيُ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا على النَّهيِ عن وأدِ البناتِ؛ إيماءً إلى أنَّهم كانوا يَعُدُّونَ مِن أعذارِهم في وأدِ البناتِ الخَشيةَ مِن العارِ الذي قد يلحَقُ مِن جرَّاءِ إهمالِ البناتِ الناشئِ عن الفَقرِ الرَّامي بهنَّ في مَهاوي العُهرِ، ولأنَّ في الزِّنا إضاعةَ نَسَبِ النَّسلِ، بحيثُ لا يُعرَفُ للنَّسلِ مَرجِعٌ يأوي إليه، وهو يشبِهُ الوأدَ في الإضاعةِ [533] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/89).   .
- وقيل: تَوسيطُ النَّهيِ عن الزنا بينَ النَّهيِ عن قتْلِ الأولادِ، والنَّهيِ عن قتْلِ النَّفسِ المُحرَّمةِ على الإطلاقِ باعتبارِ أنَّه قتْلٌ للأولادِ؛ لِما أنَّه تَضييعٌ للأنسابِ؛ فإنَّ مَن لم يثبُتْ نسَبُه ميِّتٌ حُكمًا، وهذا من التَّرتيبِ الحسَنِ [534] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/169).   .
- قولُه: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا القُربُ المَنهيُّ عنه كِنايةٌ عن شِدَّةِ النَّهيِ عن مُلابَسةِ الزِّنا، وقريبٌ من هذا المعنى قولُهم: ما كاد يفعَلُ [535] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/90).   ، وإنَّما نهَى عن قِربانِه على خلافِ ما سبَقَ ولحِقَ من القتْلِ؛ للمُبالغةِ في النَّهيِ عن نفْسِه، ولأنَّ قِربانَه داعٍ إلى مُباشرتِه [536] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/169).   .
- وجُملةُ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً تَعليلٌ للنَّهيِ عن مُلابَستِه تَعليلًا مُبالَغًا فيه من جِهاتٍ؛ بوَصْفِه بالفاحشةِ الدَّالِّ على فِعلةٍ بالغةِ الحدِّ الأقصَى في القُبحِ، وبتَأكيدِ ذلك بحرفِ التَّوكيدِ، وأُتْبِعَ ذلك بفعْلِ الذَّمِّ، وهو سَاءَ سَبِيلًا [537] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/90).   .
2- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا
- جُملةُ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا معطوفةٌ على جُملةِ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ عطْفَ قِصَّةٍ على قِصَّةٍ؛ اهتمامًا بهذا الحُكمِ بحيث جُعِلَ مُستقِلًّا؛ فعُطِفَ على حُكمٍ آخرَ، وإلَّا فمُقْتضَى الظَّاهرِ أنْ تكونَ مفصولةً؛ إمَّا استئنافًا لبيانِ حُكمِ حالةٍ تكثُرُ، وإمَّا بدلَ بَعضٍ من جُملةِ إِلَّا بِالْحَقِّ [538] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /95).   .
- قولُه: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ هو في المعنى مُقدِّمةٌ للخبَرِ بتَعجيلِ ما يُطَمْئِنُ نفْسَ وَليِّ المقتولِ، والمقصودُ من الخبرِ التَّفريعُ بقولِه تَعالى: فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ؛ فكان تَقديمُ قولِه تَعالى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا تَمهيدًا لقَبولِ النَّهيِ عن السَّرَفِ في القتْلِ؛ لأنَّه إذا كان قد جُعِلَ له سُلطانٌ، فقد صار الحُكْمُ بيدِه، وكفَاهُ ذلك شِفاءً لغَليلِه [539] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/95).   .
- قولُه: إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا استئنافٌ، وقد أُكِّدَ ذلك بحرفِ التَّوكيدِ، وبإقحامِ (كان) الدَّالِّ على أنَّ الخبرَ مُستقِرُّ الثُّبوتِ [540] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/94).   .
- قولُه: إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا تَعليلٌ للنَّهيِ، ووجْهُ التَّعليلِ ظاهِرٌ [541] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5 /170).   .
3- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
- قولُه: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ نَهيٌ عن قِربانِه؛ للمُبالَغةِ في النَّهيِ [542] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5 /170).   .
- وخَصَّ اليتيمَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه إلى ذلك أحوَجُ،  والطَّمعَ في مالِه أكثَرُ [543] يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/241).   .
- قولُه: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا فيه إظهارُ العهدِ في مقامِ الإضمارِ؛ إظهارًا لكَمالِ العِنايةِ بشأْنِه، أو لأنَّ المُرادَ مُطلَقُ العهدِ المُنتظِمِ للعهدِ المعهودِ [544] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/171).   ، وللاهتمامِ به، ولتكونَ هذه الجُملةُ مُستقلَّةً، فتَسْرى مَسْرى المثَلِ [545] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /97).   .
- وجُملةُ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا تَعليلٌ للأمرِ، أي: للإيجابِ الَّذي اقتضاهُ، وحُذِفَ مُتعلِّقُ مَسْئُولًا لظُهورِه، أي: مَسؤولًا عنه، أي: يسأَلُكم اللهُ عنه يومَ القيامةِ [546] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /97).   .
4- قَولُه تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
- قولُه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ، أي: وقتَ كيْلِكم على سبيلِ التَّأكيدِ [547] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/47).   .
- قولُه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ فيه مُناسبةٌ حَسنةٌ، حيث زِيدَ الظَّرفُ في هذه الآيةِ -وهو إِذَا كِلْتُمْ- دونَ ذكْرِ نَظيرِه في آيةِ (الأنعامِ) في قوله: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [الأنعام: 152]؛ لِما في (إذا) مِن مَعنى الشَّرطيَّةِ، فتَقْتضي تجدُّدَ ما تضمَّنَه الأمْرُ في جميعِ أزمنةِ حُصولِ مَضمونِ شَرطِ (إذا) الظَّرفيَّةِ الشَّرطيَّةِ؛ للتَّنبيهِ على عدَمِ التَّسامُحِ في شَيءٍ من نقْصِ الكيلِ عند كلِّ مُباشَرةٍ له؛ ذلك أنَّ هذا خِطابٌ للمُسلمينَ بخلافِ آيةِ (الأنعامِ)؛ فإنَّ مَضمونَها تَعريضٌ بالمُشركينَ في سُوءِ شَرائعِهم، وكانت هنا أجدَرَ بالمُبالَغةِ في التَّشريعِ [548] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /97).   .
- قولُه: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ القِسطاسُ: المعتدلُ مِن الموازينِ، وهو بناءُ مُبالغةٍ مِن القِسْطِ [549] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/242)، ((تفسير أبي حيان)) (7/46).   .
- وفي قولِه: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ فإنَّ القِسطاسَ اسمٌ للميزانِ -أي: آلةِ الوزنِ- واسمٌ للعدْلِ، ومعنى العدْلِ والميزانِ صالحانِ هنا، لكنَّ الَّتي في سُورةِ (الأنعامِ): وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [الأنعام: 152]، جاء فيها بالقِسْطِ؛ فهو العدْلُ؛ لأنَّها سِيقَتْ مساقَ التَّذكيرِ للمُشركينَ بما همْ عليه من المفاسِدِ؛ فناسَبَ أنْ يُذَكَّروا بالعدْلِ؛ ليَعْلموا أنَّ ما يَفْعلونه ظُلمٌ. والباءُ هنالِك للمُلابَسةِ، وهذه الآيةُ جاءت خِطابًا للمُسلمينَ؛ فكانت أجدَرَ باللَّفظِ الصَّالحِ لمعنى آلةِ الوزنِ؛ لأنَّ شأْنَ التَّشريعِ بيانُ تَحديدِ العمَلِ مع كونِه يُومئُ إلى معنى العدْلِ على استعمالِ المُشترَكِ في مَعنيَيه؛ فالباءُ هنا ظاهِرةٌ في معنى الاستعانةِ والآلةِ، ومُفيدةٌ للمُلابَسةِ أيضًا [550] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /98).   .
- وقولُه أيضًا: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ لعلَّ الاكتفاءَ باستقامةِ القِسطاسِ عن الأمْرِ بإيفاءِ الوزنِ؛ لِما أنَّ عند استقامتِه لا يُتَصوَّرُ الجَوْرُ غالبًا، بخلافِ الكيلِ؛ فإنَّه كثيرًا ما يقَعُ التَّطفيفُ مع استقامةِ الآلةِ، كما أنَّ الاكتفاءَ بإيفاءِ الكيلِ عن الأمْرِ بتعديلِه؛ لِما أنَّ إيفاءَه لا يُتصوَّرُ بدونِ تَعديلِ المكيالِ [551] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5 /171).   .