موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (22-25)

ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ

غريب الكلمات :


مَخْذُولًا: أي: غيرَ منصورٍ، والخِذلانُ: تركُ مَن كان يؤمِّلُ منه النَّصرَ نُصرتَه ومعونتَه، وأصلُ (خذل): يدلُّ على تركِ الشَّيءِ، والقعودِ عنه [315] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/165)، ((المفردات)) للراغب (ص: 277)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 53)، ((تفسير ابن جزي)) (1/444)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/85).   .
وَقَضَى: أي: أَمَر، والقضاءُ: فصلُ الأمرِ قولًا كان ذلك أو فعلًا [316] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 253)، ((المفردات)) للراغب (ص: 674)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 203).   .
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ: تَذلَّلْ لهما، وتواضَعْ، وألِنْ جانِبَك، والخفضُ هو التَّواضُع، والجناحُ: الجانبُ، ويُطلقُ على يدِ الإنسانِ وعضُدِه وإبْطِه، وجَناحُ الذلِّ: تركُ الاستعلاءِ، وأصلُ: (جنح): يدُلُّ على المَيلِ، وأصلُ: (ذل): يدُلُّ على الخُضوعِ، والاستكانةِ، واللِّينِ [317] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/484)، (2/345)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (4/94)، ((تفسير السمعاني)) (3/233)، ((المفردات)) للراغب (ص: 206)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 203)، ((تفسير العليمي)) (4/93)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/101).   .
أُفٍّ: اسمُ فِعلٍ يُنبئُ عن التضَجُّرِ والاستِثقالِ، وما يكونُ فيه أدنَى تبَرُّمٍ، أو صوتٌ يُنبئُ عن ذلك، وأصلُ (أفف): يَدلُّ على تَكَرُّهِ الشَّيءِ [318] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/545)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/16)، ((الغريبين)) للهروي (1/81)، ((البسيط)) للواحدي (13/305)، ((المفردات)) للراغب (ص: 79)، ((تفسير الشوكاني)) (3/260).   .
تَنْهَرْهُمَا: أي: تَزجُرْهما، وأصلُ (نهر): يدلُّ على زَجرٍ بمُغالَظةٍ [319] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/548)، ((المفردات)) للراغب (ص: 826)، ((تفسير القرطبي)) (10/243).   .
لِلْأَوَّابِينَ: أي: للرَّجَّاعينَ التَّوَّابينَ، وأصلُ (أوب): يَدلُّ على رُجوعٍ [320] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 378)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 75)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/152)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 359)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 209).   .

المعنى الإجمالي:


يُخاطِبُ اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمرادُ بالخطابِ غَيرُه، قائِلًا: لا تَجعَلْ -يا مُحمَّدُ- مع اللهِ شَريكًا له في عبادتِه، فتقعُدَ جامِعًا على نفسِك الذَّمَّ والخِذلانَ، وأمَرَ ربُّك وأوجَبَ أن تعبُدوه وَحْدَه لا شريكَ له، وأن تُحسِنوا إلى الوالِدَينِ إحسانًا، وإن يبلُغْ عندك الكِبرَ أحدُ والِدَيك أو كِلاهما، فبَرَّهما، ولا تُسمِعْهما قَولًا سَيِّئًا، حتى ولو كان التَّأفُّفَ، ولا تَزجُرْهما، وقُلْ لهما قولًا كريمًا حَسَنًا، وكُنْ لهما ذليلًا مُتَواضِعًا؛ رحمةً بهما، وادْعُ اللهَ أن يَرحَمَهما أحياءً وأمواتًا، كما صَبَرَا على تَربيَتِك حالَ صِغَرِك وضَعفِك.
ربُّكم -أيُّها النَّاسُ- أعلَمُ بما في ضمائرِكم مِن خيرٍ أو شَرٍّ، ومِن إرادةِ البِرِّ بالوالِدَينِ أو عُقوقِهما، إن تكونوا قاصِدينَ الصَّلاحَ والبِرَّ بالوالِدَينِ، والرُّجوعَ عمَّا فرط منكم في حقِّهما؛ فاللهُ تعالى للرجَّاعين إليه بالتَّوبةِ غَفورٌ رَحيمٌ.

تفسير الآيات:


لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بَيَّنَ أنَّ النَّاسَ فَريقانِ؛ منهم مَن يريدُ بعَمَلِه الدُّنيا فقط، وهم أهلُ العِقابِ والعَذابِ، ومنهم مَن يريدُ به طاعةَ اللهِ، وهم أهلُ الثَّوابِ، ثمَّ شَرَط ذلك بشَرائِطَ ثلاثةٍ: أوَّلُها: إرادةُ الآخرةِ، وثانيها: أن يعمَلَ عَملًا ويَسعى سعيًا مُوافِقًا لطَلَبِ الآخرةِ، وثالثُها: أن يكونَ مُؤمِنًا- لا جَرَم فصَّلَ في هذه الآيةِ تلك المُجمَلاتِ، فبدأ أوَّلًا بشَرحِ حَقيقةِ الإيمانِ، وأشرَفُ أجزاءِ الإيمانِ هو التَّوحيدُ، ونَفيُ الشُّرَكاءِ والأضدادِ [321] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/319).   .
وأيضًا لَمَّا أجْمَلَ سُبْحانَه أعمالَ البِرِّ في قولِه: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ أخذَ في تَفْصيلِ ذلك مُبْتَدِئًا بأشرفِها الَّذي هو التَّوحيدُ [322] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/259).   .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا تقَرَّر بما مضى أنَّ لله سُبحانَه الأمرَ كُلَّه، وأنَّه مُتَّصِفٌ بجَميعِ الكَمالِ، مُنَزَّهٌ عن شَوائِبِ النَّقصِ- أنتَجَ أنَّه لا إلهَ غَيرُه، فقال تعالى [323] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/399).   :
لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22).
أي: لا تجعَلْ [324] الخِطابُ هنا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمرادُ به أمَّتُه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/541)، ((تفسير القرطبي)) (10/236)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/83). قال الشنقيطي: (الظاهِرُ أنَّ الخطابَ في هذه الآيةِ الكريمة متوجِّهٌ إلى النبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم؛ ليُشرَعَ لأمتِه على لسانِه إخلاصُ التوحيد في العبادة له جلَّ وعلا؛ لأنه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم معلومٌ أنَّه لا يجعَلُ مع الله إلهًا آخرَ، وأنَّه لا يقعُدُ مذمومًا مخذولًا... ومن أساليب اللغة العربية خطابُهم إنسانًا والمرادُ بالخطابِ غيرُه). ((أضواء البيان)) (3/83).   مع اللهِ مَعبودًا غيرَه، فتبقَى -إن أشرَكْتَ باللهِ- مَذمومًا لا حامِدَ لك، مخذولًا لا ناصِرَ لك [325] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/541)، ((تفسير القرطبي)) (10/236)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64).   .
  وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ في الآيةِ الأولى ما هو الرُّكنُ الأعظَمُ في الإيمانِ، أتبَعَه بذِكرِ ما هو مِن شعائِرِ الإيمانِ وشَرائِطِه [326] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/321).   .
وأيضًا لمَّا أجْمَل سبحانَه أعمالَ البرِّ في قولِه: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ أَخَذ في تفصيلِ ذلك مُبْتَدِئًا بأشرفِها الَّذي هو التَّوحيدُ [327] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/259).   .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى النَّهيَ المحَتِّمَ لِتَوحيدِه في قَولِه تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؛ أتبَعَه الإخبارَ بالأمرِ بذلك؛ جَمعًا في ذلك بين صَريحَي الأمرِ والنَّهيِ، تصريحًا بعد التَّنزيهِ له عن الشَّريكِ بالإفرادِ له في العِبادةِ، في أُسلوبِ الخبَرِ، إعلامًا بعِظَمِ المقامِ، فقال تعالى [328] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/400).   :
  وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.
أي: وأمَرَ ربُّك -يا مُحمَّدُ- ووصَّى، وأوجَبَ ألَّا تَعبُدوا -أنت وجميعُ الخَلقِ- إلَّا اللهَ وَحدَه [329] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/541)، ((تفسير القرطبي)) (10/237)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/86). قال ابنُ تيميَّةَ: (معناه: أمَرَ ربُّك، باتِّفاقِ المُسلِمينَ). ((الرد على الشاذلي)) (ص: 169).   .
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ بمَعرفةِ الحَقِّ للمُحسِنِ المُطلَقِ مُنبِّهًا على وجوبِ ذلك باسمِ الرَّبِّ؛ أتبَعَه الأمرَ بمَعرفةِ الحَقِّ لأوَّلِ المُرَبِّينَ مِن الخَلقِ، فقال تعالى [330] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/400).   :
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
أي: وأمَرَكم اللهُ بأن تُحسِنوا إلى الوالِدَينِ بجَميعِ أوجُهِ الإحسانِ مِن الأقوالِ والأفعالِ [331] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/543)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456). قال ابنُ عاشور: (شَمِلَ الإحسانُ كُلَّ ما يَصدُقُ فيه هذا الجِنسُ مِن الأقوالِ والأفعالِ، والبَذلِ والمُواساةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/68).   .
كما قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: 36].
وقال سُبحانَه: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: 151].
وعن نُفَيعِ بنِ الحارِثِ الثَّقَفيِّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((كُنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، فقال: ألَا أنبِّئُكم بأكبَرِ الكبائرِ -ثلاثًا-: الإشراكُ باللَّهِ، وعُقوقُ الوالِدَينِ، وشَهادَةُ الزُّورِ -أو: قَولُ الزُّورِ-... )) الحديث [332] رواه البخاري (2654)، ومسلم (87) واللفظ له.   .
وعَن المِقدامِ بنِ مَعدِيكَرِبَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ يُوصيكم بأمَّهاتِكم -ثلاثًا- إنَّ اللهَ يُوصيكم بآبائِكم، إنَّ اللهَ يُوصيكم بالأقرَبِ فالأقرَبِ )) [333] أخرجه ابن ماجه (3661) واللفظ له، وأحمد (17187). حَسَّن إسنادَه ابنُ حَجَر في ((التلخيص الحبير)) (4/1304)، والشوكاني في ((نيل الأوطار)) (7/136)، وصَحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (3661).   .
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان سُبحانَه عليمًا بما في الطِّباعِ مِن مَلالِ الوَلَدِ لهما عند أخْذِهما في السِّنِّ، قال تعالى [334] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/401).   :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ.
أي: إنْ عاشَ والِداك [335] قال الشنقيطي: (فالله يخاطِبُ النبيَّ ومقصودُه إسماعُ أمَّتِه والتشريعُ لهم، والدَّليلُ القاطع على هذا: أن النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مات أبواه وهو صغير؛ لأنَّ أباه مات وهو حَملٌ في بطن أمه، وأمُّه ماتت وهو صغير، ومعلومٌ أنهما وقتَ نزول سورة بني إسرائيل ماتا منذ سنين كثيرة، والله يقولُ للنبي مخاطبًا له ببِرِّ الوالدين: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ثم قال مخاطبًا للرسول: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ كلُّ هذا في الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبواه قد ماتا من زمانٍ؛ فدَلَّ على أنَّ قولَه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أي: يبلغْ عندك الكبَرَ أحدُ والديك فبَرَّهما وقُلْ لهما قولًا كريمًا، أي: المرادُ خطابُه ليشَرِّعَ لأمَّتِه، ومن زعم من النَّاسِ أنَّ هذا الخِطابَ -أي: قَولَه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا- أنَّه يخاطَبُ به مُطلَقُ الإنسانِ المخاطَبِ وليس النبي، فهذا غلطٌ محضٌ؛ لأنَّ كلَّ هذه الخطاباتِ للنبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الإسراء: 28] والدليلُ عليه أنَّه قال: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء: 39]؛ فدَلَّ أنَّ الخِطابَ للمُوحى إليه لا إلى مُطلَقِ الواحِدِ مِن النَّاسِ. وآيةُ الإسراءِ هذه نصٌّ صريحٌ في أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يخاطَبُ بالخِطابِ ليس هو المرادَ به، بل المرادُ التَّشريعُ لأمَّتِه؛ لأنَّه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم هو المشَرِّعُ لهم بأقوالِه وأفعالِه). ((العذب النمير)) (2/440-441). وقال ابنُ عاشور: (الخِطابُ لغَيرِ مُعَيَّن فيَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ بقَرينةِ العَطفِ على أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وليس خِطابًا للنبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم؛ إذ لم يكن له أبوانِ يومَئذٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/68).   عِندَك، وقد كَبِرَت سِنُّهما وضَعُفَت قُواهما؛ أحدُهما أو كِلاهما، فلا تتأفَّفْ؛ إظهارًا لضَجَرِك مِمَّا يُؤذيك منهما، ولا تؤْذِهما بأيِّ نَوعٍ مِن الأذى [336] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/545)، ((الوسيط)) للواحدي (3/103)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/70). والنَّهيُ عن التَّأفُّفِ هنا: نهيٌ عن أدنى مَراتِبِ القَولِ السَّيِّئِ؛ تَنبيهًا على ما سواه مِمَّا هو أشَدُّ أذًى بطَريقِ الأولى، والمعنى: لا تُؤذِهما أدنى أذِيَّةٍ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/207)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/166، 167، 255)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/70).   .
وَلَا تَنْهَرْهُمَا.
أي: ولا تَزجُرْ والدَيك، وتُغلِظْ لهما القَولَ [337] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/548)، ((تفسير القرطبي)) (10/243)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا منعَ الله تعالى الإنسانَ بالآيةِ المتقدِّمَةِ عن ذكرِ القولِ المؤذِي الموحِشِ، والنَّهيُ عن القولِ المُؤْذِي لا يكونُ أمْرًا بالقولِ الطَّيِّبِ؛ لا جرمَ أرْدَفَه بأَنْ أمرَه بالقولِ الحسنِ والكلامِ الطَّيِّبِ [338] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/326).   .
وأيضًا لَمَّا نهاه عن عُقوقِهما تقديمًا لِما تُدرَأُ به المَفسَدةُ، أمَرَه ببِرِّهما جَلْبًا للمَصلحةِ، فقال تعالى [339] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/402).   :
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا.
أي: وقُلْ لهما قَولًا حَسَنًا لَيِّنًا رَقيقًا جَميلًا يُفرِحُهما، فيه تأدُّبٌ معهما، وتلَطُّفٌ لهما [340] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/548)، ((تفسير القرطبي)) (10/243)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/402-403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456). قال السعدي: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا بلَفظٍ يُحِبَّانِه وتأدُّبٍ وتلطُّفٍ بكلامٍ لَيِّنٍ حَسَنٍ يَلَذُّ على قُلوبِهما، وتطمَئِنُّ به نفوسُهما، وذلك يختَلِفُ باختلافِ الأحوالِ والعوائِدِ والأزمانِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24).
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
أي: وكنْ لوالِدَيك ذليلًا مُتواضِعًا؛ رَحمةً منك بهما، ولا تُخالِفْهما فيما يأمُرانِك به ويَنهيانِك عنه مِمَّا ليس فيه مَعصيةٌ لله تعالى [341] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/550)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: 14- 15].
وعن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أوصَاني رسولُ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: ((لا تُشرِكْ باللهِ شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ... وأطِعْ والِدَيك، وإنْ أمراك أن تَخرُجَ مِن دُنياك فاخرُجْ لهما)) [342] أخرجه ابن ماجه (4034) مختصرًا، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (18)، والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (4/219). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/219): (فيه شَهرُ بنُ حَوشب، وحديثه حَسَنٌ، وبقيَّةُ رجالِه ثقات)، وحَسَّنَ إسنادَه البُوصيريُّ في ((مصباح الزجاجة)) (2/304)، وابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (75) وقال: (قويٌّ بشَواهده)، وحسَّنَه الألبانيُّ في ((صحيح الأدب المفرد)) (14).   .
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.
أي: وقُلْ: رَبِّ ارحَمْ والِديَّ في حَياتِهما وبعدَ مَوتِهما [343] قال ابن جرير: (تحتمِلُ هذه الآيةُ أن تكونَ وإن كان ظاهِرُها عامًّا في كلِّ الآباءِ بغيرِ معنى النَّسخِ، بأن يكونَ تأويلُها على الخصوصِ، فيكونُ معنى الكلامِ: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا إذا كانا مؤمنَينِ، كما ربياني صغيرًا، فتكون مرادًا بها الخصوصُ على ما قلنا غيرَ منسوخٍ منها شيءٌ). ((تفسير ابن جرير)) (14/554). وقال القرطبي: (هذا كلُّه في الأبوين المؤمنينِ، وقد نهى القرآنُ عن الاستغفار للمشركين الأمواتِ ولو كانوا أُولي قربى. وقيل: ليس هذا موضِعَ نَسخٍ، فهو دعاءٌ بالرَّحمةِ الدنيوية للأبوينِ المشركين ما دامَا حيَّينِ، كما تقدم. ... أو يكونُ عمومُ هذه الآية خُصَّ بتلك، لا رحمُ الآخرةِ... وقيل: الآيةُ خاصَّةٌ في الدعاء للأبوينِ المسلمين. والصوابُ: أنَّ ذلك عمومٌ كما ذكَرْنا). ((تفسير القرطبي)) (10/244-245). وقال الشربيني: (هذا إذا كانا مسلمينِ، فإن كانا كافرينِ فإنَّ الدعاء لهما بالرَّحمِة مَنسوخٌ بقَولِه تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة: 113] بل يدعو اللهَ تعالى لهما بالهدايةِ والإرشادِ، فإذا هداهما فقد رَحِمَهما). ((تفسير الشربيني)) (2/297). ؛ جزاءً لهما على تَربيتِهما لي في صِغَري، وحالِ ضَعفي وعَجزي وافتِقاري [344] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/553، 554)، ((تفسير أبي حيان)) (7/39)، ((تفسير ابن كثير)) (5/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا دَلَّت الآيةُ السَّابِقةُ على وُجوبِ تَعظيمِ الوالِدَينِ مِن كُلِّ الوُجوهِ، ثمَّ إنَّ الولَدَ قد يَظهَرُ منه نادِرةٌ مُخِلَّةٌ بتَعظيمِهما؛ بيَّن سُبحانَه أنَّه عالمٌ بأحوالِ قُلوبِكم، فإن كانت تلك الهَفوةُ ليست لأجلِ العُقوقِ، بل ظهَرت بمقتضى الجبِلَّةِ البَشريَّةِ، كانت في محَلِّ الغُفرانِ [345] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/328).   .
وأيضًا فإنَّه تعالى لَمَّا نهى عن عِبادةِ غَيرِه وأمَرَ بالإحسانِ إلى الوالِدَينِ، ولا سيَّما عند الكِبَر، وكان الإنسانُ ربَّما تظاهَرَ بعِبادةٍ وإحسانٍ إلى والِدَيه دونَ عَقدِ ضَميرٍ على ذلك، رياءً وسُمعةً؛ أخبَرَ تعالى أنَّه أعلَمُ بما انطَوَت عليه الضَّمائِرُ مِن دُونِ قَصدِ عِبادةِ اللهِ، والبِرِّ بالوالِدَينِ [346] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/39).   .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ.
أي: ربُّكم -أيُّها النَّاسُ- أعلَمُ بما في قُلوبِكم مِن تَعظيمِ حَقِّ الوالِدَينِ والرَّحمةِ بهما، أو الاستخفافِ به، ومِن إرادةِ البِرِّ بهما، أو الإساءةِ إليهما وعُقوقِهما، لا يخفى عليه شَيءٌ مِن ذلك، وهو مُجازيكم عليه، فاحذَروا أن تُضمِروا لهما سُوءًا [347] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/555)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 632)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/19)، ((تفسير القرطبي)) (10/246)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/404)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456). قال القرطبي: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ أي: مِن اعتقادِ الرَّحمةِ بهما والحنُوِّ عليهما، أو مِن غَيرِ ذلك من العُقوقِ، أو مِن جَعْلِ ظاهِرِ بِرِّهما رياءً. وقال ابنُ جُبَيرٍ: يريدُ البادرةَ التي تَبدُر، كالفَلتةِ والزَّلَّة، تكونُ مِن الرجُلِ إلى أبَوَيه أو أحدِهما، لا يريدُ بذلك بأسًا). ((تفسير القرطبي)) (10/246). وقال الشوكاني: (قَوْلُهُ: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ أَيْ: بما في ضمائرِكم من الإخلاصِ وعدَمِه في كلِّ الطاعات، ومن التوبةِ مِن الذنبِ الذي فرَطَ منكم أو الإصرارِ عليه، ويندرج تحت هذا العمومِ ما في النَّفسِ مِن البِرِّ والعقوق اندراجًا أوليًّا. وقيل: إنَّ الآية خاصةٌ بما يجب للأبوين من البِرِّ، ويحرُمُ على الأولاد من العقوقِ، والأوَّلُ أولى اعتبارًا بعموم اللفظ، فلا تخَصِّصُه دَلالةُ السياق ولا تقيِّدُه). ((تفسير الشوكاني)) (3/262). .
كما قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: 235].
وقال سُبحانَه: وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [التغابن: 4].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكِنْ يَنظُرُ إلى قُلوبِكم وأعمالِكم ) ) [348] رواه مسلم (2564).   .
إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا.
أي: إنْ أنتم أصلَحْتُم نِيَّاتِكم -أيُّها النَّاسُ- فكُنتُم صادِقينَ في نيَّةِ البِرِّ بالوالِدَينِ، مُمتَثِلينَ أمْرَ اللهِ بالإحسانِ إليهما والبرِّ بهما والقيامِ بحُقوقِهما؛ فإنَّ اللهَ للتَّائبينَ إليه مِنَ الزَّلَّاتِ والهَفَواتِ في حَقِّ الوالِدَينِ، الرَّجَّاعِينَ إلى اللهِ وإلى مَرضاتِه مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ- غَفورٌ، يَغفِرُ إساءاتِهم فيَستُرُها عليهم، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها [349] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/555)، ((تفسير القرطبي)) (10/246)، ((تفسير ابن كثير)) (5/67، 68)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/404-405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 456)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/75).   .

الفوائد التربوية :


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ابتُدِئ التشريعُ بالنهيِ عن عبادةِ غيرِ الله؛ لأنَّ ذلك هو أصلُ الإصلاحِ [350] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/67).   .
2- قال تعالى في الآيةِ المُتقَدِّمةِ: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 19]، ثمَّ إنَّه تعالى أردَفَه بقوله: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا المُشتَمِلِ على الأعمالِ التي بواسِطتِها يحصُلُ الفَوزُ بسَعادةِ الآخرةِ، فذكَرَ مِن جُملتِها البِرَّ بالوالِدَينِ، وذلك يدُلُّ على أنَّ هذه الطَّاعةَ مِن أُصولِ الطَّاعاتِ التي تُفيدُ سَعادةَ الآخِرةِ، وكذلك فقد بدأ بذِكرِ الأمرِ بالتَّوحيدِ، وثَنَّى بطاعةِ اللهِ تعالى، وثَلَّثَ بالبِرِّ بالوالِدَينِ، وهذه دَرَجةٌ عاليةٌ، ومُبالغةٌ عَظيمةٌ في تعظيمِ هذه الطَّاعةِ؛ وذلك لأنَّه لَمَّا كان إحسانُهما إليك قد بلَغَ الغايةَ العَظيمةَ، وجَبَ أن يكونَ إحسانُك إليهما كذلك عَظيمًا كاملًا، ثمَّ على جميعِ التَّقديراتِ فلا تحصُلُ المكافأةُ؛ لأنَّ إنعامَهما عليك كان على سبيلِ الابتداءِ، وفي الأمثالِ المَشهورةِ: أنَّ الباديَ بالبِرِّ لا يُكافأُ [351] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/323).   .
3- قال تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا؛ لأنَّهما سببُ وجودِ العبدِ، ولهما مِن المحبةِ للولدِ والإحسانِ إليه والقربِ ما يقتضي تأكُّدَ الحقِّ، ووجوبَ البرِّ؛ لذا أمَر بالإحسانِ إليهما بجميعِ وجوهِ الإحسانِ القوليِّ والفعليِّ [352] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
4- في قَولِه تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ إشارةٌ إلى أنَّهما إذا بلغَا الكِبَرَ صارا عِبْئًا على ولَدِهما؛ فلا يتضَجَّرْ مِنَ الحالِ، ولا يَنهَرْهما في المَقالِ إذا أساءَا في الفِعلِ أو القَولِ [353] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/34).   ؛ فحالةُ الكِبَرِ يحتاجانِ فيها إلى بِرِّه؛ لتغَيُّرِ الحالِ عليهما بالضَّعفِ والكِبَر، فأُلزِمَ في هذه الحالةِ مِن مُراعاةِ أحوالِهما أكثَرَ مِمَّا أُلزِمَه مِن قَبلُ؛ لأنَّهما في هذه الحالةِ قد صارا كَلًّا عليه، فيَحتاجانِ أن يليَ منهما في الكِبَرِ ما كان يَحتاجُ في صِغَرِه أن يَلِيا منه؛ فلذلك خَصَّ هذه الحالةَ بالذِّكرِ، وأيضًا فطُولُ المُكثِ للمَرءِ يُوجِبُ الاستثقالَ للمَرءِ عادةً، ويَحصُلُ المَلَلُ ويَكثُرُ الضَّجَرُ، فيُظهِرُ غَضَبَه على أبوَيه، وتنتَفِخُ لهما أوداجُه، ويَستطيلُ عليهما بدالَّةِ البُنُوَّةِ وقِلَّةِ الدِّيانةِ، وأقلُّ المَكروهِ ما يُظهِرُه بتنَفُّسِه المُتردِّدِ مِن الضَّجَر، وقد أُمِرَ أن يُقابِلَهما بالقَولِ الموصوفِ بالكرامةِ، وهو السَّالمُ عن كلِّ عَيبٍ [354] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/241).   .
5- قال الله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ينبغي بحُكمِ هذه الآيةِ أن يجعَلَ الإنسانُ نَفسَه مع أبويه في خيرِ ذِلَّةٍ، في أقوالِه وسَكَناتِه ونظَرِه، وألَّا يُحِدَّ إليهما بَصَرَه؛ فإنَّ تلك هي نَظرةُ الغاضِبِ [355] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/449)، ((تفسير القرطبي)) (10/244).   .
6- قَولُ الله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا يُفهَمُ منه أنَّه كُلَّما ازدادَت التَّربيةُ ازداد الحَقُّ، وكذلك مَن تولَّى تربيةَ الإنسانِ في دينِه ودُنياه تَربيةً صالِحةً غيرُ الأبوَينِ؛ فإنَّ له على مَن رَبَّاه حَقَّ التَّربيةِ [356] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 456).   .
7- قال الله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا... بالَغ سُبحانَه في التَّوصيةِ بالوالِدَينِ مُبالغةً تَقشَعِرُّ لها جلودُ أهلِ العُقوقِ، وتَقِفُّ [357] تَقِفُّ، أي: تقومُ مِن الفَزَعِ. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 258).   عندَها شُعورُهم؛ حيثُ افتَتَحَها بالأمرِ بتَوحيدِه وعبادتِه، ثمَّ شَفَعَه بالإحسانِ إليهما، ثمَّ ضَيَّقَ الأمرَ في مُراعاتِهما حتى لم يُرَخِّصْ في أدنى كَلِمةٍ تنفَلِتُ مِن التضَجُّرِ، مع مُوجِباتِ الضَّجَرِ، ومع أحوالٍ لا يكادُ يَصبِرُ الإنسانُ معها، وأن يَذِلَّ ويَخضَعَ لهما، ثمَّ خَتَمَها بالأمرِ بالدُّعاءِ لهما والترَحُّمِ عليهما، وهذه خَمسةُ أشياءَ كُلِّفَ الإنسانُ بها في حَقِّ الوالِدَين [358] يُنظر: ((فتح البيان)) للقنوجي (7/378).   .
8- الأوَّابُ هو الذي مِن عادتِه ودَيدنِه الرُّجوعُ إلى أمرِ اللهِ تعالى، والالتِجاءُ إلى فَضلِه، ولا يَلتَجئُ إلى شَفاعةِ شَفيعٍ، كما يَفعَلُه المُشرِكونَ الذين يَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ جَمادًا يَزعُمونَ أنَّه يَشفَعُ لهم، وسُنَّةُ اللهِ وحُكْمه في الأوَّابينَ أنَّه غَفورٌ لهم، يُكَفِّرُ عنهم سَيِّئاتِهم؛ قال الله تعالى: إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [359] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/328).   .
9- قال الله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا فوعَدَ بالغُفرانِ مع شَرطِ الصَّلاحِ والأوْبةِ [360] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/246).   ، والصَّالِحُ عندما تقَعُ منه الذُّنوبُ مُطالَبٌ -كغيرِه- بالأوبةِ لتحصيلِ المَغفرةِ؛ لأنَّ فَرضَ الأوبةِ إلى الله مِن المعاصي عامٌّ على الجميعِ، وقد اشتمَلَت الآيةُ مِن فِعلِ الشَّرطِ، وهو إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ، وجوابِ الشَّرطِ، وهو فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا- على الحالتَينِ اللازمَتينِ للإنسانِ لتكميلِ نَفسِه، وهما الصَّلاحُ المستفادُ مِن الأوَّلِ، والإصلاحُ بالأوبةِ المستفادُ مِن الثَّاني، وما دام الإنسانُ مُجاهِدًا في تزكيةِ نَفسِه بهذينِ الأصلينِ، فإنَّه بالِغٌ أملًا ورجاءً -بإذن الله- درجةَ الكَمالِ [361] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 78).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا أي: مذمومًا لا حامِدَ لك، مَخذولًا لا ناصِرَ لك؛ إذ قد يكونُ بَعضُ النَّاسِ مَقهورًا مَحمودًا، كالذي قُهِرَ بباطلٍ، وقد يكونُ مَذمومًا مَنصورًا، كالذي قَهَر وتسَلَّط  بباطلٍ، وقد يكونُ مَحمودًا مَنصورًا، كالذي تمكَّن وملَكَ بحَقٍّ، والمُشرِكُ المتعَلِّقُ بغيرِ اللهِ قِسمُه أردأُ الأقسامِ الأربعةِ؛ لا مَحمودٌ ولا منصورٌ [362] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/455-456).   .
2- قال تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا لَمَّا كان الذمُّ قد يحتَمِلُه بَعضُ النَّاسِ مع بلوغِ الأمَلِ، بيَّنَ أنَّه مع الخيبةِ، فقال تعالى: مَخْذُولًا أي: غيرَ منصورٍ فيما أراده من غيرِ أن يُغنيَ عنه أحدٌ بشَفاعةٍ أو غيرِها [363] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/400).   .
3- قال تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فالمخلوقُ ليس بإِلَهٍ في نفْسِه؛ لكنَّ عابدَه اتَّخَذَه إلهًا، وجَعَله إلهًا، وسمَّاه إلهًا، وذلك كلُّه باطلٌ لا ينفعُ صاحبَه؛ بل يَضُرُّه، كما أنَّ الجاهلَ إذا اتُّخِذَ إمامًا ومُفْتِيًا وقاضيًا؛ كان ذلك باطلًا، فإنه لا يَصلحُ أنْ يَؤُمَّ ولا يُفْتي ولا يقضي، وغيرُ اللهِ لا يَصْلُحُ أنْ يُتَّخَذَ إلهًا يُعْبَدُ ويُدعَى؛ فإنه لا يَخلُقُ ولا يَرزقُ إلَّا هو سُبحانَه، لا مانعَ لما أعطَى، ولا مُعطيَ لما منَع، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منه الجدُّ [364] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/204).   .
4- في قَولِه تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا رَدٌّ على أصحابِ وَحْدةِ الوُجودِ، الذين يجعَلونَ وُجودَ الخالقِ عينَ وُجودِ المخلوقاتِ؛ وذلك لأنَّ نهيَه سُبحانَه وتعالى أنْ يُجعَلَ معه أو يُدْعَى معه إلهٌ آخرُ، دليلٌ على أنَّ ذلك مُمكِنٌ، كما فعَلَه المُشرِكونَ الذين دَعَوا مع اللهِ آلِهةً أخرى، فلو كانت تلك الآلهةُ هي إيَّاه، ولا شيءَ معه أصْلًا؛ امتنعَ أنْ يُدعَى معه إِلَهٌ آخَرُ، فهذا يدلُّ على أنَّ معه أشياءَ ليسَتْ بآلهةٍ؛ ولا يجوزُ أنْ تُجعَلَ آلهةً، ولا تُدْعَى آلهةً [365] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/124، 277).   .
5- قال الله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا فإنَّ المُشرِكَ يرجو بشِرْكِه النَّصرَ تارةً، والحمدَ والثَّناءَ تارةً، فأخبَرَ سُبحانَه أنَّ مَقصودَه ينعَكِسُ عليه، فيحصُلُ له الذَّمُّ والخِذلانُ [366] يُنظر: ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) لابن القيم (1/40).   .
6- القضاءُ في قَولِه تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا هو القَضاءُ الدِّينيُّ -بمعنى: أَمَرَ- ويُقابِلُه القَضاءُ الكَونيُّ -بمعنى: خَلَقَ- كما في قَولِه تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [367] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (1/153)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (8/428).   [فصلت: 12].
7- في قَولِه تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا بعدَ قَولِه سُبحانَه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ دَليلٌ على أنَّ حقَّ الوالِدَينِ بعدَ حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ.
فإن قيل: فأينَ حَقُّ الرَّسولِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم؟
أُجيبَ: بأنَّ حَقَّ اللهِ مُتضَمِّنٌ لحَقِّ الرَّسولِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ اللهَ لا يُعبَدُ إلَّا بما شَرَع الرَّسولُ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم [368] يُنظر: ((القول المفيد)) لابن عثيمين (1/34).   .
8- قال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الخِطابُ في الآيةِ للنبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، لكِنْ قال: أَلَّا تَعْبُدُوا ولم يقُلْ: «ألَّا تَعبُد»، ونظيرُ ذلك في القُرآنِ قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: 1] فالخِطابُ الأوَّلُ في رَبُّكَ للرَّسولِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، والثَّاني عامٌّ، فما الفائِدةُ مِن تَغييرِ الأسلوبِ؟
أجيبَ: أنَّ الفائِدةَ مِن ذلك ما يأتي:
الأوَّلُ: التَّنبيهُ؛ إذ تَنبيهُ المُخاطَبِ أمرٌ مَطلوبٌ للمُتكَلِّم، وهذا حاصِلٌ هنا بتَغييرِ الأُسلوبِ.
الثَّاني: أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم زَعيمُ أمَّتِه، والخِطابُ المُوجَّهُ إليه مُوجَّهٌ لجَميعِ الأُمَّة.
الثَّالثُ: الإشارةُ إلى أنَّ ما خُوطِبَ به الرَّسولُ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم فهو له ولأُمَّتِه، إلَّا ما دلَّ الدَّليلُ على أنَّه مُختَصٌّ به.
الرَّابعُ: الإشارةُ إلى أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مَربوبٌ لا رَبٌّ، عابِدٌ لا معبودٌ؛ فهو داخِلٌ في قَولِه: تَعْبُدُوا وكفى به شَرفًا أن يكونَ عَبدًا للهِ عَزَّ وجَلَّ [369] يُنظر: ((القول المفيد)) لابن عثيمين (1/32).   .
9- قَولُ الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا مُناسَبةُ اقتِرانِ بِرِّ الوالِدَينِ بإفرادِ اللهِ بالعبادةِ؛ مِن حَيثُ إنَّه تعالى هو المُوجِدُ حَقيقةً، والوالِدانِ وَساطةٌ في إنشائِه، وهو تعالى المُنعِمُ بإيجادِه ورِزقِه، وهما ساعيانِ في مصالِحِه [370] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/35).   .
10- قَولُ الله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا فائِدةُ ذِكرِ عِنْدَكَ أنَّهما يَكبَرانِ في بَيتِه وكَنَفِه، ويكونانِ كَلًّا عليه، لا كافِلَ لهما غيرُه، وربَّما نالَه منهما من المشاقِّ ما كان ينالُهما منه في حالِ الصِّغَرِ [371] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 324). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/657)، ((تفسير القاسمي)) (6/453، 454).   .
11- قال الله تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا، ودُخولُ ما هو أعظمُ مِن التأفيفِ مِن أنواعِ الأذى في النهيِ بِطَريقِ الأَولى، ويُسمَّى ذلك مَفهومَ المُوافَقةِ [372] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/164).   ؛ لأنَّه إذا كان قد نهَى أن يستقْبِلَهما بهذه اللَّفظةِ الدَّالَّةِ على الضَّجرِ والتَّبرُّمِ بهما، فالنَّهيُ عمَّا هو أشدُّ كالشَّتمِ والضَّربِ هو بجهةِ الأولَى، فالمسكوتُ عنه -الذي هو الضربُ والشتمُ- أولَى بالحكمِ -الذي هو التحريمُ- مِن هذا المنطوقِ به الذي هو التأفيفُ [373] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/36)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/369).   .
12- قَولُ الله تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ استَدَلَّ به مَن لم يُجِزْ تَحليفَ الوالِدِ إذا خاصَمَه وَلَدُه، ولا حَبْسَه في دَينِه، ولا قَتلَه به، ولا حَدَّه بقَذفِه [374] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 166).   .
13- قال تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ جَناحُ الإنسانِ: جانِبُه، كما أنَّ جَناحَ الطَّيرِ جانِبُه، والولَدُ مأمورٌ بأن يَخفِضَ جانِبَه لأبويه، ويكونَ ذلك على وَجهِ الذُّلِّ لهما لا على وَجهِ الخَفضِ الذي لا ذُلَّ معه، وقد قال للنبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ولم يَقُل: جناحَ الذُّلِّ، فالرَّسولُ أُمرَ بخَفضِ جناحِه، وهو جانِبُه، والولَدُ أُمِرَ بخَفضِ جناحِه ذُلًّا، فلا بُدَّ مع خَفضِ جناحِه أن يَذِلَّ لأبويه، بخِلافِ الرَّسولِ؛ فإنَّه لم يُؤمَرْ بالذُّلِّ؛ فاقترانُ ألفاظِ القُرآنِ تدُلُّ على اقترانِ معانيه وإعطاءِ كُلِّ معنًى حَقَّه [375] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/465).   .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا
- قولُه: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا الخِطابُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تبَعٌ لخِطابِ قولِه: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، والمقصودُ إسماعُ الخِطابِ غَيرَه؛ بقَرينةِ تحقُّقِ أنَّ النَّبيَّ قائمٌ بنبْذِ الشِّركِ، ومُنحٍ على الَّذين يَعْبدون مع اللهِ إلهًا آخَرَ [376] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /64).   ؛ فالخِطابُ للرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والمُرادُ به أُمَّتُه، وهو من بابِ التَّهييجِ والإلهابِ. وخاطَبَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ الرَّأسَ؛ لأنَّ ذلك أوقعُ في أنفُسِ الأتْباعِ، وإشارةً إلى أنَّه لا يُوحِّدُه حَقَّ توحيدِه سِواهُ. ويجوزُ أنْ يَكونَ خِطابًا عامًّا لكلِّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ به أو لكُلِّ أحدٍ ممَّن يَصلُحُ للخِطابِ [377] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/399)، ((تفسير أبي السعود)) (5/165).
- قولُه: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا تَذييلٌ هو فذلكةٌ لاختلافِ أحوالِ المُسلمينَ والمُشركينَ؛ فإنَّ خُلاصةَ أسبابِ الفوزِ ترْكُ الشِّركِ؛ لأنَّ ذلك هو مبدَأُ الإقبالِ على العملِ الصَّالحِ، فهو أوَّلُ خُطواتِ السَّعيِ لمُريدِ الآخرةِ؛ لأنَّ الشِّركَ قاعدةُ اختلالِ التَّفكيرِ وتَضليلِ العُقولِ، قال اللهُ تَعالى في ذكْرِ آلهةِ المُشركينَ: وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [379] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /64).   [هود: 101].
- وقال هنا: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، ثمَّ قال: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، ثمَّ قال: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ولا تَكرارَ فيها؛ لأنَّ الأُولى في الدُّنيا، والثَّالثةَ في الآخرةِ. والخِطابُ فيهما للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والمُرادُ به غيرُه، كما في آيةِ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا. وأمَّا الثَّانيةُ فخطابٌ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيضًا، وهو المُرادُ به [380] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 164)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 323-324).   .
2- قولُه تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا عطْفٌ على الكلامِ السَّابقِ عطْفَ غرَضٍ على غرَضٍ؛ تخلُّصًا إلى أعمدةٍ من شَريعةِ الإسلامِ، بمُناسبةِ الفذلكةِ المُتقدِّمةِ؛ تَنبيهًا على أنَّ إصلاحَ الأعمالِ مُتفرِّعٌ على نبْذِ الشِّركِ [381] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /65).   .
- قولُه: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ جِيءَ بخطابِ الجماعةِ؛ لأنَّ النَّهيَ يتعلَّقُ بجميعِ النَّاسِ، وهو تَعريضٌ بالمُشركينَ [382] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/67).   .
- وقدَّم ذكرَهما، فقال: وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا، ولم يقُلْ: (وإحسانًا بالوالِدَينِ) ليدُلَّ على شِدَّةِ الاهتمامِ، والاعتناءِ بهما، فقولُه: وَبِالْوَالِدَيْنِ مُتعلِّقٌ بقولِه: إِحْسَانًا، لكنه قدَّمه على مُتعلِّقِه [383] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/323)، ((تفسير أبي حيان)) (7/35)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/68).   .
- قولُه: إِحْسَانًا بلَفظِ التَّنكيرِ، والتَّنكيرُ يدُلُّ على التَّعظيمِ، أي: إحسانًا عَظيمًا كاملًا [384] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/323).   .
- قولُه: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا عطْفُ الأمْرِ بالإحسانِ إلى الوالِدَينِ على ما هو في معنى الأمْرِ بعبادةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ هو الخالِقُ، فاستحَقَّ العِبادةَ؛ لأنَّه أوجَدَ النَّاسَ، ولمَّا جعَلَ اللهُ الأبوينِ مظهَرَ إيجادِ النَّاسِ أمَرَ بالإحسانِ إليهما؛ فالخالِقُ مُستحقُّ العبادةِ لغِناهُ عن الإحسانِ، ولأنَّها أعظَمُ الشُّكرِ على أعظَمِ مِنَّةٍ، وسبَبُ الوُجودِ دونَ ذلك، فهو يستحِقُّ الإحسانَ لا العِبادةَ؛ لأنَّه محتاجٌ إلى الإحسانِ دون العِبادةِ، ولأنَّه ليس بمُوجِدٍ حَقيقيٍّ، ولأنَّ اللهَ جبَلَ الوالِدَينِ على الشَّفقةِ على ولَدِهما، فأمَرَ الولدَ بمُجازاةِ ذلك بالإحسانِ إلى أبويْه [385] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/68).   .
- وجُملةُ إِمَّا يَبْلُغَنَّ بيانٌ لجُملةِ إِحْسَانًا، والخِطابُ لغيرِ مُعيَّنٍ؛ فيعُمُّ كلَّ مُخاطَبٍ، بقرينةِ العطفِ على أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وذلك على أحدِ القولَينِ في المخاطَبِ. وإيثارُ ضميرِ المُفردِ -رَبُّكَ- هنا دونَ ضميرِ الجمْعِ؛ لأنَّه خطابٌ يختَصُّ بمَن له أبوانِ من بين الجماعةِ المُخاطبينَ بقولِه: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ؛ فكان الإفرادُ أنسَبَ به، وإنْ كان الإفرادُ والجمْعُ سواءً في المقصودِ؛ لأنَّ خطابَ غيرِ المُعيَّنِ يُساوي خطابَ الجمْعِ، وخَصَّ هذه الحالةَ بالبيانِ؛ لأنَّها مَظِنَّةُ انتفاءِ الإحسانِ بما يَلْقى الولدُ من أبيه وأُمِّه من مَشقَّةِ القيامِ بشُؤونِهما، ومِن سُوءِ الخُلُقِ منهما [386] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/68).   .
- ووجْهُ تَعدُّدِ فاعلِ يَبْلُغَنَّ مُظهَرًا دونَ جعْلِه بضميرِ التَّثنيةِ بأنْ يُقال: إمَّا يَبْلغانِّ عندك الكبرَ: الاهتمامُ بتخصيصِ كلِّ حالةٍ من أحوالِ الوالِدَينِ بالذِّكرِ، ولم يَستغْنِ بإحدى الحالتينِ عن الأُخرى؛ لأنَّ لكلِّ حالةٍ بواعثَ على التَّفريطِ في واجِبِ الإحسانِ إليهما، فقد تكونُ حالةُ اجتماعِهما عند الابنِ تَستوجِبُ الاحتمالَ منهما لأجْلِ مُراعاةِ أحدِهما الَّذي الابنُ أشَدُّ حُبًّا له، دونَ ما لو كان أحدُهما مُنفرِدًا عندَه بدونِ الآخرِ الَّذي ميْلُه إليه أشدُّ؛ فالاحتياجُ إلى ذكْرِ أحدِهما في هذه الصُّورةِ؛ للتَّنبيهِ على وُجوبِ المُحافظةِ على الإحسانِ له. وقد تكون حالةُ انفرادِ أحدِ الأبوينِ عندَ الابنِ أخَفَّ كُلفةً عليه من حالةِ اجتماعِهما، فالاحتياجُ إلى أَوْ كِلَاهُمَا في هذه الصُّورةِ للتَّحذيرِ من اعتذارِ الابنِ لنفْسِه عن التَّقصيرِ بأنَّ حالةَ اجتماعِ الأبوينِ أحرَجُ عليه، فلأجْلِ ذلك ذُكِرَت الحالتانِ، وأُجْرِيَ الحكمُ عليهما على السَّواءِ، فكانت جُملةُ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ بتَمامِها جوابًا لـ إِمَّا [387] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/69).   .
- قولُه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا... أُكِّدَ فعْلُ الشَّرطِ بنونِ التَّوكيدِ؛ لتَحقيقِ الرَّبطِ بينَ مضمونِ الجوابِ، ومضمونِ الشَّرطِ في الوُجودِ [388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/69).   .
- قولُه: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ليس المقصودُ مِن النَّهيِ عن أنْ يقولَ لهما: أُفٍّ خاصَّةً، وإنَّما المقصودُ النَّهيُ عن الأذَى الَّذي أقلُّه الأذَى باللِّسانِ بأوجزِ كلمةٍ، ثمَّ عطَفَ عليه النَّهيَ عن نَهْرِهما؛ لئلَّا يحسِبَ أنَّ ذلك تأديبٌ لصلاحِهما، وليس بالأذى. ثمَّ ارْتَقى في الوصايةِ بالوالِدَينِ إلى أمْرِ الولدِ بالتَّواضُعِ لهما تواضُعًا يبلُغُ حَدَّ الذُّلِّ لهما؛ لإزالةِ وَحشةِ نُفوسِهما إنْ صارا في حاجةٍ إلى مَعونةِ الولدِ؛ لأنَّ الأبوينِ يَبْغيانِ أنْ يكونا هما النَّافعينِ لولدِهما، والقصدُ مِن ذلك التَّخلُّقُ بشُكرِه على إنعامِهما السَّابقِ عليه [389] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/70).   .
- قولُه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا... فيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ فهذه الآياتُ أوَّلُ تَفصيلٍ للشَّريعةِ للمُسلمينَ وقَعَ بمكَّةَ، وأنَّ ما ذُكِرَ في هذه الآياتِ مقصودٌ به تَعليمُ المُسلمينَ؛ ولذلك اختَلَفَ أسلوبُه عن أسلوبِ نَظيرِه في سُورةِ (الأنعامِ) -في قولِه: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا... الآياتِ [الأنعام: 151- 153]- الَّذي وُجِّهَ فيه الخطابُ إلى المُشركينَ لتوقيفِهم على قواعدِ ضَلالتِهم؛ فمِن الاختلافِ بين الأسلوبينِ: أنَّ هذه الآيةَ افتُتِحَتْ بفعْلِ القضاءِ المُقْتضي الإلزامَ، وهو مُناسِبٌ لخطابِ أُمَّةٍ تَمتثِلُ أمْرَ ربِّها، وافتُتِحَ خطابُ سُورةِ (الأنعامِ) بـ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. ومنها: أنَّ هذه الآيةَ جعَلَتِ المَقْضيَّ هو تَوحيدُ اللهِ بالعِبادةِ؛ لأنَّه المُناسبُ لحالِ المُسلمينَ، فحذَّرَهم من عِبادةِ غيرِ اللهِ، وآيةُ (الأنعامِ) جعَلَتِ المُحرَّمَ فيها هو الإشراكَ باللهِ في الإلهيَّةِ المُناسِبَ لِما كانوا عليه من الشِّركِ؛ إذ لا عِبادةَ لهم [390] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/65).   .
3- قَولُه تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
- قولُه: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ خفْضُ الجَناحِ كِنايةٌ عن حُسنِ التَّدبيرِ؛ لأنَّ الطَّائرَ إذا ضَمَّ فرْخَه إليه للتَّربيةِ خفَضَ له جَناحَه، وكأنَّه قيل للولدِ: اكفُلْ والديْكَ بأنْ تَضُمَّهما إلى نفْسِك، كما فعَلَا ذلك بك حالَ صِغَرِك. أو يكونُ خفْضُ الجَناحِ كِنايةً عن فعْلِ التَّواضُعِ؛ لأنَّ الطَّائرَ إذا أراد الطَّيرانَ والارتفاعَ نشَرَ جَناحَه، وإذا أراد ترْكَ الطَّيرانِ وترْكَ الارتفاعِ خفَضَ جَناحَه [391] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/37)، ((تفسير أبي السعود)) (5/166).   .
- وبُولِغَ بذكْرِ الذُّلِّ هنا، ولم يُذكَرْ في قولِه: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215]؛ وذلك بسبَبِ عِظَمِ حَقِّ الوالِدَينِ [392] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/37).   .
- قولُه: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ فيه إضافةُ الجَناحِ إلى الذُّلِّ -أو إلى الذِّلِّ- للبيانِ والمُبالغةِ، كما أُضيفَ حاتمٌ إلى الجودِ على معنى: واخفِضْ لهما جَناحَك الذَّليلَ، أو الذَّلولَ، وفيه مُبالغةٌ؛ لأنَّه وُصِفَ بالمصدرِ، فكأنَّه جعَلَ الجَناحَ عينَ الذُّلِّ. أو يجْعَلَ لذُلِّه -أو لذِلِّه- جَناحًا خفيضًا؛ مُبالغةً في التَّذلُّلِ والتَّواضُعِ لهما. وسِرُّ ذكْرِ الجَناحِ وخفْضِه، تَصويرُ الذُّلِّ كأنَّه مُشاهَدٌ مَحسوسٌ [393] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/658)، ((تفسير البيضاوي)) (3/252)، ((تفسير أبي حيان)) (7/38)، ((تفسير القاسمي)) (6/454).   .
- قولُه: مِنَ الرَّحْمَةِ التَّعريفُ في الرَّحْمَةِ عوَضٌ عن المُضافِ إليه، أي: من رَحمتِك إيَّاهما، و(مِن) ابتدائيَّةٌ، أي: الذُّلِّ النَّاشئِ عن الرَّحمةِ لا عن الخوفِ أو عن المُداهنةِ، والمُقصودُ: اعتيادُ النَّفسِ على التَّخلُّقِ بالرَّحمةِ باستحضارِ وُجوبِ مُعاملتِه إيَّاهما بها حتَّى يصيرَ له خُلقًا، كما قيل:
إنَّ التَّخلُّقَ يأتي دونَه الخُلقُ [394] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/71).  
- قولُه: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا الكافُ في قولِه: كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا للتَّشبيهِ، وهو ما يُعبَّرُ عنه بمعنى التَّعليلِ في الكَافِ، والمقصودُ من التشبيهِ تَمثيلُ حالةٍ خاصَّةٍ فيها الإشارةُ إلى تَربيةٍ مُكيَّفةٍ برَحمةٍ كاملةٍ؛ فإنَّ الأبُوَّةَ تَقْتضي رَحمةَ الولدِ، وصِغَرَ الولدِ يَقْتضي الرَّحمةَ به، ولو لم يكُنْ ولدًا؛ فصار قولُه: كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا قائمًا مقامَ قولِه: كما ربَّياني ورَحِماني بتربيتِهما؛ فالتربيةُ تَكمِلةٌ للوُجودِ، وهي وحْدَها تَقتضِي الشُّكرَ عليها. والرحمةُ حِفظٌ للوجودِ مِن اجتنابِ انتهاكِه، وهو مُقتضَى الشُّكرِ؛ فجَمَع الشُّكرَ على ذلك كلِّه بالدُّعاءِ لهما بالرَّحمةِ [395] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/39)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/73).   . وقيل: «ما» في كَمَا: مَصدريَّةٌ، والوَقتُ فيه مُقدَّرٌ، أي: ارحَمْهما في وَقتٍ أحوجَ ما يَكونانِ إلى الرَّحمةِ مِن جَميعِ الأوقاتِ، كَوقتِ رَحمتِهما عليَّ وأنا في حالةِ الصِّغرِ. وليسَ ذلك إلَّا في القِيامةِ، والرحمةُ هي الجَنَّةُ. وقيل: إنَّ الكافَ في كَمَا رَبَّيَانِي؛ لتأكيدِ الوُجودِ، أي: لتاكيدِ وُجودِ الرحمةِ، أي: أَوْجِدْ رَحمتَهما إيجادًا مُؤكَّدًا مُحقَّقًا، كما أَوجَدَ الوالدانِ التربيةَ إيجادًا مُحقَّقًا في الزَّمانِ الماضِي [396] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (9/275).   .
- وخصَّ التربيةَ بالذكرِ؛ ليتذكرَ العبدُ شفقةَ الأبوينِ وتعبَهما في التربيةِ، فيزيدَه ذلك إشفاقًا لهما، وحنانًا عليهما [397] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/244).   .
4- قولُه تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا تَذييلٌ لآيةِ الأمْرِ بالإحسانِ بالوالِدَينِ وما فصلَ به، وما يَقْتضيه الأمْرُ من اختلافِ أحوالِ المأمورينَ بهذا الأمْرِ قبْلَ وُرودِه بينَ مُوافقٍ لمُقتضاهُ ومُفرِّطٍ فيه [398] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/74).   .
- قولُه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ كأنَّه تَهديدٌ على أنْ يُضْمِرَ لوالديْه كراهةً واستثقالًا [399] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/253).   .
- قولُه: فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا تَذييلٌ بوصفِ الأوَّابينَ المُفيدِ بعُمومِه معنى الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى وإلى ما يُرْضيه -لأنَّ الصَّلاحَ في قولِه: إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ شمَلَ الصَّلاحَ الكاملَ والصَّلاحَ المشوبَ بالتَّقصيرِ-؛ ففُهِمَ من الكلامِ معنى احتباكٍ بطريقِ المُقابلةِ، والتَّقديرُ: إنْ تَكونوا صالحينَ أوَّابينَ إلى اللهِ، فإنَّه كان للصَّالحينَ مُحْسِنًا، وللأوَّابينَ غفورًا، وهذا يعُمُّ المُخاطبينَ وغيرَهم، وبهذا العُمومِ كان تَذييلًا [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/75).   .
- وقيل: كان مقتضَى الظاهرِ في تركيبِ الآيةِ أن يُقالَ: (إنْ تكونوا صالحينَ فإنَّه كان لكم غفورًا)؛ لأنَّ المقامَ للإضمارِ، لكنَّه عدَل عن الضميرِ إلى الظاهرِ، فقيل: فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا لينصَّ على شرطِ المغفرةِ، وهو الأوبةُ والرجوعُ [401] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 78).   .