موسوعة التفسير

سورةُ فُصِّلَت
الآيات (9-12)

ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ

غريب الكلمات:

أَنْدَادًا: أي: أمثالًا ونُظَراءَ وشُرَكاءَ، وحَقيقةُ النِّدِّ: المِثْلُ المُناوِئُ المُخالِفُ، وأصلُه مِن قَولِهم: نَدَّ: إذا نَفَر؛ ولهذا يُقالُ للضِّدِّ: نِدٌّ، ثمَّ استُعمِلَ في المِثْلِ وإن لم يكُنْ هناك مُخالَفةٌ [107] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 43)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 46)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/355)، ((البسيط)) للواحدي (2/230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 796). .
رَوَاسِيَ: أي: جِبالًا ثوابِتَ، وأصلُ (رسو): يدُلُّ على ثَباتٍ [108] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 239)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/394)، ((المفردات)) للراغب (ص: 354)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 193)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 250). .
أَقْوَاتَهَا: أي: أرزاقَها، والقُوتُ: ما يُمسِكُ الرَّمَقَ؛ وإنَّما سُمِّيَ قُوتًا لأنَّه مِساكُ البَدَنِ وقُوَّتُه، وأصلُ (قوت): يدُلُّ على إمساكٍ وحِفظٍ، وقُدرةٍ على الشَّيءِ [109] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 388)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/38)، ((المفردات)) للراغب (ص: 687)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 368). .
اسْتَوَى: أي: علا وارتَفَع. أو: اسْتَوَى في هذا المَوضعِ بمعنى: عَمَدَ وأقبَلَ وقَصَد، وأصلُ (سوي): يدُلُّ على استِقامةٍ واعتِدالٍ [110] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 277)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 114)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/112)، ((تفسير القرطبي)) (1/255). .
فَقَضَاهُنَّ: أي: أحْكَمَهُنَّ، وفرَغ مِن خَلْقِهنَّ، وأصل (قضي): يدُلُّ على إحكامِ أمرٍ وإتقانِه وإنفاذِه لجِهَتِه [111] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 388)، ((تفسير ابن جرير)) (20/392)، ((معاني القرآن)) للنحاس (6/251)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/99)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 953). .

مشكل الإعراب:

قَولُه تعالى: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ
قَولُه تعالى: سَوَاءً في نصبِه أوجهٌ؛ أحدُها: أنَّه مَصدَرٌ مُؤَكِّدٌ مَنصوبٌ بفِعلٍ مُقَدَّرٍ هو صِفةٌ لـ أَيَّامٍ، أي: استَوَت سَواءً، أي: استِواءً. الثَّاني: أنَّه مَصدَرٌ في مَوضِعِ الحالِ مِنْ أَرْبَعَةِ؛ لتخَصُّصِه بالإضافةِ إِلَى أَيَّامٍ على معنى: أنَّها كامِلةٌ لا نَقْصَ فيها ولا زيادةَ. الثَّالثُ: أنَّه حالٌ مِن أَقْوَاتَهَا على معنى: قَدَّر فيها أقواتَها سَواءً لِسائِلِيها على ما بهم إليه الحاجةُ وعلى ما يُصلِحُهم.
وقُرِئَ سَوَاءٍ بالخَفضِ صِفةً لـ أَرْبَعَةِ أو لـ أَيَّامٍ على معنى: في أربعةِ أيَّامٍ مُستَوِياتٍ تامَّاتٍ، فجَعَل المصدَرَ في مَوضِعِ الاسمِ. وقُرِئَ سَوَاءٌ بالرَّفعِ [112] ويُنظر ما سيأتي في القراءاتِ ذاتِ الأثرِ في التَّفسير (ص: 51). على أنَّه خبرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ، أي: هي سَواءٌ لا تَزيدُ ولا تَنقُصُ.
وقَولُه: لِلسَّائِلِينَ مُتعَلِّقٌ بـ سَوَاءً بمعنى: مُسْتوياتٍ للسَّائِلينَ. أو مُتعَلِّقٌ بـ (قَدَّر)، أي: قَدَّر فيها أقواتَها لأجْلِ الطَّالِبينَ لها المحتاجِينَ المُقتاتِينَ. أو يَتعلَّقُ بمَحذوفٍ، كأنَّه قيل: هذا الحَصرُ لأجلِ مَنْ سأل: في كم خُلِقَتِ الأرضُ وما فيها [113] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفَرَّاء (3/13)، ((تفسير ابن جرير)) (20/390)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزَّجَّاج (4/381)، ((شرح التسهيل)) لابن مالك (2/331)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/509)، ((تفسير الألوسي)) (12/354). ؟

المعنى الإجمالي:

 يقولُ تعالى آمرًا نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بتوبيخِ المشركينَ وبيانِ مَظاهِرِ قُدرتِه سبحانَه: قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أَإنَّكم لَتَكفُرونَ باللهِ الَّذي خَلَق الأرضَ في يَومَينِ، وتَجعَلونَ له نُظَراءَ وأمثالًا تَعبُدونَهم معه؟! ذلك رَبُّ العالَمينَ! وجعَلَ سُبحانَه في الأرضِ جِبالًا مِن فَوقِها، وبارَكَ فيها، وقَدَّرَ اللهُ فيها أرزاقَها، وذلك في يومَينِ آخَرَينِ؛ فهما مع اليَومَينِ السَّابِقَينِ أربعةُ أيَّامٍ استَوت استواءً، فلا زيادةَ على ذلك ولا نقصانَ، بيَّنَّا ذلك لِمَن سألَ: في كمْ خُلِقت الأرضُ بما فيها؟
ثمَّ ارتفَع اللهُ وعَلا قاصدًا إلى خَلْقِ السَّماءِ وهي دُخَانٌ، فقال سُبحانَه للسَّماءِ والأرضِ بعدَ أنْ خلَقَهما: ائتِيَا وانقادَا لِطاعتي اختيارًا أو جَبرًا. قالَتا: أتَيْنا طائِعينَ. فأتَمَّ اللهُ خَلْقَهنَّ سَبْعَ سَمواتٍ في يومَينِ، وأوحَى اللهُ تعالى في كُلِّ سَماءٍ ما أرادَه مِن الخَلقِ والتَّدبيرِ، وزَيَّن اللهُ السَّماءَ الدُّنيا بالنُّجومِ المُنيرةِ، وحَفِظَها حِفظًا بهذه النُّجومِ مِن الشَّياطينِ المُستَرِقةِ للسَّمْعِ، ذلك الشَّأنُ العَظيمُ تقديرُ العزيزِ القاهِرِ الغالِبِ، العليمِ بكُلِّ شَيءٍ.

تفسير الآيات:

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أمَرَ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الآيةِ الأُولى أن يقولَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت: 6]؛ أردَفَه بما يدُلُّ على أنَّه لا يجوزُ إثباتُ الشَّرِكةِ بيْنَه تعالى وبيْنَ هذه الأصنامِ في الإلهيَّةِ والمعبوديَّةِ، وذلك بأنْ بيَّنَ كَمالَ قُدرتِه وحِكمتِه في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ في مُدَّةٍ قَليلةٍ، فمَنْ هذا صِفتُه كيفَ يجوزُ جَعْلُ الأصنامِ الخَسيسةِ شُرَكاءَ له في الإلهيَّةِ والمعبوديَّةِ [114] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/543). ؟!
وأيضًا لَمَّا ذَكَر سُبحانَه سَفَهَ الكافِرينَ في كُفرِهم بالآخِرةِ؛ شَرَع في ذِكرِ الأدِلَّةِ على قُدرتِه عليها، وعلى كُلِّ ما يُريدُ بخَلقِ الأكوانِ وما فيها، الشَّامِلِ لهم ولمعبوداتِهم مِن الجماداتِ وغَيرِها، الدَّالِّ على أنَّه واحِدٌ لا شريكَ له [115] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/148). .
وأيضًا بعدَ أنْ أمَرَ اللهُ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُجيبَ المُشرِكينَ بأنَّه بَشَرٌ يُوحَى إليه، فما يَملِكُ إلجاءَهم إلى الإيمانِ؛ أمَرَه عَقِبَ ذلك بمُعاودةِ إرشادِهم إلى الحَقِّ [116] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/241). .
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أإِنَّكم لتَكفُرونَ بالَّذي خَلَق الأرضَ على سَعَتِها وعظَمَتِها مِنَ العَدَمِ في يَومَينِ [117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/382)، ((تفسير القرطبي)) (15/342)، ((تفسير ابن كثير)) (7/165، 166)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/148، 149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745). قال الشوكاني: (قيل: اليومانِ هما يومُ الأحدِ ويومُ الاثنينِ. وقيل: المرادُ: مِقدارُ يومَينِ؛ لأنَّ اليومَ الحقيقيَّ إنَّما يتحقَّقُ بعدَ وجودِ الأرضِ والسَّماءِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/581). ويُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/67). ؟!
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا.
أي: وتَجعَلونَ له نُظَراءَ وأمثالًا تتَّخِذونَهم آلهةً معه [118] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/384)، ((الوسيط)) للواحدي (4/26)، ((تفسير ابن كثير)) (7/165)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745). ؟!
ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
أي: ذلك العَظيمُ الَّذي فَعَل ذلك: هو الخالِقُ الرَّازِقُ، المالِكُ المدَبِّرُ لجَميعِ المخلوقاتِ [119] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/384)، ((تفسير السمرقندي)) (3/219)، ((تفسير ابن كثير)) (7/165)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/149، 150)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 57). .
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى ما هم به مُقِرُّونَ مِن إبداعِ هذه الأرضِ؛ أتْبَعَه بثلاثةِ أنواعٍ مِن الصُّنعِ العَجيبِ والفِعلِ البَديعِ بعدَ ذلك [120] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/505). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (27/544)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/150). .
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا.
أي: وجَعَل في الأرضِ جِبالًا ثوابِتَ مِن فَوقِ ظَهْرِها [121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/384)، ((تفسير القرطبي)) (15/342)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745). قال الماوَرْدي: (وفي تِسميتِها رواسِيَ وجهانِ؛ أحدُهما: لعُلُوِّ رُؤوسِها. الثَّاني: لأنَّ الأرضَ بها راسيةٌ، أو لأنَّها على الأرضِ ثابتةٌ راسيةٌ). ((تفسير الماوردي)) (5/170). .
كما قال تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15].
وقال سُبحانَه: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ: 6، 7].
وَبَارَكَ فِيهَا.
أي: وبارَك اللهُ في الأرضِ بما خَلَق فيها مِن المنافِعِ والخَيراتِ الكثيرةِ الدَّائِمةِ لأهْلِها [122] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/385)، ((تفسير القرطبي)) (15/342)، ((تفسير ابن كثير)) (7/166)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/244)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/13). .
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
أي: وخَلَق اللهُ فيها أرزاقَها للنَّاسِ والدَّوابِّ، وذلك في يومَينِ آخَرَينِ، فهما معَ اليَومَينِ السَّابِقَينِ أربَعةُ أيَّامٍ [123] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/388)، ((تفسير القرطبي)) (15/343)، ((تفسير ابن كثير)) (7/166)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/358)، ((تفسير الشوكاني)) (4/581)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/244)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/12، 13). قال الماوَرْدي: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فيه أربعةُ تأويلاتٍ؛ أحدُها: قَدَّر أرزاقَ أهلِها، قاله الحسَنُ. الثَّاني: قدَّر فيها مصالِحَها؛ مِن جبالِها وبحارِها وأنهارِها، وشَجَرِها ودوابِّها، قاله قَتادةُ. الثَّالثُ: قَدَّر فيها أقواتَها مِن المطَرِ، قاله مجاهدٌ. الرَّابعُ: قدَّر في كلِّ بَلدةٍ منها ما لم يجعَلْه في الأُخرَى؛ ليعيشَ بَعضُهم مِن بَعضٍ بالتِّجارةِ مِن بلدٍ إلى بلدٍ، قاله عِكْرِمةُ). ((تفسير الماوردي)) (5/170، 171). قال ابن جرير: (الصَّوابُ مِن القَولِ في ذلك أنْ يُقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَرَ أنَّه قَدَّر في الأرضِ أقواتَ أهلِها، وذلك ما يَقوتُهم مِن الغِذاءِ، ويُصلِحُهم مِنَ المعاشِ، ولم يَخصُصْ جَلَّ ثناؤُه بقَولِه: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا أنَّه قَدَّر فيها قُوتًا دونَ قوتٍ، بل عَمَّ الخبَرَ عن تقديرِه فيها جميعَ الأقواتِ، وممَّا يَقوتُ أهْلَها ما لا يُصلِحُهم غيرُه من الغذاءِ، وذلك لا يكونُ إلَّا بالمطَرِ والتَّصَرُّفِ في البلادِ؛ لِما خَصَّ به بعضًا دونَ بَعضٍ، وممَّا أخرج مِن الجبالِ مِن الجواهِرِ، ومِن البَحرِ مِن المآكِلِ والحُلِيِّ). ((تفسير ابن جرير)) (20/388). وقال ابن عاشور: (وَقَدَّرَ جَعَل قَدْرًا، أي: مِقدارًا، قال تعالى: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطَّلاق: 3]. والمِقدارُ: النِّصابُ المحدودُ بالنَّوعِ أو بالكَمِّيَّةِ، فمعنَى «قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا»: أنَّه خَلَق في الأرضِ القُوَى الَّتي تَنْشَأُ منها الأقواتُ، وخَلَق أصولَ أجناسِ الأقواتِ وأنواعَها؛ مِن الحبِّ للحبوبِ، والكلأِ والكمْأَةِ، والنَّوى لِلثِّمارِ، والحرارةِ الَّتي يَتأثَّرُ بها تولُّدُ الحيوانِ مِن الدَّوابِّ والطَّيرِ، وما يتولَّدُ منه الحيتانُ ودوابُّ البحارِ والأنهارِ. ومِن التَّقديرِ: تقديرُ كلِّ نوعٍ بما يصلُحُ له مِن الأوقاتِ مِن حَرٍّ أو بردٍ أو اعتدالٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/244). وقال البِقاعي: (أي: جعَلَها مع البَرَكةِ على مِقدارٍ لا تتعدَّاه؛ مِنهاجٌ بَديعٌ دَبَّره في الأزَلِ وارتضاه، وقدَّرَه فأمضاه، ومِن ذلك أنَّه خَصَّ بَعضَ البلادِ بشَيءٍ لا يُوجَدُ في غيرِها؛ لتنظيمِ عِمارةِ الأرضِ كُلِّها باحتياجِ بَعضِهم إلى بعضٍ، فكان جميعُ ما تقدَّمَ مِن إبداعِها، وإيداعُها ما ذُكِرَ مِن مَتاعِها دَفعةً واحِدةً لا يَنقُصُ عن حاجةِ المحتاجينَ أصلًا، وإنَّما يَنقُصُ توصُّلُهم أو توصُّلُ بَعضِهم إليه، فلا يجِدُ له حينَئذٍ ما يكفيه، وفي الأرضِ أضعافُ كِفايتهِ). ((نظم الدرر)) (17/150، 151). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 68). .
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قراءةُ سَوَاءٌ بالرَّفعِ، أي: هي سَواءٌ لا تَزيدُ ولا تَنقُصُ [124] قرأ بها أبو جعفرٍ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/366). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/381)، ((تفسير القرطبي)) (15/ 343)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/245). .
2- قراءةُ سَوَاءٍ بالخَفْضِ، أي: في أربعةِ أيَّامٍ مُستَوِياتٍ [125] قرأ بها يعقوبُ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/366). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/381)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/ 245). .
3- قراءةُ سَوَاءً بالنَّصبِ، أي: استَوَت سَواءً، أي: استِواءً [126] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/366). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (20/390)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/381)، ((تفسير السمعاني)) (5/39)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/245). ، وتقدَّم في مُشكِلِ الإعرابِ توجيهُ هذه القراءاتِ.
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ.
أي: أربعةِ أيَّامٍ استَوت استواءً، فلا زيادةَ على ذلك ولا نُقصانَ، بيَّنَّا ذلك لِمَن سألَ في كمْ خُلِقت الأرضُ بما فيها [127] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/381)، ((تفسير الخازن)) (4/83)، ((تفسير العليمي)) (6/146)، ((تفسير الشوكاني)) (4/581)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/245). ممَّن اختار المعنَى المذكورَ في سَوَاءً، وأنَّها مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ محذوفٍ هو صفةٌ للأيَّامِ، أي: اسْتَوَتْ سواءً بمعنَى استواءً: الواحديُّ، والزمخشري، والعُلَيمي، والشوكاني، وابن عثيمين. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 952)، ((تفسير الزمخشري)) (4/188)، ((تفسير العليمي)) (6/146)، ((تفسير الشوكاني)) (1/73)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة فصلت)) (ص: 69). قال ابن عثيمين: (قوله: سَوَاءً يعني: أنَّ هذا الخلْقَ استوعَب الأربعةَ كلَّها، فلم يكُنْ في يومينِ أو ثلاثةٍ، بل في الأيامِ الأربعةِ كلِّها... أي: استوت الأربعةُ استِواءً لا تَزيدُ ولا تَنقُصُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 69). وقال الرازي: (ما المرادُ مِن كونِ تلك الأيَّامِ الأربعةِ سَواءً؟ فنقولُ: إنَّ الأيَّامَ قد تكونُ متساويةَ المقاديرِ... وقد تكونُ مختلِفةً...، فبَيَّن تعالَى أنَّ تلك الأيَّامَ الأربعةَ كانت متساويةً غيرَ مختلِفةٍ). ((تفسير الرازي)) (27/545). وممَّن اختار أنَّ معنى لِلسَّائِلِينَ أي: لِمَن سأل عن خلْقِ الأرضِ: ابنُ أبي زَمَنين، ومكِّي، والواحدي، والخازن، وابن كثير، والعليمي، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/146)، ((الهداية)) لمكي (10/6483، 6490)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 952)، ((تفسير الخازن)) (4/83)، ((تفسير ابن كثير)) (7/166)، ((تفسير العليمي)) (6/146)، ((تفسير الشوكاني)) (1/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 69). وقولُه: لِلسَّائِلِينَ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: هذا الحصرُ والبيانُ لأجلِ السَّائلينَ، أو: هذا جوابٌ للسَّائلينَ. أو: بيَّنَّا ذلك للسَّائلينَ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/545)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 69). وقيل: لِلسَّائِلِينَ أي: للرِّزقِ، المحتاجينَ للأقواتِ. وممَّن اختار هذا المعنى: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والزَّجَّاجُ، والرَّسْعَني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/737)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/381)، ((تفسير الرسعني)) (7/10). قال الرسعني: (وإنَّما قيل: لِلسَّائِلِينَ؛ لأنَّ كُلًّا يَطلُبُ القُوتَ ويَسألُه). ((تفسير الرسعني)) (7/10). وقولُه: لِلسَّائِلِينَ متعلِّقٌ بـ (قدَّر) على هذا القولِ، أيْ: قَدَّر فيها أقواتَها لأجْلِ الطَّالبينَ المُحتاجينَ إليها. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/238)، ((تفسير الشوكاني)) (4/581). وقال الشوكاني: (قال الفرَّاءُ: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنَى: وقَدَّر فيها أقواتَها سواءً للمُحتاجينَ في أربعةِ أيَّامٍ. واختارَ هذا ابنُ جريرٍ). ((تفسير الشوكاني)) (4/581). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (3/13)، ((تفسير ابن جرير)) (20/390). وقال ابن كثير: (قال تعالَى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أيْ: لِمَن أرادَ السُّؤالَ عن ذلك لِيَعلَمَه... قال ابنُ عبَّاسٍ، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ في قولِه تعالَى: سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أي: لِمَنْ أرادَ السُّؤالَ عن ذلك. وقال ابنُ زَيدٍ: معناه وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أيْ: على وَفْقِ مُرادِ مَن له حاجةٌ إلى رِزْقٍ أو حاجةٍ، فإنَّ الله قَدَّر له ما هو مُحتاجٌ إليه. وهذا القولُ يُشْبِهُ ما ذَكَروه في قولِه تعالَى: وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: 34]، والله أعلَمُ). ((تفسير ابن كثير)) (7/166). .
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا شَرَح اللهُ تعالى كيفيَّةَ تَخليقِ الأرضِ وما فيها؛ أتْبَعَه بكيفيَّةِ تَخليقِ السَّمَواتِ [128] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/546). .
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.
أي: ثمَّ ارتفَع الله وعَلا قاصدًا إلى خَلْقِ السَّماءِ وهي دُخَانٌ [129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/391)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (1/195)، ((تفسير ابن كثير)) (1/213)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745). ممَّن اختار أن اسْتَوَى هنا بمعنى ارتفَع: الخليلُ بنُ أحمدَ -كما نسبَه إليه ابنُ عبدِ البَرِّ -، وابنُ جريرٍ، ونسَبه السَّمعاني والبَغوي إلى ابنِ عباسٍ وأكثرِ مفسِّري السَّلفِ في نظيرِ هذه الآيةِ من سورةِ البقرةِ الآيةِ (29)، وهو قولُ أبي العاليةِ، كما في ((صحيح البخاري)) (9/124). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/391)، ((تفسير السمعاني)) (1/63)، ((تفسير البغوي)) (1/101)، ((التمهيد)) لابن عبد البَرِّ (7/132). وممَّن اختار أنَّ اسْتَوَى هنا بمعنى قصد: السمعانيُّ، وابن جُزَي، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/39)،  ((تفسير ابن جزي)) (2/238)، ((تفسير ابن كثير)) (1/213)، ((تفسير الشوكاني)) (4/581)، ((تفسير القاسمي)) (8/326)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 74). قال ابن كثير: (اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ أَيْ: قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ، والاستواءُ هاهنا تضَمَّن معنَى القصدِ والإقبالِ؛ لأنَّه عُدِّيَ بـ «إلى»). ((تفسير ابن كثير)) (1/213). ويُنظر: ((القواعد المثلى)) لابن عثيمين (ص: 52، 53). وقال ابنُ القيمِ: (تقولُ: استَوى إلى كذا، إذا قصَد إليه علوًّا وارتفاعًا، نحو: استوَى إلى السَّطحِ والجبلِ). ((الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة)) (1/ 195). وقال السعدي: (اسْتَوَى تَرِدُ في القرآنِ على ثلاثةِ مَعانٍ: فتارةً لا تُعدَّى بالحرفِ، فيَكونُ معناها: الكمالَ والتَّمامَ، كما في قولِه عن موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص: 14]. وتارةً تكونُ بمعنى: عَلا وارتفَعَ، وذلك إذا عُدِّيَتْ بـ «على»، كما في قولِه تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54]، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: 13]. وتارةً تكونُ بمعنى: قصَدَ، كما إذا عُدِّيَتْ بـ «إلى»، كما في هذه الآيةِ، أي: لَمَّا خلَقَ تعالى الأرضَ، قصَد إلى خلْقِ السَّمواتِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 48). ويُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (1/195). وقال ابنُ تيميَّةَ عن الدُّخَانِ: (قيل: هو البُخارُ الَّذي تصاعَدَ مِن الماءِ الَّذي كان عليه العَرشُ؛ فإنَّ البُخارَ نَوعٌ مِن الدُّخَانِ). ((الصفدية)) (2/76). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/265). يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/166). .
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.
أي: فقال اللهُ للسَّماءِ والأرضِ بعدَ أنْ خَلَقَهما: استَجيبا لأَمْري، وانقادا لِطاعَتي اختيارًا أو جَبرًا [130] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/391)، ((تفسير الثعلبي)) (8/287)، ((الوسيط)) للواحدي (4/27)، ((تفسير البغوي)) (4/126، 127)، ((تفسير ابن عطية)) (5/7)، ((تفسير القرطبي)) (15/343، 344)، ((تفسير ابن كثير)) (7/167)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745). قال الواحدي: (قال المفسِّرونَ: إنَّ اللهَ تعالى قال: أمَّا أنتِ يا سماءُ، فأطْلِعي شمسَكِ وقمرَكِ ونجومَكِ، وأمَّا أنتِ يا أرضُ، فشقِّقي أنهارَكِ، وأخرجي ثمارَكِ ونباتَكِ). ((الوسيط)) (4/27). وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير، والثعلبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/391)، ((تفسير الثعلبي)) (8/287). وممَّن رُوِيَ عنه هذا القَولُ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ الله عنهما. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/391). .
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
أي: قالت السَّماءُ والأرضُ: استَجَبْنا لأمْرِك، وانقَدْنا لطاعتِك، فلا نخالِفُ إرادتَك رَبَّنا [131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/391)، ((تفسير القرطبي)) (15/344)، ((تفسير ابن كثير)) (7/167)، ((تفسير السعدي)) (ص: 745). قال القرطبي: (قال أكثَرُ أهلِ العِلمِ: خَلَق الله فيهما الكَلامَ، فتكَلَّمَتا كما أرادَ تعالى). ((تفسير القرطبي)) (15/344). ويُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/40)، ((تفسير ابن عطية)) (5/7). .
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12).
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ.
أي: ففرَغ الله مِن خَلْقِهنَّ سَبْعَ سَمَواتٍ، وأكْمَلهنَّ وأتمَّهنَّ في يَومَينِ [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/392)، ((تفسير القرطبي)) (15/345)، ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (2/16)، ((تفسير ابن كثير)) (7/167). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة: 29].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: (خَلَق الأرضَ في يومَينِ، ثمَّ خَلَق السَّماءَ، ثمَّ استوى إلى السَّماءِ فسَوَّاهنَّ في يومَينِ آخَرَينِ، ثمَّ دحا الأرضَ؛ ودَحْوُها: أنْ أخرَجَ منها الماءَ والمَرعَى، وخَلَق الجِبالَ والجِمالَ والآكامَ وما بَيْنَهما في يومَينِ آخَرَينِ، فذلك قَولُه: دَحَاهَا [النازعات: 30]، وقَولُه: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 9]، فجُعِلت الأرضُ وما فيها مِن شَيءٍ في أربعةِ أيَّامٍ، وخُلِقَت السَّمَواتُ في يَومَينِ) [133] رواه البخاري (6/127، 128). .
وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا.
أي: وأمَر اللهُ في كُلِّ سمَاءٍ مِن السَّمَواتِ السَّبْعِ بما أرادَه مِنَ الخَلقِ والتَّدبيرِ [134] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/737)، ((تفسير ابن جرير)) (20/393)، ((تفسير ابن جزي)) (2/238)، ((تفسير ابن كثير)) (7/167)، ((تفسير السعدي)) (ص: 746). قال الشوكاني: (الإيحاءُ قد يكونُ بمعنَى الأمرِ، كما في قولِه: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى [الزلزلة: 5]، وقولِه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [المائدة: 111]، أي: أمَرْتُهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/583). .
وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا.
أي: وزَيَّنَ اللهُ السَّماءَ الدُّنيا بالنُّجومِ المُنيرةِ، وحَفِظَها بهذه النُّجومِ مِن الشَّياطينِ المُستَرِقةِ للسَّمْعِ مِن المَلَأِ الأعلى [135] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/394)، ((تفسير القرطبي)) (15/345)، ((تفسير النسفي)) (3/229)، ((تفسير ابن كثير)) (7/167)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/157)، ((تفسير الشوكاني)) (4/583)، ((تفسير السعدي)) (ص: 746)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/251). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ [الحجر: 16 - 18].
وقال سُبحانَه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: 6 - 10].
وقال اللهُ تبارك وتعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: 5].
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
أي: ذلك الشَّأنُ العَظيمُ البَديعُ الَّذي تقَدَّمَ ذِكرُه مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرضِ والنُّجومِ: هو تَقديرُ العَزيزِ ذي القَدْرِ العَظيمِ، القاهِرِ الغالِبِ لكُلِّ شَيءٍ، المُمتَنِعِ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ العَليمِ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بتدبيرِ مَصالحِ خَلْقِه، وعِلمُه بجَميعِ حَرَكاتِهم وسَكَناتِهم [136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/394)، ((تفسير ابن كثير)) (7/167)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/157)، ((تفسير السعدي)) (ص: 746). .
كما قال تعالى: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام: 96].
وقال الله سُبحانَه وتعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: 37 - 40].

الفوائد التربوية:

قال اللهُ تعالى: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ إنَّ عِلْمَنا بأنَّ اللهَ سبحانه الْعَلِيمِ يَستَوجِبُ -مِن النَّاحيةِ المسلكيَّةِ- بالنِّسبةِ للعبدِ: أنْ يَخافَ اللهَ عزَّ وجلَّ، وأنْ يَقومَ بطاعتِه، وأنْ يَدَعَ معصيتَه؛ لأنَّه يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تعالى عالِمٌ به، بل إنَّ اللهَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِك ما لا تَعْلَمُه أنت؛ فيَعْلَمُ مُستقبلَك ومآلَك وحالَك، وهذا يُوجِبُ للعبدِ أنْ يخافَ ربَّه في السِّرِّ والعَلَنِ [137] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 85). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ دليلٌ على وُجوبِ إعلانِ المؤمنِ ما عليه الكفَّارُ مِن الكفرِ باللهِ، ويَتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: أنَّه لا تجوزُ مُداهَنةُ الكفَّارِ، والمُداهَنةُ: سكوتُ الإنسانِ عن معصيةِ العاصي، قال اللهُ تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9]؛ فلا يجوزُ للمؤمنِ أنْ يُداهِنَ، والمُداهَنةُ في الحقيقةِ أشْبَهُ شَيءٍ لها في وقتِنا الحاضرِ ما يُسَمُّونه بالمجاملةِ أو بالعَلْمنةِ؛ فإنَّ العلمانيِّينَ يقولونَ: دَعْ كلَّ إنسانٍ وشأنَه! الدَّولةُ دولةٌ؛ والدِّينُ دِينٌ! فالدَّولةُ لا بُدَّ أنْ تَتَّحِدَ؛ وأمَّا الدِّينُ فلِكُلٍّ دينُه! فلا تُنْكِرْ على الكافرِ، ولا على الفاسقِ! دَعْ كلَّ إنسانٍ يَعْمَلُ ما شاء!! فهذه الآيةَ صريحةٌ في أنَّه يجبُ أنْ نُنكِرَ على الكافرين كُفْرَهم؛ وأَلَّا نُداهِنَهم [138] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 58). .
2- قَولُ الله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فيه سُؤالٌ: مَنِ استدَلَّ بشَيءٍ على إثباتِ شَيءٍ، فذلك الشَّيءُ المُستَدَلُّ به يَجِبُ أن يكونَ مُسَلَّمًا عندَ الخَصمِ، حتَّى يَصِحَّ الاستِدلالُ به، وكَوْنُه تعالى خالِقًا للأرضِ في يومَينِ أمرٌ لا يُمكِنُ إثباتُه بالعَقلِ المَحْضِ، وإنَّما يُمكِنُ إثباتُه بالسَّمعِ ووَحيِ الأنبياءِ، والكُفَّارُ كانوا مُنازِعينَ في الوَحيِ والنُّبُوَّةِ، فلا يُعقَلُ تَقريرُ هذه المقَدِّمةِ عليهم، وإذا امتنعَ تقريرُ هذه المقَدِّمةِ عليهم امتنَعَ الاستِدلالُ بها على فَسادِ مَذاهِبِهم؟
الجوابُ: أنَّ إثباتَ كَونِ السَّمَواتِ والأرضِ مخلوقةً بطَريقِ العَقلِ مُمكِنٌ، فإذا ثبت ذلك أمكَنَ الاستِدلالُ به على وُجودِ الإلهِ القادِرِ القاهِرِ العظيمِ، وحينَئذٍ يُقالُ للكافِرينَ: فكيف يُعقَلُ التَّسويةُ بيْنَ الإلهِ الموصوفِ بهذه القُدرةِ القاهِرةِ، وبيْنَ الصَّنَمِ الَّذي هو جمادٌ لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ في المعبوديَّةِ والإلهيَّةِ؟ والاستِدلالُ بكَونِه تعالى خالِقًا للأرضِ في يومَينِ أثَرٌ، والظَّاهِرُ أنَّ المشرِكينَ كانوا قد سَمِعوا مِن أهلِ الكِتابِ هذه المعانيَ [139] وقيل: إنَّهم تلقَّوْا ذلك خلَفًا عن سلفٍ، فاستفاضَ بيْنَهم. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (8/326). ، واعتَقَدوا في كَونِها حَقَّةً، وإذا كان الأمرُ كذلك فحينَئذٍ يَحسُنُ أن يُقالَ لهم: إنَّ الإلهَ الموصوفَ بالقُدرةِ على خَلقِ هذه الأشياءِ العظيمةِ في هذه المدَّةِ الصَّغيرةِ، كيف يَليقُ بالعَقلِ جَعلُ الخَشَبِ المَنجُورِ والحَجَرِ المنحوتِ شَريكًا له في المعبوديَّةِ والإلهيَّةِ؟ فظهَر بذلك أنَّ هذا الاستِدلالَ قَوِيٌّ حسَنٌ [140] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/544). .
3- قَولُ الله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ فيه سُؤالٌ: أنَّ اللهَ تعالى ذَكَر أنَّه خَلَق الأرضَ في يومَينِ، وذكَرَ أنَّه جَعَل فيها الرَواسِيَ والبَرَكةَ وتقَديرَ الأقواتِ في أربعةِ أيَّامٍ أُخَرَ، وذكَرَ أنَّه خَلَق السَّمَواتِ في يومَينِ، فيكونُ المجموعُ ثمانيةَ أيَّامٍ، لكِنَّه ذَكَر في سائِرِ الآياتِ أنَّه خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيَّامٍ [141] قال السمعاني: (وأجْمَعوا على أنَّ خلقَ الكلِّ كان في سِتَّةِ أيَّامٍ، لا في ثمانِيةِ أيَّامٍ). ((تفسير السمعاني)) (1/354). ؟
والجوابُ: أنَّ يَومَيْ خَلقِ الأرضِ مِن جُملةِ الأربعةِ بَعْدَهما، والمعنى: في تَتِمَّةِ أربَعةِ أيَّامٍ، فكأنَّه قيل: في يومَينِ آخَرينِ، فتلك أربَعةُ أيَّامٍ، وهي مع يَومَيْ خَلْقِ السَّمَواتِ سِتَّةُ أيَّامٍ، وهذا كقَولِ القائِلِ: سِرتُ مِن البَصرةِ إلى بغدادَ في عَشَرةِ أيَّامٍ، وسِرتُ إلى الكُوفةِ في خَمْسةَ عَشَرَ يَومًا، يريدُ كِلْتا المسافتَينِ [142] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/545)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 504، 505)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/244). .
4- قَولُ الله تعالى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا فيه سُؤالٌ: ما الفائِدةُ في قَولِه تعالى: مِنْ فَوْقِهَا، ولِمَ لَمْ يقتَصِرْ على قَولِه: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ، كقَولِه تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ [المرسلات: 27]، وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ [الأنبياء: 31]؟
الجوابُ: أنَّ لذلك فوائِدَ:
منها: استِحضارُ الصُّورةِ الرَّائِعةِ لمناظِرِ الجِبالِ؛ فمنها الجَميلُ المَنظَرِ، المجَلَّلُ بالخُضرةِ، أو المكْسُوُّ بالثُّلوجِ، ومنها الرَّهيبُ المَرأَى؛ مِثلُ جِبالِ النَّارِ (البراكين)، والجِبالِ المَعدِنيَّةِ السُّودِ [143] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/244). .
ومنها: ظُهورُ هذه الرَّواسي وبيانُها للنَّاسِ؛ حتَّى يَعرِفوا بذلك حِكمةَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ورُبَّما لا تكونُ رواسيَ إلَّا إذا كانت مِن فَوقٍ، بِناءً على أنَّ الأرضَ تَدورُ حتَّى تَحفَظَ تَوازُنَها.
ومنها: أنَّ هذه الرَّواسيَ إذا كانت مِن فَوقٍ حَصَل فيها مِن المنافِعِ في دَرءِ العواصِفِ وفي الملاجئِ شَيءٌ كثيرٌ، كما هو مَعروفٌ في المغاراتِ، وكما يُعرَفُ مِن سُفوحِ الجِبالِ، وخُدودِ الجِبالِ، ورُؤوسِ الجبالِ: مِن نوابِتَ لا تُوجَدُ لولا هذه المُرتَفعاتُ.
ومنها: أنَّها تُوجِبُ أنْ تَندَفِعَ مياهُ الأمطارِ بشِدَّةٍ حتَّى تَصِلَ إلى أراضٍ صالحةٍ للنَّباتِ؛ لأنَّ بَعضَ الأرضِ سَبِخاتٌ ليس فيها خَيرٌ، وبَعضَها رِياضٌ تُنبِتُ، فإذا نَزَلَ الماءُ على هذه الجبالِ؛ على قِمَمِها وعلى خُدُودِها، نَزَلَ إلى الأرضِ بشِدَّةٍ عَظيمةٍ حتَّى يَصِلَ إلى ما أراد اللهُ إيصالَه.
ومنها: أنَّ في قِمَمِ الجِبالِ مِن المعادنِ الجَيِّدةِ أكثَرَ مِمَّا في الأرضِ السُّفلى [144] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 66). .
ومنها: أنَّ اللهَ تعالى لو جَعَل فيها رواسيَ مِن تَحتِها لأوهَمَ ذلك أنَّ تلك الأساطينَ التَّحتانيَّةَ هي الَّتي أمسَكَت هذه الأرضَ الثَّقيلةَ عن النُّزولِ، ولكِنَّه تعالى قال: خلَقْتُ هذه الجِبالَ الثِّقالَ فَوقَ الأرضِ؛ لِيَرى الإنسانُ بعَينِه أنَّ الأرضَ والجِبالَ أثقالٌ على أثقالٍ، وكُلُّها مُفتَقِرةٌ إلى مُمسِكٍ وحافِظٍ، وما ذاك الحافِظُ المدَبِّرُ إلَّا اللهُ سُبحانَه وتعالى [145] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/544). .
5- قَولُ الله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قولِه: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ، لم يفعلْ ذلك في أقَلَّ مِن لمحِ البصرِ، معَ تمامِ القدرةِ عليه؛ لأنَّ هذا أدَلُّ على الاختيارِ، وأدخلُ في الابتلاءِ والاختبارِ؛ لِيُضِلَّ به كثيرًا، ويَهديَ به كثيرًا، فيكونَ أعظمَ لأُجورِهم؛ لأنَّه أدَلُّ على تسليمِهم [146] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/151، 152). ، ولأنَّ الله تعالى رَبَطَ الأسبابَ والمُسببَّاتِ، وجَعَلها تتفاعلُ شيئًا فشيئًا حتَّى تنتهيَ، وليُعَلِّمَ عبادَه التَّأنِّيَ في الأمورِ [147] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/506). .
6- في قَولِه تعالى: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا أنَّ اللهَ تعالى قَدَّرَ في الأرضِ أقواتَها، أي: جَعَلَها مُقَدَّرةً بقَدْرٍ مَعلومٍ، ومِن ذلك التَّقديرِ أنْ جَعَل في جِهاتٍ مِن الأرضِ مِن الأقواتِ ما ليس في جِهاتٍ أُخرى؛ حتَّى يَتَبادَلَ النَّاسُ هذه الأقواتَ، وتتحَرَّكَ التِّجارةُ، إلى غيرِ ذلك مِن الفوائدِ، ولعَلَّه يُشيرُ إلى هذا قَولُ اللهِ تبارك وتعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ يعني: المطَرَ لِيَذَّكَّرُوا [148] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 73). [الفرقان: 50].
7- قولُه تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، إلى أنْ قالَ: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ... الآيةَ: يدُلُّ على أن خَلْقَ الأرضِ قبْلَ خلقِ السَّماءِ، وهذا كقولِه تعالى في سُورةِ (البقَرةِ): هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 29]، ولكِنْ هذا يُعارِضُه ظاهِرُ قَولِه تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: 27 - 30] فهنا ذَكَر أنَّ الأرضَ دُحِيَتْ بعدَ خَلْقِ السَّماءِ.
فالجوابُ مِن وجهينِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللهَ تعالَى خَلَقَ الأرضَ أوَّلًا قبْلَ السَّماءِ غيرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ استوَى إلى السَّماءِ فسوَّاهُنَّ سبْعًا في يوميْنِ، ثُمَّ دَحا الأرضَ بعدَ ذلك، وجَعَل فيها الرَّواسِيَ والأنهارَ وغيرَ ذلك، فأصلُ خَلْقِ الأرضِ قبْلَ خلقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بجِبالِها وأشجارِها ونحوِ ذلك بعدَ خلقِ السَّماءِ، ويدُلُّ لهذا أنَّه قالَ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: 30]، ولم يَقُلْ: خَلَقها، ثُمَّ فَسَّر دَحْوَه إيَّاها بقولِه: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: 31]. وهذا هو الجمعُ الَّذي جَمَع به ابنُ عَبَّاسٍ بينَ هاتَيْنِ الآيتيْنِ [149] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 11). وأثرُ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما الذي فيه الجمعُ بينَ الآيتينِ أخرجه البخاري (6/127، 128). وقال الشنقيطي: (هذا الجَمعُ الَّذي جمَعَ به ابنُ عبَّاسٍ بيْن هاتَينِ الآيتَينِ واضِحٌ لا إشكالَ فيه، مفهومٌ مِن ظاهِرِ القرآنِ العظيمِ، إلَّا أنَّه يَرِدُ عليه إشكالٌ مِن آيةِ «البقرة» هذه، وإيضاحُه أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ جَمَع بأنَّ خَلْقَ الأرضِ قبْلَ خَلقِ السَّماءِ، ودَحْوَها بما فيها بعدَ خَلقِ السَّماءِ. وفي هذه الآيةِ التَّصريحُ بأنَّ جميعَ ما في الأرضِ مخلوقٌ قبْلَ خَلقِ السَّماءِ؛ لأنَّه قال فيها: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة: 29]. وقد مكَثْتُ زَمَنًا طويلًا أُفَكِّرُ في حَلِّ هذا الإشكالِ حتَّى هداني اللهُ إليه ذاتَ يومٍ ففَهِمتُه مِن القُرآنِ العظيمِ، وإيضاحُه أنَّ هذا الإشكالَ مرفوعٌ مِن وَجهَينِ، كُلٌّ منهما تدُلُّ عليه آيةٌ مِن القُرآنِ: الأوَّلُ: أنَّ المرادَ بخَلقِ ما في الأرضِ جَميعًا قبْلَ خَلقِ السَّماءِ: الخَلقُ اللُّغَويُّ الَّذي هو التَّقديرُ، لا الخَلقُ بالفِعلِ الَّذي هو الإبرازُ مِن العَدَمِ إلى الوُجودِ، والعَرَبُ تُسَمِّي التَّقديرَ خَلقًا ... والدَّليلُ على أنَّ المرادَ بهذا الخَلقِ التَّقديرُ: أنَّه تعالى نَصَّ على ذلك في سُورةِ «فُصِّلَت»؛ حيث قال: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا، ثمَّ قال: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ الآيةَ. الوَجهُ الثَّاني: أنَّه لَمَّا خَلَق الأرضَ غيرَ مَدحُوَّةٍ، وهي أصلٌ لكُلِّ ما فيها، كان كُلُّ ما فيها كأنَّه خُلِقَ بالفِعلِ؛ لوُجودِ أصلِه فِعلًا، والدَّليلُ مِن القرآنِ على أنَّ وُجودَ الأصلِ يُمكِنُ به إطلاقُ الخَلقِ على الفَرعِ وإن لم يكُنْ مَوجودًا بالفِعلِ: قَولُه تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ [الأعراف: 11]. قَولُه: خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ بخَلْقِنا وتصويرِنا لأبيكم آدَمَ الَّذي هو أصلُكم). ((دفع إيهام الاضطراب)) (ص: 12، 13). .
الوَجهُ الثَّاني: أنَّ معنى قَولِه تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا، أي: مع ذلك، فلَفظةُ (بعدَ) بمعنى (معَ). ونظيرُه قَولُه تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 13]؛ وعليه فلا إشكالَ في الآيةِ. ويُستأنَسُ لهذا القَولِ بالقِراءةِ الشَّاذَّةِ، وبها قرأ مجاهِدٌ: (والأرضَ مع ذلك دحاها) [150] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/15). . وقيل غيرُ ذلك [151] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/291، 292). قال الشنقيطي: (وجَمَع بعضُهم بأوجهٍ ضعيفةٍ؛ لأنَّها مَبنيَّةٌ على أنَّ خلْقَ السَّماءِ قبْلَ الأرضِ، وهو خلافُ التَّحقيقِ. منها: أنَّ «ثُمَّ» بمعنَى الواوِ. ومنها: أنَّها للتَّرتِيبِ الذِّكْريِّ). ((أضواء البيان)) (7/15). .
8- قَولُ الله تعالى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فيه سُؤالٌ: لا يخفَى ما يَسبِقُ إلى الذِّهنِ مِن مُنافاةِ هذه الحالِ وصاحِبِها؛ لأنَّها جمعُ مُذكَّرٍ عاقِلٍ، وصاحِبُها ضميرُ تَثنيةٍ لِغَيرِ عاقِلٍ، ولو طابَقَت صاحِبَها في التَّثنيةِ حَسَبَ ما يَسبِقُ إلى الذِّهنِ لَقال: (أتينا طائِعَتَينِ)؟
الجوابُ مِن وَجهَينِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ جَمْعَه للسَّمَواتِ والأرضِ؛ لأنَّ السَّمَواتِ سَبْعٌ، والأرَضينَ كذلك، بدَليلِ قَولِه تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:12]، فالتَّثنيةُ لَفظيَّةٌ تَحتَها أربعةَ عَشَرَ فَردًا، وأمَّا إتيانُ الجَمعِ على صيغةِ جَمعِ العُقَلاءِ فلِأنَّ العادةَ في اللُّغةِ العَرَبيَّةِ أنَّه إذا وُصِفَ غيرُ العاقِلِ بصِفةٍ تختَصُّ بالعاقِلِ أُجرِيَ عليه حُكمُه، ومنه قَولُه تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: 4]، لَمَّا كان السُّجودُ في الظَّاهِرِ مِن خَواصِّ العُقَلاءِ أجرَى حُكمَهم على الشَّمسِ والقَمَرِ والكواكِبِ؛ لِوَصفِها به. ووَجهُ تذكيرِ الجَمعِ: أنَّ السَّمواتِ والأرضَ تأنيثُها غيرُ حَقيقيٍّ.
الوَجهُ الثَّاني: أنَّ المعنى: قالَتا: أتَيْنا بمَن فينا طائِعينَ، فيكونُ فيه تغليبُ العاقِلِ على غَيرِه [152] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 204، 205). ويُنظر أيضًا: ((أمالي ابن الشجري)) (2/47-49). .
9- في قَولِه تعالى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ أنَّ كُلَّ جَمادٍ أمامَ اللهِ مُدْرِكٌ وعاقِلٌ ومُرِيدٌ [153] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (2/421). .
10- قَولُه تعالى: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا فيه إثباتُ الطَّوَاعِيَةِ والكَراهيةِ لِغَيرِ العاقلِ؛ وهذا يعني أنَّ لغيرِ العاقلِ إرادةً؛ لأنَّ الطَّائِعَ له إرادةٌ، ومَن يُتصَوَّرُ إكراهُه فلَه إرادةٌ أيضًا، وإرادةُ كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه، وقد وَرَدَ أنَّ الصَّحابةَ كانوا يسْمَعون تسبيحَ الطَّعامِ وهو يُؤكَلُ [154] أخرجه البخاري (3579). ، ولا تَسبيحَ إلَّا بعدَ إرادةٍ، وثَبَتَ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال في أُحُدٍ: ((يُحِبُّنا ونُحِبُّه)) [155] أخرجه البخاري (1482) من حديث أبي حُمَيدٍ السَّاعِديِّ رضي الله عنه. ، والمَحبَّةُ أخَصُّ مِن الإرادةِ، وعلى هذا فهذه الجَماداتُ لها إرادةٌ وتُسَبِّحُ اللهَ عزَّ وجَلَّ، ولكنْ لا نَفْقَهُ تَسبيحَها [156] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 77). .
11- في قَولِه تعالى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا الرَّدُّ على ما أنكَرَتِ الجَهميَّةُ مِن أنَّ اللهَ تعالى كَلَّمَ موسى عليه السَّلامُ؛ حيثُ زَعَموا أنَّ الكلامَ لا يكونُ إلَّا مِن جَوفٍ ولِسانٍ وشَفَتَينِ! ووَجْهُ الرَّدِّ أنَّ اللهَ تعالى قال للسَّمَواتِ والأرضِ: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، أتُراها أنَّها قالت بجَوفٍ وفَمٍ وشفَتَينِ ولِسانٍ؟! وقال: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ [الأنبياء: 79]، أتُراها أنَّها يُسَبِّحْنَ بجَوفٍ وفَمٍ ولِسانٍ وشفتَينِ؟! ولكِنَّ اللهَ أنطَقَها كيف شاء، وكذلك اللهُ تَكَلَّمَ كيفَ شاء مِن غيرِ أنْ نَقولَ: جَوفٌ ولا فَمٌ، ولا شَفتانِ ولا لِسانٌ [157] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/153). .
12- قَولُ الله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ، فيه سؤالٌ: اليومُ عبارةٌ عن النَّهارِ واللَّيلِ، وذلك إنَّما يحصُلُ بسببِ طلوعِ الشَّمسِ وغروبِها، وقبْلَ حدوثِ السَّمواتِ والشَّمسِ والقمرِ كيف يُعقلُ حصولُ اليومِ، فالشَّمسُ والقَمَرُ هما مِن السَّمَواتِ والأرضِ، وحَرَكتُهما بعدَ خَلْقِهما، والزَّمانُ المقَدَّرُ بحَرَكتِهما -وهو اللَّيلُ والنَّهارُ التَّابِعانِ لحَركتِهما- إنَّما حَدَث بعدَ خَلْقِهما، وقد أخبَرَ اللهُ أنَّ خَلْقَ السَّمَواتِ والأرضِ وما بيْنَهما في سِتَّةِ أيَّامٍ؟
الجواب: معناه: إنَّه مضَى مِن المُدَّةِ ما لو حصَل هناك فَلَكٌ وشمسٌ، لَكان المِقدارُ مُقَدَّرًا بيَومٍ، أو أنَّ تلك الأيَّامَ مُدَّةٌ وزمانٌ مُقدَّرٌ بحركةٍ أخرى غيرِ حَركةِ الشَّمسِ والقَمَرِ [158] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/548)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (1/123). .
13- في قَولِه تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ أنَّ مدَّةَ خَلْقِ السَّمواتِ أقَلُّ مِن مدَّةِ خَلْقِ الأرضِ؛ معَ أنَّ السَّمواتِ أعظَمُ، لكنْ لَمَّا كانتِ الأرضُ موضوعةً للأنامِ -كما قال تعالى: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ [الرحمن: 10]- كان خَلْقُها أكثرَ مدَّةً؛ لبيانِ عنايةِ اللهِ تعالى بهذه الأرضِ الَّتي وَضَعها للأنامِ، ولِيَعْلَمَ الأنامُ الَّذين على الأرضِ أنَّ العِبرةَ بالإتقانِ لا بالسُّرعةِ [159] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 85). . وأيضًا لأجْلِ التَّنبيهِ على ما في المُقَدَّرِ مِن المقدورِ وعجائِبِ الأُمورِ، ولِيُعلَمَ أيضًا بخَلقِ السَّماءِ -الَّتي هي أكبَرُ جِرمًا، وأتقَنُ جِسمًا، وأعظَمُ زينةً، وأكثَرُ مَنافِعَ بما لا يُقايَسُ- في أقَلَّ مِن مُدَّةِ خَلقِ الأرضِ: أنَّ خَلْقَها في تلك المدَّةِ ليس للعَجزِ عن إيجادِها في أقَلَّ مِن اللَّمحِ، بل لحِكَمِ تَعجِزُ عن حَملِها العُقولُ [160] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/152). . وقيل غيرُ ذلك [161] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 505)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/249). .
14- في قَولِه تعالى: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا أنَّ اللهَ تعالى خَلَق هذه النُّجومَ لثَلاثِ فوائدَ؛ الفائِدةُ الأُولى: زِينةً للسَّماءِ. الفائدةُ الثَّانيةُ: لحِفْظِ السَّمَواتِ مِن الشَّياطينِ. والفائدةُ الثَّالثةُ: ذَكَرها اللهُ تعالى في سورةِ (النَّحلِ) في قَولِه تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 16]؛ ولهذا قال قَتادةُ -وهو مِن أئمَّةِ التَّابِعينَ-: (خَلَق اللهُ هذه النُّجومَ لثلاثٍ؛ زينةً للسَّماءِ، ورُجومًا للشَّياطينِ، وعَلاماتٍ يُهتَدَى بها) [162] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 86). وأثرُ قَتادةَ علَّقه البخاريُّ في ((صحيحه)) (4/130) مجزومًا به. والأثر وصله ابن جرير في ((تفسيره)) (23/123) وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (16536). ويُنظر: ((تغليق التعليق)) لابن حجر (3/489)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/328). .
15- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أنَّ تقديرَ حَرَكاتِ الشَّمسِ والقَمَرِ والأجرامِ العُلْويَّةِ وما نَشَأ عنها كان مِن مُقتضى عِزَّتِه وعِلْمِه، وأنَّه قدَّرَه بهاتَينِ الصِّفتَينِ، وفي هذا تَكذيبٌ لأعداءِ اللهِ الملاحِدةِ الَّذين يَنفُونَ قُدرَتَه واختيارَه وعِلمَه تعالى بالمُغَيَّباتِ [163] يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 172). !

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ أمَر اللهُ سبحانَه نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بمُعاوَدةِ الأمْرِ بإرشادِ الكافِرينَ إلى الحَقِّ على طَريقةِ الاستِفهامِ التَّوبيخيِّ؛ إنكارًا وتَشنيعًا لِكُفرِهم، مُدمِجًا في ذلك تَذكيرَهم بالأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على أنَّ اللهَ واحِدٌ، بطَريقةِ التَّوبيخِ على إشراكِهم به، في حينِ وُضوحِ الدَّلائِلِ على انفِرادِه بالخَلقِ، واتِّصافِه بتَمامِ القُدرةِ والعِلمِ؛ فجُملةُ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ إلى آخِرِها استِئنافٌ ابتدائيٌّ ثانٍ، هو جوابٌ ثانٍ عن مَضمونِ قَولِهم: إِنَّنَا عَامِلُونَ [164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/241). [فصلت: 5].
- قولُه: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ (إنَّ) واللَّامُ؛ لِتَأكيدِ الإنكارِ، وتَقديمُ الهَمزةِ لِاقتضائِها الصَّدارةَ، لا لإنكارِ التَّأكيدِ، وإمَّا لِلإشعارِ بأنَّ كُفرَهم مِنَ البُعدِ بحيثُ يُنكِرُ العُقَلاءُ وُقوعَه؛ فيَحتاجُ إلى التَّأكيدِ [165] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/4). .
- قولُه: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ هَمزةُ الاستفهامِ المُفتتَحُ بها الكلامُ مُستعمَلةٌ في التَّوبيخِ. والافتِتاحُ بالاستِفهامِ وحَرفَيِ التَّوكيدِ -(إنَّ) واللام- تَشويقٌ لِتَلَقِّي ما بَعدَ ذلك؛ لِدَلالةِ ذلك على أنَّ أمرًا مُهِمًّا سَيُلقَى إليهم، وأيضًا تَوكيدُ الخَبَرِ بـ (إنَّ) ولامِ الابتِداءِ بَعدَ الاستِفهامِ التَّوبيخيِّ أو التَّعْجيبيِّ؛ لِيَكونَ الإنكارُ لِأمرٍ مُحَقَّقٍ، وهو هنا مَبنيٌّ على أنَّهم يَحسَبونَ أنَّهم مُهتَدونَ، وعلى تَجاهُلِهم المُلازَمةَ بيْنَ الانفِرادِ بالخَلقِ وبَينَ استِحقاقِ الإفرادِ بالعِبادةِ، فأُعلِموا بتَوكيدِ أنَّهم يَكفُرونَ، وبتَوبيخِهم على ذلك؛ فالتَّوبيخُ المُفادُ مِنَ الاستِفهامِ مُسَلَّطٌ على تَحقيقِ كُفرِهم باللهِ، وذلك مِنَ البَلاغةِ بالمَكانةِ العُليا [166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/241، 242). .
- ومَجيءُ فِعلِ (تَكفُرونَ) بصِيغةِ المُضارِعِ؛ لِإفادةِ أنَّ تَجَدُّدَ كُفرِهم يَومًا فيَومًا، مع سُطوعِ الأدِلَّةِ الَّتي تَقتَضي الإقلاعَ عنه؛ أمْرٌ أحَقُّ بالتَّوبيخِ. ومعنى الكُفرِ به الكُفرُ بانفرادِه بالإلهيَّةِ، فلمَّا أشْرَكوا معه آلِهةً كانوا واقِعينَ في إبطالِ إلَهيَّتِه؛ لأنَّ التَّعدُّدَ يُنافي حَقيقةَ الإلهيَّةِ، فكأنَّهم أنْكَروا وُجودَه؛ لأنَّهم لَمَّا أنْكَروا صِفاتِ ذاتِه، فقدْ تَصوَّرُوه على غيرِ كُنْهِه. وأُدمِجَ في هذا الاستِدلالِ بَيانُ ابتِداءِ خَلقِ هذه العَوالِمِ؛ فمَحَلُّ الاستِدلالِ هو صِلةُ المَوصولِ، وأمَّا ما تَعلَّقَ بها فهو إدماجٌ [167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/242). الإدماجُ: أنْ يُدمِجَ المُتكلِّمُ غرَضًا في غرَضٍ، أو بديعًا في بديعٍ، بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعَينِ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الَّذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحَمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجتِ المُبالَغةُ في المُطابَقةِ؛ لأنَّ انفِرادَه بالحمدِ في الآخِرةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواهُ- مُبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفِرادِ بالحمدِ. يُنظر: ((التبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 225)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). .
- والتَّعبيرُ عنِ الجَلالةِ بالمَوصولِ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ دُونَ الاسمِ العَلَمِ؛ لِتَفخيمِ شَأنِه تعالَى، واستِعظامِ كُفرِهم به، ولِمَا تُؤذِنُ به الصِّلةُ مِن تَعليلِ التَّوبيخِ؛ لِأنَّ الَّذي خَلَق الأرضَ هو المُستَحِقُّ لِلعِبادةِ [168] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/4)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/243). .
- وإنَّما ابتُدِئَ بذِكرِ خَلقِ الأرضِ قبْلَ ذِكرِ خَلقِ السَّمَواتِ؛ لِأنَّ آثارَ خَلقِ الأرضِ أظهَرُ لِلْعِيانِ، وهي في مُتَناوَلِ الإنسانِ، فلا جَرَمَ أنْ كانتِ الحُجَّةُ عليهم بخَلقِ الأرضِ أسبَقَ نُهوضًا، ولِأنَّ النِّعمةَ بما تَحتَوي عليه الأرضُ أقْوى وأعَمُّ، فيَظهَرُ قُبحُ الكُفرانِ بخالِقِها أوضَحَ وأشنَعَ [169] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/242). .
- ولعلَّ تَخصيصَ البَيانِ بما يَتعلَّقُ بالأرْضِ وأهْلِها؛ لِمَا أنَّ بَيانَ اعتِنائِه تعالَى بأمْرِ المُخاطَبينَ، وتَرتيبِ مَبادِي مَعايِشِهم قبْلَ خَلقِهم مِمَّا يَحمِلُهم على الإيمانِ، ويَزجُرُهم عنِ الكُفرِ والطُّغيانِ [170] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/5). .
- وعَطْفُ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا على لَتَكْفُرُونَ تَفسيرٌ لِكُفرِهم باللهِ، وكان مُقتَضى الظَّاهِرِ أنَّه في التَّفسيرِ لا يُعطَفُ؛ فعُدِلَ إلى عَطفِه لِيَكونَ مَضمونُه مُستَقِلًّا بذاتِه [171] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/242، 243). .
- وأيضًا قولُه: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا المعطوفُ على (تَكفرُونَ) داخِلٌ في حُكمِ الإنكارِ والتَّوبيخِ. وجَمعُ (الأنداد) باعتِبارِ ما هو الواقِعُ، لا بأنْ يَكونَ مَدارُ الإنكارِ هو التَّعدُّدَ، أيْ: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا والحالُ أنَّه لا يُمكِنُ أنْ يَكونَ له نِدٌّ واحِدٌ [172] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/4). .
- وجُملةُ ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُعترِضةٌ بيْن المَعطوفاتِ على الصِّلةِ. وقولُه: ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ إشارةٌ إلى المَوصولِ في قَولِه: بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، باعتِبارِ اتِّصافِه بما في حَيِّزِ الصِّلةِ، معَ ما في الإشارةِ مِنْ مَعنى البُعدِ معَ قُربِ العَهدِ بالمُشارِ إليه؛ لِلإيذانِ ببُعدِ مَنزِلَتِه في العَظَمةِ. وفي الإشارةِ نِداءٌ على بَلادةِ رَأيِهم؛ إذْ لم يَتَفَطَّنوا إلى أنَّ الَّذي خَلَق الأرضَ هو رَبُّ العالَمينَ؛ لِأنَّه خالِقُ الأرضِ وما فيها، ولا إلى أنَّ رُبوبيَّتَه سُبحانَه تَقتَضي انتِفاءَ النِّدِّ والشَّريكِ [173] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/4)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/243). .
2- قولُه تعالَى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ
- قولُه: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا يجوزُ أنْ يُجعلَ ابتِداءَ كلامٍ بِناءً على أنَّه يُصدَّرُ بالواوِ؛ فهو كَلامٌ مُستَأنَفٌ، ويجوزُ أنْ تكونَ الواوُ اعتراضيَّةً. وقيلَ: هو عَطفٌ على مُقَدَّرٍ بعدَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، أيْ: خَلَقها وجَعَل فيها رواسيَ، فكأنَّه ساقَ قولَه تعالى: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ أولًا ردًّا عليهم في كُفرِهم، ثمَّ ذكَرَه ثانيًا تتميمًا للقِصَّةِ، وتأكيدًا للإنكارِ. وقيل غيرُ ذلك [174] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/4)، ((تفسير الألوسي)) (12/353). وقد نصَّ أبو السُّعودِ وابنُ عاشورٍ وغيرُهما على أنَّ قولَه: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ... معطوفٌ علَى الفِعلِ (خلَقَ) في قولِه: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، لا على مَعمولِه؛ فجُملةُ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ... إلخ، صِلةٌ ثانيةٌ في المَعنَى؛ ولذلك جِيءَ بفِعلٍ آخَرَ غَيرِ فِعلِ (خَلَقَ)؛ لِأنَّ هذا الجَعْلَ تَكوينٌ آخَرُ حَصَلَ بَعْدَ خَلقِ الأرضِ، وهو خَلْقُ أجزاءٍ تَتَّصِلُ بها؛ إمَّا مِن جِنسِها كالجِبالِ، وإمَّا مِن غَيرِ جِنسِها كالأقواتِ؛ ولذلكَ أعقَبَ بقَولِه: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ قَولِه: فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 9]. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/4)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/243)، وقد رَدَّ هذا القولَ الألوسيُّ، والله أعلمُ. .
- والرَّواسي: الثَّوابِتُ، وهو صِفةٌ لِلجبالِ؛ لِأنَّ الجِبالَ حِجارةٌ لا تَنتَقِلُ، بخِلافِ الرِّمالِ والكُثبانِ، وحُذِفَ المَوصوفُ (جِبالًا)؛ لِدَلالةِ الصِّفةِ عليه [175] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/243). .
- قولُه: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا جَمْعُ الأقواتِ مُضافًا إلى ضَميرِ الأرضِ يُفيدُ العُمومَ، أيْ: جَميعَ أقواتِها، وعُمومُه باعتِبارِ تَعدُّدِ المُقتاتينَ؛ فلِلدَّوابِّ أقواتٌ، ولِلطَّيرِ أقواتٌ، ولِلوحوشِ أقواتٌ، ولِلزَّواحِفِ أقواتٌ، ولِلحَشَراتِ أقواتٌ، وجَعَل لِلإنسانِ جَميعَ تلك الأقواتِ مِمَّا استَطابَ منها، كما أفادَه قولُه تعالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/244). [البقرة: 29].
- وقد فَصَّل مِقدارَ ما خَلَق الأرضَ فيه، ومِقدارَ ما خَصَّ الأقواتَ والمنافِعَ؛ لإحاطةِ العِلمِ بأنَّه يخُصُّ كُلَّ أمرٍ مِن الأمْرَينِ يَومانِ، ونَصَّ على الأوَّلَينِ؛ لِيَكونَ ذلك أدَلَّ على القُدرةِ، فيَحسُنَ مَوقِعُ النَّعيِ عليهم بما فَصَّل به الآيتَينِ مِنِ اتِّخاذِ الأندادِ، وإنَّما كان أدَلَّ على القُدرةِ؛ لأنَّه إيجادُ ذواتٍ مَحسوسةٍ مِن العَدَمِ قائِمةٍ بأنفُسِها، بخِلافِ البَرَكةِ وتقديرِ الأقواتِ؛ فإنَّه أمرٌ لا يقومُ بنَفْسِه، فلم يُفرِدْ يَومَيْه بالذِّكرِ، بل جعَلَهما تابِعَينِ، كما أنَّ ما قَدَّرَ فيهما تابِعٌ [177] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/151). .
- قولُه: لِلسَّائِلِينَ يَتنازَعُه كلٌّ مِن أفعالِ (جعَلَ) و(بارَكَ) و(قدَّرَ)؛ فيكونُ لِلسَّائِلِينَ جمْعَ سائلٍ، بمعنى الطَّالبِ للمَعرفةِ، ويجوزُ أنْ يَتعلَّقَ بمَحذوفٍ، أي: بيَّنَّا ذلك للسَّائلينَ عن مُدَّةِ خلْقِ الأرضِ وما فيها. ويجوزُ أنْ يكونَ لـ لِلسَّائِلِينَ مُتعلِّقًا بفِعلِ (قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا)، فيكونَ المُرادُ بالسَّائلينَ الطَّالبينَ للقُوتِ [178] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/188)، ((تفسير البيضاوي)) (5/67)، ((تفسير أبي حيان)) (9/288)، ((تفسير أبي السعود)) (8/5)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/245). .
3- قولُه تعالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
- حَرفُ ثُمَّ لِلتَّرتيبِ الرُّتبيِّ؛ لِتَفاوُتِ ما بيْنَ الخِلقَتَيْنِ، لا لِلتَّراخي في المُدَّةِ؛ لِقَولِه: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: 30]، وهي تدُلُّ على أنَّ مَضمونَ الجُملةِ المَعطوفةِ أهَمُّ مَرتَبةً مِن مَضمونِ الجُملةِ المَعطوفِ عليها؛ فإنَّ خَلقَ السَّمَواتِ أعظَمُ مِن خَلقِ الأرضِ، وعَوالِمَها أكثَرُ وأعظَمُ؛ فجِيءَ بحَرفِ التَّرتيبِ الرُّتبيِّ بَعدَ أنْ قُضِيَ حَقُّ الاهتِمامِ بذِكرِ خَلقِ الأرضِ حتَّى يُوَفَّى المُقتَضَيانِ حَقَّهما، وتَرقِّيًا مِن الأدْنى إلى الأعلى؛ لأنَّ الكلامَ مع المُعانِدينَ المُتمرِّدينَ. وقِيل: (ثُمَّ) لِتَرتيبِ الخبَرِ على الخبَرِ؛ أخبَرَ أوَّلًا بخلْقِ الأرضِ، ثمَّ أخبَرَ بخلْقِ السَّماءِ [179] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/67)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/577، 578)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/245). .
- قيل: إنَّما خَصَّ الاستِواءَ بالسَّماءِ في قولِه: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ -مع أنَّ الخِطابَ المُترَتِّبَ عليه مُتوَجِّهٌ إليها وإلى الأرض مَعًا، حَسبَما يَنطِقُ به قولُه تعالَى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ-؛ اكتِفاءً بذِكرِ تَقديرِها وتَقديرِ ما فيها، كَأنَّه قيلَ: فقال لها ولِلأرضِ الَّتي قَدَّرَ وُجودَها ووُجودَ ما فيها: اِئْتِيَا [180] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/5)، ((تفسير الشوكاني)) (4/582). .
- قولُه: طَوْعًا أَوْ كَرْهًا كِنايةٌ عن عَدَمِ البُدِّ مِن قَبولِ الأمْرِ، وتَمَكُّنِ القُدرةِ مِن إيجادِهما على وَفقِ إرادةِ اللهِ تَعالى [181] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/189، 190)، ((تفسير البيضاوي)) (5/68)، ((تفسير أبي حيان)) (9/290)، ((تفسير أبي السعود)) (8/5)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/247). ، والمَقصودُ مِن هذه الآيةِ التَّعبيرُ عن عَظَمةِ القُدرةِ الإلهيَّةِ ونُفُوذِها في المَقدوراتِ دَقَّتْ أو جَلَّتْ، ووُجوبِ وُقوعِ مُرادِه تعالى [182] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/247). .
4- قولُه تعالَى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
- قولُه: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ تَفسيرٌ وتَفصيلٌ لِتَكوينِ السَّماءِ المُجمَلِ المُعبَّرِ عنه بالأمْرِ وجَوابِه، لا أنَّه فِعلٌ مُتَرَتِّبٌ على تَكوينِها، أيْ: خَلَقهنَّ خَلقًا إبداعِيًّا، وأتقَن أمْرَهنَّ حَسبَما تَقتَضيه الحِكمةُ [183] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/5). . وهو أيضًا تَفريعٌ على قولِه: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا [184] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/248). [فصلت: 11].
- وضَميرُ فَقَضَاهُنَّ عائِدٌ إلى السَّمَواتِ على اعتِبارِ تَأنيثِ لَفظِها، وهذا تَفَنُّنٌ [185] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/248). .
- في قَولِه: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ الْتِفاتٌ مِن الغَيبةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ فقد أسنَدَ التَّزيينَ إلى ذاتِه سُبحانَه؛ تَجديدًا لِنَشاطِ السَّامِعينَ؛ لِطُولِ استِعمالِ طَريقِ الغَيبةِ ابتِداءً مِن قَولِه: بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 9]، مع إظهارِ العِنايةِ بتَخصيصِ هذا الصُّنعِ الَّذي يَنفَعُ النَّاسَ دِينًا ودُنيا، وهو خَلقُ النُّجومِ الدَّقيقةِ والشُّهُبِ بتَخْصيصِه بالذِّكرِ مِن بيْنِ عُمومِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا، فما السَّماءُ الدُّنيا إلَّا مِن جُملةِ السَّمَواتِ، وما النُّجومُ والشُّهُبُ إلَّا مِن جُملةِ أمْرِها [186] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/7)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/251)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/538). .
- قولُه: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ المُرادُ بالمَصابيحِ: النُّجومُ، وعُبِّرَ عنها بذلك؛ لِمَا يَبدو مِن نُورِها كالمَصابيحِ [187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/251). .
- وذِكرُ صِفتَي الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ؛ لِمُناسَبةِ مَعناهما للتَّعلُّقِ بنِظامِ سَيرِ الكواكبِ؛ فالعِزَّةُ تُناسِبُ تَسخيرَ هذا الكوكبِ العظيمِ، والعِلْمُ يُناسِبُ النِّظامَ البديعَ الدَّقيقَ [188] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/21) و (24/252). .