موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (4-6)

ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: اذكُرْ- يا محمَّدُ- لقومِك قولَ يوسُفَ لأبيه يعقوبَ عليهما السلام: إنِّي رأيتُ في المنامِ أحدَ عشَرَ كوكبًا، والشَّمسَ والقمَرَ رأيتُهم لي ساجدينَ، فقال يعقوبُ لابنه يوسُفَ: يا بُنيَّ لا تذكُرْ لإخوتِك هذه الرُّؤيا فيَحسُدوك ويُعادوك، ويَحتالوا في إنزالِ الضررِ بكَ؛ إنَّ الشَّيطانَ للإنسانِ عدُوٌّ ظاهِرُ العداوةِ. وكما أراك ربُّك هذه الرُّؤيا فكذلك يَصطَفيك للنبُوَّةِ، ويعَلِّمُك من تعبيرِ الرُّؤى التي يراها النَّاسُ في منامِهم، ومِن معاني كتبِ الله وسننِ الأنبياءِ، ويُتِمُّ نِعمتَه عليك وعلى آلِ يَعقوبَ بالنبُوَّةِ والرِّسالة، كما أتمَّها مِن قبلُ على أبوَيك إبراهيمَ وإسحاقَ بالنبُوَّةِ والرِّسالةِ، إنَّ ربَّك عليمٌ بمن يَصطفيه مِن عبادِه، حَكيمٌ في تدبيرِ أمورِ خَلقِه.

تفسير الآيات:


إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا مدحَ ما اشتمَلَ عليه هذا القُرآنُ مِن القَصَص، وأنَّها أحسَنُ القَصَصِ على الإطلاقِ، فلا يُوجَدُ مِن القَصَص ِفي شيءٍ مِن الكتُبِ مِثلُ هذا القرآنِ- ذكرَ قِصَّةَ يوسُفَ وأبيه وإخوتِه، القِصَّةَ العجيبةَ الحَسَنةَ [37] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:393). ، فقال تعالى:
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4).
أي: اذكُرْ- يا محمَّدُ- لقَومِك حين قال يوسُفُ لأبيه يعقوبَ- عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا أبتِ، إنِّي رأيتُ في المنامِ أحَدَ عشَرَ نَجمًا، والشَّمسَ والقمَرَ، رأيتُهم ساجدينَ لي [38] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/11)، ((تفسير ابن عطية)) (3/219)، ((تفسير القرطبي)) (9/120)، ((تفسير ابن كثير)) (4/369)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/202)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/207، 208). قال ابنُ كثيرٍ: (تكلمَّ المفَسِّرون على تعبيرِ هذا المنامِ: أنَّ الأحدَ عشَرَ كوكبًا عبارةٌ عن إخوتِه، وكانوا أحدَ عشَرَ رجلًا سِواه، والشَّمس والقمَر عِبارةٌ عن أبيه وأمِّه). ((تفسير ابن كثير)) (4/369). وقال الشنقيطي: (لم يُبَيِّنْ هنا تأويلَ هذه الرُّؤيا، ولكنَّه بيَّنَه في هذه السورة الكريمة في قولِه تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف: 99- 100]،  ومِن المعلومِ أنَّ رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ). ((أضواء البيان)) (2/202). .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أكرمُ الناسِ يوسُف نبيُّ الله، ابنُ نبيِّ الله، ابنِ نبيِّ الله، ابنِ خليلِ الله )) [39] رواه البخاري (4689) واللفظ له، ومسلم (2378). .
قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5).
قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا.
أي: قال يعقوبُ لابنه يوسُفَ: يا بُنيَّ لا تَقصُصْ هذه الرُّؤيا على إخوتِك، فيَحسُدوك، ويَحتالوا لك حيلةً ليَضُرُّوك [40] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/13)، ((تفسير القرطبي)) (9/122)، ((تفسير ابن كثير)) (4/371)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/213). .
إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ.
أي: إنَّ الشَّيطانَ لآدمَ وذريتِه عدوٌّ ظاهِرُ العَداوةِ، يَحمِلُهم على الحسَدِ والكَيدِ [41] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/13)، ((تفسير البغوي)) (2/475)، ((تفسير النسفي)) (2/95). قال ابن عاشور: (عقَّبَ كلامَه بقَولِه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ لِيَعلمَ أنَّه ما حذَّره إلَّا مِن نَزغِ الشَّيطانِ في نفوسِ إخوتِه، وهذا كاعتذارِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجُلَينِ مِن الأنصارِ اللَّذينِ لَقِياه ليلًا وهو يُشَيِّعُ زوجَه أمَّ المؤمنينَ إلى بيتِها، فلما رأياه ولَّيَا، فقال: «على رِسْلِكما، إنَّها صفيَّةُ. فقالا: سبحانَ اللهِ، يا رسولَ الله!! وأكبَرَا ذلك، فقال لهما: إنَّ الشَّيطانَ يجري من ابنِ آدمَ مجرى الدَّمِ، وإني خشيتُ أن يَقذِفَ في نُفوسِكما» ). ((تفسير ابن عاشور)) (12/214). .
كما قال تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا الإسراء: 53.
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6).
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ.
أي: قال يعقوبُ لابنِه يوسُفَ: وكما أراك ربُّك في منامِك سُجودَ الكواكبِ والشَّمسِ والقَمَرِ لك، فكذلك يَختارُك ربُّك، ويَصطفيك للنبُوَّةِ [42] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/15)، ((تفسير ابن كثير)) (4/371)، ((تفسير السعدي)) (ص: 393). .
وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ.
أي: ويُعلِّمُك مِن تعبيرِ الرُّؤى التي يراها النَّاسُ في مَنامِهم، وما يؤولُ أمرُها إليه [43] وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابن جرير، والواحدي، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/15)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 539)، ((تفسير ابن كثير)) (4/371). قال السمعاني: (وأكثرُ المُفسِّرينَ على أنَّ المُرادَ مِن هذا علمُ التَّعبير، وما تؤولُ إليه الرُّؤيا). ((تفسير السمعاني)) (3/8)، وحكَى القرطبيُّ الإجماعَ على ذلك. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/129). ، ومن معاني كتُبِ الله وسُنَنِ الأنبياءِ [44] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 393)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/202، 203). وممن جمَع بينَ المعنيينِ المذكورينِ لتأويلِ الأحاديثِ في الجملةِ: السعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((المصدران السابقان)). وعلى المعنَى الأوَّل سُمِّيت أحاديثَ؛ لأنَّها إمَّا حديثُ نَفسٍ، أو مَلَك، أو شيطان، وعلى المعنى الثاني سُمِّيَت أحاديثَ؛ لأنَّها يُحدَّثُ بها عن الله ورُسُلِه، فيُقال: قال الله كذا، وقال رسولُه كذا، ألا ترى إلى قَولِه تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 185]، وقَولِه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر: 23]؟ يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/203).  وقال ابن عاشور: (التَّأويلُ: إرجاعُ الشَّيءِ إِلى حقيقتِه ودَليلِه...والأحاديثِ: يَصِحُّ أنْ يكونَ جمعَ حديثٍ بمعنَى الشَّيءِ الحادثِ، فتأويلُ الأحاديثِ: إرجاعُ الحوادِثِ إلى عِلَلِها وأسبابِها بإدراكِ حقائِقِها على التَّمامِ. وهو المعنيُّ بالحكمةِ، وذلك بالاستدلالِ بأصنافِ الموجوداتِ على قُدرةِ اللَّهِ وحكمتِه، ويَصِحُّ أنْ يكونَ الأحاديثُ جمعَ حديثٍ بمعنَى الخبرِ المتحدَّثِ به، فالتَّأويل: تعبيرُ الرُّؤيا. سُمِّيَتْ أحاديثُ لأنَّ المرائِيَ يتحدثُ بها الراؤون، وعلى هذا المعنَى حَمَلها بعضُ المفسِّرينَ. واستدَلُّوا بقولِه في آخرِ القصَّةِ وقال: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف: 100]، ولعلَّ كلا المعنيين مرادٌ بناءً على صِحَّةِ استعمالِ المشتركِ في مَعْنيَيه وهو الأصحُّ). ((تفسير ابن عاشور)) (12/216). .
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ.
أي: ويُتِمُّ نِعمَتَه عليك في الدُّنيا والآخرةِ، وعلى أهلِ مِلَّةِ يعقوبَ مِن ذرِّيَّتِه وغيرِهم، كما أتمَّ نِعمَتَه من قبلِ ذلك على أبوَيك إبراهيمَ وإسحاقَ بالنِّعَم العظيمةِ في دِينِهم ودُنياهم [45] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/16)، ((تفسير أبي السعود)) (4/254)، ((تفسير السعدي)) (ص: 393). قال تعالى: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وأعظَمُ ذلك نعمةُ النبُوَّة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/16)، ((تفسير الرازي)) (18/421)، ((تفسير ابن كثير)) (4/371). .
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: إنَّ ربَّك عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بمن يستحِقُّ إتمامَ النِّعمةِ، حَكيمٌ يضَعُ كلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به، ومِن ذلك حِكمتُه في تدبيرِ خَلْقِه [46] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/16)، ((تفسير ابن كثير)) (4/371)، ((تفسير القاسمي)) (6/149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 393). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ الله تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا في خِطابِ يعقوبَ ليُوسُفَ تنهيةٌ عن أن يقُصَّ على إخوتِه- مَخافةَ كَيدِهم- دَلالةٌ على تحذيرِ المُسلِمِ أخاه المُسلِمَ ممَّن يخافُه عليه، والتَّنبيهِ على بعضِ ما لا يَليقُ، ولا يكونُ ذلك داخِلًا في بابِ الغِيبةِ [47] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/239). .
2- ينبغي البعدُ عن أسبابِ الشَّرِّ، وكِتمانُ ما تُخشى مضَرَّتُه؛ لقولِ يعقوبَ ليُوسفَ: يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [48] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:407). ، ففيه الحثُّ على التحَرُّزِ ممَّا يُخشَى ضُرُّه؛ فالإنسانُ مأمورٌ بالاحترازِ، فإن نفَعَ فذاك، وإلَّا لم يَلُمِ العبدُ نَفسَه [49] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 21). .
3- قولُ الله تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا يدُلُّ على جوازِ تَركِ إظهارِ النِّعمةِ لِمَن يُخشَى منه حَسَدٌ ومَكرٌ [50] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:153). ، فليس للمَحسودِ أسلَمُ مِن إخفاءِ نِعمتِه عن الحاسِدِ [51] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/18). .
4- قَولُ الله تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فيه حُكمٌ بالعادةِ أنَّ الإخوةَ والقَرابةَ يَحسُدونَ [52] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:153). .
5- قولُ الله تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا في الآيةِ دليلٌ على أنَّ الرُّؤيا لا تُقَصُّ على غيرِ شَفيقٍ ولا ناصِحٍ، ولا على امرئٍ لا يُحسِنُ التَّأويلَ فيها [53] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/126)، ((تفسير ابن عادل)) (11/17). .
6- مِن الحَزمِ إذا أراد العَبدُ فِعلًا مِن الأفعالِ أن يَنظُرَ إليه مِن جَميعِ نواحيه، ويُقَدِّرَ كُلَّ احتمالٍ مُمكِنٍ، وأنَّ الاحترازَ بسُوءِ الظَّنِّ لا يَضُرُّ إذا لم يُحقَّق، بل يُحترَزُ مِن كُلِّ احتِمالٍ يُخشى ضَرَرُه، ولو تضَمَّنَ ظَنَّ السُّوءِ بالغَيرِ، إذا كانت القرائِنُ تَدُلُّ عليه وتَقتَضيه، كما في قَولِه تعالى: يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وكما قَوِيَت القرائِنُ في قَولِه: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ يوسف: 64؛ فإنَّه سبَقَ لهم في أخيه ما سَبَق، فلا يُلامُ يعقوبُ إذا ظَنَّ بهم هذا الظَّنَّ، وإن كانوا في الأخِ الأخيرِ لم يَجرِ منهم تفريطٌ ولا تَعَدٍّ [54] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 22). .
7- إنَّ نِعمةَ اللهِ على العبدِ نِعمةٌ على من يتعلَّقُ به من أهلِ بَيتِه وأقارِبِه وأصحابِه، وأنَّه رُبَّما شَمِلَتهم، وحصل لهم ما حصَلَ له بسَبَبِه، كما قال يعقوبُ في تفسيرِه لرؤيا يوسُفَ: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ، ولَمَّا تمَّت النِّعمةُ على يوسُفَ، حصلَ لآلِ يعقوبَ مِن العِزِّ والتَّمكينِ في الأرضِ، والسُّرورِ والغِبطةِ ما حصلَ بسبَبِ يوسُفَ [55] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:407). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ جعلَ اللهُ تلك الرُّؤيا تنبيهًا ليُوسُفَ عليه السَّلامُ بعُلُوِّ شأنِه؛ ليتذَكَّرَها كلَّما حلَّت به ضائِقةٌ، فتَطمئِنَّ بها نَفسُه أنَّ عاقِبتَه طَيِّبةٌ، وهكذا إذا أراد اللهُ أمرًا مِن الأمورِ العِظامِ قدَّمَ بين يديه مُقَدِّمةً؛ تَوطئةً له، وتسهيلًا لأمرِه، واستعدادًا لِما يَرِدُ على العبدِ مِن المشاقِّ؛ لُطفًا بعبده، وإحسانًا إليه، وقد كانت هذه الرُّؤيا مُقَدِّمةً لِما وصَلَ إليه يوسُفُ عليه السَّلامُ مِن الارتفاعِ في الدُّنيا والآخرةِ، وإنَّما أخبَرَ يوسُفُ عليه السَّلامُ أباه بهاتِه الرُّؤيا؛ لأنَّه عَلِمَ بإلهامٍ أو بتعليمٍ سابقٍ مِن أبيه أنَّ للرُّؤيا تعبيرًا [56] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:393)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/208). .
2- قولُ الله تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا... أصلٌ في تعبيرِ الرُّؤيا [57] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:153). .
3- قولُ الله تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا دليلٌ على مَعرفةِ يعقوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتأويلِ الرُّؤيا؛ فإنَّه عَلِمَ مِن تأويلِها أنَّه سيظهَرُ عليهم [58] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (11/14). ، وأنَّها تقتضي تقدُّمَه فيهم؛ لذا نهَى ابنَه عن ذكرِها، وخاف مِن إخوتِه أن يكيدوا له مِن أجلِها [59] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/38). .
4- قَولُ الله تعالى: كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ فيه دَلالةٌ على أنَّ الجَدَّ أبٌ [60] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:153). ؛ لأنَّ إسحاقَ جدُّ يوسفَ، وإبراهيمَ جدُّ أبيه [61] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/609). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
- النِّداءُ يَا أَبَتِ في الآيةِ- مع كَوْنِ المنادَى حاضِرًا- مقصودٌ به الاهتمامُ بالخبَرِ الَّذي سيُلقَى إلى المخاطَبِ، فيُنزَّلُ المخاطَبُ منزِلةَ الغائبِ المطلوبِ حُضورُه، وفيه كِنايةٌ عن الاهتمامِ [62] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/207). .
- قولُه: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فيه تأخيرُ الشَّمسِ والقمَرِ؛ لِيَعطِفَهما على الكواكِبِ على طَريقِ الاختصاصِ؛ إثباتًا لِفَضلِهما، واستبدادِهما بالمَزيَّةِ على غَيرِهما مِن الطَّوالِعِ [63] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/443)، ((تفسير أبي حيان)) (6/237). . وقيل: إنَّ التأخيرَ إنَّما هو مِن بابِ الترقِّي مِن الأدْنَى إلى الأعلَى، وَقُدِّمَتْ الشمسُ على القمرِ؛ لِسُطوعِ نُورِها، وكِبَرِ جِرمِها، واستمدادِه منها، وعُلُوِّ مكانِها [64] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/238). وقال أبو حيان: (ولم يقعِ التَّرقِّي في الشَّمسِ والقمرِ جَرْيًا على ما استقرَّ في القرآنِ مِنْ أنَّه إِذا اجْتَمعا قُدِّمَتْ عليه). ((المصدر السابق)). .
- وقولُه: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ فيه تَكرارُ رَأَيْتُهُمْ على سَبيلِ التَّوكيدِ للفِعلِ الأوَّل رَأَيْتُ؛ لطُولِ الكَلامِ والفَصلِ بَينَ الفِعلِ رَأَيْتُ الأوَّل وبين سَاجِدِينَ؛ فطولُ الفَصلِ بالمفاعيلِ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ استَدَعَى ذلك؛ فجِيءَ بـ رَأَيْتُهُمْ تَطريةً وتَنويعًا للحَديثِ [65] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/238)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (4/451). . وقيل: إنَّه ليس بتَكْرارٍ لـ رَأَيْتُ...، وإنَّما هو كَلامٌ مُستأنَفٌ ببَيانِ حالِهم الَّتي رآهم عليها، على تَقديرِ سُؤالٍ وقَع جوابًا له؛ كأنَّ يعقوبَ عليه السَّلامُ- أو كأنَّ سائلًا سأَلَ- قال له عندَ قولِه: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: كيف رأيتَها؟ سائلًا عن حالٍ رُؤيتِها، فقال: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [66] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/443، 444)، ((تفسير أبي حيان)) (6/238)، ((تفسير أبي السعود)) (4/252). ؛ فجُملةُ رَأَيْتُهُمْ مؤكِّدةٌ لجُملَةِ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا؛ جيءَ بها على الاستِعْمالِ في حِكايةِ الْمَرائي الحُلميَّةِ أن يُعادَ فِعلُ الرُّؤيةِ؛ تأكيدًا لَفظيًّا، أو استِئنافًا بيانيًّا، كأنَّ سامِعَ الرُّؤيا يَستزيدُ الرَّائيَ أخبارًا عمَّا رأى [67] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/207). .
- قولُه: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ فيه إجراءُ الكواكِبِ والشَّمسِ والقَمرِ مجرَى العُقَلاءِ، حَيثُ عبَّر عنها بقولِه: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ بضَميرِ جمْعِ المذكَّرِ (هُم) وصِيغتِه سَاجِدِينَ؛ لأنَّه لَمَّا وصَفها بما هو خاصٌّ بالعُقَلاءِ- وهو السُّجودُ- أَجرَى عليها حُكمَهم، وهذا شائِعٌ في كلامِ العَرَب، وهو أنْ يُعطى الشَّيءُ حُكمَ الشَّيءِ؛ للاشتِراكِ في وَصفٍ ما، أو يُلابِسُه ويُقارِبُه من بعضِ الوُجوهِ، فيُعطَى حُكمًا مِن أحكامِه؛ إظهارًا لأثرِ الملابسةِ والمقاربةِ، وإنْ كان ذلك الوَصفُ أصلُه أنْ يَخُصَّ أحدَهما [68] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/444)، ((تفسير أبي حيان)) (6/239)، ((تفسير أبي السعود)) (4/252). ، فلمَّا وصَفها صفةَ مَن يَعقِلُ، جمَعها جَمعَ مَن يَعْقِلُ [69] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (3/446)، ((تفسير الرازي)) (18/418). .
- وتَقديمُ الجارِّ والمجرورِ لِي على عامِلِه سَاجِدِينَ؛ لإظْهارِ العِنايةِ والاهتِمامِ بما هو الأهَمُّ، وهو ذِكرُ يُوسُفَ عليه السَّلامُ، مع ما في ضِمْنِه مِن رِعايةِ الفاصلةِ [70] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/252)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/208). .
2- قولُه تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ جاءتْ هذه الجُملةُ مَفصولةً عن الَّتي قَبْلَها- أي: لم تُعْطَفْ عليها- على طَريقةِ المُحاوَراتِ [71] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/212). .
- قولُه: قالَ يَا بُنَيَّ... استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالِ مَن قال: فماذا قال يعقوبُ بعد سماعِ هذه الرُّؤيا العجيبةِ؟ فقيل: قال:... [72] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/252). ، والنِّداءُ فيه مع حُضورِ المخاطَبِ مُستعمَلٌ في طَلبِ إحضارِ الذِّهنِ؛ اهتِمامًا بالغرَضِ المخاطَبِ فيه [73] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/212). .
- وبُنَيَّ تَصغيرُ (ابنٍ)؛ كنايةً عن تَحبيبٍ وشفقةٍ، وفيه أيضًا كنايةٌ عن إمحاضِ النُّصحِ له [74] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/213). .
- قولُه: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فيه تنكيرُ كَيْدًا؛ للتَّعظيمِ والتَّهويلِ، زيادةً في تحذيرِه مِن قَصِّ الرُّؤيا عليهم [75] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/213). ، وأُكِّد بالمصدَرِ للمبالَغةِ [76] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/239). ؛ فهذا الأسلوبُ آكَدُ مِن أن يُقالَ: (فيَكيدوك كيدًا)؛ إذ ليس فيه دَلالةٌ على كَوْنِ نَفْسِ الفِعلِ مقصودَ الإيقاعِ، وقيل: إنَّما جيءَ باللَّامِ لِتَضمينِه معنى الاحتيالِ المتعدِّي باللَّام؛ لِيُفيدَ معنى المضمَّنِ والمضمَّنِ فيه للتَّأكيدِ، أي: فيَحْتالوا لك ولإهلاكِك حيلةً وكيدًا [77] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/253). .
- قولُه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ واقعٌ موقِعَ التَّعليلِ للنَّهيِ عن قَصِّ الرُّؤيا على إخوتِه، وعداوَةُ الشَّيطانِ لجنسِ الإنسانِ تحمِلُه على أَنْ يَدْفَعَهم إلى إضرارِ بعضِهم ببعضٍ [78] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/214). .
3- قولُه تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عطَف هذا الكَلامَ على تَحذيرِه مِن قَصِّ الرُّؤيا على إخوتِه؛ إعلامًا له بعُلوِّ قَدرِه، ومستقبَلِ كَمالِه؛ كي يَزيدَ تَملِّيًا مِن سُموِّ الأخلاقِ؛ فيتَّسِعَ صدرُه لاحتمالِ أذَى إخوتِه، وصفحًا عن غيرتِهم منه، وحسَدِهم إيَّاه؛ لِيَتمحَّضَ تحذيرُه للصَّلاحِ، وتَنتفِيَ عنه مفسَدةُ إثارةِ البغضاءِ ونحوِها، حِكْمةً نبويَّةً عظيمةً، وطِبًّا رُوحانيًّا ناجعًا [79] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/215). .
- قولُه: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ فيه تشبيهٌ، وهو تشبيهُ تعليلٍ؛ لأنَّه تشبيهُ أحَدِ المعلولَينِ بالآخَرِ؛ لاتِّحادِ العِلَّةِ [80] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/215). .
- قولُه: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تذييلٌ بتَمجيدِ هذه النِّعَمِ، وأنَّها كائنةٌ على وَفْقِ عِلمِه وحِكْمتِه، وتصديرُ الجملةِ بـ إِنَّ للاهتمامِ لا للتَّأكيدِ؛ إذْ لا يَشُكُّ يوسفُ عليه السَّلامُ في عِلمِ اللهِ وحِكْمتِه، والاهتمامُ ذَريعةٌ إلى إفادةِ التَّعليلِ، والتَّفريعُ في ذلك تَعريضٌ بالثَّناءِ على يوسُفَ عليه السَّلامُ، وتَأهُّلِه لمثلِ تلك الفضائلِ [81] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/217). .