موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (7-10)

ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ

غريب الكلمات:


عُصْبَةٌ: أي: جَماعةٌ ذَوو عدَدٍ، وعَددُها من العَشرةِ إلى الأربعينَ، وأصلُ (عصب): يدُلُّ على رَبطِ شَيءٍ بشَيءٍ، وسُمِّيَت بذلك كأنَّها رُبِطَ بعضُها ببعضٍ [82] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/18)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 212)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 342)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/336). ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 194). .
غَيَابَتِ الجُبِّ: أي: قَعرِ البِئرِ، والغيابةُ: كلُّ ما غاب، أو غيَّب عنك شيئًا، وأصلُ (غيب): يدلُّ على تستُّرِ الشَّيءِ عن العُيونِ، والجبُّ: البئرُ التي ليسَتْ بمطويةٍ [83] البئرُ المطويةُ هي التي تُبنَى كلُّها بالحجارةِ. يُنظر: ((المنتخب من غريب كلام العرب)) للهنائي (ص: 440)،  ((المخصص)) لابن سيده (3/29)، ((تاج العروس)) للزبيدي (17/253). ، وأصلُ (جبب): يدلُّ على قَطعٍ، كأنَّها قُطِعت، ولم يحدثْ فيها شيءٌ بعدَ القطعِ [84] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/21)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/94)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/400)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/423) (4/403)، ((المفردات)) للراغب (ص: 182)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 97). .
السَّيَّارَةِ: أي: مارَّةِ الطَّريقِ مِن المُسافرينَ، وأصلُ (سير): يدلُّ على مُضيٍّ وجَرَيانٍ [85] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/23)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس(3/120)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 97). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا
أَرْضًا: مَنصوبةٌ على نزعِ الخافِضِ؛ أي: في أرضٍ، أو ظَرفٌ لـ اطْرَحُوهُ [86] لأنَّ أَرْضًا اسمُ مكانٍ، فلمَّا كان غيرَ محدودٍ، وزاد إبهامًا بالتَّنكيرِ، عُومِلَ معاملةَ الظُّروفِ المُبهَمةِ، وهذا قولُ الزمخشريِّ وتبعه أبو البقاء العكبري؛ ونصُّه في الكشَّاف: (أَرْضًا أرضًا منكورةً مَجهولةً بعيدةً مِن العُمران، وهو معنى تنكيرِها وإخلائِها من الوَصفِ؛ ولإبهامِها من هذا الوجهِ نُصِبَت نصبَ الظُّروفِ المُبهَمةِ). ((تفسير الزمخشري)) (2/447)، ويُنظر: ((التبيان)) للعكبري (2/ 723)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/444). ، أو مفعولٌ به ثانٍ بتَضمينِ اطْرَحُوهُ معنى: (أنزِلوه) [87] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/380)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/723)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/443، 444). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: لقد كان في قِصَّةِ يوسُفَ وإخوتِه عِبَرٌ، وأدلَّةٌ تدُلُّ على قُدرةِ اللهِ وحِكمتِه، لِمن يسألُ عن أخبارِهم، ويرغَبُ في مَعرفتِها، إذ قال إخوةُ يوسُفَ مِن أبيه فيما بينهم: إنَّ يُوسُفَ وأخاه الشَّقيقَ أحَبُّ إلى أبينا مِنَّا؛ يُفَضِّلُهما علينا ونحن جماعةٌ ذَوو عَددٍ، إنَّ أبانا لفي خطأٍ بيِّنٍ، اقتُلوا يوسُفَ، أو ألقُوه في أرضٍ مجهولةٍ، بعيدةٍ عن العُمرانِ، يَخلُصْ لكم حُبُّ أبيكم، وإقبالُه عليكم، ولا يلتفِتْ عنكم إلى غيرِكم، وتكونوا مِنْ بعد قَتْلِ يُوسُفَ أو إبعادِه تائبينَ إلى اللهِ، مُستَغفرينَ له مِن بعدِ ذَنبِكم.
قال قائلٌ مِن إخوةِ يوسُفَ: لا تقتُلوا يوسُفَ، وألقوه في جَوفِ البِئرِ يلتَقِطْه بعضُ المارَّةِ مِن المُسافرينَ فتَستريحوا منه، ولا حاجةَ إلى قَتلِه، إنْ كنتُم عازمينَ على فِعلِ ما تقولونَ.

تفسير الآيات:


لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7).
أي: لقد كان في قِصَّةِ يوسُفَ وإخوتِه الأحدَ عشَرَ عِبَرٌ ومواعِظُ ودَلالاتٌ للسَّائلينَ عن خَبَرِهم وقِصَّتِهم [88] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/17)، ((تفسير القرطبي)) (9/129)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 394)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (4/457). قال ابن جرير: (لِلسَّائِلِينَ: يعني: السَّائلينَ عن أخبارِهم وقِصَصِهم. وإنَّما أراد جلَّ ثناؤه بذلك نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك أنَّه يقال: إنَّ الله تبارك وتعالى إنَّما أنزل هذه السُّورةَ على نبيِّه يُعَلِّمُه فيها ما لَقِيَ يوسُفُ مِن أَدانيه وإخوَتِه مِن الحسَدِ، مع تَكرُمةِ اللهِ إيَّاه؛ تسليةً له بذلك ممَّا يلقى من أدانيه وأقاربِه مِن مُشركي قريشٍ). ((تفسير ابن جرير)) (13/17). .
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8).
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ.
أي: اذكُرْ- يا مُحمَّدُ- حين قال إخوةُ يوسُفَ فيما بينهم: واللهِ لَيوسُفُ وشَقيقُه [89] قال ابنُ كثيرٍ: (يعنونَ بنيامينَ، وكان شقيقَه لأُمِّه). ((تفسير ابن كثير)) (4/372). وقال ابنُ عاشورٍ: (وكان بقيَّةُ إخوتِه إخوةً للأبِ). (( تفسير ابن عاشور)) (12/220). أحبُّ إلى أبينا يعقوبَ مِنَّا، والحالُ أنَّنا جماعةٌ ذوو عَددٍ، فكيف أحبَّ هذينِ الاثنينِ أكثرَ مِن الجماعةِ [90] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/18)، ((تفسير القرطبي)) (9/130)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 394). ؟!
إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
أي: إنَّ أبانا لَفي خطأٍ واضحٍ، وذَهابٍ عن العِلمِ بالحقيقةِ والصَّوابِ في إيثارِه يوسُفَ وشقيقِه علينا بالمحبَّةِ، ونحن العَشرةُ أنفَعُ له منهما [91] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/18)، ((تفسير القرطبي)) (9/131)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 394)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/203). !
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9).
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ.
أي: قال إخوةُ يوسُفَ بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوا يوسُفَ أو ألقُوه في أرضٍ بعيدةٍ مِن العُمرانِ، يتفَرَّغْ لكم أبوكم مِن شُغْلِه بيوسُفَ، ويُقبِلْ عليكم بكُلِّيَّتِه [92] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/19)، ((تفسير القرطبي)) (9/131)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 394). .
وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ.
أي: وتكونوا مِن بعدِ ما تفعلونَه بيوسُفَ قومًا صالحينَ، تتوبونَ إلى اللهِ مِن ذلك الصَّنيعِ [93] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/19)، ((تفسير القرطبي)) (9/131)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 394). .
قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10).
قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ.
أي: قال قائلٌ مِن إخوةِ يوسُفَ: لا تقتُلوا يوسُفَ؛ فإنَّ قَتلَه أعظَمُ إثمًا [94] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/20)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 394). .
وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ.
أي: واطرَحوه وغيِّبوه في قَعرِ البِئرِ، يأخُذْه بعضُ المارَّةِ في الطَّريقِ مِن المُسافرينَ، إن كُنتُم فاعلينَ ما أردتُم مِن التَّفريقِ بينه وبين أبيه [95] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/21، 23)، ((الوسيط)) للواحدي (2/602)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 540)، ((تفسير ابن كثير)) (4/372). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ الله تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ فيه أنَّ العَدلَ مَطلوبٌ في كُلِّ الأمورِ؛ في مُعاملةِ السُّلطانِ رَعيَّتَه وفيما دونَه، حتى في مُعاملةِ الوالِدِ لأولادِه- في المحبَّةِ والإيثارِ وغَيرِه- وأنَّ في الإخلالِ بذلك يختَلُّ عليه الأمرُ، وتَفسُدُ الأحوالُ؛ ولهذا لَمَّا قدَّمَ يعقوبُ يوسُفَ- عليهما السَّلامُ- في المحبَّةِ، وآثَرَه على إخوتِه؛ جرى منهم ما جرى على أنفُسِهم، وعلى أبيهم وأخيهم [96] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:407). .
2- قَولُ الله تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ فيه وُجوبُ عِنايةِ الوالِدَينِ بمُداراةِ الأولادِ، وتَربيتِهم على المحبَّةِ والعدلِ، واتِّقاءِ وُقوعِ التَّحاسُدِ والتَّباغُضِ بينهم، ومنه اجتنابُ تَفضيلِ بعضِهم على بعضٍ بما يَعُدُّه المفضولُ إهانةً له، ومُحاباةً لأخيه بالهَوى، ومنه سُلوكُ سَبيلِ الحِكمةِ في تفضيلِ مَن فضَّلَ اللهُ تعالى بالمواهِبِ الفِطريَّةِ، كمكارمِ الأخلاقِ والتَّقوى، والعِلمِ والذَّكاء [97] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/216). .
3- قال الله تعالى: إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ لَمَّا حَسَدوا يوسُفَ على تقديمِ أبيهم له، لم يرضَ- سُبحانه- حتى أقامَهم بين يدَي يوسُفَ عليه السَّلامُ، وخرُّوا له سُجَّدًا؛ ليعلَموا أنَّ الحَسُود لا يَسُود، ويُقال: أطوَلُ النَّاسِ حُزنًا مَن لاقى النَّاس عن مرارةٍ، وأراد تأخيرَ مَن قدَّمه اللهُ أو تقديمَ مَن أخَّره الله؛ فإخوةُ يوسفَ- عليه السلام- أرادوا أن يجعَلوه فى أسفَلِ الجُبِّ، فرَفَعَه اللهُ فوقَ السَّريرِ [98] يُنظر: ((لطائف الإشارات)) للقشيري (2/170). .
4- قال الله تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ هذه آيةٌ مِن عِبَرِ الأخلاقِ السَّيِّئة، وهي التخَلُّصُ مِن مُزاحمةِ الفاضِلِ بفَضلِه لِمَن هو دونَه فيه أو مساويه، بإعدامِ صاحِبِ الفَضلِ، وهي أكبرُ جريمةٍ؛ لاشتِمالها على الحسَدِ، والإضرارِ بالغيرِ، وانتهاكِ ما أمرَ الله بحِفظِه، وهم قد كانوا أهلَ دينٍ ومِن بيتِ نُبُوَّة، وقد أصلح اللهُ حالَهم من بعدُ [99] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/223). .
5- لا يحِلُّ أن يُواقِعَ العبدُ الذَّنبَ بأيِّ حالةٍ تكونُ، ولو أضمَرَ أنَّه سيتوبُ منه؛ فالذَّنبُ يجِبُ اجتنابُه، فإذا وقَع وجَبَت التوبةُ منه، وقد قال تعالى عن إخوةِ يوسفَ: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ تائِبينَ إلى الله مِن هذه الجريمةِ، مُصْلِحينَ لأعمالِكم بما يُكَفِّرُ إِثْمَها، وعدمِ التَّصَدِّي لمِثْلِها، فيَرْضَى عنكم أبُوكم، ويَرضَى رَبُّكم، فهم قدَّموا العزمَ على التوبةِ قبلَ صدورِ الذنبِ منهم؛ تسهيلًا لفعلِه، وإزالةً لشناعتِه، وتنشيطًا مِن بعضِهم لبعضٍ، وهكذا يُزَيِّنُ الشَّيطانُ للمؤمنِ المتديِّنِ معصيةَ الله تعالَى، ولا يَزالُ يَنْزَغُ له ويُسَوِّلُ، ويَعِدُ ويُمَنِّي ويُؤَوِّلُ، حتَّى يُرَجِّحَ داعِيَ الإيمانِ، أو يُجيبَ داعِيَ الشَّيطانِ [100] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/216)، ((تفسير السعدي)) (ص:394)، ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 21). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ قولُه: لِلسَّائِلِينَ يَقْتضي تَحْضيضًا للنَّاسِ على تعَلُّمِ هذه الأنباءِ؛ لأنَّ المرادَ آياتٌ للنَّاسِ، فوصَفَهم بالسُّؤالِ؛ إذ كُلُّ واحدٍ ينبغي أن يسألَ عن مِثلِ هذه القصَصِ، إذ هي مقَرُّ العِبَرِ والاتِّعاظِ [101] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/221)، ((تفسير أبي حيان)) (6/241). ؛ فإنَّ السَّائلين- سواء مَن سأَلَ عنها بلِسانِ الحالِ أو بلِسانِ المَقالِ- همُ الَّذين ينتَفِعونَ بالآياتِ والعِبَرِ، وأمَّا المُعْرِضونَ فلا ينتَفِعون بالآياتِ، ولا بما في القِصَصِ والبيِّناتِ [102] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 394). .
2- قولُ الله تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا فيه سؤالٌ: أنَّ مِن المَعلومِ أنَّ تفضيلَ بعضِ الأولادِ على بعضٍ يُورِثُ الحِقدَ والحسَدَ، فلمَ أقدَمَ يعقوبُ عليه السَّلامُ على ذلك؟
الجوابُ: أنَّه إنَّما فضَّلَهما في المحبَّةِ، والمحبَّةُ ليست في وُسعِ البشَرِ، فكان معذورًا فيها، ولا يلحَقُه في ذلك لَومٌ [103] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/92). .
3- ظاهرُ سياقِ قَولِه تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يدُلُّ على عدمِ نُبوَّةِ إخوةِ يوسفَ، ولم يقُمْ دَليلٌ على نبُوَّتهم، ومِن النَّاسِ مَن يزعُمُ أنَّهم أُوحيَ إليهم بعدَ ذلك، وفي هذا نظرٌ، ويحتاجُ مُدَّعي ذلك إلى دليلٍ، ولم يذكُروا سوى قَولِه تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ البقرة: 136، وهذا فيه احتِمالٌ؛ لأنَّ بُطونَ بني إسرائيلَ يُقالُ لهم: الأسباطُ، كما يُقالُ للعَرَبِ: قبائِلُ، وللعَجَم: شعوبٌ، يذكُرُ تعالى أنَّه أوحى إلى الأنبياءِ مِن أسباطِ بني إسرائيلَ، فذكَرَهم إجمالًا؛ لأنَّهم كثيرونَ، ولكِنْ كُلُّ سِبطٍ مِن نَسلِ رَجلٍ مِن إخوةِ يوسُفَ، ولم يقُمْ دليلٌ على أعيانِ هؤلاء أنَّهم أُوحيَ إليهم، والله أعلم [104] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/372). .
4- قَولُ الله تعالى: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ هذه الآيةُ أصلٌ في أحكامِ اللَّقيطِ [105] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:153). .
5- قوله: إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لم يَبُتَّ القولَ عليهم، بل إنَّما عرَض عليهم ذلك تأليفًا لقَلبِهم، وتوجيهًا لهم إلى رأيِه، وحَذرًا من نِسبَتِهم له إلى التَّحكُّمِ والافتياتِ [106] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/256). ، وقيل: فيه تعريضٌ بزيادةِ التَّريُّثِ فيما أضمَروه؛ لعَلَّهم يرَوْن الرُّجوعَ عنه أولى مِن تَنفيذِه [107] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/226). .
6- قال الله تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ في هذا دليلٌ على أنَّ توبةَ القاتلِ مقبولةٌ؛ لأنَّ الله تعالى لم ينكرْ هذا القولَ منهم [108] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/131). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ
- قولُه: آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ فيه جمعُ الآياتِ، وهو هنا مُراعًى فيه تَعدُّدُها، وتعدُّدُ أنواعِها؛ ففي قصَّةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ دَلائلُ على ما للصَّبرِ وحُسنِ الطَّوِيَّةِ مِن عواقبِ الخيرِ والنَّصرِ، أو على ما للحسَدِ والإضرارِ بالنَّاسِ مِن الخيبةِ والاندِحارِ والهُبوطِ [109] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/218). .
2- قولُه تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
- قَولُه: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أفادَت لامُ الابتداءِ في لَيُوسُفُ التَّأكيدَ والتَّحقيقَ لمضمونِ الجملةِ؛ أي: أرادوا أنَّ زِيادةَ مَحبَّتِه وكثرةَ حبِّه لهما ثابتٌ، لا شُبهةَ فيه [110] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/446)، ((تفسير أبي حيان)) (6/241)، ((تفسير أبي السعود)) (4/255)، ((تفسير الشربيني)) (2/91). وهذا الوجهُ هو على القولِ بأنَّ هذه اللَّامَ لامُ الابتداءِ، وأمَّا على القولِ بأنَّ اللَّامَ لامُ قسَمٍ، والتَّقديرُ: واللهِ لَيُوسُفُ؛ فليس فيه هذا الوجهُ. .
- وخَصُّوا يوسفَ عليه السَّلامُ بالأُخوَّةِ، فقالوا: وَأَخُوهُ؛ لأنَّه كان شَقيقَه، وكان بقيَّةُ إخوتِه إخوةً للأبِ [111] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/220). ، ولم يَذكُروه باسمِه؛ إشعارًا بأنَّ محبةَ يعقوبَ عليه السلامُ له لأجلِ شقيقِه يوسفَ عليه السلامُ، ولذا لم يتعرَّضوه بشيءٍ مما أُوقِع بيوسفَ عليه السلامُ [112] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (6/381). .
- وجملةُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ في موضعِ الحالِ، والمقصودُ مِن هذه الحالِ: التَّعجُّبُ مِن تَفْضيلِهما في الحبِّ في حالِ أنَّ رجاءَ انتِفاعِه مِن إخوَتِهما أشَدُّ مِن رَجائِه مِنهما [113] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/221). .
- وجملةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ تعليلٌ للتَّعجُّبِ المستفادِ مِن جملةِ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، وتفريعٌ عليها [114] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/221). .
3- قولُه تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ
- جملةُ: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا مُستأنَفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ الكلامَ المتقدِّمَ يُثيرُ سُؤالًا في نُفوسِ السَّامِعين عن غرَضِ القائِلين ممَّا قالوه، فهذا المقصودُ للقائِلين، وإنَّما جعَلوا له الكلامَ السَّابِقَ كالمقدِّمةِ؛ لِتَتأثَّرَ نفوسُ السَّامعينَ، فإذا أُلْقِي إليها المطلوبُ كانت سريعةَ الامتثالِ إليه [115] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/222). .
- وتنكيرُ أَرْضًا وإخلاؤُها مِن الوصفِ يُفيدُ الإبهامَ؛ أي: أرضًا مَنكورةً مجهولةً بعيدةً مِن العُمرانِ [116] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/447)، ((تفسير أبي السعود)) (4/256). .
- قولُه: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا... فيه إيثارُ الخطابِ في لَكُمْ وما بَعدَه؛ للمُبالَغةِ في حَمْلِهم على القَبولِ؛ فإنَّ اعتِناءَ المرءِ بشأنِ نفْسِه، واهتمامَه بتحصيلِ مَنافِعِه أتَمُّ وأكمَلُ [117] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/256). .
- وقولُه: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ فيه ذِكرُ الوجهِ لِتَصويرِ معنى إقبالِه عليهم؛ لأنَّ مَن أقبَل عليك صرَف وجْهَه إليك، وفيه كِنايةٌ عن خُلوصِ مَحبَّتِه لهم دونَ مُشارِكٍ [118] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/256)، ((تفسير أبي حيان)) (6/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/223-224). .
- قولُه: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ فيه التَّعبيرُ بـ قَوْمًا دونَ الاكتفاءِ بـ صَالِحِينَ؛ للإشارةِ إلى أنَّ صَلاحَ الحالِ صِفةٌ متمكِّنةٌ فيهم؛ كأنَّه مِن مُقوِّماتِ قَوميَّتِهم [119] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/224). .
4- قولُه تعالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ
- قولُه: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فيه إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ- حيث لم يَقُلْ: (لا تَقْتُلوه)-؛ استِجْلابًا لِشفَقتِهم عليه، أو استِعْظامًا لقَتلِه [120] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/256). .
- قولُهم: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ في قولِه: بَعْضُ مِن الإبهامِ؛ لتحقيقِ ما يتَوخَّاه مِن ترويجِ كَلامِه بموافَقتِه لغرَضِهم الَّذي هو تَنائي يوسُفَ عنهم، بحيث لا يُدرَى أثرُه، ولا يُروَى خبَرُه [121] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/256). .